Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

Sunday, 8 June, 2008

هل تكون المنابر السياسية بداية لمرحلة جديدة في نظام سلطة الشعـب؟

د. عـبدالله جبريل

مثلت المقالة التي نشرت في صحيفتي أويا وقورينا بعنوان "دولة الثلاثين ألف منبر" في تقديري الخاص مؤشراً بالغ الأهمية على دخول تطبيق نظام سلطة الشعب مرحلة مفصلية في تاريخه، فقد تضمنت المقالة العديد من الأفكار التي تلخص تلخيصاً ممتازاً ووافياً طبيعة الأزمة التي عاشها ولا يزال يعيشها نظام سلطة الشعب على صعيد التطبيق والممارسة، وهو تلخيص لا نجد مزيدا عليه، يهمنا أن نركز منه على المعاني التالية :
1ـ الحاجة إلى اجتهاد جديد مرفق بآلية بديعة من الناحية التطبيقية.
2ـ أن الأفكار الجميلة الرائعة التي يشوبها الخلل الكبير عند تطبيقها، أو تلك التي تتباعد المسافة بينها وبين تطبيقها العملي حد التناقض أحياناً، لم تعد تبهر أحداً أو تكسب أنصاراً ومعتنقين لها (....) بل تحولت إلى عائق وجدار صخري تتحطم عليه هذه الآمال والطموحات.
3ـ أن الشعار الذي يقود عملية التطلع والبحث في العالم اليوم هو الفاعلية لا النظرية.
4ـ إن التجربة الجماهيرية وخلال مدة ثلاثة عقود على انبثاقها وظهورها لا تجد الكثير من الاعتراض والنقد على المستوى النظري (...) إلا أن الإطار العملي لهذه الأطروحات في ليبيا يسجل الكثير من الملاحظات حول إشكاليات التطبيق العملي.
5ـ أن الوصول إلى هذا النظام يستلزم إجراء نقاش وطني واسع، وحوار جماهيري معمق، وهو أمر لم تعد الحاجة إليه ضرورة محلية ووطنية فقط، بل ضرورة عالمية ودولية ملحة (...) لما يسمى بديمقراطية الحوار وديمقراطية النقاش العام.
6ـ الليبيون يحتاجون إلى حوار ونقاش حقيقي وحراك سياسي فعال طوال العام، لتكوين وبلورة مواقفهم واتجاهاتهم تجاه قضاياهم الحياتية والمعيشية، وقبل الذهاب إلى المؤتمرات الشعبية لتقرير شؤونهم وأمورهم، حتى يصلوا إلى المؤتمرات الشعبية وقد شكلوا رأياً فعالاً وناضجاً يحقق مشاركتهم وحكمهم.
وإني أرى أن هذا التحليل قد تمكن من وضع اليد على أحد أهم مواضع الخلل والإخفاق في أسلوب الممارسة العملية لنظرية الديمقراطية المباشرة، ونظامها التطبيقي المتمثل في نظام "سلطة الشعب"، بتأكيده على فكرة ضرورة التمييز بين الفاعلية والنظرية، وخلوصه إلى النتيجة المنطقية المترتبة على هذه المقدمة، وهي أن النظرية وحدها لا تجدي ولا نفع فيها إذا لم يمكن أن تجد لها تطبيقا على أرض الواقع، يكون فعالا ومجدياً في بلوغ ما تقول به النظرية من طروحات فكرية، وما تسعى إليه من أهداف. ثم ما خلص إليه هذا التحليل من أن إشكاليات التطبيق هذه نجمت أساساً عن أن المواطنين الذي يخولهم النظام السياسي سلطة اتخاذ القرارات، لا يصلون إلى جلسات المؤتمرات الشعبية وهم مهيئون ومؤهلون لاتخاذ ما يلزم من قرارات بشأن قضايا تطرح عليهم في شكل قوانين وتشريعات ومذكرات، تطرح عليهم، دفعة واحدة، ولا يكون لديهم لا القدرة الفكرية والمهنية ، ولا الوقت الكافي لدراستها وفهمها، وبلورة قرارات ناضجة بشأنها.
