Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Mustafa Mohammed al-Bruki

Sunday, 15 January, 2005

شرّ البليّة "المجنّب"

مصطفى محمد البركي

ظهر علينا القذافي ليلة رأس السنة عبر محطة الجزيرة الفضائية، شاحب الوجه غائر العينين مهدّل الشفاه، تعلو وجهه المساحيق التي يحبّها، مرتديا ثوبا أصفرا كثياب المومسات حين يتقاعدن، وذلك بعد الجلطة الدماغية التي أصابته منتصف شهر ديسمبر الماضي، والتي أخضع لعلاجها تحت إشراف أطبّاء فرنسيين نصحوه على إثرها ان يتقاعد، فهي ليست الجلطة الدماغية الأولى التي تصبه، وأسال الله ان لا تكون الأخيرة. حين ظهر على شاشة الفضائية ـ وجدت نفسي دون وعي ـ اطلب من الله ان يطيل عمره، على عكس ما تمنيت في الماضي، حتى يكشف لنا عن اموال الشعب الليبي المجنّبة ـ على رأيه ـ وما تدرّه من ارباح حرص هو على تجنيبها للأجيال القادمة كما يدّعي وعصابته.

سألت نفسي من أين اشتقت كلمة "المجنّب"؟ فلم أجد لها تفسيرا مقنعا، فأخذت على عاتقي مشورة أهل الرأي والفكر من بعض كتابنا الليبيين الأفاضل، كي استنير بما عندهم من مخزون ثقافي معلوماتي، فهاتفت السيّد فرج أبوالعشة، المشهور بغزارة أفكاره وكتاباته في صفحات المعارضة الليبية، وخصوصا فيما يتعلق بالعولمة والعوربة، والحداثه وما بعد الحداثة، والصهيونية وما بعد الصهيونية، فأجابني بصوته الجهوري المعتاد قائلا لي: كيف يتسنى لي شرح كلمة "المجنّب"، وأنت لا تعرف شيئا عن العولميزم والقلوباليزم والفوضاويزم والأناركيزم والشيفونيزم والهوبزيزم والقذافيزم والشارونيزم والصهيونيزم، فكلمة مجنب مشتقه من كل هذه المصطلحات السالفة الذكر، وهي بتبسيط شديد مثل سرقة المعيز عندنا، بس هي اكبر شوية، وأغلق الهاتف دون تحية!!. بعدها اتصلت بالدكتور مصدّق بوهدمة، وهو طبيب بشري من بيت سياسي عريق، فأجابني باختصار ان كلمة مجنّب لها شقان، أحدهما رأسمالي، والآخر طبي، ففي الشق الرأسمالي كلمة "مجنّب" تعني اخفاء الفلوس لكسر النفوس، أمّا في شقها الطبي فتعني اخفاء الفلوس كي لا تكبر الكروش. لم افهم تفسير الدكتور بوهدمة، فاتصلت بالدكتور جاب الله موسى علّه يشفي غليلي، فأجابني بدون تردد وبوضوح بأنّ "المجنّب" يعني السرقة، السرقة، السرقة، وليس عندي معنى آخر غير السرقة والبلطجة. قلت في نفسي لعلّ الدّكتور جاب الله متحامل بعض الشئ على القذافيزم وعصابته، فدعني اسأل عبدالونيس الحاسي، فرد عليّ مؤكدا كلام الدكتور جاب الله متسائلا: وهل خلّو فيها ما يجنّب؟ انقلاب سبتمبر أكل الأخضر واليابس، وخلّو الطق دوب الحنك!!، وان كان في مجنّب فهو عندهم، وليس عند الشعب الليبي، فالشعب فقد كل شئ في حياته، وليس لديه ما يخاف عليه، حتى وان خرج في عصيان مدني يجوب الشوارع والأزقة هاتفا بسقوط سارق "المجنّب".

السّيد سالم سالم شارك في الاستبيان الخاص بتعريف "المجنّب"، حامدا وشاكرا لله تعالى على ان القذافي لم يكن امازيغيا، حتى لا يتهم الأمازيغ بإفساد ليبيا، مؤكدا على ان القاموس اللغوي الامازيغي لا يحوي بين دفتيه الكلمة سيئة السمعة "المجنّب". أما السّيد الفاضل حسن الأمين مشرف صفحة "ليبيا المستقبل" صاحبة شعار من أجل غد ليبي أفضل، فرد مستغربا من الكلمة مؤكدا على حيرته هو ايضا في معرفة جذورها اللغوية، إلا انها تعني عنده خنبة، خنبة، خنبة، كررها بحماس شديد متخيلا نفسه يهتف في اعتصامات لاهاي ولندن بصحبة رفيقه الأستاذ علي يوسف زيو.

