Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ali al-Khalifi
الكاتب الليبي علي الخليفي

الخميس 3 فبراير 2011

ثورة المراحيض

أُعصوبها برأسي


عـلي الخليفي

في الزمن القديم كانت الحُشود تهتف في حضرة زعيمها الأوحد وتقول : هذا شعب صعيب عناده .. مش تونس ولا قريناده . مرت الأعوام وجاء صاحب عربة الخضار في سيدي بوزيد ليؤكد هذا الهُتاف ولتصدق النبؤة فنحن فعلاً لسنا تونس ولا قريناده ولا طلنا حتى بن قردان.

أنطلقت عاصفة التغيير من تونس لتستجيب لها الجُموع في الجزائر, تم مرت فوق رؤسنا ,فلم نزد على أن ننحني لها, وندفن رؤسنا على عاداتنا في صلاتنا التي ندس فيها وجوهنا في الأرض, ونرفع فيها مؤخراتنا إلى السماء, على طريقة النعام, معلنين للعالم أننا لسنا هنا.

جاوزتنا العاصفة ولم تُخلف من أثر في ديارنا إلا المزيد من الخزي. ذلك الخزي الذي تغامزت به أعين الكاميرات وهي تنقل لنا صور ثوار ثورة المراحيض, ولصوص الشقق الغير مفروشة, وهم ينهبون وطنهم ويدمرون ما تبقى فيه من أثر للحياة, مُقتدين بسيرة أبائهم وما فعلوه في أواخر سبعينات القرن المُنصرم.

عاصفة الثورة والتغيير لن تعود للوراء, ولقد جاوزتنا, وتلقفتها النفوس المُشبعة بحلم الثورة والتغيير في المحروسة, لتحولها إلى إنتفاضة على فرعون الأحكام العرفيه, وهاهي العاصفة تعبر البحر الأحمر إلى المشرق لتهدد ملوك بني هاشم وتزعزع سلطانهم .

ونحن لانزال نُرعد ونُزبد ونخوض معاركنا على الصفحات الألكترونيه التي حولنها إلى عُكاظ مُضحك, تختلط فيه أصوات بائعي الباليله , مع خطابات زعماء التغيير المفترض, وتحتد فيه النقاشات, بين حملة لواء الإصلاح السلمي للسلطة وما تبقى من المجموع الجدري لمعارضة لم يعرف الشارع مجموعها الخضري في يوم من الأيام.

الجميع في سباق لقطف نتاج الثورة المفترضة التي لم تبدو لها أية بارقة في ساحات البلاد وشوارعها, فهذا يُشنف أذاننا ببيان أول لثورة الشعب القادمة, والآخر يقدف لنا البشارة بتشكيل حكومة وحدة وطنيه من داخل مربوعته, والتي من المفترض أنها محاصرة بعناصر الأمن. والعجيب أنهم جميعاً يُرسلون بياناتهم ونداءتهم إلى العنوان الخطأ.فعوضاً على أن تُرسل إلى الشعب والذي من المفترض أنه هو من سيقوم بالثورة, يرسلونها الينا نحن في الخارج عبر صفحات لا يقراءها أحد غيرنا نحن في غربتنا.

الجميع يعمل على طريقة صابت أو خابت, فلو حدتث المُعجزة وثار الشعب الليبي العظيم فكل منهم سينسب هذه الثورة اليه وسيفحمنا بأنها لم تقع إلا إستجابة لتخطيطه وتحريضه ودعوته وبياناته. وإن لم يحدث شيء فلن يخسر شيئاً, فالكلام ليس عليه جمرك وليس هناك من سيهتم أويحاسب ويُقيّم هؤلاء الأشخاص. وبالمقابل فهؤلاء الأشخاص ليس عندهم من الحياء ما يكفي ليجعلهم ينزون بعيداً ويُقرون أخيراً بأن الناس داخل البلاد لا تعرفهم ولا تهتم لأمرهم.

لن يحدث أي شيء ولن يثور شعب ليبيا العظيم ,وهذه ليست نبؤة أو رجماً بالغيب, ولكنها قراءة للواقع ,ومعرفة بطبيعة تكوين هذا الشعب. فعنصر الثورة لم يكن في أي زمن من الأزمنة من مكونات مواطننا البائس.

لن يثور شعب ليبيا, لأن الذي لم يثور لأجل دم أخيه وابنه وابيه, ولم يكلف نفسه عناء الخروج للمطالبة بجثامينهم, لن يثور لأي سبب أخر.

