Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

Friday, 15 February, 2008

حرية الرأي والتعـبير
شرط أساسي لصياغـة دستور ديمقراطي

د. عـبدالله جبريل

مرة أخرى نجد أن من واجبنا أن نقدم تحية خالصة إلى الدكتور فتحي البعجة على مقالته الأخيرة حول الدستور ومواصفاته وشروط وضعه وإقراره، ومن ثم شرعيته، لما اتسمت به هذه المقالة، كغيرها من مقالاته الممتازة السابقة, بعلمية الطرح والتناول، وتركيز الأفكار ووضوحها، والجرأة في الإعلان عن الموقف، بالرغم من مختلف المحاذير التي ما زالت تحوط ساحة الفكر والرأي والتعبير في بلادنا، بسبب استمرار تسلط أجنحة معينة في النظام، ورغبتها في إدامة الهيمنة المطلقة على الرأي والحقيقة، وممارسة الحظر على "الرأي الآخر"، من خلال الاتهامات التقليدية المعروفة بالتخوين والرجعية والمروق عن ثوابت "الثورة" وما إلي ذلك.
وحيث إني أتفق مع الدكتور البعجة في جل ما ورد في مقالته، وخاصة فيما يتعلق بتوصيف الدستور الذي "نريده" ونتطلع إليه، والذي لخصه أروع تلخيص في وصف ذلك الدستور بأنه (دستور وطني ديمقراطي شرعي)، فلا شك أن هذا التعريف يمكن أن يصنف بأنه تعريف "جامع مانع" حسب تعبير الفلاسفة، لأنه جمع في هذه المفردات الثلاث: وطني، ديمقراطي، شرعي أهم الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الدستور الذي يريده الليبيون ويتطلعون إليه:
- فيكون دستوراً وطنياً ، أي معبراً عن هوية الشعب الليبي وثوابته التي يتفق عليها الجميع، وبالتبعية لا يكون دستوراً مستعاراً ومقتبساً من الغير اقتباساً أعمى.
- ويكون دستوراً ديمقراطياُ، أي يتسم بما بات يعرف بأنه السمات الأساسية لأي دستور ديمقراطي، من حيث توفر خصائص معينة فيه أهمها: كفالة الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، الفصل بين السلطات، كفالة التداول السلمي على السلطة. ومن ثم ينبغي أن يتم توافق وطني شامل على رفض أي دستور يتضمن أي خرق لأحد هذه الشروط، فيفقد صفة الديمقراطية.
- وأخيراً يكون دستوراً شرعياً، بمعنى أن يتم إقراره من قبل الشعب إقراراً حراً، وهو ما عبر عنه الدكتور البعجة بقوله: "وثيقة دستورية ليبية وطنية ديمقراطية، تتحصل على رضا وقبول طوعي شعبي، بلا قسر أو خوف أو إرغام أو فرض، فقبول الناس طواعية بهذا الدستور يعني شعبيته، ويعني أنه تحصل على الشرعية.
وفي الحقيقة إن ما يهمني التركيز عليه في مقالتي هذه هو ما ورد في هذه النقطة الأخيرة، وأعني فكرة أن الدستور لن يكتسب "شرعيته" إلا إذا حصل على رضا الشعب وقبوله قبولاً طوعياً حراً.
إذن فالقبول الطوعي والحر لهذا الدستور من قبل جماهير الشعب، ونعني بالطبع كل جماهير الشعب، وليس فئة محدودة منه، هو الشرط الجوهري لكي يكتسب الدستور الشرعية. وما لم يحصل الدستور على هذه الشرعية، فسوف يظل "غير شرعي"، وسوف يظل مرفوضاً من قبل الشعب، ولن تكون له أي قيمة فعلية، مهما تمكن النظام من فرضه على الناس بالقوة أو بحكم أنه هو الخيار الوحيد المطروح، فيكون القبول به مجرد رضوخ إلى حكم الأمر الواقع، وليس تعبيراً عن إرادة شعبية حرة.
ولكن لكي يتم اختبار مدى قبول الناس أو عدم قبولهم لأي دستور يعرض عليهم، لابد أن تتوفر جملة من الشروط الموضوعية التي تمكن "الناس":
أولاً من الاطلاع على "مسودة" الدستور أو "مشروعه"، للنظر فيه ودراسته وفهمه واستيعابه،
وثانياً: من حرية التعبير عما يتكون لديهم من آراء حوله، قد تتجه إلى تعديله أو تحويره بالإضافة أو بالحذف،
وثالثاً من حرية قول كلمتهم في قبول المشروع أو رفضه، من خلال استفتاء حر وشفاف ونزيه، تتوفر له كافة شروط الموضوعية والنزاهة والحيدة.
وهذا ما عبر عنه بتركيز ممتاز الدكتور البعجة بقوله: "إن ما يطالب به الإصلاحيون الليبيون ليس شيئاً من هذا القبيل، إن المطلب واضح وصريح: (دستور وطني ديمقراطي شرعي) يقبله الناس ويلتقون حوله".
