Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Al-Ejaili
الكاتب الليبي العجيلي

الخميس 21 ياير 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية

رد الشبهات عن محكم الأيات (2)

العجيلي

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد : فالقصد من هذه الحلقات التي نسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن يوفقنا فيها لما يحب ويرضى نقدُ أخطاء في فهم كتاب الله صدرت من أهل العلم أو من انتسب إليه من الضعفاء الذين تصدوا للقول في التفسير، ولم يكونوا أهله، أو ردُّ مفاهيم مغلوطة لغط بها الحِداثيون والعلمانيون فزينوها وزمروا لها، ثم تلقفها الطغام الأميون من البلداء والسفهاء، فنشروها في المواقع على أنها من بحوثهم، وعاثوا بها في نصوص الوحي فساداً في التأويل وانحرافاً في الاستنباط واضطراباً في التقرير، ثم شغبوا بها على أئمة الأمة وأعلامها عبر العصور، وقد نتعرض لنقد فهمٍ في كتاب الله للفرق المنحرفة أيضاً كالرافضة والصوفية وغيرهم، والله المستعان.

وسنفتتح برد بعض الشبه التي ألقاها بعض المغرضين والجهلة الضالين حول عربية كتاب الله القرآن زاعماً أن ثمّ أخطاء نحوية في بعض الآيات، وحقيق بنا أن نقدم بين يدي ذلك الأسُسَ التالية : -

1– أن وضع قواعد النحو قد جاء متأخراً عن زمن نزول القرآن عندما دخل الأعاجم في الإسلام واختلطوا بإخوانهم من العرب، فتأثرت الألسنة، وظهر اللحن، فنهض الغُيُر يومئذ على الأمة ومصادر دينها، وأمعنوا النظر في نصوص القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام العرب فاستقرءوا أساليبها ورصف كلماتها وتغير حركاتها وفق ما تتقلب فيه من جمل وصيغ كثيرة، ثم بنوا على ذلك النظرِ والاستقراءِ قواعد العربية حفاظاً على نص القرآن والسنة أن يتطرق إليه اللحن أو ينحرف به الفهم وغيرةً كذلك على لسان العربية أن يتأثر بذلك الاختلاط ويجهلها الناس فيقع منهم الغلطُ في فهم الكتاب والسنة والانحرافُ في تأويلهما كما هو حاصل اليوم عندما تقحم على النظر في القرآن والسنة جهّال بها.

لذلك فإن نص القرآن هو الأصل لتلك القواعد والمورد لاستنباطها، فإذا ظهر بادي الرأي خلاف لبعض القواعد التي روعي فيها الغالب من الكلام العربي حق ولزم أن يرتفع بها هي إلى علياء القرآن الذي نبعت منه واستوحيت من أحوال ما استعمل فيه من أساليب، فتُوَسَّع مسائلها وتتفرع، وهذا ما فعله أهل العلم بالعربية منذ القدم، لا أن يُنْزَل به إليها فيٌخَطّأ أو يُصحّح كما قد يشوش على العامة به من جمع السوأيين الإلحادَ في دين الله والجهلَ بقواعد العربية والأسسِ التي قامت عليها واستمدت منها.

فقد اتفق العرب مسلمهم وكافرهم بلسان المقال وشواهد الحال على أن أسلوب القرآن عربي صميم وأن إليه المنتهى في البلاغة والفصاحة وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان فصيحاً عربياً. يقول ابن عاشور في المقدمة الثانية من تفسيره: (روى أن ابن الراوندى ـ وكان يزن بالإلحاد ـ قال لابن الأعرابي : أتقول العرب: لباس التقوى؟ فقال ابن الأعرابي: لا بَاسْ لا بَاسْ، وإذا أنجى الله الناس، فلا نَجَّى ذلك الرأس .هبك يابن الرواندي تنكر أن يكون محمد نبيا، أفتنكر أن يكون فصيحًا عربيًا).اهـ

وقد كان علماء العربية على هذا الموقف إزاء كلام العرب الأقحاح أيضاً، فكلما خالف كلامُهُم ما اشتهر من تلك القواعد وجد العلماء في ذلك مندوحة لاستثناآت منها ولتفاريع مسائل حولها تنتظم قواعد أخرى ولم يحكموا على كلام العرب المخالف بالخطإ استناداً إلى موازين نسجت من استقرائه، بل أقروا بفصاحة ما خالف تلك الموازين وسلامة عربيته بداهة، واستفادوا من وروده في توسيع القواعد التي لولا العثور عليها لحسبوا الغالب مطرداً والأكثر كلياً.

