Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Fathi al-Akkari
الكاتب الليبي الدكتور فتحي العكاري


د. فتحي العـكاري

الأثنين 2 مارس 2009

مثلما ينتحر الجميع ببطء انتحر هؤلاء

د. فتحي رجب العكاري

لقد لفت نظرى حرقة  الكاتبة صافيناز محجوب على ليبيا و على درنة و  اهلها فى العديد من كتاباتها و منها مقال عن ظاهرة الانتحار و ركزت فيها على عينات من مدينة درنة . و يبدو لى ان الطرح لهذا الموضوع كان ناقصا ؛ فالجميع فى مجتمعنا ينتحرون لكن ببطء . و قبل ان اخوض فى هذا الامر سوف اتناول جوانب من هذا المقال . فكما ذكرت الاخت الكريمة قد يكون للانتحار اسباب عديدة و قد يقدم المرء على الانتحار اذا لم يتوفر له العلاج او عندما تستشرى اسباب ازمته . ففى الغرب قد ينتحر المرء لعدم وصوله الى ما يبتغيه من السعادة مع توفر كامل مستلزمات الحياة ، و ذلك بسبب الفراغ الروحى ، بينما لدينا قد ينتحر المرء لانعدام ابسط مقومات الحياة ، أى عندما يكون الموت افضل من الحياة ، فلا معنى للحياة لمن ليس له امل فيها أو طموح يسعى لتحقيقه .

واذا تطرقنا الى اسباب الاكتئاب نجدها عديدة فى مجتمعنا ، فمنذ نعومة اظفارهم يواجه ابناؤنا صعوبات جمة ؛ فلا توجد رياض للاطفال تعدهم نفسيا لمواجهة اقرانهم فى المجتمع خلال مراحل الدراسة الاولى ، كما لا توجد نواد للاطفال للترفيه و اللعب البرىء . 

ملاعب الاطفال فى حديقة عامة

ناهيك عن مكتبات الالعاب لمن لا يستطيع الشراء أو مكتبات الاطفال و الحدائق العامة المزودة بالالعاب.

ملاعب الكرة  فى الحدائق العامة

ثم اذا دخلوا الى المدارس فانهم يجدون مدارس كالسجون ذات اسوار عالية و عنف ادارى من المدرسين و الادارة على حد سواء ، أضف الى هذا اعمال تنظيف المدرسة و شكل المدرسة و زجاجها المحطم ، ناهيك عن انعدام ماء الشرب و دورات المياة . و أذكر فى احدى المرات أنى سالت أحد الاخوة المدرسين عن حاله فأجابنى : الحمد لله نشرب ماء البحر و نتنفس بدون عدادات .  فهل هذه المعطيات تزرع املا فى الحياة ؟.

ألعاب الأطفال فى حديقة عامة

واذا انتقل الشباب الى المرحلة الثانوية يبدأ معهم مشوار الضياع، فبالأضافة الى قسوة الحياة يبدأ التدريب العسكرى و ما يحمله من محو للميزات الذاتية و روح الابداع و صولا الى حالة الانبطاح النفسى والفكرى والسياسى والانسانى. وكلنا يعرف ان الحياة العسكرية تعد الانسان للحرب والقتال و هذه حالة استثنائية فى حياة الشعوب و يجب أن لا تكون طريقة للتربية ، فالمجتمع البشرى يحلم دائما بالسلام ويسعى للاعمار و ليس للدمار. وكم من شبابنا ترك المدارس لهذا السبب وبالتالى لم يكمل بناء  نفسه و اعدادها للحياة .

مدرسة اسلامية ثانوية بأمريكا ، نقلا عن مجلة تايم الأمريكية 

 ناهيك عن  النفق المظلم بعد التخرج ؛ فلا يوجد عمل الا لمن كان  والده من أهل المناصب و من يتحصل على عمل فقد يطلب منه ان يبقى فى بيته و لا يزاحم المسيطرين على المؤسسات و الاجهزة الحكومية . و هذه المرحلة كافية لأن تدخل الشباب فى دوامات من الاكتئاب و رفض المجتمع و الانزواء تحت اى ستار . و اذا التزم الشاب دينيا بدون فهم سليم فهى مشكلة واذا انحرف فالمشكلة أكبر و لا يعرف كيف يخرج من ورطته ، فالمجتمع غير معد لمساعدة هؤلاء  فى ظل انعدام دور المساجد التربوى و  عدم توفر مؤسسات اجتماعية قادرة على التوجيه و المساعدة ناهيك عن العلاج .

