Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

Friday, 16 May, 2008

فلترتفع الأصوات مع اللواج والبعـجة :

نعـم لخطاب التنوير والإصلاح.. لا لخطاب التخوين والإرهاب

د. عـبدالله جبريل

لقد أخذت الأصوات ترتفع وتجهر بكلمة الحق التي ظلت عبر سنوات طويلة رهينة القيود التي كبلها بها أولئك المتاجرون بشعارات الثورة، عبر مختلف ممارسات التجريم والتخوين والإرهاب الفكري. وقد لفتت نظري، ولا أشك في أنها لفتت أنظار كثيرين غيري، مقالتان نشرتا على صفحات "قورينا" يومي 4 و 5 من الشهر الجاري: الأولى بقلم الدكتور فتحي البعجة، والثانية بقلم الأستاذ عز الدين اللواج رئيس تحرير الصحيفة. وقد كان محور هاتين المقالتين، رغم الاختلاف بينهما في الحجم وأسلوب التناول، فكرة أساسية بالغة الأهمية هي أن مسيرة الإصلاح، التي يحتضنها مشروع ليبيا الغد، قد انطلقت، وأنها صارت تكتسب مع الأيام قوة وترسخاً في ساحة الحراك السياسي الليبي، بحيث إنه لم يعد ممكنا، ناهيك عن أنه لم يعد مقبولاً مطلقاً، أن تتوقف أو تتقهقر إلى الخلف.

وفي هذا يقول د. البعجة: "لقد بدأ الإصلاح ببطء، والآن ثمة حراك سياسي، حتى ولو كان بسيطاً أو مرتبكاً، فدرب الإصلاح قد وضع قدميه الآن، وهو واثق من مساره ولا يحتمل الارتداد والتراجع، حتى نكتسح معاُ كل الصعاب ونزيل كل عراقيل التقدم"، ومن جهته يتحدث عز الدين اللواج عما تشهده البلاد من حراك تنموي " يجعلنا نتفاءل ونجازف بالقول بأن أصابعنا لن تقطع هذه المرة".

إذن فالمسألة لم تعد هي السؤال عما إذا كانت ثمة حاجة إلى الإصلاح أم لا، بل إنها تجاوزت ذلك بمراحل بعيدة، وقد وفى الدكتور البعجة بتحليله العلمي الهادئ هذه النقطة حقها من التحليل والبيان، ومن جهته أشار اللواج إلى أن الأمر "يتطلب وقفة حازمة من المثقفين في بلادنا تجاه كل من يحاول تعزيز ذلك الخطاب الظلامي البائس... وقفة لا تتماهى مع عنف ذلك الخطاب بل تتجاوزه نحو آفاق تنويرية ترسخ ثقافة التسامح واحترام الرأي الآخر، وتؤكد على ضرورة وجود مجال سياسي منفتح يضم كافة أبناء الوطن".

وقد بات السؤال الآن هو: ما هي هذه الوقفة الحازمة، وما مدى توفر شروطها ومتطلباتها؟ وما هي احتمالات تحققها على صعيد الواقع العملي الملموس؟

ويبدو لي أن جزءاً من الإجابة قد بات متوفراً، أو أنه من السهل الاتفاق عليه، وهو ذلك المتعلق بتوصيف "الإصلاح" وتعريفه وبيان عدد من مفرداته وشروطه الأساسية. فقد بات لدينا، منذ أن بدأ الحديث عن الإصلاح كمشروع لحل أزمة الحكم والسياسة في ليبيا، وخاصة منذ إعلان المهندس سيف الإسلام عن رؤيته في إطار ما أسماه "ليبيا الغد"، رصيد لا بأس به من الكتابات التي أسهمت في مجموعها في تحليل مفهوم الإصلاح وبيان أبعاده وآماده وآفاق تحققه، ولخصت عددا من الشروط التي رآها أصحاب تلك الكتابات ضرورية ولازمة لتحقق "إصلاح سياسي" حقيقي وكامل وشامل، يتجاوز النظرة الجزئية السطحية، التي أرادت، في محاولة يائسة للالتفاف على المشروع وإفراغه من محتواه، اختصاره في بعض المشروعات الاقتصادية والخدمية، والتركيز المقصود على محاولة حصره في ما يطلق عليه البعض "الشباب"، لينظر إلى الأمر نظرة استراتيجية وطنية شمولية، تضع خطى ليبيا على طريق، قد تكون طويلة وصعبة المسالك، ولكنها تؤدي في النهاية إلى تحقيق النقلة المأمولة من الواقع المأزوم الذي نعيشه، إلى ذلك الغد الذي يسعى مشروع "ليبيا الغد" إلى تحويل ليبيا فيه إلى بلد مستقر نام مزدهر، ينعم فيه كل أبنائه على قدم المساواة، بحياة كريمة متطورة تليق بالإنسان عامة، وبالإنسان الليبي خاصة، بما حباه به الله –تعالى- من إمكانات وثروات تؤهله لاستحقاق ذلك.