لن يثور شعب ليبيا ,لأن الذي قبض ثمن دم ابنه, وأشترى بها السيارات الفارهة "إيدز ون وإيدز تو" لم يتبقى في جبينه من قطرة ماء تدفعه للثورة.

لن يثور شعب ليبيا ,ولم يكن يحتاج لبائع متجول يحرق نفسه ليعطيه الدافع للثورة, فدوافعه للثورة كانت أكبر من ذلك, لقد أُحرقت بلاده, ودُمر مُستقبل ابناءه, ونُحر الاف منهم في أكبر مسرحية حُكم هزلي عرفها الكون.

لن يثور هذا الشعب العظيم الذي خرج في مسيرات مليونيه تؤيد ذبح أبناءه في حُرمات الجامعات .

لن يثور هذا الشعب العصران الذي جلس على مؤائد الإفطار في رمضان, يتمتم بالدعوات ويتسلى بكسر صيامه, بمناظر أبناءه يصفعون بعد أن يعلقوا في المشانق .

لن يثور هذا الشعب فاقتصدوا يا أولي الألباب في خُطبكم وبياناتكم ونداءاتكم التي توجهونها لسكان القبور, التي تمشي فوق الأرض.

لقد مرت العاصفة, ولن تعود إلى الوراء, وحتى يظهر بائع متجول آخر, وحتى يأتي زمن آخر ربما بعد عدة عقود أو قرون, من يدري. حتى ذالك الزمن أحفظوا أنفاسكم وأريحو وأستريحو وأفهموها بقى شعبكم عاوز يأكل عيش وبس ومن يتصدق عليه بفتات هذا الـ عيش فهو سيده وولي أمره وتاج رأسه أيضاً.

شعبكم يحيا بالـ عيش وحده, وإن كان له من مطلب آخر ظهر في الأيام الأخيرة, فهو مطلبه في الحصول على مرحاض, وحُق له ذلك, فمن يملأ بطنه بالـ عيش يحتاج إلى مرحاض ليُفرغ فيه جوفه . ولذلك فإن دعاة الإصلاح السلمي للنظام, همّ الأقوى حُجة الآن , وعليهم أن لا يفوتوا نتاج ثورة المراحيض , بأن يجعلوا شعار ـ مرحاض لكل مواطن ـ بنداً رئيسياً على قائمة مطالبهم من النظام الحاكم . والنظام الحاكم عليه أن يتحلى بالحكمة ولا يتوانى في الإستجابة لهذا المطلب المُلح لمواطنه, فليس هناك أسوء من مواطن مظرور.

مؤيدو سلطة الشعب, ونظام المؤتمرات الشعبيه واللجان الشعبيه, هم أيضاً يستطيعون الإفادة من نتاج ثورة المراحيض, في معالجة عُزوف الجماهير عن حضور جلسات المؤتمرات الشعبيه, فلو إستطاعوا تجهيز القاعات التي تنعقد فيها إجتمعات المؤتمرات, وأستبدال الكراسي فيها بمقاعد مراحضيه مريحة تكون بتعداد أعضاء كل مؤتمر, فلاشك أن ذلك سيقضي على ظاهرة العُزوف عن حضور جلسات المؤتمرات. فالعلّة لم تكن في مقولة صاحب النظريه بأن الشعب يجب أن يكون في الكراسي ,العلة كانت في نوعية الكراسي التي يريد الشعب الحاكم أن يكون فيها, ولقد أوضح لكم الشعب الليبي نوعيتها في إنتفاضته المرحاضيه المباركة.

مطالعة الصفحات الألكترونيه في المهجر صار تسليه تدفع لتفريج الهم والغم, فأنت تجلس وتراقب كل هذا الهذيان عن الثورة المفترضة, والذي يبدأ بالتخطيط لها, ورسم قواعدها, إلى تحديد حتى هتافاتها وشعاراتها, إلى التكهن حتى بالمنفى الذي سيلجأ اليه الحاكم بعد نجاحها. وعندما تنتبه من غفوة القراءة تجد أن كل ذلك حدث فقط وفقط على صفحة الدكتور غنيوة . فهذه الثورة المفترضة أشترك فيها الجميع ولم يغب عليها إلا لاعب واحد ,لاعب واحد لايهم حضوره من عدمه. هذا الاعب هو شعب ليبيا العظيم, الذي يعيش أجمل أعياده الآن بالتفنن في أعداد الوجبات التي حُرم منها لزمن طويل بسبب رفع أسعار المواد الأساسيه, والتي أستطاع العودة اليها بعد تخفيض تلك الأسعار, ولم يعد يريد من شيء لتكتمل فرحته بعد هذا الشبع إلا أن تتكرم عليه حكومته, وتترفق به, وتستجيب لطلبه, وتوفر له مقعد مُريح لممارسة أحبَّ مُتعه إليه بعد الأكل الآ وهي التغوط.

