Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

Thursday, 12 June, 2008

مشروع ليبيا الغد وتحدي المصداقية :
هل تنـزل ليبيا الغد من سماوات الأحلام والشعارات
إلى أرض الواقع والفعل


د. عـبدالله جبريل

لقد جاء مشروع 'ليبيا الغد'، منذ أن صرح به وأعلنه على الملأ الأخ سيف الإسلام، ليلقي بحجر كبير في بركة الحياة السياسية في ليبيا، فيحركها حركة شديدة، بعد أن عانت من ركود طويل ثقيل خيم عليها حتى ضيق عليها الأنفاس، وتركها أشبه بحثة هامدة ليس فيها شيء من علامات الحياة.

لقد خرج سيف الإسلام وتحدث علناً وبجرأة وقوة عما ظل الكثيرون من الليبيين داخل البلاد يكتمونه في نفوسهم، ولا يجرؤون على الجهر به، خشية وقوعهم تحت طائلة القوانين التي تحرم وتجرم الرأي المختلف مع الرأي الرسمي السائد والحاكم، فتحدث عن مختلف مظاهر الفشل والتعثر الذي ظلت تعاني منه البلاد على مدى العقود الثلاثة الماضية، وانتقد التطبيقات السائدة لنظام الديمقراطية المباشرة، وإطاره التنفيذي المتمثل في 'سلطة الشعب'، ثم أطلق عدداً من الشعارات التي يفترض أن مشروعه الذي سماه 'معا من أجل ليبيا الغد' سوف يسعى إلى تجسيدها وتحقيقها على أرض الواقع.

وها نحن نقترب من منتصف سنة 2008، حيث يكون قد مر منذ أن أعلن سيف الإسلام عن هذا المشروع ما يقرب من سنتين، ولكننا لا نستطيع إلا أن نلاحظ أن معظم تلك الشعارات التي رفعت، ما زالت تسبح في ما أسميناه 'سماوات الأحلام'، وأنها لم تجد بعد طريقها لكي تتجسد في عالم الواقع، فعلاً ملموساً يعيشه الناس ويجدون نتائجه وآثاره متحققة أمام عيونهم، وفي مختلف مفردات حياتهم:

فما زالت إشكالية وظاهرة 'الفساد'، التي أطلق عليها سيف الإسلام في أول خطاب علني له 'القطط السمان' باقية دون أن يتخذ بشأنها أي إجراء، رغم تلك الضجة الكبيرة التي أثيرت حول فكرة 'إقرارات الشفافية'، ورغم المهلة التي حددها قائد الثورة للمفسدين وأصحاب الثروات غير المشروعة لكي يسووا أوضاعهم، ويقروا بثرواتهم، ثم يردوا ما استولوا عليه بدون وجه حق إلى خزينة المجتمع. وكانت هذه أولى الضربات التي وجهت إلى 'مشروع ليبيا الغد' وإلى صاحبه الأخ سيف الإسلام، لأنها بكل بساطة أضفت الكثير من الشكوك والظلال على مدى المصداقية التي يمكن أن تضفى على الوعود والشعارات والأحلام التي رفعت، وجعلت الناس يشعرون بخيبة أمل كبيرة، وبإحباط ثقيل، أفقدهم حتى القدرة على الحلم بإمكانية تحقق أي شيء على الإطلاق.

وقد رفع المهندس سيف الإسلام شعاراً لخص به أفضل تلخيص كل القضية وهو شعار الانتقال 'من الثورة إلى الدولة'، باعتبار أن مرحلة الثورة قد انتهت إلى ما بات مشهودا وملموساً من شتى مظاهر التعثر والفشل والتأزم، وأنه لم يعد ثمة مخرج من هذا الواقع المأزوم إلا باتخاذ قرار التحول إلى مرحلة 'الدولة'، حيث تختلف بالضرورة الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي، وحيث تتسم الدولة بكل ما يتضمنه مفهوم الدولة من هيمنة المؤسسات، بدل الفرد أو الأفراد أو العشيرة، ومن جملة من المبادئ الأساسية، يأتي على رأسها مبدأ سيادة القانون، ومبدأ الفصل بين السلطات، ومبدأ استقلال القضاء، هذا بعد كفالة وضمان الحقوق والحريات الأساسية لجميع المواطنين.