ومن هنا فإننا نتفق مع ما انتهى إليه كاتب هذه المقالة من أن حل هذه الإشكالية يتمثل في إيجاد صيغة عملية تمكن المواطنين من "إجراء نقاش وطني واسع، وحوار جماهيري معمق" و"حوار ونقاش حقيقي وحراك سياسي فعال طوال العام"، وذلك لكي يصلوا إلى جلسات المؤتمرات الشعبية –كما يقول الكاتب- " وقد شكلوا رأياً فعالاً وناضجاً يحقق مشاركتهم وحكمهم".
وهكذا نصل إلى النقطة الأهم المعروضة من خلال هذه المقالة وغيرها من كتابات تناولت الموضوع ذاته وهو محاولة البحث عن تلك الصيغة العملية التي يمكن أن تؤدي هذا الغرض، وتخدم تلك الغاية: تمكين المواطنين من النقاش والحوار حول قضايا الشأن العام، طوال الوقت، وبمختلف السبل والوسائل، من أجل تكوين وبلورة آرائهم ومواقفهم.
وقد تحدث كاتب المقال عن أن هذه الصيغة يمكن أن تكون هي صيغة المنابر السياسية، ثم طرح أفكاراً محددة حول تعريف هذه المنابر بقوله إن المنابر هي " تطوير تقني مهم للتجربة الجماهيرية ورافد أساسي لها"، وأنها "مؤسسات لتكوين وتشكيل الرأي الناضج والمفيد لاتخاذ القرار المناسب وفي وقت قصير ومحدود"، ثم يتحدث عن صفة الشمولية التي يرى أن تتصف بها هذه الصيغة فيقول إن المنابر "هي المحلات والمرابيع والمؤتمرات المهنية والروابط والنقابات والجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الإعلامية والثقافية"، مرورا بالتركيز المهم الذي أولاه كاتب المقالة لتلك الإمكانات الهائلة التي باتت تتيحها تقنية الاتصالات والمعلومات، من خلال المواقع الإلكترونية ونظام الاتصال عبر شبكة المعلومات العالمية، لممارسة تلك المساهمة المنشودة في تناول قضايا الشأن العام، طوال الوقت ودون التقيد بقيود الزمان والمكان، من خلال المشاركة بإبداء الرأي بواسطة جهاز الحاسوب وحتى جهاز الهاتف النقال.
بيد أني أرى أن الفكرة ما زال يشوبها الكثير من الغموض وعدم وضوح الرؤية، وأنها من ثم بحاجة إلى مزيد من التأمل والتدقيق حتى نبلغ بها الحد المعقول من الوضوح والتبلور، فتكون مفهومة لدى الجميع، وفي الوقت ذاته قابلة للتنفيذ العملي بما يحقق الأهداف المرجوة. وأول ما يتبادر إلى ذهني هو أننا بحاجة إلى الحصول على إجابات محددة عن تساؤلات تطرح نفسها في هذا الخصوص مثل:
ـ ما هو المعيار الذي تتكون على أساسه المنابر؟ أهو التناظر في المهنة (نقابات وروابط واتحادات مهنية) أو مواقع العمل (جامعات مراكز بحوث) أو الانتماء إلى منظمات المجتمع المدني (أندية رياضية ، جمعيات أهلية..إلخ)، أم هو التناظر أو التقارب في الاهتمامات الثقافية، أم هو التقارب في القناعات والتصورات الفكرية؟
ـ ما هي الجهة المسؤولة في المجتمع عن تنظيم هذه المنابر وإضفاء الصفة الشرعية عليها، لكي يحق لها أن تمارس وجودها "المعنوي" أو "الاعتباري" بصفة علنية منظمة؟
