Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

الثلاثاء 30 ديسمبر 2008

قراءة في ما سمي وثيقة 24 ديسمبر

د. عـبدالله جبريل

نشرت في الأيام القليلة الماضية مذكرة طويلة، أطلق عليها كاتبوها والموقعون عليها اسم "وثيقة 24 ديسمبر"، نسبة إلى اليوم الذي اختير لإطلاقها ونشرها على الملأ، وهو اليوم المصادف لذكرى إعلان استقلال دولة ليبيا الحديثة سنة 1951.
ودون إضاعة المزيد من الوقت في التعليق على المذكرة من الناحية الشكلية، وبخاصة من حيث بعدها الواضح عن الأسلوب الملائم لصياغة الأوراق التي يراد لها أن تكون وثيقة، تركز على موضوع محدد، وتتضمن بخصوصه أفكاراً مركزة مختصرة، توثق موقفاً، أو تعلن قراراً، أو تشير إلى خيار سياسي أو فكري معين، فإني أود في هذه القراءة أن أتطرق إلى عدد من الأفكار التي تضمنتها الوثيقة، وأجد أنها تتجاوز المدى المعقول في التعبير عن المواقف السياسية، التي يراد تسويقها باعتبارها مواقف يشترك في القناعة بها عدد كبير من الأفراد، وتنسب في عمومها إلى "نخبة" من أبناء الشعب الليبي المعارضين للنظام الحاكم، مستقلين ومنضوين تحت تنظيمات ثلاثة ذيلت بأسمائها المذكرة وقائمة الموقعين.
بعد المرور السريع على كل تلك الديباجات والمقدمات الإنشائية التي تعدد –من وجهة نظر كاتب الوثيقة-قائمة الكوارث والمآسي التي عانتها ليبيا وشعبها جراء سيطرة نظام الحكم القائم منذ سبتمبر 1969 ، وقائمة الأمجاد والبطولات التي قدمها أبناء الشعب الليبي ويرى الكاتب أنها تستحق التثمين العالي والإشادة، تقابلنا الفقرة التالية:
"وفي الوقت ذاته فإن الموقعين على هذه الوثيقة ليسجّلون بكل استنكار:
• ما أقدمت عليه العديد من الشخصيات الليبية،على امتداد مسيرة النظام الانقلابي،من توظيف قدراتها وإمكانياتها العلمية والفكرية ومهاراتها الفنية في خدمة هذا النظام وتزيين صورته،رغم معرفتها الحقيقية بطبيعة هذا النظام وتوجّهاته،غير عابئة بحق الوطن عليها،وبما جرّه ويجرّه ذلك على الشعب الليبي من ويلات.
• ما أقدمت عليه بعض الشخصيات والزعامات الليبية عند تعاملها مع النظام الانقلابي من تغليب الاعتبارات القبلية أو الجهوية أو الحزبية أو المصلحية الأنانية، على الاعتبارات الوطنية والمبدئية الأخلاقية.
• المواقف المشينة والغادرة من قِبِل بعض العناصر التي حُسبِت، في مرحلة ما، على المعارضة بالخارج، وهي المواقف التي خدمت النظام وأحدثت شرخاً في جسم المعارضة".
وإني أجد أن هذه الفقرة تتضمن جملة من الأحكام التي ينبغي أن تخضع لشيء من المراجعة والتأمل. فما تشير إليه النقطة الأولى من هذه الفقرة يتضمن حكماً قاطعاً على كل من عمل مع النظام، ووظف "قدراته وإمكاناته العلمية والفكرية ومهارته الفنية في خدمته وتزيين صورته" بأنه خائن للوطن وللمبادئ، وأنه فعل ذلك "غير عابئ بحق الوطن عليه، وبما جره ويجره ذلك على الشعب الليبي من ويلات". وإني أجد أن في هذا الحكم تغافلاً مقصوداً وتجاهلاً متعمداً للظرف التاريخي والملابسات الواقعية التي حملت العديد من مثقفي البلاد ونخبه الفكرية والسياسية على قبول التعامل مع النظام "الانقلابي" رغم إدراكهم التام أن العسكريين الذين سيطروا على الحكم وتولوا السلطة، كانوا أبعد الناس عن التأهل للوجود في هذا الموقع، ولتحمل مثل تلك المسؤولية. ولكنهم أرادوا أن يحاولوا فعل شيء، تحدوهم آمال كبيرة وعريضة في أنهم قد يستطيعون المساهمة في توجيه السياسات العامة، أو خدمة المصلحة الوطنية للبلاد والشعب، من خلال المواقع التي أبدوا استعداداً لتحمل مسؤولية العمل فيها.. ثم تباينت مواقف هؤلاء المثقفين من العسكريين وأسلوبهم الذي أخذ يتضح وتظهر ملامحه شيئاً فشيئاً في إدارة شؤون الحكم والسلطة، فمنهم من استقال من منصبه قبل مرور شهرين على تعيينه، ومنهم من تخلى وترك بعد مرور سنة ومنهم من استغرق منه الأمر سنوات عديدة حتى قرر مفاصلة النظام والحكم، واتخاذ موقف بالترك أو الاستقالة، حتى الانتهاء إلى مواقف المعارضة السلمية وغير السلمية، وما شهدته من أحداث وتطورات لا مجال هنا لسردها أو التطرق إليها.
