Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

الأثنين 25 أغسطس 2008

سيف الإسلام .. والنظام..
والإصرار عـلى تنكب السبيل الوحيد إلى الحل

د. عـبدالله جبريل

في هذه المقالة سوف أحاول ألا أنجر إلى مناقشة ما جاء في كلمة سيف الإسلام في سبها، ففي تقديري أن الكلمة لم تتضمن أي شيء جديد بالفعل يستحق أن نمسكه على وجه اليقين، ثم نعتمد عليه في بناء أي استشراف للمستقبل أو أي تفكير في خطوات قادمة. ذلك أني أرى أن سيف الإسلام قد سحب من كل الكلام الذي قاله أي مصداقية، حين أعلن أنه قرر أن يتخذ خطوات إلى الخلف، وأن يتوقف عن التدخل في السياسة. فالحقيقة التي تشاهد بالعين وتلمس بالأيدي في واقع ليبيا والليبيين هي أن سيف الإسلام سوف يتحمل تاريخياً مسؤولية إحداث هذه الربكة الشديدة التي نجمت عن بروزه على ساحة السياسة الليبية، أولا من خلال ما يسمى التعامل مع الملفات الخارجية، ثم من خلال محاولاته للتدخل في بعض الملفات الداخلية، ووقوفه اليوم ليعلن أنه فشل في ذلك، وأنه قرر أن يتوقف، بزعم أنه وضع القطار على السكة، وأن هذا القطار سوف يسير في طريقه ولن يتوقف.

فالحقيقة الفاجعة هي أن كل ما حدث لا يخرج عن الآتي :

- شراء إغلاق الملفات الخارجية بأموال الليبيين التي أهدرت بشكل معلن (في حالة الأمريكيين) أو بشكل غير معلن ولا يعلم أحد حقيقته (في حالة البلغاريات وقضية الإيدز). وهذه مسألة لم تكن بحاجة إلى سيف الإسلام ليتمكن من حلها، بقدر ما كانت بحاجة إلى بلوغ النظام في ليبيا الدرجة المطلوبة من الاستعداد للاعتراف بمسؤوليته عما قام به من عمليات إرهابية، ثم الاستعداد غير المحدود لدفع ما يطلب منه من ثمن.

- إطلاق العديد من الوعود والتصريحات، والإعلان عن عدد من التوجهات لإصلاح الأوضاع السياسية، بقيت كلها في الحقيقة دون إنجاز، بل إن ما تمت محاولات خجولة في طريق إنجازه، ووجه بمقاومة عنيفة وصارخة من قبل المحافظين في أركان النظام، فتم إجهاضه ووأده في المهد قبل أن يطلق صرخة واحدة تدل على الحياة. فهاهي ذي صحف ليبيا الغد التي زعم أنها مستقلة، تقع تحت هيمنة الجناح المحافظ في اللجان الثورية، ثم تحول إلى نسخ أخرى من صحافة الدولة القديمة التي لا طعم لها ولا لون. بل إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد حدث ما جعل كثيرين يقولون إن "مشروع" صحافة ليبيا الغد، وما بدأ يتم في إطارها من تطبيق لفكرة المنابر السياسية، لم يكن في حقيقته سوى نسخة أخرى من تلك الخدعة التي وقع فيها المثقفون الليبيون سنة 1972، وسميت "ندوة الفكر الثوري"، حيث تكشفت تلك الندوة عن مجرد "فخ" نصب للمثقفين لكي يتمكن القذافي من معرفة أفكارهم وتوجهاتهم، ومن ثم معرفة من يمكن أن يمثلوا خطرا على توجهاته للهيمنة على الحكم والانفراد به، فيقوم بتصفيتهم أو إبعادهم عن طريقه، بالقتل أو بالسجن أو بالعزل المدني والسياسي.

