Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali al-Khalifi
الكاتب الليبي علي الخليفي

الخميس 10 مارس 2011

سيدي الرئيس

عـلي الخليفي

السيد الرئيس باراك أوباما

سيادة الرئيس :

ربما كُنت من ضمن الملايين الذين أحتفلوا بيوم نجاحكم في الإنتخابات ,وتوليكم لمنصب رئيس للولايات المتحدة الإمريكيه, وربما أنا أيضاً الآن من ضمن الملايين الّذين يشعُرون بالإحباط الشديد من أداءكم لمهام الرئاسة, وخيبة الأمال التي علقنها عليكم, ومشاعر الإحباط هذه بلغت دُروتها بموقفكم مما يجري في منطقة الشرق الأوسط والشمال الإفريقي, وفي بلدي ليبيا على وجه التحديد, حيث يُذبح شعبي على يد عِصابة مُجرمة ويقع رهينة لسفاح مُختل عقلياً ,وأنتم لاتملكون إلا التفرج والمُشاهدة.

السيد الرئيس :

لقد كان شِعار حملتكم الإنتخابيه للرئاسة "نعم نستطيع" , ولقد فهمنا شعاركم ذاك بأنه تحفيز لنا جميعاً للقفز فوق ما نراه مستحيلاً, وبأننا قادرون على تحقيق كل ما نصبو اليه , ولكن ونحن نراكم تتجاوزن الربع الأول من السنة الثالثة من فترتكم الرئاسيه, لا نجدكم تسطيعون على شيء, ولقد صار شعاركم ذاك يحمل معنى واحد, ربما هو ما كنتم تقصدونه, وهو أنكم تستطيعون أن تصبحوا رئيساً لإمريكا, وهو الإنجاز الوحيد الذي حققتموه حتى الآن على ما أظن, ويظن الكثيرون.

ربما كان لكم العذر في عجزكم على جعل الإقتصاد الإمريكي, وبالتبعيه الإقتصاد العالمي يتعافى, رغم كل جهودكم الكبيرة, وربما سبب ذلك أن الأزمة التي يمر بها إقتصاد العالم هي أعظم من أن تستطيع إماكنياتكم وأمكانيات أمريكا التصدي لها . ولعل السبب في ذلك هو إستمرار التركيز على إيجاد الحل لهذه الأزمة من داخل العالم الغربي, دون الألتفات إلى أن هذا العالم الغربي الذي يحاول أن يستمر في تقدمه يَجُر وراءه جثة ميته تشده إلى الوراء ولاتساعده أبداً على التقدم.

هذه الجثه الميته هي جزء كامل من العالم, تمثله إفريقيا بأكملها, وأجزاء كبيرة من أسياء , تقع تحت سيطرة أنظمة مُتخلفة تهدر ثروات البلاد التي تحكمها ,وتقمع شعوبها, وتقتل فيهم كل طموح في المساهمة في تقدم العالم.

السيد الرئيس:

أن الرِهان الحقيقي يكون على الإنسان, وهذا العالم لن يستطيع التقدم برِجلٍ عرجاء يجرها وراءه, لن يستطيع الإنسان الغربي المُضي في تقدمه وحيداً, في حين يوجد أكثر من نصف سكان المعمورة يقعون خارج دائرة الفعل والمُشاركة في هذا التقدم.

الإستمرار في السياسات القديمة للإدارات السابقة لإدارتكم, في تأمين الموارد النفطيه لإمريكا, عبر التعامل مع أي نظام, ومهما كانت بشاعته وبشاعة ما يقوم به تجاه شعبه, لن يمنح أمريكا الأمان, إن هذه البلاد المُصدرة للنفط ليست قطعة أرض ملئيه بالأبار النفطيه, بل هي أرض مليئه بقدرات بشريه مُعطلة عن الفعل, ورهانكم الجديد يجب أن يكون على إنسان هذه المنطقة, فهو القادر على الإسهام في تقدم العالم, وليس النفط الذي تنتجه بلاده ويدهب ثمنه لجيوب حفنة من الحُكام وعائلاتهم والمنتفعين منهم.

