Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

Monday, 10 March, 2008

عـود عـلى مسألة الخط الأحمر

ضرورة التمييز بين معـمر القذافي كقائد للثورة، وكرجل دولة وسياسة

د. عـبدالله جبريل

اطلعت في موقع شباب ليبيا على مقالة بقلم محرر الموقع، تضمنت عددا من النقاط والأفكار المهمة، أحببت في هذه المقالة أن أتعرض لإحداها، وهي حديث محرر الموقع في الفقرة التي حملت العنوان الفرعي التالي: لماذا القائد معمر القذافي خط أحمر؟
ذلك أني أشعر أن ثمة خلطاً كبيراً، ولبساً مهماً في الفهم، فيما يتصل بهذا المعنى، بات يقف حجر عثرة دون الوصول إلى فهم مُرضٍ وصحيح لفكرة الخط الأحمر التي أعلنها لأول مرة الأخ سيف الإسلام، ثم أخذ يتداولها من بعده العديد من الكتاب والمتحدثين.
وسوف أبدأ في تناولي لهذه المسألة بعرض بعض العبارات التي وردت في مقالة محرر موقع الشباب على قدر من الفحص والتساؤل.
أولى هذه العبارات هي التالية: "كلنا نتفق على أننا نسير نحو دولة القانون .. وأنه لا أحد فوق القانون (...) فأما القائد القذافي فهو محمي بنص القانون". وهذه في رأيي عبارة تحمل تناقضاً مهما، فكيف نقول إنه "لا أحد فوق القانون"، وفي الوقت نفسه نقول "أما القائد القذافي فهو محمي بنص القانون". فماذا نعني على وجه الدقة بهذا التعبير؟ وماذا تعني الحماية المذكورة في هذه العبارة؟ فهل نعني أن القائد القذافي هو فوق القانون، أي أنه لا يخضع في تصرفاته وأقواله وأفعاله للقوانين النافذة على سائر المواطنين؟ فنكون بهذا نناقض قولنا إنه "لا أحد فوق القانون". ثم ماذا نعني بقولنا إن القائد القذافي "محمي بنص القانون"؟ هل نعني أنه محمي ضد النيل من شخصه بأي طريقة من طرق السب أو القذف أو الاتهام، أم نعني أنه محمي ضد النقد الذي قد يتجه إلى بعض أفكاره وآرائه وطروحاته الفكرية والسياسية؟ فأما الحماية بالمعنى الأول فيفترض أن أي مواطن في المجتمع الحر يتمتع بها بنص الدستور الذي يحكم المجتمع ومواطنيه، ومن ثم فلا معنى للتمييز هنا بين القائد القذافي وسائر مواطنيه في المجتمع الحر السيد. أما إذا كنا نعني بهذه الحماية أنه محمي ومحصن ضد النقد، فيما يتصل بآرائه وأفكاره وقراراته، فهذا ما نحتاج إلى تأمله بعين المنطق الهادئ والنظر الموضوعي العلمي، لكي نصل فيه إلى قناعة واضحة متفق عليها.
وفي تقديري أن المنطلق العلمي الصحيح لمقاربة هذه الإشكالية هو ضرورة التمييز بين جانبين متميزين للنظر إلى معمر القذافي: الأول هو النظر إليه من حيث هو قائد وزعيم للثورة، وهو بهذه الصفة يأخذ موقعه في قائمة الزعماء الوطنيين والقوميين، الذين قادوا أوطانهم وشعوبهم في مرحلة من مراحل التاريخ، ولا نجد إشكالية في موافقة المحرر على قوله: "أن الرموز الوطنية تبقى في مواطنها رموز لها مكانة عند شعوبها". ولكننا نتوقف قليلاً عند قول المحرر: "المساس بها.. يعتبر (حرث فى البحر) ومضيعة للوقت"، لأننا نريد أن نفهم على وجه الضبط والتدقيق ماذا يعني بلفظ "المساس"؟ وهنا نعيد التساؤل الذي ذكرناه آنفاً : أيعني بذلك المساس بشخص القائد والتشكيك في زعامته وقيادته ودوره التاريخي؟ أم يعني التعبير عن الاختلاف معه في الرأي حول بعض الأفكار والطروحات الفكرية أو السياسات العملية الواقعية؟ فإذا كان يعني هنا المساس بالمعنى الأول، فنحن لا نرى أي إشكالية في الاتفاق معه في هذا الخصوص، أما إذا كان يعني المساس بالمعنى الثاني، أي بمعنى الاختلاف في الرأي، فإننا نختلف معه تماماً، ونرى في المسألة رأياً آخر.