ولعل ما حدث من ملاحقة لبعض الكتاب الذين صدقوا الخدعة، وانجروا إليها بحسن نية، وتوجيه التهم المعروفة القديمة إليهم، بمعاداة ما يسمى مبادئ الثورة والتشكيك فيها، أو هذه البدعة الجديدة المسماة "تضليل الجماهير"، لدليل قاطع ومؤلم على صدق ما ذهب إليه هؤلاء.. وخاصة أن هذا الأمر حدث على مسمع ومرأى من سيف الإسلام، ولم نره يحرك ساكناً للدفاع عن هؤلاء الذين لم يفعلوا أكثر من أنهم صدقوا ما أعلن هو عنه من توجه لإصلاح الأوضاع في ليبيا، ومن دعوات متكررة تحث الليبيين على "أخذ" زمام المبادرة والتعبير عن الرأي والنقد.

- أما الوعود الأخرى المتعلقة بأفكار التحول أو الانتقال من الثورة إلى الدولة، فلم تكن أفضل حظاً، فقد تم سحب النسخة التي تسربت إلى بعض وسائل الإعلام من مشروع الدستور، وبالمثل لم نشاهد أو نسمع سيف الإسلام يقدم للناس وللمثقفين الذين أبدوا الاستعداد للتعامل الإيجابي مع الفكرة أي تبرير أو تفسير لما حدث..فلم يتحدث عن نسخة الدستور، ولم يشرح للناس كيف تسربت إلى وسائل الإعلام، ومن سربها، وما رأيه هو في ذلك.. وهل لديه نسخته الخاصة عن مشروع الدستور، أو خطته للتعامل مع الفكرة باتجاه اتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذها..

ولعل ما ورد في خطاب سيف الإسلام في سبها يكون فرصة ومناسبة لوضع العديد من النقاط على حروفها. وفي تقديري أن أهم نقطة يجب المبادرة إلى وضعها هي التأكيد على أن ما حدث هو نتيجة طبيعية للبداية غير الصحيحة التي بدأ بها.. فالحقيقة التي علينا أن نعترف بها، وخاصة نحن الذين حاولنا أن نرى في بروز سيف الإسلام ومبادراته ووعوده بعض الجوانب القابلة للبناء عليها، هي أن النظام تنكب وظل حريصاً على أن يتنكب السبيل الوحيدة الصحيحة التي يمكن أن تؤدي إلى حل، وهي التي قلنا وقال غيرنا في العديد من الكتابات أنها ينبغي أن تبدأ باعتراف النظام بأن البلاد قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن السياسات التي اتبعت طوال الأربعين سنة الماضية لم تفلح في تقريب الوطن من تلك الشعارات التي رفعت في البيان الأول، والتي لم يكن لليبيين في العموم أي إشكالية معها، بل إن العكس بالضبط هو ما حدث، فقد أخذت البلاد تنحدر في هوة من التأخر والتخلف والتخبط والتعثر، لم يعد ثمة أي مجال لتخيل مزيد عليها، حتى أن قائد الثورة نفسه لم يجد مفراً من الاعتراف به في معظم خطاباته الأخيرة.

ولقد رحب كثير من الليبيين في الداخل والخارج ببروز السيد سيف الإسلام على الساحة، لا من منطلق القناعة الفعلية بأنه سوف يمثل الحل أو أن بيده العصا السحرية التي سوف تلمس المشاكل والعقبات فتحل وتذوب، ولكن من منطلق أنه، بحكم تمتعه بالأمان على سلامته الشخصية، من جهة أنه ابن القائد، أخذ يتحدث بلغة بالغة القوة في نقد المسيرة الماضية، وأخذ يرفع شعارات لم يجد كثير من المتطلعين لإصلاح الأوضاع في البلاد ضيراً في التعبير عن قبولها والترحيب بها، وكان على رأسها شعار "الانتقال من الثورة إلى الدولة، وشعار "من ثورة السابع من أبريل إلى ثورة المعلومات"، ثم أردف سيف الإسلام تلك الخطوات بحديثه في عدة مناسبات عن ضرورة إنهاء حالة اللاشرعية التي ظلت سائدة عن طريق وضع عقد اجتماعي، أو دستور، وهو ما وافقه عليه المؤيدون لنهج الإصلاح، لقناعتهم هم أيضا بأن الخطوة الأولى نحو بناء الدولة هي وضع دستور ديمقراطي، يقره الشعب من خلال الاقتراع السري الحر النـزيه.