اداء الصلاة بنفس المدرسة الاسلامية بمسجد قريب ، نقلا عن مجلة تايم

ومن كان موفقا فى الحصول على عمل و استمر فيه فسوف يواجه مشكلة الزواج ؛ فتكلفة الزواج باهضة والبيوت غير متوفرة ، بل زادت غلاءً ، و السيارات غالية الثمن و المرتبات زهيدة و الاسر فقيرة و محدودة الدخل اصلا . و هذا بدوره يولد اكتئابا للشباب و للأسرة ، فكيف يسعد من يفرض عليه الفشل فى الاعداد و لا يستطيع أن يعين فلذة كبده كى يبدأ حياته ؟ و هنا يتسرب الاحباط و الاكتئاب الى جميع أفراد الأسرة من الجد الى الأطفال الرضع . و نحن بهذا نقتل الأمل فى نفوس الجميع . و كم هى مُرة ان يشعر الأنسان انه فشل فى مساعدة ابنائه أو فى بناء مساكن لهم أو فى اعانتهم على الزواج . انه مسلسل الأكتئاب والاحباط المستمر، بينما تتغنى أجهزة الاعلام بالمجتمع السيد السعيد ولا تتناول هذه المشكلات.

  فما أحوج بلادنا للاستثمار فى بناء قدرات الشباب و مساعد تهم على الولوج فى دروب الحياة بدلا من الانفاق على مشاريع خارج البلد  لن يستفيد منها الشعب الليبى حتى و لو كانت ناجحة . و قبل ان نطلب من الشباب أداء الخدمة العسكرية علينا أن نوفر لهم قطعة أرض و قرضا للبناء و الزواج حتى يكون لهم فى البلاد ما يستحق الدفاع عنه . و رحم الله الشيخ زايد عندما قال: كيف يكون المرء مواطنا و لا يملك قطعة ارض فى البلاد؟ و أمر بتخصيص اراض و قروض للشباب فى دولة الامارات .

و بالأضافة الى جميع العوامل المادية المؤدية للاحباط و الاكتئاب نجد العديد من العادات السيئة فى المجتمع ، تبدأ من مقارنة مستوى الاقران وصولا الى الاستهزاء بمن تكون امكانياته محدودة لاسباب لا يتحكم فيها ، أو استخدام الالقاب الجارحة و الاستخفاف بمن يكون نموه او قدرته على الاستيعاب محدودة . و من المستحيل أن يكون كل أبنائنا أطباء أو مهندسين أو متفوقين فى كل المجالات لكن للجميع الحق الكامل فى الحياة الكريمة بغض النظر عن مواقعهم .

أضف الى هذا جهل الكثير من أولياء الامور بالنواحى التربوية و النفسية و التعقيدات التى جدت على تركيبة المجتمع . و هنا أخص بالذكر الامهات اللاتي فرض عليهن الزواج قبل اتمام الدراسة ، كيف يمكن لهؤلاء استيعاب التغير الكبير الحاصل فى المجتمع و معالجة مشكلات الأبناء فيه ؟ . إننا بحاجة لوضع برنامج تعليمى فى المساجد للأمهات و النساء بصفة عامة ، فتحفيظ القرآن ليس كافيا لحل أى مشكلة و المطلوب هو الفهم التربوى الصحيح . و يجب ان يشارك فى هذا الامر كل المختصين فى المجالات ذات العلاقة .

أما الحديث عن دور الجن فى هذه الأزمة فهو نوع من الهرطقة الدينية ، فلم نسمع عن غزوة للجن قام بها المسلمون فى السابق ، كما لم نسمع عن مشاركة الجن مع المسلمين فى أية غزوة . فاذا كان الجن بهذه القوة لماذا لم ينصر المسلمون منهم رسول الله صلى عليه و سلم ؟ . و لماذا لا تعانى الشعوب الأخرى من أذاهم ؟. هذا بالطبع مع ايمانى بوجودهم ، لكن علينا أن نبحث عن الحلول لمشاكلنا عن وعى و دراية .

واننا نعرف من تاريخ مدينة درنة و أهلها فى فترة الأربعينيات الى السبعينيات من القرن الماضى حيث كان الناس اقل تدينا وأشد فقرا لكن لم ينتحرمنهم احد  و لم نسمع بأحد لبسه جنى الا فى حكايات العجائز ، و كان امر الجن مقصورا على المشعوذين فقط  . و ما كان استاذ فاضل مثل شيخ المعلمين الاستاذ محمد القديرى يجرؤ ليقترب من هذا الموضوع و يعالج بالرقية ، وان فعل فلن يذهب عنده أحد للعلاج . وفى الحقيقة أن الناس كان لديهم امل كبير فى الحياة  بالرغم من انعدام الامكانيات ، فيا ليت رجال الدين يقومون بأمر الدعوة فى المساجد و يعالجون أصل المشكلة فالخطر كبير جدا و نحن لا نرى الا البدايات فقد نرى فى المستقبل انتحاريين يأخذون معهم ابرياء لا علاقة لهم بمشاكلهم مثلما يحدث فى الدول الأخرى .

