Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali al-Khalifi
الكاتب الليبي علي الخليفي

الخميس 18 فبراير 2010

في عـيد الحُب

من أطلق النار على عبدالله


عـلي الخليفي

تخترق عيناك حُجب الموت .. لتبعث الحياة في هذه الصورة الجامده .. ويئن الوجع ويصرخ .. بئس نحن .. بئس نحن .. بئس حياة نستأجر أيامها بماء الُمحيّا وعِرّق الجبين ..تيبس عرق الجبين .. وأستنزفنا ماء المُحيا .. وظلت أيامنا المستأجرة لها طعم شفتي عاهرة لاكتها شفاه الأف العابرين .

يا عبدالله لما الصمت ..؟ لما الحياء وممن ..؟ تنزل من سموات ربك هذا النهار وأسمعنا حقيقتنا .. أريناها عارية كما ترونها أهل السماء .

.. تنزل يا عبدالله فالحياء يكون ممن تندى جباههم .. ممن ظل في وجوهم قطرة ماء .. وأنت ترى يا عبدالله أن وجوهنا قد تيبست وتشققت وتساقطت .. وترانا نلمّلمها ونكذب على ذواتنا ونصنع من بقاياها في كل يوم قناع جديد نتخفى وراءه ونظن أنه يُخفى تجاعيد جبننا وذلنا وقهر السنين .. تنزل علينا في هذا النهار وذكر كل أؤئك الكبار من قومك .. كلّهم .. الأعمام والأخوال وكبار الشارع وأساتذتك في المدرسة .. كل أؤلائك الذين أرهقوك وأرهقو طفولتك بالوصايا .. وأثقلو رأسك الصغير ببطولات أجدادهم وأبائهم .. تنزل عليهم اليوم وذكرهم بكل كلمة.. كل حرف ألهبو به حماس قلبك الصغير .. تنزل على كل أؤلائك الذين كنت تُطيعهم وتخجل منهم وتقف أمامهم حاني الرأس أجلالا .. تنزل وأرفع رأسك وأنظر في وجوههم وضع سبابتك الصغيرة بين أعينهم وقل لهم أنتم جبناء .. أُحفر بأناملك الصغيرة في أغوار ظمائرنا .. أنبش في سحيق أعماقنا علّ أناملك الصغير تعثر على الكنز.. علّها تجد في ذاك العمق السحيق بقايا رجولة دفنتها رمال الأستجداء والبكاء .

تنزل يابني علينا في هذه الليلة وأخبرنا القصة كاملة .. أخبرنا كيف شحد شيخ الجامع همتك .. وأثار حميتك على نبيك .. وجعلك تذهب بعيدا وعاد هو لبيته .. لزوجاته الأربع .. يحصي على أصابعهن ثواب الأمر بالمعروف وأعداد الحور اللواتي سُجلن في صحيفته .. وأنت ياعبد الله ذهبت ولم تعرف لا حور الدنيا ولن تنال من حور الاخرة لانك رحلت باكرا قبل أن تتعلم ما الذي يصنعه الكبار عندما خلّوتهم بالحور .

أسرد علينا يابني القصة كما حدتث ولا تنسى التفاصيل الصغيرة .. قل لنا كيف نظرت في عيني قاتلك .. كيف كانت نظرة قاتلك اليك .. كيف أمتشق جندي من بلادك السلاح .. كيف سحب أقسام رشاشه .. كيف وضع أصبعه على الزناد .. وما الذي كنت أنت تفعله في تلك اللحظات .. هل فررت .. أم تسمرت .. هل بكيت وأستنجدت بنا .. هل أبتسمت .. وظننتها مزحة ثقيلة .. هل ظللت تحدث نفسك .. وأنت تنظر لجندي من بلدك وتضحك وتقول .. لا .. أنه عمي لن يفعلها .. كيف يا بني أنطلقت نحوك الرصاصة قل لي كيف كنت تراها تخترق الهواء وتصفر .. هل أعطيتها بظهرك .. ام ظللت تنتظرها ..وتظنها لعبة مهداةً اليك في عيد الحب .

أقصص علينا يا صغيري كل التفاصيل .. أخبرنا عن قاتلك كل شيئ .. ملامحه .. لون عينه .. لون شعره .. كل التفاصيل يا عبدالله .. كل التفاصيل.. هل عرفته .. هل كان ليبياً ياعبدالله .. هل كان مثلنا .. يشبهنا .. يمشي في شوارعنا .. يزاحمنا في الأسواق .. نلقي عليه التحايا .. يحضر أفراحنا وأتراحنا .. هل كان ليبياً يا عبدالله .. لا تقلها بربك .. قل إن ملامحه كانت تدل على شخص غريب .. لم يشرب من بئرنا ولم يأكل من جنى حقلنا .. لا تقل إنه كان ليبيا فعندها سنلّعن رحم هذا الوطن وندعو عليه بالعقم .. لاتقل إنه كان ليبيا حتى لاتكون البراءة من هذا النسب واجبة .

