Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الثلاثاء 13 يناير 2009

رحلة الابداع للفنان بشير حمودة(*)

د. فتحي رجب العكاري

الابداع الفنى ليس عملية عشوائية يلجها كل من كان لديه وقت وادوات ، بل هى نتاج معاناة حقيقة تخرج الى الدنيا معبرة عن احاسيس الفنان و مشاعره . وهى بالتالى ليست ترفا فكريا بل جزء من سلسلة ومرتبطة بمشوار الحياة . و كلما كانت المعاناة اقسى كان التعبير الفنى عنها أجمل و أعمق . و يحضرنى هنا قول للفيلسوف اللبنانى المهاجر  جبران خليل جبران : اللؤلؤة هيكل بناه الألم حول حبة رمل . و الجميل فى عملية البناء هذه  أن المحارة تستمر فى تنمية اللؤلؤة حتى بعد ما يغيب عنها الألم ، فحلاوة و جمال المنتج تكون الدافع لمزيد من الابداع و تتحول المحنة الى منحة .

فى هذا المقال سنحاول قراءة بعض اللوحات الفنية للفنان بشير حمودة ، وذلك من خلال وضعها فى مجموعات ذات علاقة من حيث الفكرة و الموضوع . و تبقى هذه القراءة للكاتب و هدفها هو اثارة الاهتمام بالجوانب الفنية و الموضوعية لانتاج هذا الفنان لدى القارىء الكريم و ربما يرى هو فيها جوانب و أبعاد أخرى .  

المرأة ملامح ومعالم فنية

يقولون وراء كل عظيم امرأة فاحببت ان تكون البداية بقراءة بعض اللوحات ذات العلاقة بالنساء ، و ربما تكون أول لوحة التى رسمها هذا الفنان فى ايطاليا فى مقتبل العمر ،حيث خاض غمار ممارسة العمل الفنى بكل شاعرية ، دؤوب فى ايقاعه و بحثه عن اللون الجميل و الجمال . و يتضح اثر الحقبة الايطالية فى حياة الفنان من خلال الالوان الصفراء الترابية و الحمراء الطوبية و الوان الاحجار الوردية و الرمادى المشبع و الكاتم لالوانه وكذلك كان التعرف عن قرب على اعمال الرسامين التجريبيين و التجريديين و التعبيريين .و فى روما تداخلت حياة الفنان بشير  فى الفن و مع الفن فاتخذ من مرسمه مكانا للنوم ، وكأنى به لا يطيق فراق الفن حتى و هو نائم . و لكنه بقى فى غربته لصيقا بطرابلس دائما فهو غادرها جسديا فقط و يحمل معالمها فى قلبه . ففى اللوحة الاولى و بالرغم  من أن اللوحة كانت رسما لفتاة تقف أمامه الا أنه ابرز منها ملامح الجمال  فى استحياء يحمل بصمات النشأة الليبية . فالوجه  كبياض الثلج و الشعر كسواد الليل ، مع تناسق رائع لمعالم  جمالية تكتفى باطلالة عين واحدة .

وجه فتاة 

ثم  بعد اتمام الدراسة كانت العودة لأرض الوطن والتراث الليبى من خلال الزى الطرابلسى ، اى الفراشية  و الرؤية ذات بعدين فقط من خلال عين واحدة فى اللوحة الجميلة التالية . و يمكن أن نسميها الجمال المكنون أو المكنوز ، ففيها لمسة عمق معبرة . وقديما قالوا ان أجمل ما فى المرأة عينيها ، فكل شىء فيها تصله الشيخوخة الا العين فانها تحافظ على  جمالها و عمقها عبر السنين و كذلك هذه اللوحة .

فتاة ليبية من طرابلس 

ثم تاتى مرحلة خروج المرأة للعمل ؛ و تبدأ علامات الاجهاد و الاحتكاك العنيف أولا بالنساء ، ثم بعد ذلك بالرجال،  و ترتسم على المحيا هذه العلامات وتأخذ مكان معالم و ملامح الجمال و الانوثة فى اللوحة التالية. 

المرأة العاملة

وكأنى به ينتقل فى هذه اللوحات الثلاث من  الجمال الساطع الى الجمال المكنوز و اخيرا الى الجمال المرهق فى خضم البحث عن الاستقلالية وبروز الذاتية . و تسيطر على هذه اللوحة قسوة الالوان و غياب اشراقتها و ربما يرجع هذا لصعوبة ما تلقاه المرأة العاملة فى حياتها . و للفنان لوحات عديدة  تتطرق لجوانب كثيرة فى حياة النساء  . 