ـ وهل ثمة حدود على ممارسة حرية الرأي داخل هذه المنابر؟ وما الضمانات ألا توجد جهات تعطي لنفسها الحق في التدخل والاعتراض على ممارسة حرية الرأي والتعبير (كما حدث من قبل منتسبين للجان الثورية في جلسات المنابر في الجامعات وفي صحيفة أويا)؟
ـ وهل يحق للأفراد أن يشكلوا منابر سياسية بمبادرتهم الذاتية، وبصرف النظر عن انتمائهم المهني؟
ـ وهل نسمح في هذه المرحلة التاريخية الجديدة بأن تحرّف المنابر عن وظيفتها السياسية، وأن تخضع لهيمنة العصبيات القبلية والجهوية التي كانت من أهم نقاط الضعف في الممارسة الماضية لنظام السلطة الشعبية، أم نتفق منذ البداية على منع تكوين منابر سياسية على أساس قبلي أو جهوي، حتى نحول دون تدخل العصبيات القبلية في هذه الممارسة؟ في تقديري أن هذه كلها أسئلة بالغة الأهمية يجب أن نتفق على إجابات حولها، حتى نبلغ ما نريده من بلورة صيغة مناسبة وفعالة للمنابر السياسية، في اتجاه جعلها بالفعل رافدا للممارسة الديمقراطية الصحيحة والفعالة والمستمرة.
وإذا حق لي أن أحاول الإجابة عن هذه التساؤلات فإني ألخص رأيي في الآتي:
ـ أهمية أن تخرج المنابر عن دائرة الهياكل أو الأطر الرسمية أو الاعتبارية، وأن تكون صيغة مفتوحة مرنة، تتيح للمواطنين، بصرف النظر عن المهنة أو الانتماء القبلي أو الجهوي، أن يتفقوا على تأسيس منبر سياسي، ينظمون من خلاله مساهماتهم في تناول القضايا المطروحة على الحوار الوطني، بعرضها على النقاش وإعداد أوراق العمل والدراسات حولها، ثم تقديم خلاصات جهودهم إلى بقية المواطنين من خلال موقعهم على شبكة المعلومات العالمية، والدخول في الحوار والنقاش حولها مع الجميع.
ـ أهمية أن يمنع تكوين أي منابر تكون ذات خلفية قبلية أو عشائرية واضحة، وذلك للحيلولة دون العودة مرة أخرى إلى إقحام العصبية القبلية والعشائرية في الشأن العام، وتجنباً لمختلف السلبيات التي نجمت في الماضي عن هذه الظاهرة.
ـ أهمية أن يصدر عن القيادة السياسية ما يطمئن المواطنين إلى إمكانية ممارستهم التعبير عن آرائهم بحرية، دون الخشية من التعرض لتهديد أو عواقب وخيمة، من أية جهة. وفي هذا الخصوص ربما نعيد التأكيد على رأي سبق أن عبرنا عنه وهو ضرورة أن يعاد النظر في هوية ووظيفة "حركة اللجان الثورية"، فلم يعد من المقبول ونحن نتجه إلى هذا التحول التاريخي، أن تظل هناك جهة تحتكر الحق في حرية التعبير، تحت ادعاءات، بانَ زيفُها، بأنها الوصية على ما يسمى "مبادئ الثورة"، وأن جميع المواطنين الذين لا يتفقون معها في الرأي هم "خونة" و"عملاء" و"مأجورون". ونعبر عن قناعتنا بأن المرحلة الوطنية القادمة ينبغي أن تتسع لكل الآراء، مهما اختلفت أو تباعدت أو حتى تناقضت، وأن المؤمنين بفكر النظرية العالمية الثالثة، كما احتواها وعبر عنها الكتاب الأخضر، من حقهم أن يعبروا عن إيمانهم بهذا الفكر، وأن يمارسوا الدعوة إليه، ولكن بوسيلة الحوار والدعوة السلمية، ودون التهجم على الآخرين أو اتهامهم في وطنيتهم وإخلاصهم.

Abdullah_jibreel@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home