ذلك أنه خارج نطاق الزعامة التاريخية والمكانة القيادية التي لا نملك إلا أن نتفق على أن معمر القذافي يتمتع بها، فإننا نحسب أن من حقنا النظر إلى معمر القذافي من حيث هو رجل فكر وسياسة، ومن حيث تحمله مسؤولية الولاية العامة على الأمة، من خلال المواقع التي شغلها منذ عام 1969، كرئيس لمجلس قيادة الثورة، ثم كقائد للثورة وزعيم ومرشد، دون صفة رسمية لأحد المواقع التنفيذية.
فإذا صحت هذه المقدمة فإن النتيجة المنطقية التي ينبغي أن نتفق على الوصول إليها هي أن معمر القذافي، من حيث هو رجل فكر وسياسة، يبقى بشراً مثل سائر البشر، يصيب ويخطئ، وله حظ متكافئ مع الآخرين، وخاصة ممن يحسبون من أولي العلم والتخصص، في أن تكون اجتهاداته وآراؤه صائبة أو مجانبة للصواب. ومن ثم فإنه لا معنى مطلقاً للقول بأنها محمية أو محصنة ضد الانتقاد أو الرد أو التصحيح.
ونحسب أنه لا يضير معمر القذافي أن يكون بشراً يخطئ ويصيب، ذلك أن العصمة من الخطأ لم تمنح لأي من البشر، بدءاً من أبيهم آدم، وحتى آخر الأنبياء والمرسلين إلى البشر كافة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
ونحسب أيضاً أن هذا التمييز الذي نرى ضرورة إحداثه بين جانبين في النظر إلى معمر القذافي: من حيث هو قائد وزعيم تاريخي، ومن حيث هو رجل فكر وسياسة ودولة، هو أقل خطراً وأشد بداهة من ذلك التمييز الذي رسخه في وعينا الحضاري والثقافي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأكده من بعده صاحباه أبو بكر وعمر، بين محمد من حيث هو نبي مرسل من عند الله، يبلغهم رسالة ربه إليهم، التي حملها إليه الوحي عن طريق جبريل، وهو من هذا الجانب نبي معصوم، "لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى"، وما نقله عن ربه من خلال الوحي واجب القبول والاتباع، وبين محمد بن عبد الله، من حيث هو رجل دولة وسياسة، فهو من هذا الجانب بشر، يجتهد في الأمور برأيه، فيصيب ويخطئ، ولا يجد غضاضة ولا حرجاً في أن يعترف بخطأ رأيه، وأن يتبع الرأي الذي تبين له صوابه، من أي جهة جاء.
ولنا في سيرته –عليه الصلاة والسلام- من الدروس والعبر ما لا حاجة معه إلى مزيد بيان أو شرح:
- فهل نذكر صلح الحديبية، حينما تأزم الموقف بعد إقرار الرسول (ص) بالصلح، وصعب الأمر على عدد من الصحابة، وقال بعضهم: يا رسول الله، أنرضى الدنية في ديننا؟ وصعب الأمر على الرسول نفسه، حتى جاءه الحل عن طريق امرأة، هي أم المؤمنين أم سلمة، التي أشارت عليه (ص) بأن يبادر بالتحليق والتقصير والنحر، ليحسم الأمر، ويضع الصحابة أمام موقف عملي، فاستصوب –عليه الصلاة والسلام- رأيها ومشورتها، وكان في تلك المشورة كل الخير له وللمسلمين، ونزل الوحي يبشرهم بالنصر والفتح.
- أم نذكر حادثة "تأبير النخل"، إذ أشار الرسول (ص) على مزارعي النخيل بألا يؤبروا النخل، فلما اتبعوا مشورته، وكانت النتيجة سيئة، ولم يثمر النخيل ذلك العام، رجعوا إليه وحدثوه في الأمر، فقال لهم: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، وكانت هذه الحادثة تأصيلاً عملياً لفكرة أن الرسول (ص)، ليس بأعلم الناس في كل شيء من أمور هذه الدنيا، وأن الناس هم أعلم منه بالشؤون المتعلقة بالنواحي العملية المهنية البحتة.