ولعلنا لا نرتكب كبير إثم إذا أشرنا إلى أنه لم يسلم من هذا الموقف عدد من الأسماء التي وردت في قائمة الموقعين على الوثيقة، حيث نجد من بينهم من ظل لعدة سنوات يعمل مع سلطة "الانقلابيين" في مناصب ومواقع مختلفة، فكان وزيراً أو سفيراً أو رئيساً لإدارة من الإدارات السيادية في الدولة، كمصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة وغيرهما.
ولا أظن أن كاتب الوثيقة أو كاتبيها يجهلون هذه الحقيقة، ناهيك عن أن يكون بوسعهم تكذيبها، فهل كتبوا هذا الكلام في الوثيقة وهم يعترفون بأنه يشملهم وينطبق عليهم؟
إذن فإن من الأجدر بنا، ونحن في هذه المرحلة من تاريخ القضية الوطنية، أن نتحلى بالكثير من الموضوعية والواقعية وروح القسط والاعتدال في الأحكام، فننظر في مسيرة تاريخ بلادنا بعين ترى ملابسات الواقع ومعطيات المرحلة التاريخية التي أحاطت بالأحداث والتطورات وتحكمت فيها ووجهت مسيرتها.. فنعترف أمام أنفسنا أولاً بأن الغالبية الساحقة من الليبيين رحبت بالتغيير في أول سبتمبر 1969، واستقبلت بروح إيجابية مستبشرة ومتفائلة تلك الشعارات التي رفعت، وأبدت استعداداً عالياً للتعاون والمساهمة في محاولات وتجارب وضع تلك الشعارات موضع التطبيق. ثم نعترف بأن غالبية كبيرة أيضاً من مثقفي البلاد كانت مستعدة أيضاً لتفهم الدوافع والعوامل التي أدت إلى التغيير العسكري، ومن ثم كانت مستعدة للتعاون، بأمل أن تتمكن من المساهمة في وضع تلك الشعارات والأهداف موضع التطبيق، ثم نعترف أخيراً بأن الليبيين عموماً، والمثقفين الذين انخرطوا بشكل أو بآخر في آليات الحكم والإدارة، استغرقوا آماداً متفاوتة في بلوغ نقطة اليأس من إمكانية فعل شيء، إزاء التوجهات المتزايدة لدى السلطة الحاكمة نحو تكريس نظام الحكم الفردي الاستبدادي، فاتخذوا قراراتهم بمفاصلة النظام بمختلف أنماط المفاصلة التي عرفناها.
ومن هنا فإن القسط والعدالة والموضوعية تقتضي منا أن نلتمس شيئاً من العذر لكل من خدم مع النظام في السنوات الأولى، ونغلب الظن في أنه كان صادق النية في خدمة بلاده وشعبه، وأنه سعى وحاول وبذل وسعه، ثم اتخذ قراره بعد أن تبين له أن الأمور سائرة في غير الاتجاه المراد، وأنه إن استمر في موقعه سوف يكون بكل تأكيد مساهماً في ما أخذت تنهار إليه البلاد من ترد وكوارث ومآس.