هذا الكلام قد لا يعجب الكثير من أصحاب الدم الحامي ولكنها الحقيقة بدون تزييف ولا تزيين, لقد قام النظام الحاكم خلال العامين المُنصرمين بآخر تجاربه لمعرفة ما إذا تبقى في قاع أعماق هذا الشعب من حس بالثورة أو الغضب, وكان ذلك عندما سمح, بل, دعى أُسر قتلى أبوسليم للتظاهر وتحت حماية النظام نفسه, لأجل المطالبة بجثامين أبنائهم, فلم يخرج من أحد, ولم يهتم من أحد ,لم يحضر حتى مندوب واحد عن كل أسرة, ومن إجمالي الف ومائتي قتيل كان يتجمع كل سبت أربعون عجوز متهالكة, لو كان ورائهن رجال لكفوهم مؤنة هذا العذاب.

لم يجرؤ أحد على التصريح بها, ولكني وبعد الإستعداد للعناتكم المباركة, والتي ارجو أن لا تُخطئني, سأصرح بها واعلنها لكم, والأيام القادمة ستقولها أيضاً لكم.. لن يثور شعب ليبيا ولن يحدث شيء وسيظل القذافي يحكم حتى يموت, بل , حتى بعد أن يموت وسيكون حال هذا الشعب كحال جنّ سليمان, ولكنهم سيتميزون عن جنّ سليمان بأنهم لن يفيقوا من غفوتهم, ولن يخرجوا من عبوديتهم وذلهم لحاكمهم, حتى بعد أن يروا بأم أعينهم دابة الأرض تأكل من سأته وأسته أيضاً, وإذا ما أراد حاكمهم أن يوصي بهم في وصيته لأحد, فقد يوصي بهم ليكونوا في ميراث احدى بناته, حتى يتفرغ أبناءه الشباب لامور أكثر أهمية من سوق القطعان الآدميه ,التي صارت تعرف طريق الأستطبل أكثر من راعيها. أعصوبوها برأسي وقولوا جَبُنَ صاحب هذه السطور ووالله انني لست بأجبنكم ولكن حالنا نحن الذين نكتب عن معاناة الشعب الليبي من الخارج ,صار كحال شاهد الزور, الذي كَذبه صاحبه الذي شهد بالزور لصالحه,فالصمت الذي يعم البلاد في زمن الثورات لايعني إلا شيئاً واحداً وهو الرضى التام والمطلق من الشعب اليبي بحاكمه ورضى حاكمه عنه.

لقد صار حال الذين يكتبون عن معاناة الشعب الليبي ويتحدثون بأسمه ,صار حالهم كحال ذاك القاضي الذي لم يرضى رغم رضى الخصمين اللذان يحكم بينهما. صرنا شعبويين أكثر من الشعب نفسه , صرنا نحس بأوجاع الشعب ونصرخ في كتاباتنا رغم أن الشعب نفسه لا يحس بأي وجع أو ألم وإلا لما أحتاج لمن يصرخ نيابة عنه. لقد رضى الخصمان فاليرضى القاضى إذاً فهو أولى بالرضى, ولندع القافلة تسير بسلام على أنغام المدائح المتبادلة بين الشعب وحاكمه, ولنقول الله يهني سعيد بسعيدة, ولنتمنى للشعب والحكومة على السواء هبوط آمن في الهاوية التي يسيرون اليها.

سيقول البعض أن هذه دعوة الجبناء الذين أدبروا يوم الزحف وتخاذلو ولكننا لو رأينا قتالاً لاتبعناكم, نحن لانرى حتى الآن إلا جعجة بلا طحين, وطحان ينذب حظه من وراء البحار على ما تقدف به اليه رحاه التعيسه من خواء وعدم.

علي الخليفي



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home