Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Abdallah Jebril
الكاتب الليبي الدكتور عبدالله جبريل

Thursday, 8 May, 2008

سيف الإسلام وإشكاليات تحرير الإعلام

د. عـبدالله جبريل

لقد فاجأت تصريحات الأخ سيف الإسلام في سبها حتى أكثر المتطرفين في التفاؤل، ذلك أن أحداً لم يكن يخطر بباله أن الظروف لدينا، قد نضجت، أو أنها يمكن أن تنضج عما قريب، لتقبل فكرة إلغاء وزارة الإعلام، وتحرير المهنة تماماً من أي ارتباط بالدولة وبالسلطة.

إن ما يقوله الأخ سيف، هو بالفعل حلم رائع وجميل، يحلم به كل أصحاب القلم في بلادنا؛ هؤلاء الذين اكتووا بنيران التضييق والرقابة، التي حرمتهم من الانطلاق لأداء دورهم الذي يحسبون أن القدر والظروف قد هيأتهم للقيام به، في خدمة أبناء وطنهم، والإسهام معهم بإبداء رأي، أو تقديم معرفة، أو تطوير فكر. ولكن أحداً من هؤلاء الحالمين لا يسمح لنفسه، إن هو وضع في اعتباره الحقائق الراهنة، والواقع المعاش النافذ، بأن يحلم بأن نبلغ تلك المرحلة من التحرير الكامل لوظيفة الإعلام في وقت قريب.

وليسمح لنا الأخ سيف بأن نناقش بعض الأفكار التي وردت خلال تصريحاته، كي نتمكن من الاتفاق على فهم مشترك. بادئ ذي بدء قد يحق لنا أن نثير قضية مبدئية تبدو في نظرنا في غاية الأهمية، وهي التساؤل عن الصفة التي يتحدث من خلالها الأخ سيف، لأننا حين نجده يقول: "أن ليبيا ستتجه نحو إقامة هيئات مستقلة للإعلام وأن الدور الكلاسيكي للإعلام المتمثل كوزارة سينتهي في ليبيا قريباً، وستكون ليبيا أسوة بدول الاتحاد الأوربي ليس بها وزير إعلام ولا رقابة على المطبوعات والكتب"، فإننا لا نملك أنفسنا من ملاحظة أسلوب التقرير الذي يتحدث به، من خلال استخدام تعبيرات "ليبيا ستتجه" وأن دور الإعلام "سينتهي"، وأن ليبيا "ستكون". ومن ثم قد يحق لنا أن نتساءل: بأي صفة شرعية أو رسمية يقرر الأخ سيف مثل هذه المسائل. فقرار إحداث وزارة أو إلغائها هو من القرارات السيادية التي يفترض أن تكون حكراً على الهيئة التي تملك سلطة القرار والتشريع في المجتمع.

ومن هنا فإني، وأنا هنا لا أعبر إلا عن رأيي الشخصي الذي لا يلزم أحداً غيري، كنت أتمنى لو أن الأخ سيف قدم هذه الأفكار باعتبارها وجهة نظر يدعو إليها، في إطار "رؤيته" الفكرية الشمولية لليبيا الغد التي يدعو إلى تأسيسها والانتقال إليها. فيقول إن ليبيا الغد التي يدعو هو إليها لن تكون فيها وزارة إعلام، ومن ثم فلن تكون فيها رقابة على المطبوعات ووسائل الإعلام، وستكفل فيها حرية الرأي والتعبير لجميع المواطنين، مهما اختلفت آراؤهم وتصوراتهم وقناعاتهم الفكرية.

أما ثانية الملاحظات فتتعلق ببعض التفاصيل التي وردت في تصريحات الأخ سيف، مثل حديثه عن "إقامة هيئات مستقلة للإعلام"، و"ضرورة أن تتم ملكية الإذاعة والهيئات الإعلامية للشعب الليبي مباشرة". ونحسب أن هنا أيضاً ثمة بعض اللبس في إسناد الأشياء، فعندما نتحدث عن "إقامة هيئات"، نحتاج إلى أن نعرف من يقيم هذه الهيئات، أهم الأفراد أم الأفراد المجتمعون في شكل شركات، أم المؤسسات الرسمية التي بيدها سلطة القرار: مؤتمرات شعبية، مؤتمر الشعب العام، اللجنة الشعبية العامة..مثلاً.