ولقد بادر العديد من المثقفين والكتاب إلى الترحيب بمشروع 'ليبيا العد'، وأسهموا إسهامات طيبة في محاولة إعطاء هذا المشروع بعداً سياسياً وفكرياً، من خلال الدعوة إلى بلورة بعض الرؤى والتصورات، والسعي إلى إيجاد ملامح اتفاق حول أهدافه ومبادئه والمراحل اللازمة لتجسيده على أرض الواقع فعلاً ملموساً، وواقعاً معاشاً.

وفي هذا الإطار ظهر العديد من الأفكار المحددة التي وجهت من خلالها رسائل مقصودة إلى الأخ سيف الإسلام، عسى أن يجد فيها ما يفيد أو يعين في هذا الخصوص، منها –على سبيل المثال-:

ـ دعوته إلى مواصلة مساعيه وجهوده لإغلاق ما بقي من ملفات عالقة في الداخل، بعد نجاحه التام في إغلاق كل الملفات الصعبة التي كانت عالقة في الخارج، وخاصة ملفات حقوق الإنسان، التي تعتبر خطوة لازمة للتمهيد لإجراء مصالحة وطنية شاملة.

ـ تذكيره بلا جدوى أن يعتمد في بلورة وتجسيد مشروع 'ليبيا الغد' على الشباب وحدهم، وبأنه، إن أراد أن يوجد لهذا المشروع أساسا صلباً من الفكر والرؤية السياسية، لابد له من أن يستعين بذوي الرأي والفكر والخبرة، واقْتُرِح عليه أكثر من مرة أن يسعى لعقد لقاءات أو مؤتمرات تخصص لهؤلاء، كي يستمع منهم، ويأخذ ما يجده مفيداً من إسهاماتهم.

ـ دعوته لمحاولة بذل المساعي (لدى القيادة السياسية) للوصول إلى قرار تاريخي ضروري لوضع حد فاصل بين مرحلة ومرحلة، يكون مفاده التخلي عن الخيارات التي اتسمت بها مرحلة الثورة، والتي سوف تظل عوائق مهمة في أي مسيرة نحو مرحلة الدولة، وقد تم التركيز على أنه من بين هذه الخيارات التي يجب التخلي عنها، تلك الخيارات التي اتجهت إلى تحريم وتجريم الرأي المختلف مع الرأي الذي أريد له أن يسود، وقد ظل يُذكر دائماً تلك التشريعات التي تجرم الرأي الآخر، وتعاقب حتى على التفكير في المخالفة، وعلى رأسها (قانون حماية الثورة)، وما يترتب على ذلك بداهة وهو إلغاء الأجهزة التي نشأت أصلاً في إطار ما يسمى (الدفاع عن الثورة)، وقد فهم المنتسبون إلى تلك الأجهزة أن الدفاع عن الثورة هو قمع أي رأي مختلف، أو أي صوت جريء يحاول أن يوجه وينصح ويدل على مواقع الخلل والفساد والتعثر.

ـ ثم تلقف المثقفون حديث الأخ سيف عن فكرة (العقد الاجتماعي/الدستور) وأيدوه في ذلك تأييداً تاماً، مؤكدين إجماعهم على أنه لا قيام لدولة مؤسسات وحقوق بدون دستور، وإن أبدى عدد منهم الكثير من التحفظات (المبررة حسب وجهة نظري) في الأسلوب الذي اتُّبِع لإنجاز هذه الفكرة، من خلال تكوين لجنة لإعداد مسودة دستور، في غياب كامل لجمهور المثقفين والخبراء والمتخصصين في البلاد، فكتب كثيرون عن ضرورة أن يكون ذلك الدستور 'شرعياً ، وطنياً ، ديمقراطيا'، وضرورة أن يُعرض على كافة المثقفين والمتخصصين والخبراء وذوي الرأي لإبداء وجهات نظرهم حوله، والإسهام في بلورة اتفاق وطني شامل حول مبادئه وبنوده.

ـ وفي هذا الإطار نفسه استقبل المثقفون الفكرة التي عبر عنها الأخ سيف وهي أهمية إطلاق حرية الرأي وإتاحة منابر سياسية للتعبير. وحاول بعضهم الإسهام في إعطاء هذه الفكرة بعداً فكريا وسياسياً، ووضعها في الموقع المناسب الذي يجب أن توجد فيه، وهو بيئة صافية نقية، خالية من أية شوائب يمكن أن تعوق حرية المواطنين في امتلاك رأيهم الخاص وقناعاتهم الخاصة، ثم في التعبير عن تلك الآراء والقناعات من خلال أطر حرة يختارونها بإرادتهم ولا يفرضها عليهم أحد.

