Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الإثنين 11 يناير 2010

الجامعات وصناعة المستقبل فى الصين

د. فتحي رجب العكاري

لقد تردد على مسامعنا كثيرا خلال مراحل الدراسة المقولة الشهيرة اطلبوا العلم و لو فى الصين، و هى دعوة للسفر طلبا للعلم مهما بعدت المسافات، ففى ذلك الزمان القديم كانت الصين أبعد نقطة فى مسارات العرب و المسلمين. كما أن العرب عرفوا الكثير عن حكمة شعوب الصين من خلال اسفار التجارة عبرالبر و البحروعلى مدى آلاف السنين. أما الآن فلا توجد بلاد نامية فى العالم بمستوى نمو الصين فهى تمثل اكبر مجمع صناعى و انتاجى تحت البناء. و لقد انتبه الصينيون لدور العلم و البحث العلمى فى تسريع عمليات البناء فقاموا بفتح الابواب لبناء و تطوير الجامعات و المعاهد العليا، بل قاموا بربطها بالعديد من الجامعات فى امريكا و اوربا و استراليا و آسيا و ذلك باستجلاب الخبرات العالمية و بعث مشاريع البحوث العلمية المشتركة. و من خلال أحد برامج التعاون تمت دعوتى للاسهام فى تدريس مادة الالكترونيات الدقيقة فى تخصص الهندسة الالكترونية، و ذلك فى جامعة نانجن للتكنولوجيا بمدينة نانجن الصينية بشكل مكثف لمدة ثلاثة اسابيع خلال شهر سبتمبر 2009ميلادية.

نانجن قبيل الغروب أمام فندق نانجن

نانجن المدينة

          مدينة نانجن هى عاصمة الصين منذ آلاف السنين و الى العهد الجمهوري  ، و بعد انتصار الحركة الثورية الشيوعية تم نقل العاصمة الى بكين. و يبلغ تعداد سكانها حوالى ستة ملايين نسمة و تقع فى عمق الصين و هى مدينة صناعية و تجارية كبيرة و يوجد بها عدد من الجامعات منها جامعة نانجن للتكنولوجا أو للتقنية. و هى تعتبر مدينة عصرية من حيث الطابع المعمارى و التنظيم العام و التجهيزات الحديثة.

جامعة نانجن للتقنية

مدخل المركب الجامعى

 يدرس الطلاب فى جامعة نانجن التخصصات التقنية و الهندسية فقط ،و لها اتفاقيات تعاون مع عدد من الجامعات الاوربية و الامريكية، و يبلغ عدد الطلاب فيها حوالى ثلاثين ألف طالب و طالبة و تستقبل كل عام أكثر من ثلاثة آلاف طالب جديد.و تضم هذه الجامعة ثلاثة مركبات جامعية ؛إثنان قديمان وسط المدينة أما الثالث فمركب حديث و يقع فى أطراف المدينة، و يتم ربط الثلاثة مواقع بحافلات دورية تتحرك كل ساعة لنقل الاساتذة و بعض الطلاب.

حدائق داخل الجامعة

 و يتميز المركب الحديث بحدائق خارجية جميلة و منسقة تعكس الاهتمام بالحالة العامة للطلاب من حيث الراحةو الانسجام مع الطبيعة.و توفر الجامعة حافلات للنقل داخلها بالمجان بين المبانى المختلفة و بها بيوت للطلبة و الطالبات و عدد من المطاعم و مسرح صيفى للنشاط العام.

المسرح الصيفى

و يشتمل المركب على العديدمن المبانى التعليمية التى تحتوى على قاعات محاضرات مجهزة بأجهزة حاسوب و شاشات عرض و أجهزة عرض حديثة.

فصل دراسى

 أما المعامل فتحتوى على معدات تخصصية متطورة و تتسع لحولى أربعين طالبا يجرون نفس التجربة على التوازى بالأضافة الى الحواسيب و أجهزة العرض و يوجد معملان من هذا الحجم للدوائر الالكترونية.

معمل الدوائر الالكترونية

كما توجد بالمركب الجامعى مكتبة علمية مجهزة لخدمة الطلاب و الباحثين و الأساتذة و توفر الكتب و المجلات العلمية و المراجع.

مكتبة الجامعة

بالاضافة الى المبانى الادارية والخدمية الاخرى.

مجمع قاعات المحاضرات

كما يتوفر بهذا المركب العديد من ملاعب كرة السلة و الطائرة و القدم المفتوحة.

المجمع الرياضى الجامعى من الخارج 

 و بالاضافة اليها تم افتتاح المجمع الرياضى الحديث و الذى يحتوى على صالات مغطاة و حوض سباحة و صالات لألعاب القوى و العديد من القاعات و حجرات التدريب و لقد تمكنت من زيارته قبل افتتاحه.

ملعب كرة السلة

صالة تمارين

حوض السباحة

من هذا يتضح لنا كيف يحقق الصينيون الميداليات الذهبية و ينافسون عليها على مستوى العالم ، انه الاعداد و الاستعداد المتواصل على جميع الأصعدة.

التفرغ لطلب العلم

يتضح للمشاهد تركيز الصين على بناء القدرات العلمية للبلد من خلال توفير جميع الامكانيات من أجل راحة الطالب و الباحث و الاستاذ الجامعى. فيتم توفير بيوت الطلبة و الطالبات و بتجهيز جيد و مناسب لقدراتهم المالية.

مدخل بيوت الطلبة

كما توفر الجامعة بيوتا للاساتذة يتم تمليكها لهم بالاقساط و تتناسب مع مكانة كل استاذ و مرتبته العلمية.