السيد الرئيس:

لقد كان العذر الذي تعتذر به دول الغرب في تعاملها مع هذه الأنظمة البشعة ,التي تحكم البلاد النفطيه, خصوصا في المنطقة العربيه , كان العذر الدائم هو مبدأـ سيادة الدِوَل ـ وهو السبب الذي أعزت إليه عدم مقدرتها على تغيير هذه الأنظمة, ما لم تطلب شعوبها هذا التغيير, وشعوب هذه المنطقة اليوم تضع أمامكم الحقائق, وتعلنها لكل العالم, أنها تريد التغيير, وأن كمَّ القهر الواقع عليها يحتاج إلى مساعدة من العالم الحُر لخلاصها , ولكننا نراكم في الغرب حتى اليوم تقفون موقف المتردد مما يجري. رغم أن ما يجري بلغ حداً من البشاعة لايمكن للظمير الإنساني أن يتقبله.

السيد الرئيس:

لقد قام أسلافكم من الأباء العُظماء الذين أسسوا هذا الحُلم الإنساني العظيم الذي نسميه أمريكا,قاموا بنصرة قضايا التحرر في كل أرجاء الكون, ولو وقفوا ذات موقفكم اليوم زمن طغيان النازيه والفاشيه, لكانت أوربا اليوم لاتختلف على إفريقيا في شيء. لقد كانوا واضحين في مواقفهم في نُصرة قضية الحُرية وكبح الطغيان, وهو ما أعطانا هذا العالم الجميل القائم اليوم في الغرب.

سيدي الرئيس كثيراً ما سمعناكم تتحدثون عن إبرهام لنيكولن, وكثيراً ما رأيناكم تضعون صورته على صدوركم, كقدوة وهادي لكم في سياساتكم ,وأُريد أن أسال سيدي الرئيس.. ماذا لو كان إبرهام لينكولن حيّ الآن ويُعايش ما يحدث من ثوراث الشعوب في الشرق الأوسط وفي بلادي ليبيا, ورأى بشاعة القهر والعسف لحاكم يضرب شعبه بالطائرات, ويستعمل الرصاص المضاد للدروع تجاه صدور أبناء شعبه العُزل, أريد أن أسأل.. هل كان لينكولن سيقف موقفكم هذا المتدبر؟.. وهل كان سيحدد موقفه من قضية تحرر الشعوب بحسابات البراميل النفطيه ؟

لو كانت هذه طريقة لينكولن في تحديد مواقفه من قضايا التحرر سيدي الرئيس لما خاض حرباً ضد أبناء جلدته, ولما كنتم أنتم اليوم سيدي الرئيس تجلسون حيث أنتم.

السيد الرئيس:

نحن في هذه المنطقة المُساماة العربيه وفي إفريقيا بشكل عام, أكثر شعوب الأرض إبتلاءاً بِحَمَلة الشعارات الكبيرة, وصور الأسلاف. صدور الطواغيت الذين يحكمون بلادنا ,تكاد تكون لوحة إعلانات, تجد عليها كل ما لذَّ وطاب من شعارات الحرية, والعدالة, والمساواة , وتجد عليها صور كل زعماء العالم الذين ضحوا لأجل هذه المبادئ, ولعلكم على إطلاع كافي على شخصية المجنون الذي يحكم بلادي ليبيا ,والذي ترون اليوم ما يفعله بشعبه, هذا المجنون لم يوجد حاكم في التاريخ تبجح بشعارات عن الحرية, والإنحياز للشعب مثله, حتى أنه يدعي أنه لايحكم ليبيا, بل إننا نحن الشعب الليبي هو من يحكم, وهو أيضاً لايخرج على الناس إلا وصدر سُترته مُغطى بصور الأسلاف الذين قادو النضال ضد الإستعمار.