وشأن القرآن الكريم أعظم وأولى بذلك، فهو أعلى بما لا يقارن مصدراً وأرفع بما لا يُدانَى عربية وأسمى بما لا يدرك شأوُه فصاحةً وبلاغة وبياناً، (وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ )(صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً )   

2– أن كثيرأً من قواعد النحو ليست مطردة كلية في جميع الأحوال لا تند عنها مسألة ولا يخرج عنها شيء، بل فيها مندوحة واستثناآت وأنظار وبحث تضمنت كتب النحو الكبرى تفاصيل ذلك.

فلم يلتزم العرب باطراد بعض قواعد النحو المعروفة  التي تأسست بعدهم وخالفوا ما استقر منها – وإن بندور أحياناً لا يصلح للقياس عليه – فأتبعوا بالجوار كقولهم : (هذا جُحرُ ضبٍّ خربٍ ) ونصبوا الفاعل ورفعوا المفعول به عند أمن اللبس مثل قولهم : (خرق الثوبُ المسمارَ) برفع الثوب ونصب المسمار اعتماداً على معرفة السامع للخارق والمخروق معرفةً تستند إلى طبيعة المعمولين، ولا تشتبه بتغيير الحركات، قال ابن مالك في الكافية : ( ورفعَ مفعول به لا يلتبس  * معْ نصب فاعل رووا فلا تقس).

وخالفت لغات بعضهم بعض القواعد الغالبة أيضًا – بقلة يقاس عليها – فألزموا المثنى الألف ونصبوا خبر إن أو بعض أخواتها، واستعملوا الأسماء الخمسة استعمال المقصور، فألزموها الألف، بل جاءت على ألسنة البعض منهم منقوصة معربة بالحروف أيضاً إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة، وقد تضمنت كتب النحو القديمة ككتاب سيبويه وغيره والكتب الكبرى لمن تلاه من النحاة كثيراً من أمثال هذا.

أما قطع النعت عن المنعوت الذي شغب بما ورد منه في القرآن بعض جهلة الملاحدة فأمره مختلف جداً عن هذا، حيث لم يكن مسألة قليلة أو نادرة، بل كان من قواعد النحو المشهورة في باب التوابع التي تدوالتها كتبه من قديم العصور، ولقد بسط  إمام النحاة سيبويه في الكتاب مسائلَه وأوجهَ إعرابِهِ، وأكثرَ الاستشهادَ له من كلام العرب بصورة جعلت من القطع خاصة في النعت والعطف – وهو الوارد منه في القرآن - قاعدة مسلمة ومسألة سائغة فصيحة كثيرة الورود كادت صورها تزاحم الإتباع في بعض الأحيان، وسنتعرض لذكر بعض الشواهد التي ذكرها سيبويه وغيرها في مواضعها من الشبه التي نردها.

3- أن تنتبه أيها القارئ الكريم الى استصحاب ما ذكرنا وتتذكره كلما شوش عليك جهلة الملاحدة والنصارى أو مسّك طائفٌ من شياطينهم بأمثال هذا، فتتفطَّنَ للخِلابة(1)، وتستمسكَ بأن القرآن هو أصل تلك القواعد ومَرَدّ استنباطها، وأنه لمن أعظم الجهل أن يُرحع بالأصل إلى الفرع، فيوقَف ذلك الأصلُ بين يدي فرعه، ويُحَكّم فيه، وهو الأصل في وجوده، وأن من يضطرب ذهنه بذلك ويلغو به من عوام الملاحدة وسوقتهم صاحبُ فهم معكوس جهل علوم العربية وزمن نشأتها وموارد مسائلها.

