Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الأربعاء 29 اكتوبر 2008

هل يحتاج الاصلاح الى سيف؟

د. فتحي رجب العكاري

الاصلاح عملية تحتاجها كل المنظومات العاملة فى العالم ، وهى عملية مستمرة و فى دول العالم المتقدمة تكون استباقية ، أى أنها تحدث قبل تفاقم الخلل ، و عادة ما تبنى على اختبارات مرحلية لتقييم جودة الاداء . أما فى العالم الثالث ، فهى تبدأ عندما تنهار المنظومة ، و بالتالى قد يؤدى ازالة المنظومة بالكامل الى نتائج افضل و بتكاليف أقل . و الخطوة الاولى فى هذه العملية هو الانتباه الى وجود خلل ، ثم يتم البحث عن افضل سبل العلاج . و عملية الاصلاح يجب ان تحدث بشكل طبيعى دون الحاجة الى تشنج أو تدافع أو صراع و هى جزء من المنظومة الحضارية للمجتمع ، و فى كل يوم نشاهد مسئولين فى معظم دول العالم يختفون عن مسرح الاحداث ليفسحوا المجال لآخرين . و بالتالى يتم توفير أفضل فرص النجاح لعملية الاصلاح من خلال منظومات التداول السلمى للسلطة ، و لهذا لا توجد حاجة الى قوة السيف أو قوة العصا ، فالعملية يجب أن تكون خيارا حضاريا قبل كل شىء . كما أنها ليست عملية فوقية يصدر بها قرار من اعلى نقطة فى هرم السلطة . لكن اذا تراكم الأمر لأكثر من ربع قرن من الممارسات الخاطئة ، فاننا أمام معضلة يكون السبب الاساسى فيها منظومة الادارة التنفيذية التي لا تزال تعارض عملية الاصلاح ، والتي يرى فيها البعض منهم تهديدا لمصالحه ، وعند ذلك ليس هناك مفر من تدابير خاصة .

و على المستوى الشعبى ، يمكن أن يساهم كل مواطن بالحد الأدنى فى العملية ، و هو أن يؤدى واجبه باخلاص مثلما يطالب الآخرين بذلك . كما عليه أن يلتزم بساعات الدوام الرسمى و تقديم الخدمات على أحسن شكل ، وعليه أيضا أن يلزم ابناءه و اسرته كلا فى موقعه بالاستفادة من الفرص التى يوفرها المجتمع على الشكل الأمثل . فكل دقيقة ضائعة أو جهد ضائع هما خسارة للجميع . و لكن هذا لن يعيد السلطة للشعب كما لن يعيد الثروة للشعب ، و أنا هنا أقصد ان يعيش الشعب كريما على ارضه . و عندها لن يحتاج المواطن الليبى لمنحة أو مساعدة من أحد .

أما على المستوى الرسمى فاننا نحتاج الى خلخلة كبيرة فى المنظومة الادارية و التنظيمية من خلال مشروع اصلاحى صادق و مخلص و حريص على مصلحة الجميع ، و عندما تظهر بوادر النجاح فأنا متأكد من أن الجميع سيلتف حول مشروع الاصلاح .

و قبل أن أجيب على السؤال المطروح كعنوان يجب أن نسأل : هل يحتاج سيف الى الاصلاح؟ بعض الناس قد يقول إنه يحتاج للمشروع ، فهو يستخدم مشروع الاصلاح هذا للوصول الى السلطة ، و لكننى أرجح أن سيف الاسلام كأى شاب متعلم و غيور على بلده من حقه أن يتطلع الى أفضل السبل لتقدم أهله و أبناء بلده بغض النظر عن موقعه ، و هو فعلا يواجه معارضة قوية من أكثر الناس قربا له . و بالفعل استطاع سيف الاسلام أن يقطع شوطا كبيرا على طريق الاصلاح و لولاه لما حدث ما حدث ، و من لا يشكر الناس لا يشكر الله . و التغيرات الحادثة على أرض الواقع تشهد بهذه الحقيقة . و لهذا السبب أرى أن سيف يريد الاصلاح و الاصلاح يحتاج الى سيف و لكن مع من ؟ و بمن ؟ و كيف يمكن تحقيق افضل النتائج و باقل التكاليف ؟ .