وإننا نمر بسرعة على توصيف الدكتور البعجة للمهمة التي تناط عادة بالجمعية الوطنية أو التأسيسية) وهو "صياغة مسودة للدستور"، وهي مهمة محددة بموضوع وزمن، تنتهي بالانتهاء من "صياغة هذه الوثيقة"، فإننا نود تركيز الحديث حول المرحلة التي تلي الانتهاء من صياغة مسودة الدستور، وهي التي يتم فيها "عرضها على (الشعب) لكي يكون للناس رأي حاسم فيها بالقبول أو بالرفض". فالحقيقة أن هذه المرحلة هي المرحلة الأهم والأشد صعوبة وحساسية، ذلك أنها تتطلب كشرط جوهري أن يكون للناس خلالها "مطلق الحرية في التعبير عن آرائهم دون إرغام أو إكراه" كما يقول محقاً في ذلك كل الحق الدكتور لبعجة.
فدعونا الآن نتساءل عن مدى توفر هذه الحرية في التعبير عن الرأي، في ظل النظام والأوضاع والتشريعات القائمة في البلاد حتى هذه اللحظة.
ولقد تطرقنا في كثير من كتاباتنا السابقة إلى قناعتنا بأن النقطة الجوهرية الأولى التي تحكم بالضرورة أي تفكير في تحرك فعلي نحو الإصلاح السياسي في البلاد، ينبغي أن تبدأ بتوفير الشروط الموضوعية والقانونية التي تعترف للمواطنين جميعهم، دون أي تمييز بينهم، لأي سبب كان، بحقهم في امتلاك رأيهم الخاص، مهما اختلف هذا الرأي مع رأي السلطة الحاكمة أو آراء المتنفذين فيها والمسيطرين على مقاليدها بحكم الأمر الواقع وتراكمات السنين السالفة.
ولقد كررنا، بخصوص هذه النقطة بالذات، القول بأن نقطة البدء الأولى ينبغي أن تكون في اعتراف قائد النظام نفسه بأنه ليس معصوماً عن الخطأ، وأنه كإنسان فرد لا يمكن أن يمتلك الحقيقة كلها، وأنه كإنسان فرد لا يمكن أن يملك المعرفة بكل شيء، فيعترف من ثم بأنه يمكن أن يكون من بين الليبيين من يختلف معه في الرأي في هذه المسألة أو تلك، وأنه يمكن أن يكون من بينهم من يعرف، بحكم تخصصه وعلمه، في هذا الجانب أو ذاك ما لا يعرفه هو. وينبغي بناء على هذا أن يعترف قائد النظام نفسه بأنه ليس "خطاً أحمر"، وأن يبادر إلى تخطئة ابنه سيف الإسلام حينما أعلن في خطابه الشهير في 20 أغسطس 2007 في بنغازي أن ثمة خطوطا حمراً أربعة لا يسمح بالمساس بها، وذكر من بينها "معمر القذافي". ولقد كتب أحد الكتاب في هذا الخصوص قائلاً: "ما هذا يا سيف.. حتى رسول الله لم يكن خطاً أحمر". ولقد صدق هذا الكاتب في قولته، فإن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) يعطينا في هذا الخصوص درساً ثميناً وغالياً علينا أن نتأمله ونقتدي به، ونستخلص منه العظة والعبرة، وذلك أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يعترف لأصحابه بحقهم في أن يكون لهم الرأي والمشورة، في كل ما ليس بوحي نزل عليه من ربه، وكان لا يجد غضاضة في الاعتراف بخطأ رأيه، والتسليم لهم بصواب رأيهم، والنزول عنده.
فإذا ما استقر رأي قائد النظام على اتخاذ هذه الخطوة الجوهرية والأساسية، فلن يكون عسيراً علينا وعليه بعدئذ أن نتفق على ما ينبغي أن يترتب على ذلك من خطوات لازمة وضرورية.
وأول ما يترتب على ذلك في رأينا هو اتخاذ القرار بإنهاء ما سميناه في مرات سابقة "مرحلة تجريم الرأي المخالف"، وهي المرحلة التي اتسمت أساساً بأمرين اثنين:
أولهما إصدار تشريعات وقوانين تجرم الرأي المخالف، تمثلت في "قانون حماية الثورة"، الذي اعتبر أن كل ما يتهمه قائد النظام أو أركانه أو مؤسساته الأمنية بأنه مخالف لما يسمى "الثورة" جريمة، حددت لها أنماط من العقوبات المادية، تبلغ في أقصاها حد التصفية الجسدية، بمختلف أساليب التصفية والإعدام.
وثانيهما إيجاد مؤسسات خاصة لتنفيذ هذا القانون، من خلال ملاحقة من يعتبرون مخالفين، بالحق أو بالباطل، وتوجيه الاتهامات المختلفة لهم، ثم الزج بهم في السجون، وإخضاعهم لممارسات التعذيب، حتى بلوغ تصفيتهم جسدياً تحت التعذيب أو بالشنق أو بالرصاص. ومعروف أن على رأس هذه المؤسسات وأكثرها بشاعة تأتي مؤسسة "اللجان الثورية".