ولكننا حين ننتقل إلى تلك "الوقفة الحازمة" التي بات ينادي بها كثيرون من أنصار منهج الإصلاح ومشروعه، نجد أنفسنا بحاجة إلى التوقف عند هذه النقطة لتأملها بشيء من الموضوعية والواقعية، وبشيء من الجرأة في الطرح أيضاً.

فما أراه في هذه المسألة هو أنه قد بات لدينا في ساحة "الإصلاح" ومشروعه رصيد بشري وفكري هائل، يتمثل في أولئك المثقفين والكتاب الذين أخذوا يعرضون آراءهم ويعبرون عن أفكارهم عبر مختلف الوسائل المتاحة، بات في مقدمتها تلك الصحف الإلكترونية ومدونات الكتاب الحرة على الشبكة العالمية، وقدموا على هذا الصعيد إسهامات فكرية وتحليلية ممتازة، يردفهم رصيد بشري هائل من أبناء الشعب، الذين يؤيدون التوجه الإصلاحي ويجدون أن ما يقوله الإصلاحيون يعبر بالفعل عما يجيش في نفوسهم، ويعتمل في دواخلهم من قناعات وأحلام وتطلعات. لكن هذا الرصيد الهائل والممتاز يعاني من نقطة ضعف قد تكون قاتلة إن لم يتم تداركها بسرعة وفاعلية، هي أن عناصره ومادته ما زالت مبعثرة متجزئة، ومن ثم فإن الأصوات التي تصدر عن "أفراده" تكون بالضرورة ضعيفة ومنعزلة ومتفرقة، فيكون تأثيرها ضعيفاً، وقدرتها على الوصول إلى الناس محدودة بالمدى الذي يستطيع فيه كل ناطق فرد أن يوصل إليه صوته، وبما يتاح له من وسائل لنقل رأيه وفكره للآخرين.

ومن هنا فإني أتصور أن الأوان قد آن بالفعل لأن ينتقل مشروع "الإصلاح" إلى مرحلة جديدة من وجوده، تكون سمتها الأساسية "الجماعية" في العمل والحركة، و"العلمية" في التخطيط والتنفيذ والإدارة. وإذا كان الأستاذ عز الدين اللواج يدعو المثقفين في بلادنا إلى "وقفة حازمة"، فإننا نرفع صوتنا معه ونقول إن الحاجة قد باتت ملحة لمثل هذه الوقفة، لأنها لم يعد ثمة مفر منها، إذا أراد أنصار الإصلاح ومؤيدوه أن تكون لهم القدرة على مواجهة الطرف الآخر، ذلك الطرف الذي يتبني ما سماه اللواج "الخطاب الظلامي البائس".

فدعونا نفترض أننا متفقون على ضرورة وإلحاح القيام بهذه الخطوة، فنطرح من ثم على أنفسنا قضية عملية إجرائية تتمثل في البحث عن كيفية إنجازها، ومن يقوم بها؟