أما النقطة الثانية من هذه الفقرة التي نحن بصدد التعليق عليها، فهي في عمومها فارغة من المعنى، ولا تتضمن إلا محاولة لمز وغمز غامضة، يريد كاتب الوثيقة أن يشمل بها "بعض الشخصيات والزعامات الليبية عند تعاملها مع النظام"، دون أن يحدد أو يذكر بالضبط من هي هذه الشخصيات والزعامات، تاركاً الكلام مطلقاً على عواهنه، بحيث ينطبق على كل شخصية أو زعامة قبلية تعاملت مع النظام أو عملت معه أو اتصلت به بأي نحو من الأنحاء، ثم يخلص إلى اتهام هؤلاء جميعاً بأن دوافعهم في ذلك كانت "تغليب الاعتبارات القبلية أو الجهوية أو الحزبية أو المصلحية الأنانية، على الاعتبارات الوطنية و المبدئية الأخلاقية". وهكذا يسمح كاتب الوثيقة لنفسه باتهام هؤلاء الذي يعنيهم بكلامه بخيانة الوطن والمبادئ الأخلاقية.. وهذا كلام مردود ومرفوض.. فضلاً عن أنه فضفاض ولا يحدد شيئاً يمكن فهمه والتعامل معه بالنظر العقلي والمنطق والحجة.. ولعله لا يعني سوى محاولة مفضوحة لشمول كل الليبيين، بمختلف شخصياتهم وزعاماتهم القبلية والفكرية، بتهمة خيانة الوطن ومبادئ الأخلاق، باستثناء كاتب الوثيقة والموقعين معه عليها.
أما النقطة الثالثة من هذه الفقرة فتتورط في ما هو أبشع، فتشمل فئة أخرى من نخبة الليبيين بأحكام بالغة التمادي في التخوين والاتهام، نعجب كيف يسمح مثقفون يتصدرون للوجود في الصفوف الأولى من العمل السياسي المعارض لأنفسهم بالتورط فيها.. فيصفون مواقف بعض رفاقهم في المعارضة بأنها مواقف "مشينة وغادرة".. وفضلاً عن أن كاتب الوثيقة لا يحدد لنا هؤلاء الذين يصفهم بالغدر والخيانة والسلوك المشين، فإنه لا يمدنا بشيء مفيد يعيننا على تلمس ومعرفة طبيعة تلك المواقف التي اتخذها هؤلاء، فجلبت عليهم في نظره صفات الغدر والخيانة.. ويتركنا نخمن أو نقرأ من بين سطوره أن المقصود بهذه التهم أو الصفات كل من اختلف معه في اجتهاده السياسي أو الفكري، ورأي في التعامل مع القضية الوطنية رأيا آخر، واختار أن يسلك في سبيلها طرقا مختلفة عن تلك التي سُلكت واتُّبعت في مرحلة من مراحل تاريخ العمل الوطني المعارض، وتبين له أنها لم تعد مجدية ولا نافعة، ورأى أن الأجدى والأقرب إلى المصلحة الوطنية البحث عن سبل أخرى ومناهج مختلفة.
ولا نعلم بأي معنى يمكن أن نفهم وصف هؤلاء المختلفين مع كاتب الوثيقة بالغدر والخيانة، اللهم إلا بمعنى أنهم خانوه هو في ذاته وغدروا به، وهذا بالطبع –إذا صح- فهو دليل قوي على مدى ترسخ الروح الديمقراطية لديه، إذ يحكم على كل من يختلف معه في الرأي و الاجتهاد بأنه خائن وغادر وأنه ذو سلوك مشين.
وكان أجدر بكاتب الوثيقة والموقعين معه عليها أن يجنبوا أنفسهم الوقوع في هذه المنـزلق الأخلاقي الخطر، فيكتفوا بالتعبير عن مواقفهم واجتهاداتهم الفكرية والسياسية، وهذا حقهم المكفول لهم، ولا يتورطوا في اتهام رفاقهم وإخوانهم من أبناء الوطن لأنهم اختلفوا معهم في الرأي والاجتهاد، ولأنهم حاولوا تلمس سبل أخرى لخدمة قضية بلادهم، اختلفت عن سبلهم هم التي تمت تجربتها واختبارها على مدى سنوات عدة، فلم تؤد إلى شيء، بل لعلها أدت إلى عكس ما كان يؤمل أو يرجى.
