Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الأحد 16 نوفمبر 2008

درنة المنارة

د. فتحي رجب العكاري

خرجت و هى فتاة فى عمر الزهور من درنة بعد اتمام الدراسة الثانوية لتتزوج من شاب من طرابلس ، و كان لها آخر لقاء بمدينة درنة فى اوائل السبعينيات قبل ان تغادر مع زوجها للعيش فى الخارج . ثم تهيأت ظروف الانفتاح فعادت لزيارة درنة و أهلها فى درنة .


منظر عام لمدينة درنة فى العشرينيات من القرن الماضى

مدينة درنة كما تعلمون ليس بها مطار بعد ان اغلق مطار التميمى ، وصلت الى بنغازى بعد الظهر و دخلت مدينة درنة فى الليل ، كانت الفرحة و السلام و الحكايات و لقاء الأحبة . مع بزوغ اول خيوط الصباح طلبت ممن حولها ان تزور قبر أبيها ، ذهبوا بها لمقبرة الفتايح وقد بدا الحزن على وجهها مع دخول المقبرة و ازداد الحزن قبل أن تصل قبر أبيها . فلقد نظرت عن يمينها فرأت اعداد مهولة من القبور لاطفال حديثى الولادة ، سالت دمعتها و قالت : هل أصبحت درنة مقبرة للأطفال؟ أين الصحة ؟ أين الطب وأين الأطباء يا سبحان الله؟.... يموتون قبل أن يروا الدنيا ..مساكين . أتمت زيارة المقبرة و عادت الى البيت فى صمت رهيب .

توالت الايام و الزوار من الاقارب و الاصحاب يطرقون الباب كل يوم ، و فى احد الايام حنت لرؤية الشوارع و المدارس و الاسواق التى عهدتها فى درنة ؛ فقالت لابن لأخيها ألا أخذتنى الى زنقة حشيشة ؟ وصلت فلم تر الا الأطلال ، تالمت و سكتت . ثم قالت : لنذهب الى شارع الفنار حيث كانت مدرسة الزهراء للبنات ، فازدادت حزنا اذ بدت المبانى اسوء حالا من غزة . بعد ذلك طلبت ان ترى سوق الظلام فوجدته مظلما ، و لا حياة فيه لمن تنادى . تعبت مما رأت فطلبت ان تذهب لشارع البحر أو الشاطىء فزاد ذلك الطين بلة ، و بدى الحزن الشديد على وجهها فأخذت تضرب كفا على كف و تقول : يا خسارة يا درنة ، ما تستاهل درنة ، يا خسارة يا درنة ، مسكينة يا درنة .


سوق الخرازة فى درنة سنة 1946

لقد تعود اهلنا على النحيب منذ القدم ، فنحن دائما نبكى و احيانا كثيرة نتباكى و لكننا لا نفعل شيئا . و ننهض من آلامنا كل يوم كما ينهض الحمارأكرمكم الله بعد ما يتقلب على الارض ليدلك اطرافه كلما اضناه التعب . و تحضرنى سيرة بعض النساء الليبيات الائى يذهبن للعزاء لا للتعزية و لكن ليبكين على حظهن العاثر . هل ورثنا هذه المشاعر و تشربها بعضنا فى الحليب ؟ ام بلغ التشاؤم حده لدينا فلا نرى الا الجانب المظلم من الدنيا . و لو عاد الى الدنيا اجدادنا لقالوا كم انتم فى خير ، ففى زمانهم كانوا يعملون بجد و اجتهاد يأكلون مما يزرعون بايديهم ، و يلبسون ما يصنعون ، و يبنون ما يسكنون و يحمدون الله سبحانه و تعالى على كل نعمة و يصبرون على الضراء و يشكرون على السراء .مرت عليهم سنين حروب و سنين ظلم و سنين قحط و لم يقنطوا من رحمة الله بل كانوا سببا لنزول الرحمة و رفع الضرر عنهم . اما نحن فنريدها حمرة و جراية و لا تأكل الشعير، و المثل اليبى يقول رزق الماء يمشى للماء ، ولا شىء ياتى بلا ثمن . و الشرع جعل الكسب الحلال فى ثلاث اما فى أرث طيب سعى فى كسبه الاباء ، أو أجرة مقابل جهد أو ربح فى تجارة حلال ؛ و كذلك فى كل الحقوق فلا تتوقع ان يهدى لك احد حقا فرطت فيه أو سلبك اياه .

و لأجل هذا وجدت المحاكم و الشرطة كنواب عن المجتمع فى دفع الضرر ، ثم تتراكب السلطات حتى تصل الى مصدر جميع السلطات الا و هو الشعب الممثل فى اعلى سلطة تشريعية فى أى نظام حكم فى العالم .