السيد الرئيس:

الإقتداء بالرئيس لينكولن أو بأيٍ من العظماء, لايكون بترديد أقوالهم, وتعليق صورهم على الصدور , بل يكون بحفظ ميراثهم في الصدور ليكون دافع لنا في إتخاذ مواقفنا من قضايا الحق والعدل , وانا أدعوكم اليوم إلى وضع نفسكم موضع لينكولن , والنظر إلى قضية شعبي في ليبيا على أنها قضية تحرر من عبوديه, هي أكبر بكثير واكثر مرارة من عبودية الإقطاع التي قاتلها العظيم لينكولن. لقد قاتل لينكولن لتحرير فئة من أبناء شعبه تعرضت للإستعباد من فئة آخرى, ونحن اليوم ندعوكم لما هو أكبر, ندعوكم لتحرير أرواح شعوب بأكملها تتعرض للإستعباد من قلة حاكمة, تسحق أرواحها , وتميت فيها كل شعور بإنسانيتها, وتحولها إلى عبء على العالم , وتجعل الحياة بائسة وتعيسة لها إلى الحدّ الذي يجعلها مشاريع لقنابل مؤقوته جاهزة لتُستعمل من قبل التيارات السلفيه المُتطرفة.

السيد الرئيس:

نحن ندعوكم اليوم إلى تجديد إيمانكم بشعاركم الإنتخابي "نعم نستطيع", ونقول لكم أن الفرصة مواتيه لكم الآن لتحققوا إنجاز هو أكبر بكثير مما قد تكونوا طمحتم لتحقيقه عبر شعاركم ذاك. لقد كان شعاركم يقول بأنكم تستطيعون تجاوز الأزمة الإقتصاديه, وتحقيق الرفاه للإنسان الإمريكي, وأنتم اليوم مدعوّن لتحقيق هدف هو أكبر بكثير مما طمحتم اليه, أنتم اليوم تستطيعون خلق واقع جديد في هذا العالم , لقد منحتكم ثورات الشعوب في الشرق الأوسط والشمال الإفريقي, منحتكم الفُرصة لإنتشال جزء كامل من العالم من نير العبوديه , منحتكم الفرصة لصياغة قوانين جديدة يسير عليها العالم في ألفيته الجديدة, منحتكم الفرصة لتضيفوا إسمكم إلى أسماء الأباء العِظام الذين أسسؤا القواعد التي يعيش عليها عالمنا اليوم.ولتكونوا من عظماء اليوم الذّين يؤسسون القواعد لعالم الغد.

إنكم مدعون اليوم لخلق أمم متحدة جديدة, تتحدد على نُصرة مبادئ الحق والعدل, وأحقية الشعوب في إختيار من يحكمها ,وجعل ذلك ميثاق عالمي . إن قضية ديمقراطية الحكم هي تماماً مثل قضايا حقوق الإنسان, والتي تتجاوز مفهوم ما يسمى بسيادة الدول. لأن سيادة الدول لا تتحقق إلا بسيادة شعوبها عليها , وليس بسيادة مجموعة من الحُكام الفاسدين. والإستمرار في تبني مفهوم السيادة على الأساس القائم حالياً, لايعني إلا شيئاً واحداً, وهو أن العالم يعترف بسيادة اللصوص وقطاع الطرق الذين يحكمون بلادنا.

السيد الرئيس:

ثورات الشعوب التي نراها الآن في المنطقة العربيه, لو وَجَدت دَعمكم, ستكون قادرة على خلق واقع جديد في أفريقيا بأكملها, وفي الجزء المُظلم من قارة أسياء, والواقع تحت حكم أنظمة شموليه.هذه البلاد العربيه التي تحتل الساحل الجنوبي للمتوسط تقف كحاجز أمام الإنسان في أفريقيا ,وتمنعه من أن يلتحق بركب العالم, وذلك بسبب تحجرها تحت سطوت وقسوة وإرهاب الأنظمة الشموليه التي تحكمها.