ينقسم الناس فى موقفهم من أمر الاصلاح الى عدة فئات ، يمكن حصرها فى المجموعات التالية :

أولا: الرافضون لفكرة الاصلاح أصلا

و تتكون هذه المجموعة من المستفيدين من الفوضى و انتشار الفساد ، و هذه المجموعة لا تهمها الا مصالحها المادية و قد تجمعت لدى البعض منهم إمكانيات هائلة وقد أصبحوا يشكلون مراكز قوة لا يستهان بها . و لقد كشر بعضهم عن أنيابه ، و ربما يصفهم البعض بالقطط السمان ، لكن فى غياب الأسود تتحول القطط السمان الى ضباع أو ذئاب أو ربما نمور . و في نظري ، أرى أنه إذا توفر لمشروع الاصلاح الزخم الشعبى فسوف تنتهى هذه المجموعة ، أو تغير موقفها عندما تتضح لها نتائج الامور ، و مصلحة الشعب ومصلحة البلاد يجب أن يكونا فوق الجميع ، و هى لصالح الجميع حتى اذا غفلوا عن رؤية هذا .

ثانيا : المعارضون لوجود سيف كرمز للاصلاح

و تتكون هذه المجموعة من أناس على قناعة بالاصلاح ، و لكن لديهم اما تصور خاص بهم له ، أو انهم لا يرون للاصلاح سبيلا بوجوده . عندما تناقشهم يقول البعض : اذا كان يريد الاصلاح فعلا كما يقول فلماذا لا ينأى بنفسه عن الممارسات السلطوية ؟ و لماذا تسير الأمور و كأنها مسرحية ؟ و الاجابة على هذه الاسئلة ليست سهلة ، و لكننى أقول لولا موقعه الخاص لما كان هناك أمل فى دوره أو فيما حققه . فموقعه من السلطة يعتبر عاملا ايجابيا لطمأنة الجميع على امكانية الانتقال من مرحلة الخطر الى شاطىء السلامة . و هذه المجموعة أقل خطرا على العملية ويعد اقناعها أسهل اذا تحسنت الاوضاع على أرض الواقع .

ثالثا : المؤيدون لوجود سيف كرائد للاصلاح

و تتكون هذه المجموعة بالدرجة الاولى من الفئات المحيطة بسيف ، ففى الدائرة الضيقة يوجد عدد من المقتنعين بالعملية من أجل الصالح العام و عدد يريد ان يؤمن مصالحه ، أو استمرارا لدوره السابق فى دواليب الاجهزة . كما يتم استقطاب مجموعات واسعة من خلال تلبية مصالحها و هذا فى غير صالح العملية ، فقد يعيد التاريخ نفسه و تطغى حماية المصالح الخاصة على الصالح العام ، و نعود لنفس النقطة طال الزمن أم قصر. و ربما يكون أحد اسباب اعلان سيف عن تركه للتدخل السياسى هو هذا الكم ممن يسيرون وراء تحقيق مصالحهم من بعثات و سيارات أو بيوت و أراضى . فالمشاركون فى اللقاءات تقلهم قوافل و طائرات و يقيمون فى فنادق ، فالامر ليس مسيرات عفوية أو التحام شعبى صادق . و صدق سيف عندما قال فى لقائه الاخيرعليكم ان تشاركوا فى صنع التحول و ان لا تنتظروا منى كل شىء .

الاصلاح اذا بحاجة الى صدق و مصداقية و نحن أمام فرصة تاريخية لبناء ليبيا الحديثة . أما اذا سرنا على نفس النهج القديم فان تجربة الاتحاد الاشتراكى و اللجان الثورية و لجان التطهير لا زالت قريبة منا ونعيش فى ظلالها ، و لو حققت ما وعدت به ما كنا بحاجة الى اصلاح ، مع احترامنا للمخلصين فيها .

رابعا : المؤيدون للاصلاح عن بعد

و تشمل جميع من يدعون للاصلاح فى الداخل و الخارج على بعد عن العملية فعليا . أى انهم لا يملكون وسيلة عملية للاسهام أو المشاركة الفعلية ، و دورهم ينحصر فى طرح أفكار ايجابية و لكن هذا بطبيعة الحال لايكفى . و بعض هذا يرجع الى طبيعتنا السلبية بصفة عامة و الى انعدام اسلوب التحاور فى ثقافتنا . و هذه الفئة تهمها الفكرة أصلا و ترى أن مصلحتها تتطابق مع الصالح العام اذا صح التعبير . ومعظمهم لا يمانع فيما يقوم به سيف و لكنهم ينتظرون التحام سيف بالشارع و التفاف الشارع العام حول سيف . و بعضهم يرى ان سيف لا يحتاج لمن ارتبط تاريخهم بالاجهزة الامنية ، أو القمع السياسى أو ارهاب الجماهير ، فالمرحلة القادمة يجب أن تحظى بأعلى درجات التأييد الشعبى ، وصولا الى الدستورية و التداول السلمى للسلطة ، و عندئذ تتحقق الشرعية الحقيقية بغض النظر عمن يكون فى السلطة .