أما عندما يتحدث عن "ملكية الإذاعة والهيئات الإعلامية للشعب الليبي مباشرة" فإننا نجد أنفسنا أمام إشكالية كبرى تتمثل في تحديد المقصود حقيقة بتعبير "الشعب الليبي"، فهل نعني رجال الأعمال والاقتصاد، أم نعني عامة الموظفين والعاملين الحرفيين، وهل نعني الحضر أم سكان الأرياف، ثم هل نعني عامة الناس أم المثقفين وذوي الفكر والرأي. ثم هل نعني كبار الأثرياء (ممن أسماهم الأخ سيف نفسه القطط السمان)، أم نعني عامة الليبيين الفقراء الذين لا يزالون يكابدون المشاق ويلقون العنت من أجل الحصول على لقمة العيش، ومن ثم فهل نعني المستفيدين من بقاء الأوضاع في ليبيا على ما هي عليه، لكي تدوم لهم الدولة التي تتيح لهم، من خلال مختلف ممارسات الفساد، أن يكدسوا الثروات لهم ولأهاليهم وأقاربهم والمتزلفين لهم، أم نعني المتضررين من الوضع القائم، بسبب ما يعانونه من مظاهر الفقر والمرض والبطالة والضياع، ومن نقص الخدمات الأساسية الضرورية. ومن هنا أيضاً نحتاج إلى أن نعرف هل هذا الشعب الليبي هو المتسلطون في "حركة اللجان الثورية" أم هو الحالمون مع سيف الإسلام بليبيا الغد، ليبيا الحرية والنماء والتقدم، وليبيا التي لا تكون فيها حاجة لوزارة إعلام، ولا حاجة إلى ممارسة أي رقابة على آراء الناس وأفكارهم والوسائل التي يعبرون من خلالها عن هذه الآراء والأفكار. ثم أخيراً هل نعني بالشعب الليبي أولئك الذين قد يصنفون في "اليمين" وما إلى يمينه، أم أولئك الذين يقعون عن "اليسار" وما إلى يساره، مروراً بالطبع بأولئك الذين هم في الوسط لا إلى اليمين ولا إلى اليسار. وهكذا فإننا لا نستطيع أن نتخيل جسماً واحداً، لا مؤسسة ليبيا الغد ولا غيرها، يمكن أن يحتمل أو يتسع لكل هذا الطيف المتسع من الآراء والأفكار والتوجهات.

إذن فأنا، ومن قد يتفق معي في الرأي والرؤية، لا نرى معنى للقول بملكية "الشعب الليبي" لوسائل الإعلام، ونحسب أن الصحيح هو الحديث عن تحرير ملكية وسائل الإعلام، وإتاحتها لمبادرات الأفراد، منفردين أو متشاركين ومتضامنين في شكل شركات ومؤسسات إعلامية خاصة. فتكون أصدق تعبيراً عن الواقع الذي يعيشه الليبيون، فتكون لأصحاب اليمين وسائلهم، ولأصحاب اليسار وسائلهم وللأثرياء وسائلهم، وللفقراء وسائلهم، وللمفكرين والمثقفين وسائلهم. ومن هنا فإننا نعيد التعبير عن تحفظنا على قول الأخ سيف إن مؤسسة الغد "تعبر عن وجهة نظر المجتمع الليبي كله" من حيث إنه ـ حسب وجهة نظري ـ تعبير غير دقيق وغير صحيح، استناداً إلى قناعتنا باستحالة وجود وسيلة واحدة تعبر عن وجهة نظر الشعب الليبي كله، فقد أشرنا إلى أننا لا نقبل هذا التعميم، فالشعب الليبي ليس واحداً، ومن ثم فليس له "وجهة نظر" واحدة.

ومن هذا المنطلق فإننا نتحفظ قليلاً على الدعوة التي وجهها الأخ سيف إلى "كافة الكُتّاب والمثقفين والفنانين إلى المشاركة في مؤسسات ليبيا الغد": من جهة لأن هذه المؤسسة غير واضحة الهوية، ولا يعرف من أنشأها ومن أين أخذت الإذن بتأسيسها، ومن هم مؤسسوها وما مصادر تمويلها، ومن يتحكم فعلاً في توجهاتها وقراراتها، ومن جهة أخرى لأن حديثنا عن تحرير الإعلام يعني بالضرورة ترك الحرية لكل من يريد أن يعمل بهذا الحقل في أن يشترك في مؤسسة قائمة (لنقل مؤسسة الغد) أو أن ينشئ، وحده أو بالتضامن والتشارك مع آخرين، وسيلته الإعلامية الخاصة به. وهذه هي الصيغة الوحيدة التي سوف تعطي لكلام الأخ سيف عن مستقبل قريب لا تعود فيه رقابة ولا قيود على حرية الرأي والتعبير معنى ومدلولاً.

