Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الأحد 19 اكتوبر 2008

نماذج من الإبداع الليبي

الفنان بشير حمودة

د. فتحي رجب العكاري

الإبداع في أي مجتمع هو كالروح فى الجسد ، فهو يحمل فى طياته الأمل و التطلع للمستقبل و القدرة على صناعة التقدم . و المبدعون هم شموع تحترق فى دياجير الظلام لتنير الطريق للآخرين فى صمت عميق . و قيمة الإبداع و المبدعين تزداد كلما خيم ظلام الجهل ، أو التخلف الفكري ، عندها يبرز المبدعون يبعثون الأمل و يبددون الظلام ويحملون المشاعل في مجالات عديدة . و هم لاينتظرون نداءا من أحد ولا مكافأة من أحد ، و لكنهم يحتاجون فقط لصحوة من حولهم من سباتهم ، فالنائم لا يرى النور.

لقد تعلمت فى حياتى أن ابحث عن الأمل ، فليس ثمة شىء أفضل من الأمل يعيننا على العبور خلال مصاعب الايام و مرارة الآلام . وكثيرا ما أرى بشائر هذا الأمل فى معالم المبدعين فى كفاحهم ، وفى صبرهم و فى عزيمتهم ، و عزمهم على الاستمرار ، أو فى المعالم الجمالية و الابداعية فى الكون . و بفضل الله تعالى و توفيقه ، تجدني حيثما ذهبت أتلمس آثار المبدعين إلى أن ألقاهم . وفى خلال زيارة لمدينة طرابلس كان هذا اللقاء بدون ترتيب مع أحد معالم الإبداع الليبي و هو الأستاذ الفنان بشير حمودة . و لقد جمع بيننا أخ و صديق مشترك يعرف ولعي بالإبداع الفني و هو الاستاذ حسن بن طاهر ، الاستاذ بقسم العمارة بجامعة الفاتح بطرابلس .


د. بشير حمودة

التقينا في خلوة الفنان و هى مرسمه و الذى يجمع بين عبق التاريخ و جمال العمارة و الطبيعة عند عنق الزجاجة فى سرة مدينة طرابلس . فالمرسم يقع داخل سراية القناصل و يحدها جنوبا زنقة الفرنسيس و غربا قوس ماركوس أوروليوس و شمالا جامع سيدى عبد الوهاب ومن خلف الجامع مدخل ميناء طرابلس .


زنقة الفرنسيس بالمدينة القديمة بطرابلس

ود. حمودة أصلا من مواليد المدينة القديمة بطرابلس عام 1948 ميلادية و المثل يقول : موقع الرأس غالى . و تدرج فى مجال الفن من الهواية الى الدراسة الجامعية فى إيطاليا في مجال الفن ، ثم الدراسات العليا الى ان أصبح أستاذا بكلية الفنون الجميلة بجامعة الفاتح .

التقينا ظهرا فى يوم مشمس و لطيف زاد اللقاء حلاوة و جمالا . و بعد تعارف سريع تناولنا حديثا ذا شجون عن رحلة هذا الفنان بين ربوع الدنيا ، حيث كانت طرابلس دائما فى مركزها ، و عن الفن و أهله و دوره فى الحياة . و قد أعجبنى جدا انكباب هذا الفنان على عمله رغم مشاغله كأستاذ في الجامعة بكلية الفنون الجميلة ، و ربما تكون هذه الخلوة لهذا الفنان مع فنه هى وسيلته فى صناعة الامل .


جامع سيدى عبد الوهاب بطرابلس

و ملا لقاءنا جو رائع من المودة و الاكرام و كأنني أعرف الرجل منذ زمن بعيد ، و لعل الأمل المشترك فى مستقبل سعيد لبلادنا كان عروة اللقاء . وكانت فرصة لا تقدر بثمن للاطلاع على إنتاجه و الذي صورت العديد من لوحاته لأحمل الأمل معى وهأنذا أشرككم معي في بعض معالم جماله .