فإذا اتفقنا على هذا فإن الإعلان عن نهاية هذه المرحلة يجب بالضرورة أن يتضمن أمرين هما:
أولاً- إلغاء القوانين المجرمة للرأي، وفي مقدمتها قانون "حماية الثورة"، وإعادة الاعتبار لحق جميع المواطنين، دون تمييز بينهم، في امتلاك رأيهم الخاص، مهما كان مضاداً أو مختلفاً مع آراء الأطراف الأخرى في التركيبة الاجتماعية، بما في ذلك رأي قائد النظام نفسه.
ثانياً – إلغاء المؤسسات التي كانت تناط بها مسؤولية متابعة سريان هذا القانون وتنفيذ أحكامه، وبالطبع يأتي في مقدمة هذا إلغاء "اللجان الثورية" أو إجراء تحوير في هويتها ومهامها، بحيث لا تعود مختصة بملاحقة واتهام المختلفين مع "الثورة وقائدها"، وتتحول إلى جماعة سياسية، تدخل في مواجهات سياسية وفكرية مع غيرها من القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع، ويكون سلاحها في ذلك سلاح الفكر والحوار السلمي، وليس سلاح التخوين والإرهاب والقمع.
فإذا ما تم هذا فإن الظروف الموضوعية تكون قد توفرت لكي يبرز –كما يقول الدكتور البعجة- "دور المؤتمرات العامة والمنتديات والمنابر الحرة والجمعيات والمنظمات والروابط والنقابات والنوادي، وكل ما يعتبر مؤسسة أهلية ومدنية، في نقاش هذه الوثيقة التاريخية الهامة وإقرارها أو رفضها، والإضافة عليها أو تعديلها، أو شطب ما لا يتفق عليه، أو ما لا يرغب الناس فيه".
ونحسب أنه بدون القيام بالخطوتين السالف ذكرهما وهما: إلغاء القوانين المجرمة للرأي، وإلغاء المؤسسات المكلفة بتنفيذ هذه القوانين (اللجان الثورية)، فإنه لن تكون الأرضية ملائمة لأن تقوم تلك المؤتمرات والمنتديات والمنابر الحرة، على فرض وجودها، بأي دور في هذا الخصوص. وإننا نحسب أن الدكتور البعجة لا يقصد في الحقيقة بهذه المؤسسات تلك الهياكل الموجودة حالياً: مؤتمرات شعبية، نقابات وروابط مهنية، نواد رياضية وثقافية، جمعيات أهلية (مؤسسة بموجب القانون 19 سيئ السمعة)، وأن حديثه عن "منابر حرة" هو من قبيل التعبير عن الأماني واستشراف المستقبل، أكثر منه حديثاً عن أمر واقع ملموس. فوجود المنابر الحرة بالمعنى الكامل للكلمة لا يمكن تخيله في ظل الأوضاع المضادة للحرية القائمة الآن.
وهكذا فنحن نتفق مع الدكتور البعجة وغيره من مفكري ورواد تيار الإصلاح السياسي في بلادنا بأن الدستور الذي نريده هو "الدستور الوطني الديمقراطي الشرعي"، وأن مفهومنا لشرعية ذلك الدستور يتمثل في عرضه على رأي واختيار الشعب الحر، وأن هذا الاختيار الحر ينبغي أن يأتي كنتيجة وثمرة للحوار وتبادل الرأي بين مختلف الأطياف الفكرية والسياسية والاجتماعية في المجتمع.
بيد أننا نضيف في هذا الخصوص رأينا في أنه لابد ، لكي يتمكن "الشعب" من قول رأيه في مسودة الدستور بحرية ودون إكراه أو توجيه أو إجبار، أن تتوفر الظروف الموضوعية المناسبة للقيام بذلك، وهي الظروف التي تعترف لكل الناس بحقهم في امتلاك الرأي أساساً، ثم تمكنهم من التعبير عن ذلك الرأي بحرية، من خلال منابر للتعبير تكون بالفعل حرة ومستقلة تماماً عن أي سلطة.
وسوف نظل نترقب أن تتبلور لدى قائد النظام تلك القناعة التي نراها لازمة وضرورية لفتح أية آفاق لإصلاح سياسي حقيقي وشامل، بإنهاء مرحلة "تجريم الرأي"، من خلال إصداره قرارين تاريخيين، سوف يمثلان، إن صدرا بالفعل، إعلاناً لبداية مرحلة جديدة من تاريخ ليبيا هما:
1) قرار إلغاء قانون حماية الثورة.
2) قرار إلغاء اللجان الثورية، أو تحويلها إلى منبر سياسي، لا بأس في أن يتبنى فكر القائد المعبر عنه في الكتاب الأخضر، وأن يسعى للتبشير والإقناع به من خلال الحوار والدعوة السلمية.

Abdullah_jibreel@yahoo.com
2 فبراير 2008
________________________

للإطلاع على مقالة الدكتور فتحي البعجة:
"عندما يغيب الدستور تنتهك الحريات والحقوق وتتحول الفوضى إلى قانون، ليبيا نحو عقد اجتماعي جديد"


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home