Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الخميس 15 ابريل 2010

فضيلة الوفاء

د. فتحي رجب العكاري

قديما قالوا : الإعتراف بالحق فضيلة، و هذا يعنى الإعتراف بحق الآخرين على المرء، أو القبول بكل ما هو حقيقى من أراء و افكار. و إذا كان هذا فضيلة فإن الإعتراف بفضل الآخرين على المرء يكون من أفضل الفضائل، و هذا يمثل أقل مستويات الوفاء لأهل الفضل علينا، و الله سبحانه و تعالى يقول فى محكم كتابه : و لا تنسوا الفضل بينكم.

و الوفاء فى مجمله هوإعتراف بالفضل و أداء ما يترتب من واجبات نحو أولى الفضل علينا سواء بالنسبة لهم أو لمن يهمهم أمره. و كل منا ناله فضل ممن عاش معهم و بينهم أو بهم و لهم، و ينبنى على هذا الفضل حقوق و إلتزامات يجب الوفاء بها.

فالوطن الذى ترعرعنا بين ربوعه و امتزج حبه فى قلوبنا مع كل نفس و كل خطوة مشيناها فيه؛ له علينا دين كبير و حق يجب ان لا ننساه، و العلاقة بالوطن لا تتحدد بالمكاسب الشخصية ، بل هو قضية إنتماء جذرى، و حب الوطن واجب فى أحلك الظروف و أصعبها ناهيك عن أوقات الرفاهية و السعة. و لو فكر كل منا فى أفضال وطنه عليه لأدينا الواجب و زيادة. كيف لا ، و قد ضحى أجدادنا وآباؤنا بارواحهم فى سبيل عزة هذا الوطن و كرامته، و أفضل الوفاء هنا يكون فى الإحتفال بيوم الشهداء او يوم الوفاء، و ليكن ذلك فى السادس عشر من سبتمبر من كل عام فى ذكرى إعدام شيخ الشهداء عمر المختار. و كى يكون الاحتفاء بالذكرى كاملا أرى أن نجعل ذلك اليوم لزيارة قبور الشهداء و مواقع المعارك فى كامل التراب الليبى و داخل معسكرات القوات المسلحة، بحيث تنظم زيارات مدرسية و مهرجانات بهذه المناسبة و بهذا نعلم أجيال المستقبل درسا فى الوفاء و قدسية الإستشهاد و الشهداء فى قلوبنا.

ولقد كان تعلق الانسان الليبى بوطنه و اضحا عبر الاجيال ، إذ ترويها حكايات الاولين و قصائد و بيوت الشعر الشعبى و منها ما قاله مواطن ليبى فى المهجر عندما اضطرته ظروف الحرب إلى ان يهاجر الى العراق بعد إستشهاد عدد كبير من أفراد عائلته فى هجوم إيطالى مدبر على بيت عائلة جعودة فى مدينة بنغازى.

حيث قال المواطن أبو بكر جعودة:

على وطنكن نا ما ننهاكن ... سيلن بدم كان فاض إوعاكن

كلمات تسيل منها الدموع شوقا و حنينا إلى الوطن الحبيب فى كل وقت و حين لكل من يجرى فى عروقه حب البلاد و كل من تغرب يعرف هذا الإحساس فى نفسه. و خلاصة البيت المذكور أن الشاعر يأمر عينيه أن تسيل بالدم إن جفت مآقيها عن الدموع بكاء على وطن مزقته الحروب واستباح دياره الطليان و عملاؤهم.

ثم بعد الوطن يأتى دور الوالدين فى رعاية و تنشئة المرء طوال حياته، و هنا يكون الحد الأدنى للوفاء فى رعايتهما عند الكبر و عدم إستغلال ضعفهما فى نهاية العمر للإستيلاء على أموالهما و أملاكهما بغير حق ، و بالتالى حرمان بقية الأخوة و الأخوات من حقوقهم. أما بعد و فاتهما أو و فاة الأب بالذات يجب على الأبناء رعاية الأخوات و حماية مصالحهن و عدم إستغلال نقاط الضعف فيهن لفرض قرارات قد تضيع حقوقهن. كما يأتى الإحسان إلى اصدقاء الوالدين و من أحبوا من الناس كنوع من الوفاء لذكراهم و الرسول صلى الله عليه و سلم كان يكرم صويحبات السيدة خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها بعد و فاتها، إنه الوفاء للرفقة و العشرة.

و أتم الوفاء للوالدين بعد الموت يكون بالتصدق عليهما و الدعاء لهما بالرحمة و المغفرة فى كل صلاة، و الإحسان إلى اقاربهم و أرحامهم و أصدقائهم و المثل الليبى يقول: صاحب بوك خير من صاحبك؛ فصاحب الوالد دائما يعد العشرة. و بعد الوالدين يأتى الوفاء لأسرة المرء نفسه سواء كان للاخوة و الأخوات أو الازواج و ذلك فى الدنيا و بعد رحيلهم عنها. فرعاية أبناء الاخوة و الأخوات و زيارتهم و السؤال عنهم و تفقد أحوالهم و اجب فى حده الأدنى ووفاء عند كماله. كذلك بين الازواج ؛يكون الوفاء بحفظ الأسرار و رعاية الحقوق الواجبة و إستحضار الفضل بعد الإفتراق بموت أو حياة. فقد أحل الله بالزواج إتصال للانساب و الارحام بميثاق غليظ يكتب فوق الأرض و يحفظ فى السماء، و حسن التبعل يكون بعد الفراق ولا معنى للأدب و التلطف فى المعاشرة التى تنتهى بالجفوة و المعاداة.