و رغم إعجابى الشديد بما رأيت فإني لن أقول رأيا فيما رأيت ، بل سأكتفي برأي شيخ هذا الفن ألا وهو الاستاذ على قانة رحمه الله ، حيث قال عن هذا المبدع : إنه فنان مطمئن النفس يتحرك الكون حوله فينساب معه فى صعوده و هبوطه يراقب و يعمل ، يتكلم بهدوء و يجمع من اللحظات ألوانها. و كان منذ نشأته الأولى يصوغ أعماله بهدوء و روية ، ترعرع و عاش طفولة حبيبة بصحبة والده الذى كان عاشقا للطبيعة و جمال اللحظة ، يبحث عنها برفقة ابنه فى بساتين تاجوراء و شطوطها بجوار سيدى الأندلسى ، أو عند سيدى عامر ، بين غابات الزيتون و أشجار النخيل . كان هذا أول الدروس و كانت رفقة و ريادة ارتوى فيها بلون الأرض و حمل ألوان سعف النخيل و أشجار الزيتون في أعماق صدره . و كان اهتمامه باللون هو البعد الأفقى و الشامل لتتبع خلجاته ، و استمر الى ان أصبح اللون سمحا و اتحد بالسلوك اليومى للرسام و أصبحت وحدة الفارس و الجواد و وحدة الحياة و الاحساس و العمل .


أحد أركان مرسم الفنان بشير حمودة

أما الناقد و الفنان التشكيلى الاستاذ على الزويك فيصف الأستاذ بشير بقوله : هذا الفنان ذاكرة جمالية طرابلسية معبرة بصدق و حميمية عن المكان و أهله عبر لوحاته ، و أهم ما يميزه عن غيره هو تخليه عن الادعاء بفن المهام الكبرى التى يروج لها المنظرون فى مجالات الفن التشكيلى . إنه ذاكرة وجدانية ملتصقة بالجميل المطمئن الباعث على السرور ، حتى لو كان هذا السرور عابرا . أحيانا كثيرة كان يهرب بجلده من مهامه الاجتماعية ليخلو بفنه ، إنه فنان ، مزيج من الخجل و الحزن ، حزن ورثه الفنانون فى بلادنا لغياب التوثيق لمسيرة الابداع .

و الآن دعونا نحاول تحسس طريقنا في التعرف على جوانب من مسيرة هذا الفنان من خلال بعض اللوحات فى عدد من المقالات ، ومنها على سبيل المثال جوانب الجمال فى فتاة من طرابلس بالزى التقليدى القديم . وبالرغم من ان هذا الزى أى الفراشية يخفى جميع المعالم ولا يسمح لها الا باستخدام نصف بصرها ، فهو يبرز جمال البسمة و اطلالة الامل فى استحياء .

فالمرأة الليبية هى فعلا الجندى المجهول فى معركتنا من أجل البقاء ، فهى كانت لا ترى من الدنيا اكثر من نصفها خارج البيت ، هذا اذا كانت تخرج من البيت . وقتها كان موقوفا لرعاية الابناء و توفير كل ما تحتاجه الاسرة من معالم الاستقرار و الاستمرارية من محبة و حنان فى صبر و صمت ، مع عمل دؤوب يصل النهار بالليل ، فهى فى النهار مربية و بالليل ممرضة . حرمتها ظروف المجتمع من التعليم و لو فى ابسط أشكاله اللهم إلا ما تعلمته من أمها أو جدتها في الصغر و مع هذا ابدعت فى مهمة الأمومة ، وكل منا يعرف دور أمه فى حياته و قيمتها فيها .

بينما نرى في اللوحة التالية معالم المدينة ، فى تقاطع المباني و الشوارع عبر العصور حاملة بصمات التاريخ داخل الجغرافيا ، انها طبقات متراكمة من أنماط العمارة و الحضارة فى مسيرة ألفى عام . تراكمية عجيبة كلما ازدادت ارتفاعا اختفى بين طبقاتها صانعوها ، بل تردم حتى ابسط اشكال الحياة التى جاءت لتدعمها ، و يبدو ذلك واضحا فى غياب أى اثر للزهر أو الطير أو الشجر . انه تاريخ محفور على الجدران و فى ردهات المنازل و الازقة يحمل بين طياته آمال و آلام من سكنوا الديار .

و لكن تناغم الالوان و تداخل الخطوط فى هذه اللوحة يوحى بحركية وحيوية و نمو فى هذه المدينة بشكل رائع و بديع . انه الابداع و الحس الفنى ، و كفى المبدعين شرفا أن الله سبحانه و تعالى وصف نفسه بأنه بديع السموات و الأرض . و لهذا الحديث بقية من شجون نلتقي معها في وقت لاحق بإذن الله تعالى .

و يجب أن لا يفوتنى هنا التوجه بالشكر لجهاز تطوير المدينة القديمة و الذى يشرف على احياء معالم هذا الجزء الهام حضاريا و تاريخيا من طرابلس .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home