Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

الثلاثاء 29 يوليو 2008

نهاية عصر اللجان الثورية :
متى يعلن إلغاؤها من الخارطة السياسية في البلاد

د. عـبدالله جبريل

كل المؤشرات التي أخذت تتفاعل وتبرز في الساحة السياسية داخل البلاد، خلال السنوات الثلاث الأخيرة بوجه خاص، تصب في محصلة واحدة، هي باختصار وتركيز شديدين أننا نعيش على أعتاب مرحلة تاريخية مختلفة ومتميزة أشد الاختلاف والتمايز عن المرحلة التي سبقتها، وهي المرحلة التي تبدأ بقيام الثورة في أول سبتمبر من سنة 1969، وأخذت بوادر اقترابها من نهايتها تبرز منذ بروز "ظاهرة" سيف الإسلام القذافي، التي عبر عنها ما بات يعرف بمشروع "ليبيا الغد".
فقد أخذ سيف الإسلام يصرح ويجهر بما لم يكن أحد غيره داخل البلاد يقدر أن يجهر به، وهو الحديث عن مظاهر الفشل والتأزم والتعثر الذي باتت تعاني منه البلاد على جميع الصعد وفي جميع المجالات، والحديث عن الحاجة التي باتت ملحة للوقوف وقفة نظر واعتبار وفحص ونقد للتجربة الماضية، من أجل بلوغ رؤية جديدة حول ما نتمنى أن تكون عليه ليبيا في المستقبل أو "الغد".
ومع أن هذه الرؤية لا يزال يشوبها الكثير من الغموض وعدم الوضوح، ولا تزال الآراء ووجهات النظر حولها تتضارب وتتدافع وتتشابك على مستويات شتى، إلا أن قناعة باتت شبه عامة تسود لدى غالبية ملحوظة وساحقة من الليبيين، عامتهم ونخبهم الفكرية والثقافية، أنه قد آن الأوان بالفعل لإعلان نهاية المرحلة الماضية، مرحلة الثورة، والبدء في التفكير فيما ينبغي ويمكن فعله لوضع أسس المرحلة الجديدة، أي "مرحلة الدولة".
ولقد توالت مداخلات وكتابات الكتاب ممن اهتموا بمشروع الإصلاح السياسي في ليبيا، تحاول أن تسهم بالرأي والفكر حول هذه المسألة الكبرى، وما يتفرع عنها بالضرورة من مسائل صغرى وتفصيلات جزئية. ولم يكن من المستغرب مطلقاً أن يحدث بين هؤلاء الكتاب ما يشبه الإجماع على أن الخطوة الضرورية الأولى في هذا الاتجاه ينبغي أن تكون الانتهاء من وضع دستور دائم للبلاد، تتضح فيه ملامح النظام السياسي الذي تتفق عليه أغلبية المواطنين، وينص فيه على الحريات والحقوق الأساسية، وعلى مختلف آليات ممارسة السلطة وإدارة شؤون البلاد. وقد ترتب على البدء في خوض الحديث والحوار والنقاش حول هذه المسألة بروز قضية في مسألة الخطورة والأهمية، اعتبرها البعض هي الخطوة الأهم والأكثر إلحاحاً كي يمكن أصلاً أن نمارس ذلك الحوار الوطني الحر الشامل اللازم لوضع الدستور، وهي قضية حرية الرأي والتعبير، ذلك أنه بات من البدهي أن الحوار الوطني الشامل لا يمكن أن يتم إذا لم يتمكن جميع المواطنين، على اختلاف آرائهم وأفكارهم وقناعاتهم السياسة، من التعبير عن آرائهم وقناعاتهم بحرية تامة، دون خشية من أن يتهموا بأنهم "يضللون الرأي العام" أو أنهم "يخونون ويعادون مبادئ الثورة" أو أنهم "يتآمرون على الوطن ووحدته واستقلاله"..إلخ آخر تلك التهم التي لا تزال –للأسف الشديد- جاهزة كي توجه على الفور لكل من يحاول أن يعبر عن رأي تراه بعض الجهات ذات النفوذ والسلطة رأيا معاديا أو غير مرغوب فيه.