- أم نذكر غزوة بدر، وذلك الحوار الذي دار بين الرسول (ص) وبين الصحابي الجليل الحباب بن المنذر، عندما نزل جيش المسلمين بموقع رأى الحباب - رضي الله عنه- أنه موقع غير مناسب من وجهة النظر العسكرية، فسأل الرسول (ص) قائلاً: أهذا منـزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فلما أجابه الرسول بأنه الرأي والحرب، لم يتردد الحباب في تخطئة الرسول في رأيه، إذ قال: فما هو برأي، وعبر عن رأيه الذي يراه صواباً، بأن ينـزل المسلمون بعد آبار بدر، فيشربون ولا يشرب الكفار. ولم يجد رسول الله حرجاً أو غضاضة في الاعتراف بصواب رأي الحباب، فأمر باتباع ما ارتآه الحباب، وكان في ذلك الخير كله، إذ تحقق للمسلمين النصر المؤزر المبين.
- أم نذكر غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق، إذ قبل الرسول (ص) بمشورة الصحابي سلمان الفارسي، إذ قال له: يا رسول الله، إننا كنا إذا خفنا خيل العدو، خندقنا لهم، فلم يجد رسول الله (ص) غضاضة في أن يأخذ بهذه المشورة، ولم يقل إنها خطة من خطط فارس، بل وجد فيها الحل الحقيقي لتلك المعضلة التي كان يواجهها المسلمون وهم محصورون في المدينة، في مواجهة جيوش الأحزاب التي تكاتفت وتعاهدت للقضاء عليهم قضاء مبرماً.
- أم نذكر حادثة الإفك، وكيف بلغ الأمر بالرسول مبلغه من الألم والحيرة، إزاء الأقاويل الشنيعة التي أخذ المرجفون يروجونها في حق زوجه أم المؤمنين السيدة عائشة، ومع ذلك فلم يأمر بأولئك النفر فتقطع رقابهم أو يسجنوا أو يعذبوا، وأخذ يستشير أصحابه فيم يفعل، حتى نزل الوحي ببراءة السيدة عائشة، فوضع حداً للأزمة.
- أم نذكر المرأة التي جاءت إلى النبي (ص) وأخذت تجادله في أمر زوجها الذي ظاهر منها، والرسول يقول لها: ليس عندي في مسألتك حكم من الله تعالى، وأبى أن يفتي في مسألتها بدون علم، حتى جاءه الوحي بقوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها}، ولم يكن لدى الرسول الكريم ولا لدى أصحابه حرج في أن تقف امرأة لتجادل النبي وتلح عليه بالجدل.
- أم نذكر سيرة خليفة رسول الله الأول أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- حين أعطى لأمة المسلمين أول درس في معنى الولاية على الأمة، وحدد طبيعة موقع ولي الأمر من أمة المسلمين، وأنه لا بعدو أن يكون واحداً منهم، اختاروه بإرادتهم، وبايعوه على أن يقيم فيهم حكم الله، لا حكم نفسه، وأنه بشر مثلهم يمكن أن يخطئ ويمكن أن يصيب، فقال في خطبته الأولى بعد مبايعته بالخلافة: "أيها الناس..قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني".
- أم نذكر تلك القصة البالغة الدلالة من سيرة الخليفة العظيم عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- عندما قاطعته امرأة وهو يخطب في المسجد، واعترضت على رأي رآه يتعلق بمهور النساء، مذكرة إياه بقول الله تعالى: {وأعطيتم إحداهن قنطارا}، فلم يجد –رضي الله عنه- حرجاً ولا غضاً من شخصه ومكانته في أن يعترف بخطئه على الملأ، فقال قولته الرائعة: "أصابت امرأة، وأخطأ عمر".
وبعد..
فهذه هي المبادئ العظيمة، والدروس الثمينة، التي علينا أن نهتدي بهديها من سيرة رسولنا الكريم وخليفتيه الراشدين أبي بكر وعمر؛ إذ ميزوا تمييزاً تاماً بين ما يجب لأحد من احترام وتقدير أو تقديم لأجل عمل عظيم قام به، أو سابقة سبق إليها، وبين اعتباره بشراً، لا يمكن أن يكون له العلم بكل شيء، وحين يبدي رأياً في أمر من الأمور، فإنما يكون ذلك اجتهاداً منه، يحق للآخرين أن يروا رأيا غيره، ويحق لهم أن ينتقدوه ويببنوا ما فيه من خطأ، وعليه ألا يكابر أو يتمادى في التمسك برأيه، وأن يكون على استعداد للاعتراف بخطئه، إن تبين له ذلك، ولا يرى حرجاً أو غضاضة في أن يعترف بصواب الرأي الذي جاء بخلاف رأيه.