في فقرة أخرى يعبر الموقعون على الوثيقة عن قناعات يسمونها قناعات أساسية، تتلخص في أن "استمرار هذا النظام الانقلابي (بأي صورة من الصور) من شأنه أن يُعاظم وأن يُفاقم الكارثة التي تعيشها ليبيا، وأن يهدِّد وحدتها وسيادتها الوطنية وسِلمها الاجتماعي ومستقبل أجيالها". وأن "هذا النظام الانقلابي بات، منذ زمن بعيد، غير قابل للإصلاح وغير صالح للبقاء". وأنه "لا مندوحة ولا مفر من إزالة نظام القذافي، بجميع رموزه وهياكله، كمقدمة لازمة ومدخل ضروري للعودة بليبيا إلى كنف "الشرعية الدستورية"، وأخيراً عن "ضرورة محاكمة القذافي وكل المتورِّطين معه في الجرائم والانتهاكات التي اقتُرِفت بحق ليبيا وشعبها منذ الأول من سبتمبر 1969".
وهذه قناعات لا نملك إلا أن نعترف بحق إخواننا الموقعين على الوثيقة في الاقتناع بها وتبنيها، ولكننا نطالبهم بالمقابل في أن يعترفوا لسائر أبناء الوطن ممن لم يوقعوا معهم على الوثيقة بحقهم المتكافئ مع حقهم في أن يختلفوا معهم فيها، كلها أو بعضها، فقد يوجد من بين هؤلاء من لا يتفق مع الموقعين على الوثيقة على فكرة أن استمرار النظام، بأي صورة من الصور، من شأنه أن يعاظم الكارثة والمأساة، ويقولون: ماذا لو أن إحدى هذه الصور كانت إحداث تغييرات جوهرية، أو اتخاذ مواقف جذرية تكون كفيلة بإنهاء حالة الحكم الانقلابي الاستبدادي، والتحول به إلى الحكم الشرعي الديمقراطي؟
وقد يوجد من غير الموقعين على الوثيقة من لا يتفق معهم على الحكم بأن النظام "غير قابل للإصلاح وغير صالح للبقاء"، وإذا ظل من حق الموقعين على الوثيقة أن يتبنوا هذه القناعة ويتمسكوا بها، فإن عليهم أن يعترفوا للمختلفين معهم بحقهم في التعبير عن قناعات أخرى، من بينها مثلاً القناعة بجدوى محاولة الإصلاح، ثم التريث والتأني قبل المجازفة باتهامهم بسبب هذه القناعة بأنهم يرتكبون جريمة الخيانة العظمى للقضية الوطنية.
وإذا كان من حق الموقعين على الوثيقة أن يتبنوا قناعة أخرى بأنه " لا مندوحة ولا مفر من إزالة نظام القذافي، بجميع رموزه وهياكله" وأن يروا "ضرورة محاكمة القذافي وكل المتورِّطين معه في الجرائم والانتهاكات التي اقتُرِفت بحق ليبيا وشعبها منذ الأول من سبتمبر 1969، فإن عليهم أن يعترفوا للمختلفين معهم بحقهم في التردد في موافقتهم على هذه القناعة، بصورتها الشمولية المغرقة في التعميم، فما المقصود بعبارة "جميع رموزه وهياكله"، ومن يحدد أين تبدأ قائمة المعدودين ضمن رموز النظام وأين تنتهي؟ ومن يحدد أي هياكل النظام ليس بالغ السوء، أو أنه يمكن إصلاحه واستثماره، وأيها ميؤوس منه ولا يمكن إصلاحه؟
وينطبق على قناعة الموقعين على الوثيقة بضرورة "محاكمة القذافي وكل المتورطين معه في الجرائم" ما قيل بالنسبة للقناعة السابقة، فمن يحدد هؤلاء المتورطين في الجرائم؟ وهل يترك هذا الأمر للقضاء أم يترك للأهواء والعواطف؟ وما العمل في الجرائم التي لا يمكن أن يثبت القضاء بالوثائق والأدلة الدامغة مسؤولية القذافي أو أبنائه عنها؟ وبعد هذه المقدمات يخلص الموقعون على الوثيقة إلى التأكيد على عدد من المواقف التي تمثل خلاصة رأيهم في القضية.
