Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الأحد 6 يوليو 2008

الاعـجاز فى ايمان العـجائز

د. فتحي رجب العكاري

كثيرا ما يتحدث الوعاظ عن الايمان عند العجائز و يدللون على ذلك اما بحديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه أو بالدعاء المعروف" اللهم ايمانا كايمان العجائز" . و كلما كان المرء قريبا من الله حريصا على رضاه ازداد ايمانه قوة و الله سبحانه و تعالى يقول "و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " وايمان العجائز لا يحتاج الى كثير علم و لكن الى المداومة على طيب العمل الصالح من صلاة و دعاء وذكر وحسن خلق وحسن معاشرة وخوف من الله ورجاء لرحمته .

أما أنا فلقد كانت فى حياتى احدى العجائز المباركات ، و منها تعلمت حب الذكر و فن الدعاء و الراحة فى الصلاة و بالصلاة ، و كثير من القراء مر بقصص مشابهة مع امه أو احدى جداته . وفى هذا المقام احب ان اتحدث عن جدتى الحاجة صالحة بنت خليل بن عطيه . فهى عاشت اول عمرها يتيمة الام ، حيث ماتت امها وهى صغيرة فتعلمت امور دينها من جارتها التى كانت ترعاها . كانت تسميها امى سانافيتى ن ربما كانت من اصل تركى ، أما والدها فكان شيخ التواجير فى زمانه . لم تدخل الحاجة صالحة المدارس لأنها ولدت خلال العهد العثمانى فى مدينة درنة و ترعرعت ايام الاحتلال الايطالى . كانت دائما تحافظ على صلاة الضحى و النوافل و تقرأ الفاتحة بعد كل صلاة عدة مرات و تهديها للرسول صلى الله علبه و سلم و للصحابة المدفونين فى درنة و ملائكة البيت و للصلحين . و بالرغم من أنها كانت أمية الا أنها كانت تحفظ بعض السور القليلة و التى لا تزيد على اربعة سور . و منذ ان عرفنا المذياع و اذاعة القرآن الكريم و هى تستمع طوال الوقت الى تلاوة القرآن الكريم . كانت كثيرة الصيام و قليلة الكلام ، و لا تحب الظلم عليها أو على أى احد آخر . كما كانت كثيرة التسبيح بالليل و النهار، ترافقها سبحة تضىء فى الظلام أينما ذهبت و هى عادة معلقة فى غرفتها بالجدار ليسهل الوصول اليها.

كانت لها دعوات بالعامية مختزلة و لكنها كانت كافية شافية ، فقد كانت كثيرا ما تقول :

يا ربى يا عالم بالغيب عنا لا تغيب

و هذا ما يسميه العباد بالمعية ، فهى تريد ان تعيش بالله و مع الله و فى الله و لله .

و كانت تقول :

يا عزيز يا جبار جيرنا مالنار

و هنا يتجلى الخوف من عذاب النار من قبل العزيز الجبار ، و فيها ضمنا الاعتراف بالذنب و طلب الرحمة و النجاة من النار .

كما كانت تقول ككثير من العجائز :

يا ربى ياللى خيرك كثير ما تثقل بينا حصير

و فيها تدعو الله أن لا يجعلها عالة على احد فى آخر العمر ، عندما لا تقدر على الحركة و الحصير يشبه البساط و يصنع من الديس .

كذلك كانت تقول :

اللى ناوينا بالخير دله و اللى ناوينا بالشر ذله

أما أجمل ما سمعت منها قبل ان تتوفى بعدة اسابيع عندما زرتها فى بيت عمى فى مدينة بنغازى ، حيث عاشت معه سنواتها الاخيرة فهو قولها :

يا ربى سهلها لنا و سهلنا لها و اجعلها فرح و هناء

وهى بذلك تدعو الله فى ثقة القريب اليه بقولها يا ربى ، أن يسهل عليها خروج الروح و ييسر لها الخروج من هذه الدنيا ويجعل عودتها فرح وهناء وذلك بالفوز بالجنة والظفر بالرحمة والمغفرة من الرحيم الغفار. لقد عرفت كثيرا من الناس و لكنى لم اعرف انسانا يتغنى بطلب الخلاص من الدنيا والفوز بالآخرة فى سنه ،او الناس يقولون: يشيب المرء ويشب معه خصلتان الحرص وطول الامل. ولقد كتب لها الله ان تتوفى يوم الجمعة ثانى رمضان وهى فى صلاة المغرب . بعد ما اتمت التشهد الاخير لم تستطع الحركة من مكانها فمالت على جنبها فما كان من عمى الا أن اسرع اليها فزعا حيث كان يجلس فى الغرفة بعد أن عاد من صلاة المغرب. أقترب منها و سألها : كنك يا مينتى ؟قالت له و فى ابتسامة : السلام عليكم ولم تزد على ذلك . ففى لحظات يتقبل فيها الدعاء ختمت عمرا يناهز الثمانين عاما عدته كفاحاوصبرا وعبادة وحبا للخير وأهل الخير .

مرات عديدة كنت اطلب منها أن تدعولى ، فتقول : يا وليدى يدعى لك عملك، اى افعل الخير تجده ولكن على ميزان العجائز . ولقد كانت تقدمية فى تفكيرها ربما حتى على بعض من اجيالنا. أذكر مرة أنى سألتها عن رأيها فى موضوع يخصنى فقالت :يا وليدى أنت تعرف اللى تصلح بيك ، المدرسة فتحت عيونكم و انتو تعرفوا خير منا . ففى هذه الكلمات لخصت الفجوة بين الاجيال ، و التى كثيرا ما ننساها نحن عندما نتعامل مع أولادنا . اللهم ارحم هذه الحاجة الصالحة رحمة واسعة و اسكنها و مثيلاتها من الامهات و الجدات الطيبات فسيح جناتك، و الله ندعو أن يلهمنا و يلهم أزواجنا وأبنائنا و بناتنا حب الله و حب رسوله و حب كل أمر يقربنا الى حبهما ، آمين و الحمد لله رب العالمين .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home