Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الخميس 28 يناير 2010

معالم حضارية إنسانية لأهالي درنة

د. فتحي رجب العكاري

يتميز أهل درنة ببعض المعالم الحضارية الانسانية التى لا يلتفت اليها العديد من الكتاب ناهيك عن عامة الناس؛ فهم يتميزون بحب العلم و المعرفةو سعة الاطلاع ولديهم جذور حضارية متميزة عن باقى المدن الليبية من تقديس للحرية و العمل على نشر العلم فى جو من الخلق الرفيع و الذوق العالى. و قد تطرق الى بعض هذه الجوانب كلا من استاذى الفاضل مصطفى الطرابلسى فى كتابه درنة الزاهرة و أخى الكريم د محمد المفتى فى كتابه سهارى درنة ، ولكننى سوف أتناول جذور التميز الحضرى  لاهالى مدينة درنة  من زوايا مختلفة فى مقال قادم بإذن الله تعالى بالتفصيل.

طلب العلم

   ينكب سكان درنة و منذ نعومة اظفارهم على طلب العلم في المساجد و الكتاتيب ثم فى المدارس في العهد الحديث. فتجدهم ذوي ثقافة عالية وبينهم العديد ممن يتقن لغات اجنبية، كما انهم يجيدون العمل الوظيفي الى درجة التقديس و لديهم تقاليد مهنية في مزاولة العمل على أساس من النزاهة والاستقامة وروح من الوطنية واحترام الذات. وفي دراسة علمية للدكتور شعيب المنصوري أشار الى أن أبناء و بنات درنة يحققون أعلى معدلات التفوق و الانجاز العلمي بالنسبة لعدد المنخرطين في التعليم على مستوى اية مدينة ليبية اخرى، كما تدل على هذا كذلك إحصائيات أمانة التربية و التعليم. والجامعات والمستشفيات والدوائر الرسمية في ليبيا تشهد بتاريخ  طيب السيرة لابناء مدينة درنة خبرة وعلما ومسلكا وكذلك الجامعات و المستشفيات فى شتى بقاع الارض. وهذا بطبيعة الحال مفخرة لكل ليبى وليبية فالانتماء الى درنة هو فى اصله انتماء للوطن من ليبيا الى العالم العربى.

رواد حضارة

لقد حمل ابناء مدينة درنة شعلة النهضة والتنمية الحضارية شرقي مدينة المرج وحتى الحدود الشرقية بكل تواضع وتضحية من اجل ابناء الوطن.

فجميع المدارس في تلك المنطقة حمل لوائها ابناء درنة وفي ظروف مادية ومعيشية صعبة، لكنهم ساهموا في نشر التعليم في ربوع بوادي برقة.

بالاضافة الى التعليم نرى على الجانب الاقتصادي دورا للمنطقة حيث أن أبناء مدينة درنة هم من أسس معظم المصارف وادارها بنزاهة طيلة وجودهم بها ، كما أشتغلوا بالتجارة و المقاولات و بالتالى وفروا حاجات المنطقة بالكامل. كما يجب ان لا ننسى دورهم على مستوى الدولة الليبية على جميع المستويات من الوزراء الى السفراءووكلاء الوزارات و ضباط الجيش.

وهنا تحضرني لمسة حضارية ففي مشروع زراعة الغابات بالجبل الاخضر في منطقة شحات و الذى كان رواده من أبناء درنة حيث تولى الاشراف عليه السيد عصمان الجربي ثم تبعه بإحسان السيد ابراهيم بن خيرون. فقد زرعوا الآلاف من الأشجار ورعوها بكل اخلاص فى الخمسينيات و الستينيات من القرن العشرين.  وفي حديث خاص مع المرحوم السيد ابراهيم بن خيرون لمست الحرقة في قلبه على المناطق التي أحرقها الرعاة طلبا للحطب، ففي ليلة واحدة يحرق شخص واحد مجهول سنوات من العمل المضني.  إنها هذه اللمسات الحضارية حيث يحب المرء انتاجه على الارض كما يحب اولاده.

الروح الوحدوية                            

ان الالتحام العربي النقي في مدينة درنة جعلها مدينة وحدوية على المستوى القومي وليس المستوى القطري فقط فاكبر دعوات الوحدة الليبية والعربية كانت في مدينة درنة لدرجة أن النظام الملكي كان يتحسس من تعلق الدراونة بمصر وبعبد الناصر وبالثقافة العربية.  ففي درنة يلتقي المكي والمدني والشامي والمصري والمغربي والاندلسي والتونسي والليبي في عقد حضاري بديع والذي لا يعشق درنة بينهم ليس درناويا أصيلا.  وعشق درنة هو عشق للعرب الاطهار وقادة الحضارة الانسانية الحقيقية والتي تستمد جذورها من الاصالة الفطرية للبادية العربية شجاعة وكرما.

