Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الأثنين 15 ديسمبر 2008

الحكمة من أعمال الحج

د. فتحي رجب العكاري

العبادات فى الاسلام ليست مجرد طقوس لا عبرة فيها ، بل هى مدرسة نتعلم منها و نستخلص منها المعانى التى تنير لنا الطريق فى حياتنا الدنيا . و كل عمل نتقرب به الى الله تعالى يحمل فى طياته قيم و مبادىء و توجيهات و اذا لم يكن هذا فكيف نخرج من الظلمات الى النور الا باقتباس النور فى لحظات التجلى عند التفرغ لعبادة الله الواحد الأحد .

الحج

الحج يعتبر من أعظم العبادات فى الاسلام ، بل هو رحلة العمر اذا كان للمسلم رحلة تصله بالله اتصالا لا انقطاع بعده ، لمن يوفقه الله . ففى الحج يخرج العبد من بلده و أهله و ماله و يتوجه الى خير بقاع الأرض عند الله ألا و هو البيت الحرام . فالعبد يترك الدنيا و ملذاتها و يتوجه الى مكة طلبا لرضى الله و عفوه و مغفرته ، انه الفرار الى الله . و لقد ارتبطت اعمال الحج بسيرة سيدنا ابراهيم عليه السلام و اسرته . فبادىء ذى بدء كان الانتقال بالاسرة الى مكة ، لكى يترك ابراهيم عليه السلام المتقدم فى السن زوجته الشابة أمنا هاجر و ابنه الرضيع اسماعيل عند قواعد البيت فى بطن مكة ، عندما كانت مكة صحراء قاحلة لا حياة فيها امتثالا لامر الله تعالى . و عندما سألته السيدة هاجر : أالله أمرك بهذا؟ فاجابها بالأيجاب قالت : إذا لن يضيعنا . فاجتمعت لهذين الزوجين طاعة الله و الثقة به و حسن التوكل عليه . و هذه كانت الهجرة الأولى فى أصول الاسلام أو لنقل أصل رحلة الحج .

الآذان بالحج

و بعد بناء الكعبة أمر الله سبحانه و تعالى سيدنا ابراهيم بأن يؤذن فى الناس بالحج فى أرض خلاء ليس فيها أحد يسمعه . و يرفع سيدنا ابراهيم الآذان بالحج و يلبى المسلمون بعد عشرات القرون دعوته و يأتون من كل فج عميق . و فى هذا الأمر حكمة ألا و هى الدعوة الى الله و الأمر بالمعروف من أجل نهضة هذه الأمة و لو كان المرء وحيدا ، أو بين الناس و لا يسمع له أحد أو لا يلتفت اليه أحد . اى انه على المسلم ان يدعو اين ما كان ، و كم من دعوة قام بها المتأخرون افضل مما فعل ناقلوها ؟ . علينا أن ندعو بالكتابة و بالحديث و بالموعظة الحسنة و بالقدوة الحسنة . علينا أن ندعو فى المدن و الأرياف و فى أعالى الجبال و فى السهول و الصحارى و نترك التلبية لمن يعتبر و لمن يسدده الله الى الصواب . و علينا أن نعلن دعوتنا و نجهر بها فى كل وقت و فى كل مكان كى تنهض الامة من سباتها .

التلبية

التلبية هى رفع الصوت باجابة الدعوة ،و يرددها الحاج فى كل مسيره الى الحج و خلال الحج و هى عبارة عن اعلان و تعبير حر و علنى عما يدور فى قلبه . و هى اشارة الى حرية التعبير العلنى فى الدعوة الى البر و العمل البار . و اذا رفع العبد صوته فى خير بقاع الارض معلنا وجوده و استقلاليته و مخاطبا الله سبحانه و تعالى و لا ينوب عنه فى ذلك أحد ، فمن حقه أن يعبر عن رأيه امام جميع الخلق و فى كل مكان طالما لا يعتدى على حق غيره . و الله سبحانه و تعالى عالم بما فى قلب المسلم لكنه يحب أن يسمع منه و هويعبر عما يختلج فى صدره علنا أمام الجميع ، أنها حرية التعبير .

الاحرام

الاحرام فى الشكل هو ابرازللبدء بشعيرة الحج و لكن فى الباطن هو الامتناع عن المباح فى وقت التفرغ للعبادة ، انه التفرغ الكامل فلا كلام و لا متعة و لا لهو مع التوجه الى الله العزيز الجبار . و ما أحوجنا الى الامتناع عن كل مباح لتقديس واجباتنا و التفرغ باخلاص لاداء اعمالنا . أنها دعوة الى التخصص و دعوة الى التفرغ و دعوة الى الاتقان و دعوة الى الاخلاص فى العمل ، و هى الحكمة من وراء هذه الشعيرة .

الطواف

لقد جعل الله الطواف بالكعبة مشابها لطواف الملائكة حول العرش للدلالة على تمام تعلق القلوب و الالتفاف حول عبادة الخالق و حول هذا الدين ،و القلوب عادة ما تطوف حول من تحب . و وجود البيت الحرام على يسار الطائفين زيادة فى الاشارة الى تعلق القلوب . و الطواف عادة حركة جماعية متواصلة مع حرية فردية بمعنى أن هذا التعلق يحتاج الى حركة و عمل متواصل يحمل معانيه و يبرزها ، ويدل كذلك على تناسق وتكامل بين عمل الفرد وعمل المجموعة فكلاهما يكمل الآخر .