إن هذه البلاد في حال تمكنها من بناء حياة ديمقراطيه, وتمتعها بحقوقها الإنسانيه الكاملة, لن تظل حاجزاً بين العالم المتقدم وأفريقيا, بل ستصبح جسر يُسهم في نقل الحضارة إلى قلب أفريقيا, ويمنح العالم قُدرات إنسانيه مُعطلة هناك, لتُسهم في تقدمه.هذه الدول التي تحوي إمكانيات ماديه كبيرة جداً, بحيازتها لمعظم مخزون العالم النفطي, تستطيع بهذه الإمكانيات بناء دول عظيمة كالتي نراها في الخليج العربي,دول تكون قادرة على منح فرص العمل والإستثمار للإنسان الإفريقي, والمساعدة في تنمية دول إفريقيا, وبعث الحياة في هذه القارة, وتجاوز هذا الواقع المؤلم الذي نراه الآن في القارة الإفريقيه, حيث الموت اليومي بسبب عدم توفر لقمة العيش وإنعدام الرعاية الصحيه للإنسان الإفر يقي, بينما ثروات دُول مثل ليبيا وغيرها من دول المنطقة تُبذر وتُهدر على تلبية حاجات تافهة لمجموعة من الحُكام المُتسلطين التافهين, ولعلكم الآن ترون كيف تستقر ثروات ليبيا بأكملها في حسابات المجنون الذي يحكمها وحسابات أفراد أسرته.

أنتم سيادة الرئيس أمام فرصة تاريخيه لجعل حياة العالم أفضل, وهذا هو الطريق الوحيد ليتجاوز العالم أزمته الإقتصاديه الراهنة, وذلك عبر خلق أنظمة ديمقراطيه في تلك المنطقة تُسهم في نماء إقتصايات العالم, ولاتظل عبء عليه, وتخلق واقع جديد لإنسان تلك لمنطقة الذي تأسست كل حضارات العالم في أرضه, وهو قادر إن تمكن من الإفلات من العُبوديه المفروضة عليه من حكامه ,هو قادر على أن يمد العالم بالأفكار الجديدة ,والتصورات المُلهِمة, وقادر أيضاً على أن يُسهم وبقوة في نهضة العالم .

سيدي الرئيس يوجد حتى الآن اكثر من أربعون رئيس جلسوا حيث تجلس سيادتكم الآن, لايذكر منهم التاريخ إلا أسماء معدودة , لزعماء إستطاعوا تجاوز الزمن الذي يعيشونه,وإستطاعوا بناء تصور للأزمنة القادمة, لذلك نُخلدهم نحن اليوم , وأنت سيدي الرئيس الآن أمامك فرصة تاريخيه لتضع إسمك إلى جانب إسم لينكولن الذي تحترم, وتجعل من إسمك كأسمه بالنسبة لشعوب إفريقيا, الذين ينحذر منهم أسلافك ,أنت تستطيع اليوم أن تجعل من إسمك رمز لهذه الشعوب الساعيه لحريتها, بأن تكون لينكولن بالنسبة لها.

وأنت أيضاً سيدي الرئيس تستطيع أن تكتفي بأن تكون رقم آخر من الأرقام الذين تناوبوا على رئاسة أمريكا, ومضوا ولم يعد أحد يذكر حتى أسماءهم. تستطيع أن تكون مُحرر وبطل وتحقق رجاء الملايين حول العالم, الذين سهروا يتابعون نتائج الإنتخابات في أمريكا, وأقاموا الإحتفالات في بلادهم على أعتبار مجيئك نصر للإنسانيه وللإنسان في كل مكان , وأنت كذلك سيدي الرئيس تستطيع أن تكتفي بأن يكون كل مجدك , هو أنك كنت أول رئيس من أصول إفريقيه يصل لحكم الولايات المتحدة الإمريكيه, ولعل طريقة إدارتكم وإنجازاتكم خصوصاً في هذه الأزمة سيحدد ما إذا سيكون هناك طريق مفتوح لرئيس آخر من أصول ملونة ليجلس في هذا المكان , أم أن سيادتكم ستكون الأول والأخير أيضا.

علي الخليفي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home