ولذلك فإن أحداً ممن له دراية بالعربية من نصارى العرب لم ينبس بهذا، وإنما خرج بهذه الشبه الأعاجمُ من المستشرقين لمّا وقعوا على بحث علماء الإسلام في هذه الآيات من حيث إنها جاءت على خلاف الكثير من المألوف في إتباع النعت والمعطوف أو مطابقة الصفة للموصوف أو الضمائر لمراجعها وشبه ذلك ومن حيث تنظيرُها وتخريجُها على أسس سائرة معروفة ومثل قديمة فصيحة من أساليب العربية وتوجيهُ إعرابها أيضاً، لكن هؤلاء المغرضين من المستشرقين فصلوا هذه الآيات - كيداً منهم - عما ارتبط ببحثها لدى علماء الإسلام من تخريج وتوجيه ليتخذوها شبهاً، فيلقوا بها بين المسلمين تشويشاً على عامتهم وإشغالاً لخاصتهم بالرد عليها عن تبيان إعجاز القرآن الباهر في بلاغته وفصاحته وبيانه، فلا تُلْقِيَنّ أيها القارئ الكريم لأبواقهم بالاً، ولا تعيرنّهم لحظ نظر، فالله من ورائهم محيط.

وقد سلكنا في ذكر هذه الشبه اللغوية مقرونةً بِردّها الترتيبَ الموضوعيّ وفق الباب الذي تدخل تحته أو دلالة الشبهة على جهل صاحبها وقيمة نقده بصرف النظر عن ترتيب إيرادها من أولئك الملحدين الجاهلين، فكان مسلكنا في الترتيب على النحو التالي:-

1- جهل صاحب الشبهة الفاضح :

قال صاحب الشبهة : (ولأن القرآن كُتب على غير قياس الكتابة فلا بد أن يطرأ عليه الخطأ في كتابته وقراءته فأصبح فيه بعض أغلاط نحوية، وهذا اعتراف من جمعوا القرآن بوجود أغلاط فيه)

الرد: هذا كلام ساقط باطل لا يصدر إلا عن جاهل بتاريخ الكتابة، فالكتابة العربية مرت بمراحل حتى استقرت على ما هي عليه الان، ولقد كتب القرآن العظيم بالخط العربي الذي كانت عليه الكتابة في عصره، وقول الملحد الجاهل:(  فلا بد أن يطرأ عليه الخطأ في كتابته وقراءته) كلام لا يختلف في سقوطه وبطلانه وجهل مُورِده عن الكلام الأول، فقد كانت العربية آنذاك محاطة بالأمان من  الخطإ في كتابتها، إذ قد بلغت كتابة العربية مستوى يربوا بها عن ذلك، وكان من العرب من يجيدها، وأمر كتابة المعلقات الشعرية والمراسلات والمعاهدات مشهور معروف، ولم يدّع أحد إلى اليوم أن في المعلقات أخطاء ولحناً، وهي لم تزل محفوظةً بنصها المكتوب منذ عهد الجاهلية قبل نزول القرآن، وقد كان المسلمون الأولون أحرى بالاعتناء بصحة كتابة القرآن وصيانة أساس دينهم الذي جادوا بأموالهم وأنفسهم في سبيله (والجود بالنفس أقصى غاية الجود) وأجدرَ أن لا يتركوا فيه أوَداً يقيمه غيرهم أو غلطاً يصلحه من تلاهم. يقول الزمخشري في هذا المعنى واصفاً كُتَّاب المصحف بأنهم "كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقاً يرفوه من يلحق بهم". اهـ

وأما الخطأ في القراءة فلم يكن وارداً أبداً، فقد كان أولئك العرب الخُلّص فصحاءَ بنشأتهم مستقيمي الألسنة بسليقتهم ولسان حالهم ينشد البيت المشهور:

ولستُ بنحْويٍّ يلوكُ لسانَه ... ولكنْ سَلِيقِيٌّ أقول فأُعرب

وإذ قد كانت سلامة المنطق من اللحن لديهم طبعاً جبلياً وأمراً مسلماً، فإن اهتمامهم بفن القول وصناعته إنما هو من حيث تأديته للمعنى وإلباسه حلة سيراء من الفصاحة والبلاغة، تبهر سامعيه وتأخذ بألبابهم، فيستحسنونه، أو النزول به دون ذلك فتمجه أسماعهم، وتنبوا عنه، فيستقبحونه، أو تستبذله ملكاتهم، وتنفر منه أذواقهم، فيعيبونه ويستنزلونه، ولم يزل التفوق في البلاغة والبيان من أسمى ما تصبوا إليه نفوسهم ويتنافسون فيه ويتفاخون به في مجامعهم وأسواقهم ونواديهم، فلما نزل القرآن تحداهم بما أعجزهم من بلاغته وبيانه.

