Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali al-Khlalifi
الكاتب الليبي علي الخليفي

الخميس 26 فبراير 2009

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

حدث في جرذستان (2)

يوم من أيام جرذستان

عـلي الخليفي

الحياة في جرذستان توقفت عن المسير , تمضي الايام رتيبة كئيبة تنسخ بعضها البعض يبدأ النهار ويبدأ معه القرف .

تفيق من نومك تطل من نافدة غرفتك على الشوارع الموحلة والمتربة وعلى الكائنات التي تعدو مسرعة في تلك الشوارع كأن شبحاً ما يطاردها , رؤسهم منحنية ظهورهم منحنية ارواحهم اكثر انحناءً .

تُعد نفسك للذهاب الي عملك تقف امام المرآة تتحسس رأسك لتتأكد من تباته بين كتفيك ..ان تحتفظ برأسك بين كتفيك في ضيعة الجرذان هذه امراً ليس بالهين .

تعيد الوصايا على نفسك ..دع اليوم يمر بسلام لا توقعنا في المحظور راقب نفسك راقب انفاسك راقب كل كلمة تقولها بل لا تقل شيئاً, راقب كل كلمة تدخل الي اذنيك بل لا تسمح لشئ ان يدخل اليهما كل شئ في ضيعة الجرذان هذه يدين بالولاء للجرذ الاكبر كل شئ قد يشي بك ..ارض جرذستان اذا ما دستها بغضب قد تشي بك شوارع جرذستان الموحلة قد تشي بك اعمدة النور العمياء المنحنية الي الارض تسترق السمع قد تشي بك ..لا توقعنا في المحظور .

تصل الي مكان عملك وانت تلعن لقمة العيش التي تجبرك على الاحتفاظ بهذه الوظيفة تلقي التحايا على تلك الوجوه البائسه وجوه اسمنتيه كالحة ورؤس ذليله لا تجيد غير الوشاية ونقل الاخباريات وتأليف الحكايا وجوه كأنها وجه الشقاء ذاته .

تجلس في مكتبك بصمت تراقب ..الكل يعدو بكل ما لديه من قوة لارضاء الجرذ الصغير الذي يدير المكان وذاك الجرذ الصغير يعدو لارضاء جرذ اكبر والجرذان الكبيرة تتسابق لارضاء الجرذ الاكبر ,الكل في سباق محموم للغوص نحو القاع نحو قاع القاع حيث نصب الجرذ الاكبر خيمته .

وانت امامك احد امرين اما ان تشترك في سباق الغوص نحو القاع او انك ستظل عبدا لجرذ صغير ,انت لا تريد ان تغوص مع الغائصين ولا تريد ان تظل عبدا لجرذ صغير فما الذي تفعله هنا ,هذه الضيعة لم تعد صالحة لسكنى البشر هذه الضيعة صيغت لتكون فردوساً للجرذان فلماذا تلوم الجرذان اذا ما تصرفت على طبيعتها .

ينتهي يوم عملك الطويل وقد امتلئت بالقرف تعود الي بيتك تغلق الباب خلفك باحكام تتجه نحو المرآة تتحسس رأسك تبسم لنفسك لقد نجحت في الاحتفاظ به ليوم آخر .

تدير جهاز التلفاز والذي لا يلتقط غير اذاعة الجرذان يخرج عليك المذيع الجرذ يرمقك بغضب كأنه يلومك لانك تأخرت يتلو عليك خطاب الجرذ الاكبر يحاول ان يصيغه بلغة مفهومة للبشر تهز رأسك بعنف لتتبت له انك توافقه على كل كلمة يقولها تنتظر حتى ينتهي تقوم من مكانك ينظر اليك المذيع الجرذ بغضب تعود للجلوس مكانك يخبرك بأنه سيعيد عليك خطاب الجرذ كاملا بصوت الجرذ ,تنصت بانتباه للجرذ الاكبر.. لا تسمح لعقلك ان يحلل.. لا تسمح له ان يناقش.. خد كلمات الجرذ كمسلمات دعها تعبر الي قاع العقل, الجرذ يعرف انت لا تعرف, الجرذ يفهم انت لا تفهم ,الجرذ مُلهم وانت لا يلهمك احد .

ينتهي الجرذ الكبير من خطابه يخرج عليك فنانه المجذرم والمخضرم يغني لسيده الجرذ الكبير تهز رأسك مع اللحن يعود المذيع الجرذ من جديد لنشرة موجزه لكنه لا يوجز ويعيد عليك خطاب الجرذ من جديد تنتظر حتى ينتهي تقف لتحية نشيد دولة الجرذان ينتهي الارسال تغلق التلفاز بحذر وتجري نحو الحمام.. وتتقيأ تتقيأ كل ما في جوفك لكن رغبتك في التقيؤ لا تنتهي تشعر ان عقلك امتلأ تفاهةً وسخفا تشعر بأنك تريد ان تتقيأ عقلك ذاته .

تذهب الي فراشك تدفن رأسك تحت مخدتك وتبكي.. تبكي بحرقة على يوم اخر من ايامك ذهب هباءً في بطون الجرذان .

علي الخليفي


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home