الموقف الأول يتمثل في "رفضهم أن يكون القذافي جزءاً أو طرفاً عند التفكير في وضع حل للخروج بليبيا من واقعها الكارثي، وعند وضع رؤى وتصورات تستشرف مستقبلها". وإني لا أفهم لهذا الرفض أي معنى سوى التعبير عن إصرار أصحاب المذكرة على حصر القضية الوطنية برمتها في المواجهة مع "شخص" معمر القذافي، ومن ثم رفض "الحل"، ولو أمكن جدلاً أو افتراضاً أن يأتي بمبادرة أو موافقة أو بمشاركة القذافي، سواء أكان راغباً في ذلك ومقتنعاً به أم كان مرغماً عليه تحت أي ظرف من الظروف. فهل من المعقول أن نرهن "حل" القضية الوطنية بتحقيق هذا الحلم الذي ما انفك يراود كاتب المذكرة والموقعين عليها؟ وهل يعقل أن نتخيل أن الشعب الليبي سوف يكون بدعاً من الشعوب التي لم تجد بداً في نهاية المطاف، وبعد جولات من الصراع والعنف والاقتتال والتدافع، من أن تجلس أطرافها المتصارعة جميعها إلى طاولة مفاوضات، تبحث عبرها عن الحلول الممكنة الكفيلة بتجنيب بلدانهم وشعوبهم ويلات الحروب والاقتتال؟ والأمثلة على الشعوب التي فعلت ذلك كثيرة لا تحصى، لعل أولاها بالنظر والاعتبار مثال جنوب أفريقيا، حيث لم يصر زعيمها نلسون مانديلا على رفض "الحل" الذي يأتي بطريق التفاوض مع النظام، ولم يبق مصراً على المطلب الذي تبين استحالته وهو أن يتمكن من القضاء على النظام وإزاحته والإطاحة به، بكل رموزه وهياكله.
الموقف الثاني يتمثل في رفضهم "لكل صور التحايل والالتفاف على مطلب الشعب الليبي الجوهري، والمتمثل في ضرورة وضع نهاية جذريّة وكليّة وشاملة لهذا النظام". ولو أن الموقعين على الوثيقة اقتصروا على القول بأن هذا هو رأيهم وموقفهم وقناعتهم، لما كان لنا أن نعلق أو ننتقد، فلكل حقه في أن يرى الرأي الذي يحلو له، ويتبنى القناعة التي يراها مناسبة، أما أن يصوروا هذا الرأي بأنه "مطلب الشعب الليبي الجوهري" فهذا ليس من حقهم، لأن الشعب الليبي لم يخولهم الحديث باسمه، وليس لهم إلا التعبير باسمهم باعتبارهم شريحة من الشعب الليبي أو فئة من فئاته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فمن قال إن الشعب الليبي يرى ضرورة وضع نهاية "جذرية وكلية وشاملة" للنظام.. ولو أن الموقعين على الوثيقة يعيشون على الأرض ذاتها التي يعيش عليها أبناء الشعب الليبي داخل البلاد، لربما كان لهم رأي أو تقدير مختلف للأمور، فقد بلغت الأمور بالليبيين حداً من السوء والمأساوية حتى أنهم باتوا يتطلعون لأي بصيص من الضوء قد يلوح لهم في آخر النفق، وباتوا مستعدين للتنازل عن الكثير من مطالبهم "الجوهرية، مقابل أن توجد فرصة لتحسين أوضاعهم وإصلاحها. ولعل تلك "الضرورة" التي يتحدث عنها الموقعون على المذكرة لوضع "نهاية جذرية وكلية وشاملة للنظام" لا توجد إلا في أحلامهم وأذهانهم. ومهما كان لهم الحق في تبني هذه الرؤية والقول بها، إلا أنه لا يحق لهم البتة نسبة هذا الرأي إلى الشعب الليبي.
الموقف الثالث يتمثل في "رفضهم لمساعي القذافي المتواصلة لاستدراج القوى الوطنية المعارضة لنظامه، في الداخل والخارج، ومحاولة تدجينها من خلال فخاخ ما أُطلِق عليه "الحراك السياسي" و"المصالحة الوطنية" و"المنابر السياسية" و"منظّمات المجتمع المدني" و"الروابط الشبابية" و"ملتقيات الشباب" و"ندوات الحوار" التي تجري جميعها تحت مظلّة النظام وبرعايته وإشرافه وحسب توقيتاته".