 

مساكن الاساتذة داخل الجامعة

و لكى يتفرغ الشباب لبناء المستقبل تم اختزال الخدمة العسكرية الالزامية الى اسبوعين فقط من التدريب العسكرى الخفيف بعيد الفحص الطبى داخل الجامعة، و بعد ذلك يصبح الطلاب من ضمن الاحتياطى العام للجيش الصينى؛ علما بأن الطلاب و الطالبات يشترون الزى العسكرى بأنفسهم و من مالهم الخاص.

و التعليم العالى فى الصين ليس مجانيا بل يدفع الطلاب رسوما عالية و مصاريف الإقامة فى بيوت الطلبة و عليهم الحصول على المعدلات الدراسية المطلوبة للقبول ثم النجاح فى جميع المواد المطلوبة و على سبيل المثال الطلبة الذين قمت بتدريسهم سوف يدفعون حوالى سبعة عشر الف يورو مقابل دراسة السنة الأخيرة فى أوروبا ثم يحصلون على شهادة تخرج من الصين و من جامعة أوربية؛ و هذا يفتح لهم فرص العمل و الدراسات العليا بأوروبا. و الطلاب هنا يدرسون طوال أيام الأسبوع، أى انه ليس لديهم عطلة أسبوع فبعد الأيام الدراسية العادية يذهبون فى نهاية الأسبوع لدراسة مواد إضافية مثل اللغات و الحاسوب و يستعدون لإمتحانات المعادلة لمن يرغب فى مواصلة دراسته فى خارج الصين.

لمسات إنسانية

لقد أعجبنى جدا جد و اجتهاد الطلاب و حرص الجامعة و البلد على طلب العلم لبناء المستقبل؛ و الطلاب فى الصين ينادون الاستاذ بلقب المعلم ،أو معلمى و ينظر الطالب الى معلمه كوالده و هذا ما قاله لى الطلاب و هى لمسة ضاعت من حياتنا. و فى يوم العاشر من سبتمبر كان يوم المعلم و هو يوم دراسى عادى قدم فيه الطلاب لجميع الأساتذة باقات ورد جميلة، و كانت هذه لمسة إنسانية أخرى ، ثم قدم لى الفصل بطاقة تحية بالمناسبة وقعها الجميع.

كما أعجبنى جدا إعتزاز شعب الصين ببلده و حضارته بالرغم من الدخول المادية المحدودة، و كذلك الجهد المتواصل فى بناء أكبر قلعة صناعية فى العالم، فحيث ما ذهبت تجد البناء و الصيانة و الزراعة و الصناعة. و فى الشوارع لا يوجد متسولون أو أناس بدون مأوى بالرغم من العدد الضخم للسكان إنه التناغم بين السياسة و الإدارة مع الحفاظ على الأصالة.

كثيرا ما نسمى الصين بالصين الشعبية و لكن الأسم الصحيح هو جمهورية الشعب فى الصين فكل شىء يعمل من أجل الشعب و ليس على حسابه ؛و تلمس التطور و أنت تسير على الطريق يوما بيوم، و لقد زرت دولا إشتراكية و شيوعية كثيرة من قبل و لم ألاحظ ما رأيت فى الصين من نمو و إزدهار و انفتاح على العالم. كما أننى لم أشاهد صورا للرئيس على الجدران أو فى الميادين، باستثناء تمثال لماو تسى تونج فى إحدى الحدائق، بينما تجد تماثيل و نصب تذكارية ترمز لإنجازات الشعب الصينى فى أماكن عديدة.

توجد بهذه المدينة أقلية صينية مسلمة و عدد من الطلاب المسلمين سوف نخصهم بمقال أن شاء الله، حيث قضيت ثلاثة أسابيع من شهر رمضان معهم و تعرفت عليهم عن قرب ،و نرى فى الصورة الكتابة العربية تمنيا لرمضان مبارك.

مسجد نانجن العتيق- المدخل

أما على الجانب الثقافى فتلاحظ التعلق باللغة الصينية و لكن دون إنغلاق ،ففى كل الأماكن توجد لافتات باللغة الانجليزية حتى فى القرى و الارياف كما توجد برامج  إذاعات مرئية باللغات الأخرى و خاصة الانجليزية، كما يتم تعليم الأطفال اللغة الانجليزية من سن مبكرة فقد لاحظت أن الاطفال الصغار يردون علىَ باللغة الانجليزية و بلغة سليمة وو اضحة.

وفى الختام يمكننى القول بأن الصين عبرت القرون من دولة أحتلها اليابانيون و هلك شعبها تجار الأفيون و الاستعمارالاوربى لتتحول الى أكبر منافس للولايات المتحدة فى العصر الحديث بعد تفكك الاتحاد السوفيتى و ذلك بصدق الأطروحات السياسية و رصد الاموال لبناء الجامعات و المعاهد العليا و مراكز البحث العلمى فى ظل توجه عام للبناء و النهضة مع الاعتزاز بالانتماء للوطن و الحضارة و التراث الوطنى الصينى،و صدق من قال قديما:

بالعلم و المال يبنى الناس ملكهم     لم يبن ملك بجهل و إقلال

ولقد ارتبطت قدسية رحاب العلم فى تاريخنا العربى الاسلامى بقدسية المساجد حيث كانت الجوامع مقار للتعليم و العلم و الدراسات ولن يكون لنا غد أفضل بدون الاهتمام بالجامعات و الانفاق عليها بسخاء فى ظل ادارت مقتدرة لا تضيعها، فهى قلاع بناء المستقبل الذى نطمح اليه لاحفادنا و ابنائنا من الاجيال القادمة.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home