و فى مجال الروح الوحدوية تحضرنى ابيات شعر ترنم بها شاعر ليبيا و أحد أبناء درنة المرحوم إبراهيم الأسطى عمر فى مقالته الشهيرة مخاطبا مندوب الامم المتحدة فى ليبيا، حيث قال:

إذا تسمع   فمطلبنا جدير         بان يعطى انتباها و اهتماما

يريد الشعب   وحدته ففيها      كرامته و لا يرضى انقساما

يريد الشعب دستورا كريما      يصون حقوقه من ان تضاما

يريد الشعب تمثيلا صحيحا           ليحكم نفسه حكما قواما

إبراهيم الأسطى عمر بزى جيش التحرير الليبى

يتضح من هذه الأبيات المطالب الشعبية بليبيا و فى جمعية عمر المختار فى درنة بالحرية و الإستقلال فى ظل وحدة البلاد و فى نظام دستورى يحفظ الحقوق ، و تمثيل نيابى صحيح يضمن رقابة الشعب و حماية مصالحه و هو ما نسميه بالديموقراطية.

 ثم بعد ان تناول بعض شؤون ذلك الزمان عاد شاعرنا للتأكيد فى آخر خطابه على الوحدة حيث قال:

الا يا أيها المندوب حاذر      من التقسيم إن شئت إحتراما

فوحدة ليبيا لابد منها               لتنفيذ القرار  بها دواما

ووحدة شعبنا بمقومات         أتت كالشمس بددت القتاما

فنطق الضاد منطقنا جميعا    ودين الشعب إسلام ترامى

وذا التاريخ و العادات فينا   و ذى الانساب تجمعنا تماما

ورقعة أرضنا ابدا جميعا      فلم نعرف لوحدتها انقساما

و أما ما أقتضته ظروف حرب  من التقسيم لا يبقى لزاما 

ولقد برز فى الحراك السياسى فى درنة قبل الاستقلال عدد من الشخصيات البارزة التى كان لها دور فيما بعد فى الحياة السياسية و فى الدولة الليبية و منهم على سبيل المثال لا الحصر:

على باشا العبيدى

عبد الرازق شقلوف

عبدالله محمد سكتة

الصالحين بن سعود

عبد الحميد بن حليم

عبد الكريم لياس

و بالرغم من الحضور الكثيف لابناء درنة فى دواليب الدولة لا تجد من بينهم من ينحاز لمدينته؛ و اذكر أنى مرة سالت أحدهم لماذا أهملتم درنة؟ فأجاب : كانت رؤيتنا و حدوية وو طنية و قومية ، كنا نفكر كيف تنجح ليبيا و لم نفكر فى عائلاتنا أو قبائلنا أو مدينتنا . أنهم جيل الرعيل الاول، جيل النهضة. 

تقديس القيم الإنسانية

يقدس أبناء درنة الحرية، حرية وكرامة الانسان و حرية الفكر و حرية الرأي وحق الانسان في التطور و التقدم؛ فالجميع في درنة احرار مع الاحترام لكل قادم غريب اليها. و اذكر هنا بيت شهير لابراهيم الاسطى عمر عندما طلبوا منه الامتناع عن العمل السياسى فقال:

قيل صمتا، قلت لست بميت       إنما الصمت ميزة للجماد

وقد تحركت في نفسي شجون و مشاعرانسانية عندما سمعت مونولوج للفنان مصطفى البتير افتتحه بكلمات رجل من اصل افريقي كان يطلب الصدقات في درنة يقول " امعيشة ربي " فالتراث الشعبى الدرناوي لا يهمل احدا ولا يهمش غريبا او فقيرا.

كما يمكننا تلمس البعد الإنسانى فى الفكر الدرناوى من خلال أبيات الشعر إبراهيم الأسطى عمررئيس جمعية عمر المختار بدرنة و زعيم نهضتها السياسية الحديثة ،عند ما تمنى سمو الروح الإنسانية على نزعة الجور و الإنتقام للمنتصرين فى نهاية الحرب العظمى سنة 1946 ميلادية حيث قال:

هكذا لو فهم   الغالب             معنى الإنتصار

وقضى بالعدل فى المغلوب      رشدا و اعتبارا

لرأينا الناس  اخوانا              يراعون الجوار

همهم ، تفكيرهم، بل سعيهم ،    نحو العمار

فاذا الكون نعيما                   واذا الناس خيارا

يشمل الناس الوئام                وعلى الأرض السلام 

وهكذا كان الفكر السائد فى درنة فى ذلك الوقت يتمحور حول القيم الانسانية من عدل و أخوة فى البشرية و حرية و مساواة و سعى للإعمار من أجل سلام عالمى دائم.

ولقد وقفت درنة بحضرها و بواديها دائما ضد الاحتلال والاستعمار والقواعد في أى موقع من الوطن العربي جيلا بعد جيل؛ وشارك العديد من أبنائها في حرب فلسطين وفي دعم الشعب الجزائري خلال محنته. 