وبطريقة التداعي المنطقي خلصت هذه الأفكار إلى أن ثمة خللاً كبيراً ما زال يوجد في التركيبة السياسية في البلاد، وخاصة على صعيد الممارسة الفعلية لحرية الرأي والتعبير؛ إذ يتبين في كل حين، وعند كل منعرج، أن ثمة في البلاد فئة أو شريحة أو قوة سياسية، فلنسمها ما شئنا، هي وحدها التي تملك الحق في التعبير عن آرائها وأفكارها وقناعاتها السياسية، بل إنه يتبين ما هو أخطر من ذلك، وهو أن هذه الفئة لها وحدها الحق في أن تختلف وتتناقض مع مبدأ من أهم المبادئ التي يقوم عليها الفكر الذي تعتنقه وتدين به، فكر الكتاب الأخضر، وهو مبدأ "من تحزب خان". وبالطبع لا نحتاج لأن نوضح أننا نقصد بكلامنا هذا "حركة اللجان الثورية".
قد يثور أعضاء وأنصار اللجان الثورية ضد هذا الكلام، وقد يصفون كاتبه بمحاولة مفضوحة للدس أو الاصطياد في الماء غير الصافي، ولكني أعني هذا الكلام بكل أبعاده ومضامينه، فحركة اللجان الثورية هي حزب سياسي بكل معنى الكلمة: ـ فهي إطار يضم أفراداً يؤمنون بعقيدة سياسية معينة.
ـ وهي إطار ينظم هؤلاء الأفراد في شكل تنظيمي محكم، متعدد المستويات والدوائر.
ـ وهي تنظيم له مقرات معروفة يستخدمها في تلاقي أعضائه فيما بينهم، لحضور المؤتمرات والندوات والملتقيات التعبوية، لتنمية ثقافة أعضائه السياسية، وتلقينهم مبادئ العقيدة الفكرية والسياسية التي يقوم عليها التنظيم، وتدريبهم على ممارسة الدعاية للتنظيم ولفكره وعقيدته السياسية بأساليب الحوار والنقاش (وإن كان هذا التنظيم يشذ عما ينبغي أن يتسم به التنظيم السياسي في النظام الديمقراطي، لأنه حين يفشل في تحقيق أغراضه بوسائل الحوار والمحاججة السلمية، وهو ما يحدث في غالب الأحيان، فإنه يعطي نفسه الحق في اللجوء لوسائل العنف والإرهاب الفكري والمادي).
ـ وهي تنظيم له وسائله الإعلامية التي يستخدمها للترويج لعقيدته السياسية وبرامجه وأفكاره.
فهل الحزب السياسي شيء آخر غير هذه الأمور؟
إذن فلنتفق على هذه المسلمة والبديهية وهي أن "حركة اللجان الثورية" حزب سياسي، عقيدته السياسية هي الطروحات المتضمنة في "الكتاب الأخضر"، مقراته المثابات المنتشرة في كل مفاصل البلاد، ووسائله الإعلامية الإذاعات المسموعة والمرئية والصحف الرسمية الناطقة باسم النظام السياسي القائم.
وإذا كان الأمر كذلك، ألا يكون من حقنا أن نتساءل: لماذا يكون لحركة اللجان الثورية وحدها الحق في أن "تتحزب" وأن تمارس العمل الحزبي، بكل أبعاده ومستوياته، دون أن تتهم بالخيانة أو معاداة مبادئ الثورة أو التآمر مع الأعداء؟ ويمنع باقي المواطنين من أن يكون لهم رأيهم المختلف، وقناعاتهم الفكرية والسياسية المختلفة، وإذا فكر أحدهم في التعبير عن هذا الرأي أو تلك القناعة، يكون "مضللاً" و"خائناً" و"معادياً". أما إذا فكر في أن ينضم إلى آخرين يرون مثله نفس الرأي، ويشتركون معه في القناعة الفكرية والسياسية، فإنه سوف يكون متآمراً على "سلطة الشعب"،