وإني لأجد في هذه الصياغة الكثير من التجاوز لحدود النقاش والمجادلة الموضوعية العلمية، وأراها تقترب كثيراً من حد اللمز والغمز والإشارة الخفية، فهل يعي الموقعون على المذكرة معنى قولهم "استدراج القوى الوطنية"؟ وكأن سائر القوى الوطنية المعارضة هي من السذاجة والغباء وقلة النظر بحيث إن النظام يضحك عليها ويستغفلها و"يستدرجها" إلى الفخاخ التي يريد استدراجها إليها. أم أن الموقعين على المذكرة يقصدون اتهام كل الوطنيين الذين شاركوا أو أبدوا مستويات من الاستعداد للمشاركة في مظاهر "الحراك السياسي" التي ظهرت داخل البلاد بالغباء والسذاجة، ومن ثم السقوط في فخاخ النظام لجرهم إلى ما يسميه الموقعون "أنشطة مشبوهة"، لا "تخدم إلا النظام وأجندته ومناوراته".
ونحسب أن الموقعين على المذكرة لا يبعدون بموقفهم التخويني والتشكيكي هذا عن موقف النظام نفسه الذي ما انفك يعتبر كل من يخالفه الرأي خائناً للوطن، وعميلاً لأعدائه، جديراً بالتشكيك في نواياه، والتقليل من قدراته العقلية والذهنية على التمييز والتقدير.
وما حدث في الواقع هو أن أبناء الوطن من نخبة مثقفيه الذين تجاوبوا مع بعض المؤشرات أو الفرص التي برزت في واقع الليبيين الذي عانى من الركود والشلل والانغلاق طوال سنوات عدة، فعلوا ذلك من منطلق الإحساس الفعلي الصادق بأزمة بلادهم وشعبهم، وبإلحاح الحاجة إلى البحث عن أية منافذ لإصلاح الواقع الراهن، وفتح ثغرات في جدار التردي والتدهور والتأزم الذي ظلت الليبيون يعانون منه.
والواقع والحقيقة أن هؤلاء المثقفين لم يتمكن النظام من جرهم إلى "مخططاته وفخاخه" المزعومة، وظلوا يرفعون أصواتهم الجريئة، من داخل الوطن، بمطالب شعبهم الحقيقية في الشرعية والديمقراطية، ولم يبدوا أي استعداد للتنازل عن هذه المطالب الجوهرية، وإن أبدوا الكثير من المرونة في تصور السبل الكفيلة بالإيصال إليها، ولم يصروا إصراراً أعمى على اشتراط أن يزول النظام "بكل رموزه وهياكله"، ولم يرفضوا رفضا "مبدئياً قاطعاً وجازماً" التعامل مع النظام بمختلف أشكال التعامل، من منطلق قناعتهم بأن الجوهري هو تحقيق المطالب الجوهرية للشعب، ولم يجدوا غضاضة في إبداء الاستعداد إلى السير نحو تلك الأهداف من خلال سبل التعامل والتفاوض، إذا توفرت الظروف الموضوعية الملائمة لها.
أما وضع هذه المسميات جميعها في سلة واحدة فهو من الخلط المعيب المشبوه النوايا، فـ"الحراك السياسي" و"المنابر السياسية" و"المصالحة الوطنية" و"منظمات المجتمع المدني" و"ندوات الحوار" مفاهيم ومصطلحات لا تمت بصلة ولا تقترب بأي شكل من الأشكال من "الروابط الشبابية" و"ملتقيات الشباب". ففي حين تتصل هاتان الأخيرتان بمشروع سيف الإسلام "ليبيا الغد" وقد تمثل بعض آلياته في هذا الخصوص، تعبر المصطلحات أو التعبيرات الأخرى عن بعض المظاهر التي حاول المثقفون من خلالها فتح ثغرات في جدار الصمت والتعتيم والتأزم، ولا ينكر إلا متعام ومتصامم أن هؤلاء المثقفين قد سجلوا من خلال هذه الثغرات صفحات رائعة في الجرأة على قول الحق، والجهر بالمواقف المبدئية الثابتة التي لم يكن أحد داخل الوطن يجرؤ حتى على التفكير فيها.. وقد دفع كثير من هؤلاء المثقفين ضريبة قاسية على جرأتهم ومواقفهم التي أثبتوا من خلالها أنهم ينطلقون من إيمان بقضية الوطن، وإدراك واقعي عميق لأبعادها، ونية صادقة مخلصة في تحري الفرص وتحينها لإحراز أي تقدم في هذه السبيل ولو كان ضئيلاً صغيراً.