وعلى ذكر الإعتصامات لم يفتني الإتصال بالرجل الفاضل عبدالقادر ادغيم الذي ضحك ضحكته المدوية البريئة قائلا: التجنيب عندي ياحاج مصطفى معناه التهليب، وتمتم بكلمات لم أفهمها، فطلبت منه إعادتها بصوت عال، فإذا بها أبيات من الشعر تقول:

                             من يرى شيئا قبيحا            أو يرى ما لا يريـد
                             فليقل بعد التعـــــوّذ            لعن الله العقيــــــــد
                             فالْعنوه كل يــــــوم            والعنوه من جديــــد
                             ستروا الشرّ تغيــّـر            وتروا الخير أكيـــد
                             لعن الله العقيــــــــد            لعن الله العقيــــــــد

وأخيرا لجأت إلى أحد كتابنا المعروف بافتات فأجابني بأن كلمة المجنّب موجودة في القرآن الكريم، مستشهدا بالآية الكريمة (وسيجنبها الأتقى)، عندها فقط فرحت كثيرا، وقلت يا لها من كلمة جذابة ذات معنى ومغزى، وردت حتى في القرآن الكريم. انطلقت بعدها مسرعا إلى صاحب النظرية العالمية الثالثة التي تنادي بالإنعتاق النهائي والحلول الجذرية لإنقاذ البشرية!! ـ لا أدري أي حلول وأي بشرية عنتها النظرية. انطلقت إليه وسألته كصاحب نظرية جذورية كرنكاطية عن معنى التجنيب، فرد بكل ثقة وثبات وموضوعية وشفافية وحيادية ومفهومية ـ يحسد عليها ـ بأن التجنيب معناه تحويل الأموال من حساب إلى حساب آخر وكله محصّل بعضه، بعدها سألته في أي الحسابين أودعت أموال النفظ من عام 1970 ـ 2005، نريد ان يعلم كل الليبيين أين جنبت مبلغ وقدره 5 مليار دولار قيمة الأسهم التي كان يملكها الشعب الليبي في شركة فيات الإيطالية للسيارات، والتي بيعت عام 1985، ولم تجنّب في حساب مصرف ليبيا المركزي. وسألت القذافي أيضا عن مكان تجنيب تجارة العملة الأجنبية التي مارسها بعد أن خفّض قيمة الجنيه الليبي إلى دولار واحد فقط، ثم أودعه في بنك ليبيا بثلاثة دولارات عن الجنيه الواحد، وهو الثمن الرسمي للجنيه الليبي، فأين جنب الفرق في العملة.

لقد شكرت القذافي على حرصه على أموال الشعب الليبي التي جنبها، وسألته قائلا بأن الأطبّاء قالوا لك بأن صحّتك لا تسمح بمزاولة أي عمل، فأين جنّبت هذه الأموال الطائلة وطريقة إدارتك لها حتى نستطيع أن نهتدي إليها، فأجاب بأن تجنيب الأموال هو سر من أسرار الشرعية الثورية لا يعلمها إلا قائد الثورة، وذلك حسب المؤتمرات الشعبية التي تقرر، واللجان الشعبية التي تنفذ، فقلت له وماذا نفعل بعد أن قال لك الأطبّاء بأن أيامك معدودة، فنخاف أن تضيع هذه الأموال ما لم نعرف أرقام حساباتها، وأنت تعلم يا معمر بأن هذه الأموال كثيرة جدا، تقارب الترليون دولار!!، ولا نريد أن يموت السر معك، فقال لي لا تخف، لأن زيف الإسلام سيتولى بعدي ويعرف كل أرقام الحسابات، ومن بعده الساعدي البطل العالمي، حتى هو يعرف أرقام هذه الحسابات، ثم لماذا هذا القلق، أنا قلت لكم أن لديكم مجنّب يعني أن لديكم مجنّب، وأنتم تعرفوا أني لا أكذب ولا أحب الكذابيين، ريّحو أنفسكم وخلّوني أنا وأولادي حاملين الهمْ عنكم، وأطمئنوا وما تخافوش من شئ، فالمجنّب في الحفظ والصّوْن!!
أخيرا رجعت وأنا فرحان لأنني أعرف بأن القذافي لا يسرق ولا يكذب ولا يحب من يسرق ولا من يكذب، واللي موش مصدق يقرأ تاريخ القذافي. رجعت بعد زيارته مرتاح البال ومطمئن الضمير بأن أموالنا بيد أمينه ليست أمنية، وفي الحفظ والصون، وهي فقط وببساطة شديدة محولة من حساب إلى حساب، وعليه فشر البلية إذاً "المجنّب."

وإلى لقاء.

اخوكم المحب
مصطفى محمد البركي
mmelbarky@yahoo.com


ـ معذرة لجميع من وردت أسماءهم في هذا المقال. لقد سرحت بخيالي ورددت نيابة عنهم.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home