وسوف يقال إنه "ينتمي إلى تنظيم سري يهدف إلى قلب نظام الحكم".
ومن هنا فإننا نرى أننا نقع في تناقض كبير بالغ الخطورة، حين نتحدث عن "ليبيا الغد" ونتصورها دولة مؤسسات وقانون وحرية رأي، وفي الوقت نفسه نظل نعيش داخل معطيات مرحلة "ليبيا الثورة"، حيث هناك ثورة لها فكر ومبادئ معينة، أنشأت لها تنظيماً سياسيا وحركيا، للترويج لفكرها والدعاية لها والدفاع عنها وحمايتها (كما تنص على ذلك بالحرف أهداف حركة اللجان الثورية)، وسخرت له كل إمكانات المجتمع المادية والتشريعية والقانونية وغيرها ليمارس تحركه، في سبيل تحقيق أهدافه وأغراضه.
ونرى، كما سبق أن عبرنا وعبر غيرنا في كتابات مختلفة، أنه لا مفر من اتخاذ خيارات تاريخية حاسمة، فإما نحافظ على "ليبيا الثورة" بكل سماتها وخصائصها وآليات الحركة فيها، أو نقرر الانتقال إلى "ليبيا الدولة"، ويكون علينا من ثم أن نتخذ ما يلزم من إجراءات وخطوات في هذا الاتجاه.
وإذا اتفقنا على أن السمة الكبرى والجوهرية في ليبيا الدولة، أي ليبيا القانون والمؤسسات، ينبغي أن تكون كفالة الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين دون تمييز، فإنه يكون علينا أن نخلص إلى ما يلزم أن نخلص إليه من نتائج، وهو أنه لن يكون في ليبيا الدولة فئة أو شريحة أو قطاع من المجتمع يملك وحده شرعية الوجود السياسي، ويزعم لنفسه الحق في امتلاك الحقيقة والوطنية، فيحكم على من يختلف معه في الرأي بأنه ضال أو مضلل أو أنه خائن وعدو للوطن. وأنه ينبغي أن يكون لجميع المواطنين في ليبيا الدولة الحقوق نفسها في امتلاك الفكر والقناعة السياسية،
والحرية المطلقة في التعبير عن ذلك الفكر والقناعة السياسية بالأساليب السلمية التي ينظمها القانون، والحق في أن ينظم الملتقون أو المتفقون على هذا الفكر أنفسهم في أطر تنظيمية وعملية تمكنهم من أن يلتقوا في ضوء الشمس وتحت مظلة القانون وحمايته، لكي يتبادلوا الرأي، ويطوروا من مستوياتهم الثقافية والعلمية، ويمارسوا حقهم في الدعاية لفكرهم وقناعاتهم وتروجيها بالطرق السلمية بين الناس، ثم ينظموا الطرق والوسائل التي يتنافسون عبرها مع سائر القوى الوطنية لممارسة مختلف مسؤوليات الإدارة والحكم.
ولقد قلنا وقال غيرنا من قبل إنه لم يعد من المقبول في منظور بناء "ليبيا الغد" أن تبقى حركة اللجان الثورية بهذه الصورة. وقدمت اقتراحات عملية واقعية لأن تتحول اللجان الثورية إلى "حزب سياسي" يتنافس بالفكر والرأي والمنطق مع غيره من القوى السياسية التي ينبغي أن يسمح القانون بتكوينها، تجسيداً لمبدأ المساواة في الحقوق، ولفكرة أن أبناء ليبيا الغد متساوون جميعهم في جدارة الانتماء إلى الوطن. ولا يتميز أحدهم عن الآخرين إلا بمقدار ما يقدم للوطن من إخلاص وخدمة وتفان.

Abdullah_jibreel@yahoo.com
28 يوليو 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home