وعلى الرغم من الغموض الذي ظل يحيط مسيرة سيف الإسلام، والتساؤلات التي ظلت تطرح نفسها بإلحاح وقوة عن "الشرعية" التي يتحدث أو يتحرك من خلالها، إلا أن مؤيدي نهج الإصلاح مضوا في النظر الواقعي العقلاني للأمور إلى مدى أبعد كثيراً، عندما رحب كثير منهم بفكرة المنابر السياسية، ورأوا فيها خطوة إلى الأمام في اتجاه حلحلة المأزق الذي يحيط بحرية الرأي والتعبير في البلاد، ثم أبدوا استعداداً كبيراً للمساهمة فيها، على الرغم مما أحاط بالفكرة من ارتجالية وغموض في التعريف والأهداف ومدى الحركة. لكن هؤلاء سرعان ما صدموا بتوقف تلك المحاولات الخجولة لتطبيق فكرة المنابر، وخرج عتاة المحافظين من مكتب اللجان الثورية وهددوا باستخدام السلاح لمنعها، ووصفوها بما يمتلئ به قاموسهم من مفردات التخوين والاتهام والتجريم.

وكان أسف هؤلاء الإصلاحيين –إذا صح التعبير- كبيراً وشديداً، لأنهم وجدوا سيف الإسلام يخذلهم ويتخلى عنهم، فيصمت صمتاً غريباً، ولا يهب للدفاع عن الفكرة التي كان هو من بادر بإطلاقها..

ومن هنا فإني أرى أن المعنى الأكبر الذي ينبغي أن نخلص به من خطاب سيف الإسلام في سبها، هو ضرورة العودة إلى التحليل الذي انتهى إليه أنصار الإصلاح ومؤيدوه، من قبل أن يبرز سيف الإسلام على الساحة السياسية، وهو أن الخطوة الأولى في أي سبيل نحو الخروج من المأزق وبلوغ الحل هي اعتراف النظام بأن المسيرة الماضية، قد انتهت إلى طريق مسدود، وأنه يجب أن نتوقف جميعاً، دون إقصاء أي طرف، تحت أي مبرر أو وصف، لنبحث سوياً عن الحل، ونرسم لمسيرة البلاد القادمة طريقاً جديدة، قد تؤدي بنا إلى الخلاص، وتعيد الحياة إلى جسد الوطن الذي أوهنته العلل والأمراض وتكاد تقضي عليه.

وقد عبر أنصار الإصلاح عن قناعتهم في أن الأصلح للبلاد وشعبها أن يتم هذا الأمر من خلال توافق وطني شامل، بين الأطراف الممسكة بأزمة الأمور في الوقت الحاضر، وتلك البعيدة عن هذه الأزمة، سواء أكانت مختارة أم مجبرة، لتحليل أسباب العلة وجوانب الأزمة وأبعادها، ثم البحث عن العلاج والحل، ثم الاتفاق على خطة متدرجة لتنفيذ ذلك الحل، وتطبيق ذلك العلاج، حتى نتفادى العواقب السيئة غير المرغوبة لأي استعجال أو تهور في الانتقال.

وأحسب أن أنصار منهج الإصلاح ما زالوا عند قناعتهم بهذا المنهج، وسوف يظلون ينادون به ويحثون عليه، رغم قرار سيف الإسلام التراجع إلى الوراء أو التوقف عن التدخل في شؤون السياسة، لأن قناعة هؤلاء بالإصلاح هي قناعة مبدئية، نشأت قبل بروز سيف الإسلام بسنوات عديدة، وظلت تزداد قوة مع الأيام، وتكسب أنصاراً ومؤيدين، على الرغم من أنه لا يعبر عنها إطار تنظيمي أو حزبي معين. وفي تقديري أنها سوف تظل باقية، وأنها سوف تفرض نفسها في النهاية باعتبارها الحل الوحيد الواقعي العملي الممكن، الذي يمكن أن ينقذ البلاد، ويوفر لها انتقالاً سلمياً متدرجاً نحو الخلاص، ومن ثم يتيح لها إعادة بناء على أسس قوية نابعة من توافق وطني شامل، نابع بدوره من حوار سياسي وفكري حر، بعيدا عن سياط التخوين والتجريم والإرهاب الفكري.

Abdullah_jibreel@yahoo.com
23 أغسطس 2008



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home