المدينة معالم حضارية

المدينة هى تجمع سكانى فى شكل حضرى  مستقر ، تتوفر فيه وله مقومات الاستمرار الحضارى . و عادة ما تلتقى فيها و عندها أشكال الا تصال المختلفة . و للمدينة أثر بالغ فى كل فنان لأو مبدع يعيش فيها . فهى تلقى بظلالها على نفوس من يسكن فيها ، و من خلال رسم يسقط الفنان بعض الشاعر و الاحاسيس الكامنة فيها . ففى اللوحة الاولى نرى لوحة جوية لمدينة . 

مدينة من الجو

فى هذه المدينة تبدو القسوة واضحة ، فلا يوجد فيها طريق سالك و كأنها خنادق متواجهة . كما لا ترى فيها اثرا لشاطىء أو بحيرة فهى تبدو جافة. و لا يوجد بها مساحة خضراء ولا حتى ارض براح ، أنها رمز للمدينة عندما تختفى منها رموز الحياة ، فلا نهر و لابحر و لا شجر ، انه التكالب على المادة . فاللون الأصفر الترابى يحمل فى طياته نبرات  غير آملة و يتخللها اللون الاسود فيلقى عليها ظلالا من الحزن . 

ثم ننتقل الى لوحة تتحدث عن التسامح الدينى عندما تتجاور المساجد و الكنائس و المعابد و يعيش البشر فى سلام ، يتعايشون و يتعاونون فالدين لله و المدينة و المدنية  للجميع . و هنا يبرز الاطمئنان الروحى و الارتياح  فى تمازج الالوان وتراكب الخطوط و تعاقب الحقب الزمنية وتواصل  الاجيال . أنه تنافس بنى البشر فى الرقى الروحى و الانسانى من خلال اتباع الاديان السماوية و الفلسفات المختلفة . 

مدينة التسامح الدينى 

مشاعر انسانية

يتميز الفنان المبدع بشعور مرهف مع موهبة تحول الاحاسيس الى بصمات تحملها الخطوط و الالوان فى شكل بديع . ففى اللوحة التالية للفنان حمودة  نشاهد تجسيدا لمعنى الرحيل ، و هو الانتقال من عالم المألوف الى الغريب . يمثل الابتعاد عن الاهل و الجيران كغربة المضطر و لوعة المغادرلأحبائه قسرا . فعندها يترك المرء الصحب و الاحباب و يحدث الفراق و يبقى المكان شاغرا، انه الرحيل . و معالم الرحيل واضحة فى قلة الالوان و اختفاء بريقها و ميلها الى الرمادى فى تناسق حزين ، ربما يبرزكذلك أثرا أقوى للرحيل على الصغير فهو قد يفقد معالم بيئته الاولى و بالتالى هويته . 

الرحيل 

خلق الصبر  من  الصفات البشرية الحميدة،  فهو الرفيق الافضل فى رحلة الحياة فى المقام و فى السفر وعند الرحيل و بعد الرحيل . وقد استعمل الفنانون منذ قديم الزمان نبات الصبار ليرمز الى  الصبر.  ولنبات الصبار اشكال و انواع بعضها يتميز بطعم قابض و آخر طعمه مر و بعضها ينتج فاكهة يأكلها البشر و بعضها تأكله الانعام ، و لكنها فى مجملها عرفها البشر لتميزها بالصبر فهى تصبر على قلة أو ندرة الماء و هو مصدر حياتها . ومنها نبات الصبار المعروف لدينا فى ليبيا  كما فى اللوحة التالية  . وهنا يعود الفنان حمودة الى بساتين طرابلس و أيام الشباب ليعبر عن الامل المغلف بالألم  تماما كما فى ثمرة الصبارعندما يتم جنيها مع بزوغ الصباح . وكأنى بهذه اللوحة تقول الصبر مفتاح الفرج ، فبعد نبات الصبار توجد نخلات باسقات . 

نبات الصبار

لا توجد بين المشاعر الانسانية  قيمة انسانية عند كل البشر أغلى من الحرية ، تغنى بها الشعراء ، و تاق اليها الفلاسفة و اكدت قدسيتها كتب السماء ، و من اجلها خاض العالم حروبا طويلة و سالت الدماء فى سبيلها . و كأنى بهذه اللوحة تقول ؛

وحريتاه ...  

صرخة الحرية

كانت هذه قراءة  لجزء من عطاء الفنان بشير حمودة بأبعاده الانسانية و الفنية التى تستحق الدراسة و تسليط الضوء عليها ، مع علمى بان هذا الفنان يفضل أن يقرأها كل مشاهد بطريقته الخاصة .

و ان الانسجام التام بين موضوع كل لوحة و الخطوط و الالوان فيها دليل ساطع على الابداع و العطاء لهذا الفنان فى هدوء تام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) سبق لي نشر هذا المقال بصحيفة قورينا بتاريخ 21 ديسمبر 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home