ولنفترض أيضاً أننا متفقون على فكرة أن مثل هذه الوقفة الحازمة المطلوبة والملحة هي مسؤولية نخبة المثقفين في البلاد (بالطبع من مؤيدي الإصلاح وأنصاره) فإننا سوف نواجه بمعضلة كبرى عندما نحاول الانتقال إلى الطرف العملي من القضية، إذ نجد أنفسنا بإزاء بدهية تقول إن أي عمل جماعي لابد أن يجد من يبادر إلى اتخاذ الخطوة الأولى فيه. هذا المبادر قد يكون فرداً أو عدة أفراد، وقد يكون فرداً أو أفراداً مستقلين يتحركون بذواتهم، وقد يكون فردا أو أفراداً ذوي صفة عامة أو اعتبارية معينة. ولكن في جميع الأحوال لابد أن يوجد من يتخذ الخطوة الأولى، فيشق الطريق، ثم يمهدها لكي يتيسر سلوكها والسير عليها أمام الآخرين الذين يأتون من بعد.

ولعلنا لا نستطيع ألا نلتفت إلى أن ثمة دعوات كثيرة أخذت تبرز في هذا الاتجاه تحث على المبادرة وتدعو إلى الحركة والفعل، فإلى جانب تلك الدعوات التي عبر عنها العديد من الكتاب، برزت في الأيام القليلة الماضية دعوة الأخ سيف الإسلام المثقفين والكتاب والإعلاميين إلى "أخذ زمام المبادرة"، وها هي دعوة الأستاذ اللواج المثقفين للوقوف وقفة حازمة. ولكننا سوف نظل ندور في نطاق الدعوات الشفهية، التي هي أقرب إلى الأحلام والشعارات، ما لم تبرز على صعيد الواقع العملي مبادرة من المثقفين لتدشين المرحلة الثانية من تاريخ منهج الإصلاح، بحيث يتحول من مجرد أصوات متفرقة، وجهود مبعثرة غير منسقة، و"حراك سياسي (...) بسيط ومرتبك"، حسب تعبير الدكتور البعجة، إلى صوت واحد قوي، وجهود متضافرة متكاملة، وحراك سياسي حيوي وفاعل وواثق من نفسه.

وهكذا فإن الكرة الآن هي في ملعب المثقفين، وما على "الإصلاحيين"، الذين قال البعجة بحق إنهم " يتحدثون بهذا المنطق في (عز النهار) وفي (ضوء الشمس)" وأنهم "لا يعملون في الظلام، ولا يتآمرون، وليسوا (طابوراً خامساً) إلا أن يجدوا السبيل، لا لأن يتحدثوا في (عز النهار وضوء الشمس) فحسب، بل لأن يلتقوا في (عز النهار وضوء الشمس)، لكي يضموا أصواتهم، ويتبادلوا الرأي والفكر فيما بينهم، ويضعوا الخطط العلمية المدروسة لحركتهم، لكي يتمكنوا من اكتساح "كل الصعاب" وإزالة كل عراقيل التقدم التي تحدث عنها الدكتور البعجة، ولكننا نلفت النظر إلى ما ورد في عبارة الدكتور البعجة حيث قال "نكتسح معاً كل الصعاب"، فهو قد تحدث بضمير الجمع، لأنه قصد في تقديري قصداً الإشارة إلى أن اكتساح الصعاب وإزالة العراقيل لا يمكن أن يتم بجهد فرد أو أفراد مشتتين مبعثرين متفرقين، وأنه لابد له من عمل "جماعي".

وإني أود المبادرة بتقديم اقتراح عملي أعرضه على القراء عامة، وعلى "الإصلاحيين" وأنصار مشروع "ليبيا الغد" بوجه خاص، هو أن تبادر صحيفة قورينا بدعوة نخبة من المثقفين "الإصلاحيين" إلى مؤتمر أو ملتقى فكري، يكون الهدف منه تبادل الآراء والأفكار حول مختلف المسائل المتعلقة بمشروع الإصلاح: تعريفه، مفهومه، مناهجه، مراحل تجسيده ..إلخ، وربما يفلح هذا الملتقى وما قد يتبعه من ملتقيات وندوات وحلقات عمل ونقاش، في بلورة تلك الرؤية التي عبرنا في مقالة لنا سابقة عن أنها باتت ضرورية وحيوية لكي يأخذ مشروع ليبيا الغد بعده الفكري والسياسي الشمولي المطلوب.

فهل تستجيب قورينا إلى هذا الاقتراح؟

Abdullah_jibreel@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home