أحكي لنا يا عبدالله ولا تحاذر .. لاتخشى على عواطفنا .. فماعادت عندنا عواطف .. لا تكترث لأحاسيسنا لأنها تبلدت من زمنٍ بعيد.. أكمل سرد قصتك الموجعة ولاتنسى التفاصيل الصغيرة .. كيف أصطدم جسدك الصغير بذلك الحارق الخارق .. ماذا أخترق .. وماذا الذي أحترق .. هل كانت في الرأس .. أم في البطن .. أم هشمت الأضلاع الصغيرة وأخترقتها نحو القلب .. هل كانت تلك الرصاصة بحجم القلب .. أكبر قليلا .. أصغر قليلا .

خبر يابني كيف قدفتك على الأرض .. كيف غرغرتك حنجرتك بالدم .. بأي صوت ناحت روحك على الجسد الصغير المسجى على جنب الطريق .. كيف لاحقت روحك الجسد المثقوب في مشفاهم .. بماذا كانت تصرخ وهي ترى الأحبة يوقعون على ورقة تقول إنك مُشاغب .. حتى يستلمو جثثك .. قل الحقيقة يا بني هل كنت مشاغباً ؟.. وتستحق الموت .. أم كنت عدوانياً مثل أعمامك في بوسليم .. قل يا يني فعلّك أنت من أتكأ على فوهة البندقيه .. علك أنت من أنتزع من بيت النار الرصاصة .. إن كنت عدوانيا مثل أعمامك في بوسليم فأنت يجب أن تشكر قاتلك لأنه أبقى جثثك .. لأنه منحك حفرة في وطنك تأوي اليها روحك عند المغيب .. فشكراً لقاتلك .. العدوانيون أعمامك في بوسليم لازالت أرواحهم حتى اليوم تسبح في فضاءات الله وعندما يهبط الليل تتخفى في الخرائب لأنها لاتملك حفرة تعود اليها .

تحدث يابني فليس هناك من يتحدث بصوتك .. فأنت لست محمد الدرة ولا خلود .. أنت لم تمت في غزة .. والرصاصة التي دبحتك ليس من صنع اليهود .. أنها من صنع قوم هود ومن ذا يكثرت لقتلى قوم هود .. لو كنت يابني فلسطينياً لعلقوا صورك على أبواب كل المساجد والحانات .. ولكتبوا القصائد فيك والمعلقات .. ولسرح "القاسم" شعره الازوردي وقدف خصره من على جزيرة الموز في كل الأتجاهات .. وشتم اليهود بكل اللغات .. لكنك ياعبدالله لست فلسطينياً .. أنت يا عبدالله لست سوى ليبيا .. دمك شبعت منه تماسح الأدغال .. وصار طلاء لاسوار السجون والمتابات .. ويُغسل به أسفلت الطريق في حوادث السيارات ..فأبتئس يا بنيَ فأنت لست سوى ليبيا .

إختم لنا الحكاية وحدثنا يا صغيري عن طعم التراب .. حدثنا عن صوت أقدام الأحبة وهي تغادر مبتعدة عن المقبرة .. حدثنا عن خوفك من الظلمة .. حدثنا وحدثنا فلقد صارت هذه الأحاديثُ تُشجينا ونتسامر بها لتقصير ليالينا .

أقتحم يا عبدالله ليالينا ومجالسنا التافهة الحزينة .. أُصرخ وأملء ليلنا أنيناً وبكاء ونواح .. إستعن علينا بكل الشهداء وحول ليل الجبناء الآمن الي أهوال وأشباح .. بدد أفراحنا الكاذبة الحزينه .. أتلو علينا بصوتك كل مشاريعك المُغتالة ..أُرسم على جدران ليلينا صورة أول صبية كنت ستعشقها .. أول لمسة من يدها .. أول قبلة من تغرها .. أول عقد ياسمين ستطوق به في عيد الحُب جيدها .. خبرنا عن كل أحلام الأيام التي مُنعت أن تعيشها .. أُرسم على ليلنا الذابل كل أحلامك المتوهجات .

تحدث يا عبدالله فأنت من يجب أن يتحدث .. ونحن من يجب أن يصمت .. أنسى كل ما علمناك من أحترام من يكبرك .. فليس في عرصاتها ياصغيري اليوم من يكبرك .. أنت اليوم كبيرنا وشيخنا .. أنت اليوم شيخُ شُهدائنا

علي الخليفي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home