شارع فى درنة وكأنه حديقة سنة 1946

مسكينة يا درنه

مدينة درنة منذ القدم معروفة بانها احدى حواضر برقة و ليبيا ، فهى من المدن العريقة فى المدنية و التحضر . سكانها معروفون بحب العلم و أهله و على مر العصور يذكرها من زارها بكرم اهلها و جمال طلعتها و نظافة شوارعها و عبق بساتينها . انها مدينة تعانق الجبل الاشم و أطرافها تداعب أمواج البحر تماما كما تفعل عرائس البحر فى حكايات الاساطير .

لقد قدمت مدينة درنة للوطن و للامة العربية و الاسلامية أجيالا من الشباب المتعلم و فى جميع المجالات و تجسدت فيها اواصر الوحدة الليبية و العربية والاسلامية . و سكانها ينحدرون من جميع اطياف العالم الاسلامى ناهيك عن المدن و القبائل العربية و الليبية .و على مدى القرن الماضى كانت مركز اشعاع تنير الطريق لمن حولها من القرى ثم المدن . جاء منها المعلمون و الموظفون و رجال القضاء و خبراء الاقتصاد و البنوك و ضباط القوات المسلحة ، بل و كان لها السبق فى حقائب الحكومات عندما تكون الكفاءة هى المعيار . و رغم دورها البناء فى البناء دائما لم تحض بالقسط الكافى من التنمية ، ففى العهد الملكى كانت من المناطق المغضوب عليها نظرا لمواقفها القومية فى تاييد التحرر العربى و الوحدة العربية و التطلع لمزيد من الديموقراطية . كما ساهم قصر نظر القائمين عليها فى عدم وجود أية مخططات للتنمية ، فكان خيرة رجالها دائما يرحلون عنها بحثا عن فرص عمل و نماء أفضل فى طرابلس أو بنغازى أو للعمل فى الدولة . و بالرغم من التواجد الكثيف لابناء درنة فى اجهزة الدولة الا ان تركيبتهم الوطنية و المهنية لم تسمح لهم بان يستخدموا المحسوبية و الوساطة لخدمتها . فالدرناوى كما عهدناه يتحول الى امير للمؤمنين اذا طلبت منه مساعدة من خلال عمله . و عند قيام الثورة كانت الاحلام كبيرة فى درنة ، خاصة و ان عددا من الضباط الاحرار كانوا منها و كذلك عدد من الوزراء ، لكن درنة لم تكن من الاولويات فى التنمية و على هذا الحال سار المنوال ، فالى متى نبقى نقول مسكينة يا درنة؟

ما تستاهل درنة

ايام العهد الملكى توالى علي درنة عمداء بلدية لا يعرفون النظرة المستقبلية ، فكان بعضهم يعيد اغلب الميزانية فى نهاية السنة او الخطة ، كما حكم محافظة درنة محافظون من خارج حدود المدينة لا يهمهم من امرها شيئا غير أنها ممر لما هو اهم من المراكز و المناصب العليا. ثم اتت الممارسات السيئة فى السلطة الشعبية فاتت على الاخضر و اليابس ، و اعنى هنا الكولسة و مافيا التصعيد من اصحاب المصالح المشتركة. فبعد عدة محاولات من أبنائها المخلصين للمشاركة اعتزل معظم الصالحين مواقع التصعيد و تركوا المكان شاغرا لكل من هب و دب من الجاهليين و اشباه المتعلمين و الجهال و هنا لا أقصد فئة بعينها ولكنى أقصد كل من استغل مركزه لمصلحة من صعده أو كل من حابى أو أفسد او ضيع الامانة و لو كان يحمل الدكتوراة ، هذا اذا كانت الدكتوراة تعنى أن حاملها يعرف ما يفعل أو يعمل ما يعرف . فكم من امى أو غير متعلم ينبض حكمة و امانة و صدقا سواء كان من البدو أو الحضر .

و ما زاد الامر سوءا ان مدينة درنة صارت تابعة لبعض المناطق التى كانت فروعا بلدية تتبعها و ذلك نكاية فى أهلها الذين يرفضون أساليب الجهل و التخلف . و كما نعلم جميعا أنه يكره أن يؤم القروى أبناء المدينة فى الصلاة ، فما بالك بتوليه ادارة كافة شؤونهم . هل هذا يليق بمدينة انجبت الاف الخريجين من حملة الشهادات الجامعية و العليا من اشهر جامعات الدنيا ؟ .