ـ ولعل آخر ما استقبله المثقفون بترحاب من تصريحات الأخ سيف هي تلك التصريحات التي أطلقها في سبها حول تحرير الإعلام، وبشر خلالها بليبيا الغد التي لن تكون فيها وزارة إعلام، ولا رقابة أو قيود على الرأي والتعبير والكتابة. وهنا أيضا حاول الكتاب أن يعقبوا على تصريحات الأخ سيف ، وأدلوا ببعض الآراء حول ما يرونه بشأنها، وخاصة من حيث إنها ما زالت شديدة العمومية، وأنها ما زالت قاصرة عن تجسيد ذلك القرار التاريخي المأمول، أي قرار التحول من مرحلة إلى مرحلة.

لكن ما ظل يبعث على الكثير من الأسف هو ملاحظة الناس عموماً، والكتاب والمثقفين الذين رحبوا بأطروحات الإصلاح خصوصاً، أن معظم هذه الوعود، إن لم نقل كلها في الحقيقة، قد بقيت تدور في سماوات 'الأحلام والشعارات'، ولم تجد بعد طريقها للتجسُّد على أرض الواقع والفعل:

ـ القطط السمان ما زالت بكامل قوتها ونفوذها، بل لعلها قد ازدادت نفوذاً. وخاصة أنها نجحت في الالتفاف على فكرة 'إقرارات الذمة'، فأفرغتها من أي مضمون، بعد أن علق الناس آمالاً عليها عند سماعهم بها على لسان قائد الثورة في سبتمبر 2006.

ـ وإعادة النظر في تطبيقات وآليات تنفيذ نظام 'سلطة الشعب' تم إجهاضها باستمرار خضوع الجهاز التنفيذي لنفس الأسماء التي توصم بالفساد، وترد دائماً على رأس قائمة المسؤولين عن مختلف مظاهر التعثر والفشل والتخبط. وكان ما حدث في مؤتمر الشعب العام الأخير دليل قاطع ومؤسف على هذا.

ـ لم تظهر أية بوادر على اقتناع الأخ سيف بأهمية أن يستمع إلى ذوي الخبرة والرأي، في إطار البحث عن بلورة رؤية فكرية وسياسية لمشروع ليبيا الغد، من خلال دعوة بعض هؤلاء لمؤتمر أو ملتقى يستمع خلاله إلى آرائهم وأفكارهم ونصائحهم.

ـ لم يظهر بعد ما يفيد قرب وصول القيادة السياسية إلى القناعة المطلوبة باتخاذ الخطوات التمهيدية الضرورية للشروع في الانتقال إلى المرحلة التالية، وهي الخطوات التي ركز الكتاب على تلخيصها في أمرين مهمين:

ـ إلغاء قانون حماية الثورة، ومن ثم الإعلان عن نهاية مرحلة 'تجريم وتحريم الرأي'، وما يترتب على ذلك من قرار إلغاء 'اللجان الثورية' أو تحويلها إلى منبر سياسي، تكون مهمته التعبير عن فكر 'الكتاب الأخضر' والدعوة إليه، وبالطبع الشروع في تقنين مرحلة حرية الرأي، بوضع مبادئ وشروط تكوين المنابر السياسية، وإطلاق حرية العمل السياسي السلمي المنظم.

ـ إنهاء مخلفات مرحلة تجريم الرأي باتخاذ قرار نهائي بإغلاق ملف 'الاعتقال السياسي'، بإطلاق سراح جميع المعتقلين في جرائم رأي أو جرائم سياسية.

ـ استمرار الأخ سيف في التحرك من خارج دائرة الشرعية، وقد كتبنا وكتب غيرنا حول ضرورة أن يتم تحديد الموقع الصحيح الذي يتحرك الأخ سيف من خلاله، ودعوناه إلى أن يتخذ قراره بإعلان مشروع 'ليبيا الغد' منبراً سياسياً، ويعمل على أن يبلور له رؤيته الفكرية السياسية التي يرى أنها الأصلح لقيادة مرحلة التحول من الثورة إلى الدولة. وسوف تظل هذه الإشكالية قائمة حتى تتضح الصورة، ويكتسب الأخ سيف صفته الشرعية التي يتحرك من خلالها، عبر إقرار غالبية معقولة من آراء الشعب الليبي، في استفتاء حر شفاف ونزيه.

وسوف نظل نترقب ونأمل أن تنـزل 'ليبيا الغد' من سماوات الأحلام والشعارات، إلى أرض الواقع والفعل الملموس المعاش.

Abdullah_jibreel@yahoo.com
10 يونيو 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home