ومن هنا فإننا نقول إنه لا يضيرنا إطلاقاً أن نقوم بهذا التمييز بين ما يجب لمعمر القذافي من تقدير وتقديم لكونه مفجر الثورة وقائدها، وبين كونه مفكراً قدم نظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ورجل سياسة يتولى إدارة شؤون البلاد وسياستها..
فبالاعتبار الأول..لا أحد يمكن أن ينتقص من مكانته أو يشكك في دوره، أما بالاعتبار الثاني، فإنه يكون واحداً من المفكرين، فليس بأولهم، وليس بأوحدهم، ولن يكون آخرهم، ومن ثم فإن ما يقدمه من فكر لا يعدو أن يكون اجتهاداً من بين اجتهادات عدة، ورأياً من بين آراء مختلفة، قابل لأن يكون صحيحاً، كله أو بعضه أو قليله، وفي الوقت نفسه قابل لأن يكون خطأً، كله أو بعضه أو قليله، وينبغي ألا يضير معمر القذافي المفكر أن يستمع إلى من ينتقد فكرة من أفكاره، أو يكون له فيها رأي آخر مختلف. كما أنه ينبغي ألا يضير معمر القذافي رجل الدولة والسياسة أن يستمع إلى من ينتقد سياسة من سياساته، أو يخطئ قراراً من قراراته، أو يرى رأياً آخر في توجه من توجهاته، فيما يتعلق بمختلف شؤون الدولة والمجتمع، فهذه كلها لا تخرج عن كونها اجتهادات بشرية، يجوز عليها الصواب والخطأ، وينبغي أن تكون دائماً قابلة للمراجعة والتصويب، كلما دعت الحاجة إلى ذلك، أو بينت الوقائع والتجارب خطأ الرأي، أو مجانبة الاجتهاد للسبيل الأمثل.
ومن هنا فإن علينا في تقديري أن نأتي وإخواننا المواطنين الذين حسبوا أنهم يعبرون عن حب وتقدير لمعمر القذافي بالقول بأنه "خط أحمر لا يجوز المساس به"، أو أنه "محمي بقوة القانون"، أن نصل وإياهم إلى كلمة سواء، فنتفق على فهم واحد لهذه المسألة، وهو أن الاعتراف لمعمر القذافي بدوره ومكانته في تاريخ ليبيا، باعتباره أحد زعمائها، لا يتعارض مطلقاً مع التعامل معه باعتباره مفكراً ورجل دولة وسياسة من منطلق كونه بشراً، ما يقوله ليس "وحياً يوحى"، وإنما هو اجتهاد ورأي، يحتمل الصواب، كما يحتمل الخطأ، وأنه لا ضير عليه في أن يستمع للآراء والاجتهادات التي تختلف مع آرائه واجتهاداته، ولن يكون عليه حرج في أن يعترف بخطأ رأي رآه، أو اجتهاد تقدم به، إذا ما وجد رأياً آخر أو اجتهاداً أقرب إلى الصواب والصحة، فيقبله ويعمل به.
ومن هذا المنطلق أيضاً فإني أرى أنه لن يكون هناك أي ضير على القائد معمر القذافي، إذا ما قام أحد مواطنيه، وقال له مثلاً:
- إن الاجتهاد الذي قدمه في الكتاب الأخضر لحل المشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يعاني من عدد من الثغرات المنطقية، وأن ثمة الكثير مما يمكن أن يقال في مختلف المقولات التي قدم من خلالها هذا الاجتهاد.
- وأن السياسات التي تم اتباعها عبر السنين، تطبيقا لتلك المقولات، قد انتهت إلى الكثير من التعثر والفشل، ولم تقم بما كان ينبغي أن تقوم به في اتجاه تحقيق أهداف الثورة، التي تلخصت في نقل البلاد من التخلف إلى التقدم، ومن الاستبداد إلى الحرية.