هكذا تبدو حدائق فندق الجبل الاخضرالشهير فى مركزمدينة درنة عام 2008

أن الادارة علم و فن رفيع يدرس فى كل جامعات الدنيا و نحن نتركها لمن لا يرى فيها الا فرصته للكسب الغير مشروع من كل مؤسسة و مشروع ، بل و نتركها لهم و يراقبهم امثالهم و نسميهم جميعا أمناء .

و فى الواقع ما حدث فى درنة هو تخريب منظم للمدينة لا علاقة له بالادارة أو بالسلطة الشعبية .


هكذا تبدو بعض بيوت درنة القديمة عام 2008 فى غياب التنمية و لم تتغير منذ عام 1950

لقد وقع على هذه المدينة ظلما لم تره اى مدينة ليبية لها تاريخ درنة . فمدينة درنة تاسست قبل الاسكندرية . وأبناء درنة و رجالها كانوا دائما من مكونات العمود الفقرى للدولة الليبية و فى كل المجالات ، و كانوا دائما السباقين للذود عن قضايا الامة العربية و فلسطين و الجزائر ومصر و العراق تعرف دورهم ايام محنتها. فهل تستأهل أو تستحق درنة بعد كل هذا ما حل بها؟ حقا ما تستأهل درنة .

يا خسارة يا درنة

لقد عرفت درنة و الزهور تلفها ، و الهواء عليل
الماء عذب وربوعها خضراء و كل وجه تراه جميل
فى المساء تفوح يسمينا و فى الصبح تملاها روائح الزهر الجميل
و كل هذه النضارة أجتمعت بين جبل أشم و شاطىء جميل
المبانى كانت منسقة و الشوارع على النظافة و النظام دليل
ناهيك عن الذوق فى الطلعة البهية من جيل الى جيل
أما اليوم اذا زرتها فقد تقول ما لهذه حصة فى كذا وصف جميل
بل مدينة الموتى و المقابر و اطلال حضارة صارت على الدمار دليل
المبانى تكاد تسقط على أهلها و الشوارع فيها المجارى تسيل
الاطفال يلعبون بين أكداس القمامة و المجارى فيا لحظ هذا الجيل
الطرق حفر و بقايا رصف و طين و كأنى بها دبرت بليل
الفقر باد على كل وجه و المرض يفتك بأهلها و بابن السبيل
فى غياب الطب فالناس الى الخرافات تلتجىء و للمشعوذين تميل
السلام على من اتبع الهدى و انتهج الى العدل و المساواة سبيل

ألا ليت شعرى هل ينبه من بيده الامر؟ أو يحي قلوب العارفين فيعوا مأساة اسمها درنة قبل ان نخسرها، و نعود لمقولة أبنتها الحنون .. يا خسارة يا درنة ما تستاهل درنة فى كل وقت وحين .

درنة المنارة

درنة كانت دائما منارة لمن حولها و دليلا لمن طلب العلم و التقدم و الحضارة . لا يناسبها و لا يناسب طبيعتها و طباع اهلها الا هذا الدور . يمكن لها ان تكون قلعة لنقل العلوم و التكنولوجيا و التعريب ، و لديها القدرات العلمية من خبراء و اساتذة و باحثين فى كل المجالات ، كما أن لديها البنية التحتية اللازمة لمثل هذا المشروع . ولديها القدرة على استيعاب عدة مراكز بحثية متقدمة و لا يناسب موقعها شىء اكثر من المدن الجامعية و المراكز الطبية المتخصصة ، هذا بالطبع اذا توفرت لها الامكانيات وصدقت النيات لدى اصحاب القرار . و البيئة الثقافية المتوفرة فيها لا تقارن بأى مدينة اخرى فى ليبيا . و انا على يقين من انه سيسعد ابناء درنة ان يكونوا فى خدمة العلم و أهله ، و أن يكونوا فى خدمة ليبيا و بالتالى تساهم درنة من جديد فى دفع عجلة التقدم و الرقى فى ليبيا عامة و فى منطقة الجبل الاخضر خاصة و تعود خبرات و خيرات أبنائها اليها ، بعد أن تركوها بحثا عن فرصة أفضل للعيش بعيدا عنها .

و أنا هنا أدعو مجالس التخطيط فى ليبيا و جميع القادرين من أبناء درنة فى كل المواقع و على رأسهم الاخ المكلف بتطوير مدينة درنة بتبنى مشروع درنة المنارة من أجل مستقبل اسعد لدرنة و خدمة أفضل لكل ليبيا و أبنائها .
_______________________________________________________

- تم استعمال صور تعود للمكتبة الوطنية الاسترالية باذن خاص ، يمكن نسخها ولا يمكن استخدامها بدون اذن.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home