وأبرز ظاهرة لطلب الموت فى المجتمع نراها فيمن يذهب لمواقع الصراع كالعراق ليفجر نفسه بين الاعداء  كما يقولون ، و هذه ظاهرة جديدة فى الفكر الاسلامى القتالى و قد تناولت هذا الموضوع مجلات عالمية و تناقلته القنوات الفضائية .  والله سبحانه و تعالى حف طريق الجنة بالمكاره ، فعلى المرء ان يصبر و يصابر و يعيش حياته حلوها و مرها ، ولو أن هذا الشباب الملتزم ساهم فى بناء بلده و تعاون مع اهله على البر و التقوى و كان مثالا للعطاء لفتح الله له طريقا الى الجنة من أوسع أبوابها . و الرسول صلى الله عليه و سلم قال: اتقوا الشبهات. واذا كان المرء يخشى على نفسه من الرياء فى العبادة ، فكيف يبرر الهروب الى الجنة بهذه الطريقة و الله أعلم بنتائج هذه الصراعات الدائرة على الأرض العربية؟.

ولو نظرنا الى المجتمع لرأينا اصنافا من الناس تنتحر ببطء كل يوم ، فعلى سبيل المثال نرى آلاف المدخنين الذين يبتلعون المر بالعلقم كل يوم على حد تعبيرهم ، ويستمرون فى التدخين مع علمهم الأكيد بضرره صحيا  و حرمته شرعيا . و الدولة تقف مكتوفة الايدى و تصنع التبغ و تبيعه و تأخذ عليه الضرائب ، بل  لا تحمى بقية الناس من ضرره . و بالرغم من صدور قرارات بمنعه فى المبانى ، تبقى القرارات حبرا على ورق و تجد الناس يدخنون فى مكاتب الدولة كلها .

كذلك كلنا يعلم ما لتناول السكريات و النشويات بكميات كبيرة من اضرار صحية ومع هذا نداوم على استهلاكها بكميات مهولة ، ثم نتحدث عن مرضى السكرى و الضغط و البدانة المفرطة . و حتى بعد اكتشاف اعراض المرض يتهرب المريض من العلاج و بالتالى تتعقد حالته المرضية و ينتهى فى المستشفيات ، أو يذهب للعلاج  خارج البلاد . و اذا أضفنا الى هذا الاسراف فى تناول الدهنيات من لحوم و شحوم و دهون ، فاننا بذلك نفتح الباب لتصلب الشرايين وأمراض القلب ، و كل هذه الامور مرتبطة بالحالة النفسية للمواطن و الدافع وراؤها هو الاحباط و الاكتئاب و فقدان الأمل . فمتى نفيق من سباتنا و نرتب حياتنا بطريقة سليمة بدلا من الجرى وراء الخرافات ؟ . علينا أن نحافظ على البيئة وعلى نظافة مصادر غذائنا من المواد الكيماوية و الضارة من مبيدات و اسمدة كيماوية و مواد حافظة  ، كما يجب علينا توفير الماء الصالح للشرب و الصالح للحياة ، و القائمة تطول اذا أردنا أن نتناول جميع الأعراض .

وان اهم علاج لمحاربة ظاهرة الانتحار و ما تأسس عليه اصلا من احباط و اكتئاب يكمن فى بعث الامل فى النفوس من خلال برامج التوعية فى الاعلام ، و برامج الدعوة و الارشاد فى المساجد ، و من خلال برامج التنمية الاقتصادية و الا جتماعية للمجتمع ككل .

علينا ان نيسر سبل العيش الكريم و نوفر كل اسباب الراحة النفسية للمواطنيين و أن نوفر وسائل الترفية السليم و نشجع الناس على ممارسة الرياضة . و أهم من هذا كله توفير اسس الامان الاقتصادى للجميع بما يزرع الامل فى الحياة .  والله سبحانه و تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، فلنحرص على العودة الى الله على فهم و بصيرة و عندها سوف تتغير أحوالنا نحو الأفضل و نرتب أولوياتنا و نعيد هيكلة مؤسساتنا بما يخدم مصالحنا على المدى القريب و البعيد.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home