أما قول الملحد الجاهل : (فأصبح فيه بعض أغلاط نحوية) فدعوى جاهل بمبادئ النحو الأولى وقواعده مقلوب الفهم في لغة العرب، كما ظهر في شبهته الثانية حيث قال : (جاء في ( سورة البقرة 2: 124): " لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" . وكان يجب أن يرفع الفاعل فيقول : الظالمون .)

والمبتدئون ومن لديهم أدنى درجات العقل يدركون أن (عهدي) هو الفاعل هنا المنفي بأن يكون نائلاً للظالمين أي شاملاً لهم و(الظَّالِمِينَ ) هو المفعول به المنفي أن يكونوا منيلين لذلك العهد أي مشمولين به، فإن إبراهيم عليه السلام عندما ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن (قال) له (إني جاعلك للناس إماماً) أي قدوة في الهداية والرشد (قال) إبراهيم (ومن ذريتي) أي اجعل أئمة من ذريتي فأخبره الله بأن الظالمين منهم مستثنَوْنَ من هذا العهد (عهد جعل الإمامة في ذرية إبراهيم) فلا يشملهم، وهذا أجلى من الشمس من حيث المعنى، وعكسه لا يُعقل أبداً، ولا يدعيه إلا من طبع الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة كهذا الأمي الجاهل الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ويؤخذ من هذه الكلمات الطيبة أن من ظلم نفسه فأعرض عما كان عليه أصوله من هدى وتوحيد وسنة إلى سبل الشرك أو مهاوي البدعة لا ينفعه ما يَمُتّ به من وشائج إلى تلك الأصول، ولو كان ولد رسول.

أما إعراب هذه الجملة تفصيلياً فـ(لا) حرف نفي مبني على السكون لا محل له من الإعراب، و(يَنَالُ) فعل مضارع -  بمعنى يشمل – مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة و(عَهْدِ) من (عَهْدِي) فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الكسر المناسبة للياء، و(عَهْدِ) مضاف والياء من (عَهْدِي) ضمير المتكلم مضاف إليه مبني على السكون أو الفتح – حسب اختلاف الرواية – في محل جر، و(الظَّالِمِينَ) مفعول به لـ(يَنَالُ) منصوب بالياء النائبة عن الفتحة لأنه جمعُ مذكرٍ سالمٌ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة كلها في محل نصب مقول القول.

هذا ولوكان في القرآن غلط أو لحن لما سكت عنه المشركون من العرب ولكان من أعظم ما شنعوا به على القرآن العظيم والرسول صلى الله عليه وسلم خاصة أنهم قد تحدوا ببلاغته المعجزة وبيانه المشرق وأن يأتوا بسورة من مثله، وهم أدرى الناس بلسانهم وأعرف بالغلط واللحن فيه، فلما لم تكن منهم أثارة من ذلك كان هذا برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً على بهتان وجهل من يدع ذلك بعدهم من شراذم الملحدين الحاقدين.

وقول الملحد: (وهذا اعتراف من جمعوا القرآن بوجود أغلاط فيه) باطل وكذب، إذ لم يصح عن أحد ممن جمعوا القرآن شيء من هذا أبداً، ولو رأوا في الكتابة غلطاً لأصلحوه هم، وهم أهل اللسان وأُولو السلائق السليمة والفصاحة والبيان، ولم يكلوا ذلك لمن بعدهم، ولو كان ثم خطأ أيضاً لانتبه إليه علماء الفصحى وجهابذتها على مدى الأزمان التي تلت، ولم يبق حتى يكتشفه أهل الفهاهة والعي واللُثغة واللحن من جهلة الأعاجم وغيرهم. تعالى كلام ربنا عما يقول الجاهلون علواً كبيرًا، ولله ما أجمل وأجل وأعدل تزكية الله خالقنا لكتابه إذ يقول جل من قائل : { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ*نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ*عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }.

يتبع إن شاء الله 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أي الخديعة


الحلقة الأولى الحلقة الثانية

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home