وأخيراً تفاجئنا المذكرة بهذه الفقرة "إن الموقعين على هذه الوثيقة يرون من واجبهم ومسؤوليتهم (...) أن يوجّهوا نداءً عاجلاً إلى جميع القوى الوطنية الخيرة الحرة، العسكرية منها والمدنية، الفاعلة والقادرة على التحرّك والتأثير، أن تستشعر مسؤوليتها الوطنيّة والتاريخية، وأن تتقدم بكل جسارة وبدون تردد من أجل تحقيق أمل شعبنا المشروع في وضع نهاية عاجلة وحاسمة لنظام القذافي الجاثم على صدره".
وهو نداء لا نرى أنه يقدم أو يؤخر في معالجة القضية الوطنية، فقد ظل العاملون في المعارضة الليبية منذ إنشائها يعملون من أجله، ويسعون في سبيله، ولكن الواقع المرير ظل دائماً يصدمهم بعدم إمكانية تحقيق هذا الأمل، أو حتى الاقتراب منه. ولم توجد تلك "القوى الوطنية الفاعلة القادرة على التحرك والتأثير (...) لوضع "نهاية عاجلة وحاسمة لنظام القذافي". فلمن يوجه الموقعون على المذكرة نداءهم هذا؟
ونكاد نجد نوعاً من الإجابة عن هذا التساؤل في ما ورد في آخر المذكرة، حيث يتحدث الموقعون على المذكرة عن تخيلهم أن ثمة "أبطال وطنيون" سوف "يضطلعون بهذه المهمة الوطنية الجليلة"، فيطيحون "بهذا النظام الانقلابي الفاشي". وبالطبع يقفز إلى الذهن على الفور أن المقصود بهذه العبارات "قوة عسكرية" تتحرك "للإطاحة بالنظام" بالقوة، أي عن طريق انقلاب عسكري. ولم يترك الموقعون على المذكرة هذا غامضاً أو مخفياً، فقد عبروا بصراحة عن استعدادهم لقبول "أي صيغة من صيغ التحرك" من خلال قولهم "أياً كانت الكيفية التي يتم بها إنجاز هذا الواجب العظيم"، أي ولو كانت صيغة التحرك الانقلابي العسكري.
وهنا نجد أنفسنا نختلف جذرياً وكلياً وجوهرياً مع الموقعين على هذه المذكرة، فأنا وأحسب أن كثيرين من أبناء وطني باتوا يتفقون معي في هذا الرأي، نرفض رفضا "مبدئياً" فكرة تغيير الوضع بالقوة العسكرية، ولو كان ممكنا ومتيسراً، ونرفض استبدال انقلاب بانقلاب، فقد جربنا وجرب الكثير غيرنا من الشعوب الانقلابات العسكرية وما جرته وتجره حتماً على البلدان التي تقع فيها من كوارث ومآس، ليس أقلها تكريس أنظمة الحكم الفردي الاستبدادي، وما يترتب على ممارسات هذه الأنظمة من كوارث على مختلف الصعد السياسية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن ثم فنحن لا نتفق مطلقاً مع هذا التوجه، ونعيد التأكيد على قناعتنا بأن التغيير الوحيد المشروع في نظرنا هو التغيير الذي ينجم عن حركة الشعب بالسبل السياسية السلمية، وهو الذي كان ولا يزال يؤمل أن يحدث ويتطور من خلال "الحراك السياسي" وتطوير روح العمل الأهلي من خلال منظمات المجتمع المدني.
وسوف يظل الدرس الأكبر الذي ينبغي أن يكون الليبيون قد استفادوه ووعوه جيداً من تجربتهم مع نظام الحكم الانقلابي هو رفض فكرة التغيير بالقوة العسكرية رفضاً مبدئياً قاطعاً وحاسماً، والإصرار على تبني أسلوب ومنهج الحراك الشعبي السياسي السلمي، مهما طالت طريقه، وتشعبت سبله ومسالكه.

Abdullah_jibreel@yahoo.com
28 ديسمبر 2008



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home