خامسا : قائمة الانتظار

مثلما يحدث فى كل أمر فإن عامة الليبيين دائما يفضلون قائمة الانتظار . فى العالم المتقدم تجد فى قائمة الانتظار شخصين أو ثلاثة ، اما عندنا فتجدهم أكثر من عدد الركاب . و كذلك فى أمر الاصلاح الغالبية تنتظر فى حل من السماء أو من الخارج أو من الداخل ، و لا يهمهم كيف يكون وعلى حساب من يكون؟ انها القناعة العامة ؛ اخطى راسي و قص ، أو راسى بره وايدى وراى ، كما في المثل . و يدخل ضمنها كل السلبيين بعذر أو من دون عذر ، فالكرامة لها ثمن و الحرية لها ثمن أيضا ، و الوطن له حق حقيق بان يحترم . وحتى وإن اختلفنا فنحن أبناء هذا الوطن عزنا من عزه و ذلنا فى ذله ، و مهما اختلفنا يجب أن لا نخون هذا الوطن ، والسلبية فى بعض الاحيان ترقى الى درجة الخيانة عندما يفضل الانسان سلامته على سلامة وطنه .

و بعيدا عن كل هذه المجموعات ، يرى كل عاقل ان هدف مشروع الاصلاح الاسمى على المدى البعيد هو الوصول بالبلاد الى شاطىء الامان بدون خسائر او باقل الخسائر . و هو حاجة وطنية ملحة و يعرف هذا القاصى و الدانى ، و أهل مكة ادرى بشعابها . و دعوة الاصلاح هى روح الاسلام وأساس السلام المبنى على العدل . و نحن لن نصل الى هذا بين يوم و ليلة ، و تجارب الشعوب الاخرى أمامنا . و بالتالى يجب أن نرحب بكل خطوة فى الاتجاه الصحيح . ولقد أهدر التطرف من جميع الاطراف دماء شرفاء الجزائر ، و أهدر التدخل الاجنبى شرف و كرامة العراق و أهله ، كما مزق غياب القانون دولة الصومال و شعبها . و الحمدلله أن بلادنا و شعبنا بعيدون عن هذه المطبات ، و نحن بحاجة الى مزيد من الفهم و التفاهم و التصالح وصولا الى الاصلاح ، خاصة أن هذا يحدث بمباركة معظم السلطات.

على ما تقدم أرى أن الاصلاح يجب أن يكون مشروعا وطنيا و يجب أيضا أن يساهم فيه الجميع من دون حواجز أو موانع . و على كل من يملك القدرة أن يساهم بشكل ايجابى و يسمح لغيره بالاسهام ، فلا يجوز أن يتحول هذا المشروع الى مشروع فردى أو فئوى أو جهوى . كما يجب ان لا يتحول الى مشروع اقصاء أو تصفية حسابات . لهذا يجب أن تعقد المنابر و الندوات فى كل المدن و الجامعات ، و فى الداخل و الخارج ؛ لأن هذا الامر يجب ان يبنى على اساس صحيح من رفع المظالم و رد الحقوق و ارساء دولة القانون و الغاء التهميش و احترام الرأى الآخر ، ومن المفترض ان يكون اصلاحا يقود الى استقرارا سياسيا و اقتصاديا يبنى التقدم للبلاد و يحقق السعادة للجميع .

و هنا أدعو جميع من يرى فى هذا المشروع سبيلا للخلاص الوطنى الليبى فى الداخل و الخارج و على رأسهم سيف الاسلام القذافى للتخطيط لعقد مؤتمر وطنى للاصلاح لدراسة الشروط اللازمة له ، حتى يتسنى انجاح هذا المشروع و بعث الزخم الشعبى و السياسى اللازمين له ، و إن أريد الا الاصلاح ما استطعت ، و الله من وراء القصد و هو يتولى المصلحين .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home