Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

السبت 15 يناير 2011

تونس مدرسة النهضة العربية

د. فتحي رجب العكاري

لقد امتزج في تونس عبر العصور صراع الأجيال من أجل مستقبل أفضل؛ بين الشمال و الجنوب و بين الشرق و الغرب و بين الحق و الباطل و بين الإسلام و الكفر و بين المستعمر الغريب و المواطن الوطني الأصيل و بين التقدم و التخلف، من قرطاجنة التاريخية إلى تونس المعاصرة مرورا بالقيروان و ما أدراك ما القيروان، فالقيروان أيام عزها وعز تونس كانت منارة العالم الإسلامي في الفقه و العلم و الحضارة.

إنها تونس الشابى و تونس الشابة و تونس الشباب،  تونس الصابرة  التي استخف بها الطاغوت و رفاقه و أعوانه و من نصبه عليها في ليلة ظلماء امتزج فيها الظلم بالظلام. كلما زرت تونس و تجولت بين مدنها و قراها كنت أتعجب من طاقات الشباب المهدرة على نواصي الشوارع و في المقاهي تنتظر يوم الفرج، يوم تجد شغلا تقتات منه أو موقعا تنطلق من خلاله في رحلة البناء، إنها الطاقات المعطلة و المغيبة عن الحياة بينما يتجول الغربيون في طول البلاد و عرضها و ينتهكون عرضها و حرماتها تحت حراسة تلاميذهم من رجال النظام. و لقد ضاعت الآلاف من شباب تونس بين الغرق و الحرق و اللجوء و السجون و المعتقلات أو بين الضياع و اللهو و المخدرات كل هذا يحدث و الدولة و الدوائر الرسمية فيها تتحدث عن الحداثة و التطوير و التطور. بطبيعة الحالة التونسية يوجد تميز تونسي حضاري أصيل ليس للدولة يد فيه بل هي التي ساهمت في تدمير عراه و تحويل مجراه عن المسار العربي الإسلامي الصحيح إلى الفرنسة و التغريب المريب الذي بدأه أبو رقيبة فكريا و بوليسيا و استمر فيه النظام المنهار قهرا و استبدادا و تسلطا. و ابتدأ الأمر باجتثاث جذور الفكر الإسلامي و محاربة اللغة العربية و انتهى بمحاربة أبسط عناوين العفة و الطهارة في محاربة الحجاب و مظاهر التدين وصولا إلى إغلاق المساجد و حصر من يدخلها و فتح البلاد على مصراعيها للعاهرات  و نصف العاريات من بنات أوروبا و للمنحرفين و الشواذ.

إنها تونس الزيتونة، تونس الخضراء التي بقدرة المولى جل و علا تفجرت نارا تحت أقدام الطغاة، و سبحان من جعل من الشجر الأخضر نارا و من تونس الخضراء لهبا يهرب من حره العملاء. و لقد استخف بن على بالشعب التونسي طويلا و لكن الله غالب على أمره و لو كره المنافقون. استخف بن على بقومه و شعبه و لكنهم لم يطيعوه بل صبروا عليه و إن الله مع الصابرين. فهل يتعلم بقية الحكام و خاصة الظالمين منهم هذا الدرس. هل تتعلم الشعوب العربية الأخرى من تجربة الشعب التونسي الصابر و المجاهد في الثورة الشعبية المباشرة و العفوية. إنها ثورة الشباب و الشابات، ثورة الرجال و النساء، إنها ثورة المحرومين من أبناء الطبقة الكادحة و المسحوقة. ثورة سلبت الغربيين عنصر الترتيب و المباغتة فتهاوت أركان النظام فوق جثث الضحايا و الشهداء و كأنهم كانوا يطلقون النار على أنفسهم و صعقت عواصم التآمر الغربي و خاصة باريس.

لقد هبت رياح التغيير في تونس من أقصى الجنوب إلى أعالي الشمال دون الحاجة إلى دبابات الغرب أو الشرق و دون المرور بمحطة الإذاعة و التلفزة التونسية، إنه الدرس الجديد في ثورة الفقراء العزل الذين واجهوا رصاص الخيانة و الخونة و العملاء بصدور عارية تتطلع إلى الجنة و الشهادة في سبيل الله و الوطن. إن رياح التغيير في تونس كفيلة بان تشعل المنطقة العربية بكاملها فهي لا تحتاج لوقود غربي أو موافقات من العواصم الغربية و لكنها تحيى و تنمو بقوافل الشهداء و ليس هناك سبيل لهذه الأمة غير هذا الطريق. و لقد كان الكثير من المفكرين العرب محتارين في المخرج من أزمة هذه الأمة و هاهو الشعب التونسي يرسم الطريق و يلونها بدمائه الطاهرة الزكية.

وأهم درس من هذه المدرسة أو التجربة التونسية هو الرفض القاطع للاستخفاف بعقول هذه الأمة و بكرامتها و برجالها و بعلمائها، فعلينا رفض فكرة الرئاسة مدى الحياة بشكل قاطع و نهائي و علينا رفض أفكار و أسس التوريث الفرعوني و رفض اللعب و التلاعب بمصير الأمة فأعداء الأمة استأسدوا علينا و تكالبوا علينا و نحن نرزح تحت قيود العمالة أو التخلف أو القهر. فلقد هبت من تونس على المنطقة رياح النهضة و الديمقراطية و الحرية و التي في ظلها تتحقق الوحدة والعزة والكرامة لهذه الأمة وعلى الشعوب أن تفيق من سباتها و صدق شابيى تونس عند ما قال :

إذا الشعب يوما أراد الحياة     فلابد أن يستجيب القدر

و كل ما تحتاجه الأمة في هذا الزمان هو إرادة الحياة و نبذ السبات أو الموت المؤجل فالنائم كالميت في الأحكام، إن المطلوب الآن هو الحراك من أجل النهضة الشاملة و هو روح الصحوة.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home