فن و ذوق و أخلاق

   الحياة فن وذوق واخلاق كلمات جميلة كحقيقة في الواقع وليس كلوحة فنية على الجدران، وهذا كان جليا في درنة حينما تخلو الشوارع من الناس وتلتقي المجموعات لمتابعة خطب عبدالناصر وأغاني أمكلثوم ليلة الجمعة أو حفلات السيدة فيروز وكذلك الاهتمام بكتب الادب والشعر العربي ومتابعة أخبار الرياضة الجميلة والنزيهة عبر الاذاعة او عبر التلفاز، ناهيك عن النشاط المسرحى المحلى الذى ساهم فى بناء و جدان قومى و تاريخى يربط الاندلس ببغداد بذاكرة الانسان.  ليس هذا فحسب بل يتمتع أهل درنة بذوق رفيع في حب الزهور مثل الزهر والياسمين وأذكر شوارع درنة تزينها الورود وتفوح من بيوتها رائحة الزهر صباحا ورائحة الياسمين مع الغروب. 

وادى درنة

وهنا تحضرنى أبيات ترنم بها شاعر درنة  المرحوم المبروك عبد العزيز الجربى عندما قال فى وصف درنة :

عبق التاريخ يضمخها        شفق الأفاق يحنيها

نسمات الفجر تصبحها       زفرات الورد تمسيها

يجلو الشلال مفاتنها          والبحر يمسد رجليها

عرس لا يهدأ محتدما        و عروسا تتأود تيها

دالُ  دعوات صحابتها       و دماء مصارعهم فيها

راءُ  رشفات مناهلها         و روائع همس سواقيها

نونُ و نواح حمائمها         و شجى نياح بواكيها

هاءُ  هى همى و هيامى     و هواجس كل محبيها

ويصور لنا الشاعر فى هذه الأبيات درنة كعروس جمعت بين الجمال والجلال عبر تلاقى الماضى والحاضر وبركات الصالحين فيها و هواجس حبٍ من كل بنيها. 

مزارع الإخلاص                                                                                                                      

 يطيب لي أن اطلق هذا الاسم على مدارس درنة كما عرفتها، فلقد غرست في نفوسنا حب الاخلاص والتفاني في العمل من خلال الممارسة العملية لمعلمينا.  فلم يكن الامر شعرا او نثرا أو خطب رنانة ولكن كان اخلاصا يمشي على الارض في شكل رجال ذوي مؤهلات متوسطة أو بسيطة؛ ولكنهم بالحرص والاخلاص خرجوا أجيالا من الشباب المخلص المتفوق المعطاء. تصوروا معى مدرسا محدود الدخل جدا يأتي بعد الظهر ليعطي دروسا اضافية مجانية للجميع في اللغة العربية والدين والحساب لكي يضمن التفوق لابنائه الطلاب و أذكر منهم الاستاذ عبد الله بلها و الاستاذ عوض دربى و الاستاذعبد الكريم فنوش، إنها الوطنية وروح الإنتماء و هذا كان يحدث فى كل المدارس.

الفصل الخامس ابتدائى 1961

مدرسة عزوز الابتدائية و يبدو فى الصورة الاستاذ ابراهيم شليمبو 

جزى الله معلمينا عنا كل خير وجعل هذا الجهد في ميزان حسناتهم. ولا أملك هنا إلا أن اذكر اصحاب الفضل على شخصيا من اساتذة مدينة درنة فى الفترة الزمنية من 1956 الى 1968ميلادية وهم :

-  الاستاذ محمد أبوماضي    

-  الاستاذ فرج ابوالقاسم

- الاستاذ مصطفى الطرابلسي

- الاستاذ سالم اسطى عمر

- الاستاذ رمضان الشويهدى

- الاستاذ أحمد أبوزيد

- الاستاذ سعد الشويهدى

- الاستاذ عبدالكريم فنوش

- الاستاذ عوض دربى

- الاستاذ عبدالله بلها

-  الاستاذ سليمان زقلام

- الاستاذ على عبدالجواد الشاعري

- الاستاذ سالم بن خيرون

- الاستاذ عبدالله فيتور

- الاستاذ عبدالمنعم فرج الرباطي

- الاستاذ سعد ابريك

- الاستاذ عبدالكريم فيتور

- الاستاذ أحمد لياس

- الاستاذ ابراهيم اشليمبو

- الاستاذ محمود الديباني

- الاستاذ صالح الزني

- الاستاذ انور الغرياني

- الاستاذ فرج فيتور

- الاستاذ عبدالسلام قربادي

ولو كتب لي أن أصنع تاجا أو أكليلا لصنعته من أغصان "تفاح درنة" ولكتتبت على كل غصن اسم عائلة من عوائل درنة وعلى كل ورقة اسم أحد معلمى درنة عرفانا بالفضل واكبارا للجميل  فهم سر تميزنا، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله والحمد لله رب العالمين.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home