و هنا كذلك لا ننسى من كان له دور فى تربيتنا و تعليمنما و بناء قدراتنا من أساتذتنا و مدربينا و موجهينا فى مرحلة الشباب و كل من كان له دور فى تنمية معارفنا من أهل العلم و الادب و الوعاظ، كل هؤلاء لهم حق الوفاء علينا بالدعاء لهم و ذكرهم بالخير و السير على خطاهم فى بناء الأجيال القادمة. و خير الوفاء ما كان وفاء لأهل الفضل و أهل الخير صادقا لوجه الله لا يرجو منه المرء جزاء و لا شكورا. و خير الوفاء للجيل المربى يكون باستحداث يوم للمعلم و المربى تقدم فيه هدايا رمزية لكل معلم و مربى فى مكان عمله فى يوم من السنة ، و لتكن مع بداية العام الدراسى. و هذا بطبيعة الحال تكريم لرسالة المعلم الذى كاد أن يكون رسولا، و تذكير لكل معلم بالامانة المنوطة به فى المجتمع. و هنا يحضرنى بيت من الشعر حفظناه أيام الصغر:

قم للمعلم وفه التبجيل ... كاد المعلم أن يكون رسولا

و قد حصر الشاعر هنا الرسالة بين الأنبياء، و لكن المعلم فى واقع حاله يحمل رسالة التربية و التعليم و هو يبلغ فيها عن الرسول الأكرم و العلماء هم ورثة الأنبياء كما يعرف الجميع، و بالتالى يكون كل معلم مخلص فى عمله رسولا لرسول الله إلينا. و إلى زمن قريب كان المسجد هو المدرسة و الشيخ هو المعلم كما كان التعلم و التعليم عبادة لله سبحانه و تعالى كما كان العلم سلعة شريفة لا تعطى إلا لمن يستحقها.

ثم يأتى الوفاء للأصدقاء و الرفاق و زملاء العمل و هو الوفاء للصحبة و للعيش و الملح على رأى المصريين. و قد يشمل هذا كل الرفقاء فى الحياة بكافة دروبها و اقل الوفاء هنا يتجلى فى تجنب ذكر العيوب و التركيز على ذكر الفضائل؛ أما أفضل الوفاء فيكون بدوام المواصلة مع الرفاق و مع أبنائهم بعد وفاتهم و تقديم النصيحة لهم و تذكيرهم بفضائل آبائهم. و كلنا يعرف أن طبيعة حياتنا الإجتماعية تجعل بعض الرفاق أكثر إلماما و معرفة بالرجل من أبناء أسرته و هنا تبرز أهمية التواصل بين الأجيال. و تحضرنى فى هذا المقام حكاية وزير فى أوائل السبعينيات من القرن الماضى عندما كان الوزير أمينا و لا مكان للرشوة و الوساطة عنده، كان بيته فى أيام الاعياد و المناسبات لا يكاد يسع الزوار و بعد أن إستقال من الوزارة و كان العيد بعد ذلك بأسابيع قليلة وجد نفسه لوحده بالبيت يوم العيد و لم يزره فى ذلك العيد من خارج الأسرة سوى إثنين من رفاقه القدامى. سمع الوزير سابقا الجرس ففتح الباب فوجد كلا من المهندس فتحى الجهمى و المهندس مرعى القنين فاغرورقت عيناه بالدموع و قال لهما: كنت اعرف أنه لن يفعلها غيركما. هكذا يكون وفاء الرجال فوق المصالح و المناصب و ما كان لله دام و اتصل.

و أخيرا و ليس بآخر يأتى الوفاء للعهود و الله سبحانه و تعالى يقول فى كتابه العزيز: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا. و الوفاء بالعهود من شيم المؤمنين و نقض العهود و خيانتها من خصائص المنافقين. و كم من دولة سقطت و شعوب دمرت و حضارات زالت بسبب خيانة العهود على جميع المستويات من الموظف البسيط المسئول عن المحفوظات إلى قادة الأمم و الجيوش. و كثيرا ما نغفل أو نتناسى عهودا فى رقابنا امام الله و امام القانون وأمام الناس مثل؛

العهد الذى يعطيه الطبيب لخدمة المرضى لأسباب إنسانية

العهد الذى يقسم به رجال القانون و القضاء للعدل بين الناس

العهد الذى يقطعه الضابط على نفسه للدفاع عن الوطن

العهد الذى يتعهد به رجل الشرطة لحماية المواطن و تطبيق القانون

العهد الذى يتحمل به الوزير أو الأمين أمانة مصالح الشعب

العهد الذى يتعهد به الحاكم لشعبه بالعدالة و المساواة و الحياة الكريمة

العهد الذى يحمله المعلم فى ذمته لبناء جيل أفضل

و قبل أن نطلب من شعوبنا الوفاء لنا علينا أن نفى بعهودنا، فالشعوب قد تنسى من يسىء إليها بسرعة خروجا من المآسى و الآلام و لكنها تضل عبر السنين تذكر فضائل من احسن إليها أو ضحى فى سبيلها و التاريخ خير شاهد على ذلك. و كلنا يعرف أن الناس عيال الله و أدوات مسخرة لإيصال فضله بين بعضهم و من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ووفاؤنا لأهل الفضل علينا هو من تمام الحمد و الشكر لله الذى سخر لنا من يقوم على امورنا و يرعاها.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home