السعى

لقد ارتبط السعى فى الحج بفعل السيدة هاجر حينما كانت تسعى بين الصفا و المروة للبحث عن قافلة أو مصدر عون لها و لابنها الرضيع ، فهى كانت مؤمنة و تعرف ان الله لن يضيعها و لكنها لم تجلس مع هذا اليقين و تدعو الله ليفرج كربها . فى الواقع هى بادرت الى السعى و سعت سبعة أشواط و لم تتوقف حتى رأت الماء يتدفق عند قدمى سيدنا اسماعيل عليه السلام ، و أنا متأكد لو أنها لم تره لاستمرت فى السعى لربما حتى الى سبعين شوطا . و لا أخالها الا أنها كانت تسعى و تدعو الله مع كل خطوة تماما كما يفعل الحجيج الآن . و الحكمة هنا تكمن فى السعى فى طلب الرزق و السعى فى طلب الحق و السعى فى طلب العدل ، و السعى فى طلب الكرامة و السعى فى طلب العلم و السعى فى طلب كل ما فيه خير للدنيا و الآخرة .

الوقوف بعرفة

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : الحج عرفة . ففى عرفة اظهار لموقف العبودية لله فى أكبر تجمع تعرفه الأرض و يباهى به المولى عز وجل الملائكة فى السماء .و اذا كان الله تعالى يحب أن يرى عباده و هم يتخذون موقفا واحدا و فى يوم واحد و فى مكان واحد ، فان فى ذلك دلالة على أهمية الجماعة و الاجماع و بالتالى أهمية حق التجمع للناس للدفاع عن حقوقهم أو المطالبة بها . و علينا أن ننقل هذا المثال الى حياتنا و نعبر عن حاجة الامة الى الخروج على القيود التى فرضها عليها ملوك الارض فالله سبحانه و تعالى لم يبعث الرسل الا لمحاربة الطواغيت فى قلوبنا وفى بيوتنا و فى حكامنا و فى أنظمة حكمنا .

رمى الجمرات

شعيرة رمى الجمرات هى احدى أعمال الحج التى ترتبط بفعل سيدنا ابراهيم عليه السلام عندما حاول الشيطان أن يغريه بعدم طاعة الله فى ذبح ابنه اسماعيل . أنها رمز لمحاربة دعوات الكفر و الانحراف و أجمل تطبيق لرمى الجمرات نراه فى انتفاضة ابطال الحجارة فى فلسطين المحتلة ، فهم بفعلهم هذا يرجمون شياطين الأنس . و هذا هو الحد الادنى فى الصراع مع الباطل و جنوده ، و ربما تكون سلاح الشعوب الأخير ألا و هو ثورة الحجارة.

النحر

أنما جعل الهدى للحاج و جعلت الاضحية لغير الحاج لاحياء سنة الله فى فداء اسماعيل عليه السلام عندما أطاع ابراهيم ربه و أطاع اسماعيل ربه و رضى بقرار ابيه الطائع لله ففداه الله بذبح عظيم . و يقول بعض الفقهاء ان ذلك الكبش كان لابونا آدم عليه ةالسلام فى الجنة ، و يبنون على هذا أن اخلاص الأجداد ينفع الأحفاد تماما كما قال الله فى سورة الكهف : و كان أبوهما صالحا . و هى اكرام لفكرة الأخلاص و لمبدأ التضحية و رمز للاستعداد للفداء و لو بالتضحية بالأرواح و الدماء فى سبيل الحق .

المرأة فى الحج

لقد فرض الله سبحانه و تعالى العبادات على الجميع رجالا و نساءا ، و الحج فيه اصعب أعمال العبادات و تقوم المرأة بها جميعا . و لا يوجد ممر خاص بالنساء و لا موقف خاص بالنساء و لا طواف خاص بالنساء و لا سعى خاص بالنساء ، بل نحن عندما نسعى نسير على خطى احدى سيدات هذه الأرض الا و هى السيدة هاجر عليها السلام . و هذا برهان قاطع بحق المرأة فى كل أمر يقوم به الرجال . فلها الحق فى التعليم و العمل و الملكية و التعبير ناهيك عن قيادة السيارة أو الطائرة ، أى لها الحق فى كامل حقوق الانسان .

فمتى نرى نهاية للتفرقة على اساس الجنس فى اركان العالم العربى و الاسلامى فى جميع المعاملات؟

و متى نعترف بحق المرأة كاملا كما أراده الله سبحانه و تعالى ؟ و متى نحترم قيمة الانسانية فى المرأة ؟ و هى التى تزرع فينا هذه القيمة منذ الولادة ، أهناك قيمة انسانية أرقى و أسمى من حنان الأم ؟ .

و فى الختام اذا كان روح الحج هو التفرغ لله و الخلوة بالله و الفرار الى الله فبامكان كل مسلم أن يفر الى الله و لو لحظات فى كل يوم فى حياته . و ذلك كلما جلس يذكر الله تعالى ، او يصلى لله تعالى ، أو يتأمل فى عظمة الخالق من خلال جمال و روعة المخلوقات . و من اعتاد على دوام الفرار الى الله لذة بلقائه و حبا فيه يتحول الى حاج طوال حياته ؛ و هذا هو الذى يستحق لقب الحاج فعلا ، اى الحاج الشاكر الذاكر الصائم العابد الزاهد القريب الى الله و هو حج الخاصة .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home