- وأن آليات تطبيق نظام سلطة الشعب، تعاني بدورها من عدد من جوانب الخلل، سواء في الأساس النظري أو في الهيكلية والأساليب، ما أدى إلى عجزها التام عن تجسيد فكرة "السلطة الشعبية المباشرة"، وأن العديد من الأصوات ما انفكت تطالب بإعادة النظر في هذه الأسس وتلك الهيكليات، من أجل البحث عن آليات وصيغ تكون أكثر جدوى وقرباً إلى تحقيق الهدف المرجو.
- وأن الدستور الدائم الذي تمت الإشارة إليه في سياق الإعلان الدستوري الذي صدر في أعقاب الإطاحة بالنظام الملكي وإلغاء الدستور الذي كان نافذاً خلاله، لم يصدر حتى هذه اللحظة، أي رغم مرور تسعة وثلاثين عاماً، وأن البلاد ظلت طوال هذه الفترة تعيش بدون دستور.
- وأن الحقوق والحريات التي نص عليها الإعلان الدستوري، ثم كرستها الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، لا توجد في البلاد القوانين والتشريعات التي تنظمها وتكفلها، وأن هذه الحقوق ظلت عرضة للانتهاك والمصادرة، في ظل هيمنة أجهزة الأمن وخروج اللجان الثورية عن طبيعة مهمتها، إلى ممارسة العديد من مظاهر القمع والإرهاب ضد المواطنين، تحت ستار قانون "حماية الثورة" الذي يقوم في مجمله على مصادرة حق الاختلاف وحرية الرأي.
- وأن الدولة ظلت تنحدر في هاوية سحيقة لا قرار لها من ممارسة الفساد المالي والإداري، وبقيت أجهزة الدولة كلها عاجزة عن فعل شيء تجاه ذلك، وظلت فكرة إقرارات الشفافية ومحاسبة الفاسدين حبراً على ورق، ووعوداً كلامية، لا تجد من يجرؤ على تنفيذها.
وهكذا..نقول إنه لا ضير على القائد معمر القذافي أن يسمع من مواطنيه مثل هذه الآراء والانتقادات، التي ينبغي أن ينظر إليها على أنها تصدر من منطلق الرأي والنصيحة والمشورة، وليس من منطلق المساس بمكانته كقائد للثورة، ودوره كزعيم تاريخي، ومن ثم فلا ينظر إليها باعتبارها تجاوزاً لما يسمونه "الخط الأحمر".
إن فكرة جعل معمر القذافي "خطاً أحمر"، بهذا المعنى الذي يريد كثيرون أن نفهمها به، هي فكرة خطيرة وضارة بالقائد وبالثورة وبالبلاد أبلغ الضرر، فهي تعني بكل بساطة أن يتوقف سائر المواطنين الليبيين عن إعمال فكرهم، أو إبداء رأيهم، والتعبير عن اجتهاداتهم فيما يرون أنه يجانب الصواب، أو أنه لا يحقق المصلحة، وبذلك يتركون القائد يخطئ، ثم يتبارون في تزيين الخطأ له، وتصويره على أنه صواب مطلق، وخير تام، ومن ثم نقع جميعنا في محظور اتباع الخطأ والتمادي فيه، والامتناع عن انتقاده أو الوقوف في وجهه، حتى يتم تصويبه وتصحيحه.
وإن هؤلاء الذين يروجون لفكرة جعل معمر القذافي خطاً أحمر يرتكبون ما يقرب من الذنب والخطيئة الكبرى، إذ يكادون يرفعون "القائد" إلى مكانة فوق مكانة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، بالقول إنه "فوق القانون" أو أن له "شرعية" فوق شرعية الدستور والقوانين، يكون ما يصدر منه بناء عليها "مُلزِماً" وغير قابل للنقاش والمجادلة، فيضعون أقواله بذلك في مرتبة "الوحي" المنـزل من الله تعالى، فهو غير قابل للرد أو الاجتهاد البشري.
وإني أرى أن القائد نفسه هو من يملك أن يرد هؤلاء إلى الحق والصواب، وأن يبادر بنفسه لإلغاء فكرتي "الخط الأحمر" و"الشرعية الثورية"، ثم يفتح الأبواب على مصاريعها لجميع المواطنين لأن يبدوا آراءهم ويعبروا عن اجتهاداتهم في مختلف شؤون البلاد والعباد، لعلنا من خلال تفاعل هذه الآراء والاجتهادات نصل إلى الرأي الصائب والاجتهاد الصحيح.

Abdullah_jibreel@yahoo.com
7 مارس 2008


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home