إن ما قد يستشف من كلمة الأخ سيف، وخاصة من خلال إصراره على الإشارة إلى "مؤسسة الغد"، وما قد ينشأ على غرارها من مؤسسات، هو أننا ما زلنا نواجه إشكاليات كبيرة تقف دون تحقق الحلم بتحرير الإعلام بالمعنى الذي نحسب أنه صحيح للكلمة، في مقدمتها أننا ما زلنا نتحدث عن قوة ما هي التي تملك أن تقرر إنشاء مثل هذه المؤسسات، وأن كل ما هو متاح للأفراد أن ينضموا أو لا ينضموا إلى ما هو قائم منها وما سوف تقوم جهة ما بإقامته. وإننا حين نتأمل دعوة الأخ سيف "الصحافيين والفنانين والكتاب والمثقفين إلى أخذ زمام المبادرة والانطلاق إلى الأمام والمشاركة في هذه المؤسسات"، فإننا نجد أنفسنا نتفق معه تماماً في الجزء الأول من هذه العبارة، وهو ضرورة أن يأخذ المثقفون والكتاب والإعلاميون زمام المبادرة، ولكننا نختلف معه تماماً على ما بقي منها، وهو دعوته إياهم إلى "المشاركة في هذه المؤسسات"، وخاصة عندما يحدد أن هذا الانضمام يجب أن يتم "انطلاقاً من القانون الأساسي للمؤسسة". ذلك أن هذا الجزء الثاني من العبارة يكاد يلغي تماماً جزءها الأول، وذلك لأنه يعني بكل بساطة أن أولئك المثقفين والإعلاميين ليسوا أحراراً في اتخاذ وتوجيه مبادراتهم، ولا في اختيار الأطر التي يرونها مناسبة لها، وأنه لا يترك لهم من خيار سوى العمل من خلال هذه المؤسسات، وأنه مفروض عليهم أن يتقيدوا ويلتزموا بقوانينها الأساسية التي لم يكن لهم دور في وضعها أو اختيارها أو مناقشتها.

ولقد تمنيت لو أن الأخ سيف اكتفي بالجزء الأول من عبارته هذه، وهي دعوة المثقفين والكتاب والإعلاميين إلى أخذ زمام المبادرة، ثم ترك لهم الحق في اختيار الاتجاه الذي يوجهون إليه مبادراتهم هذه، واختيار الأشكال والأطر العملية التي يجسدونها من خلالها.

ونجد أن قول الأخ سيف أن عزوف المثقفين والكتاب عن المشاركة هو مشكلة توصيف صحيح، ولكننا لا نحسب أن فهم دوافع وأسباب هذا العزوف أمراً بالغ الصعوبة، وفي تقديري أن السبب الأكبر في هذا العزوف هو رفض هؤلاء المثقفين والإعلاميين والكتاب أن تقيد مبادرتهم بالأنماط والأطر التي لا يشعرون أنهم هم أصحابها وأنهم هم الذين أنشؤوها وأسسوها ووضعوا قوانينها الأساسية وضوابط عملها.

وأحسب أن حل هذه المشكلة يكمن في أمر واحد سنظل نأمل أن يتحقق وهو اتخاذ القيادة السياسية في البلاد قراراً تاريخياً بتحرير الإعلام، من خلال إلغاء التشريعات التي تقيد حرية التعبير عن الرأي، وإلغاء الأجهزة والمؤسسات المكلفة بتنفيذ هذه التشريعات، بدءاً من اللجان الثورية وأجهزة الرقابة على المطبوعات وقانون الصحافة، وبالطبع إلغاء ما أعتبره فضيحة حضارية وهو ما يسمى "نيابة الصحافة"، ثم دعوة المثقفين والصحافيين والكتاب بعد ذلك إلى أن يأخذوا زمام المبادرة، فينشئوا الصحف الورقية والإلكترونية والإذاعات المسموعة والمرئية، ولهم إذا شاؤوا أن يتشاركوا فينشئوا مؤسسات ثقافية وإعلامية، أو شركات مساهمة، يتاح فيها لجميع المواطنين حق المشاركة بالاكتتاب في رؤوس أموالها والمشاركة في ملكيتها.

ونحسب أن الدور التاريخي الذي نأمل أن يقوم به الأخ سيف الإسلام في هذا الخصوص هو بذل مساعيه من أجل المساهمة في تمهيد الأرضية لمرحلة "تحرير الإعلام"، من خلال التصدي لأصول العلل والمشكلات، والبحث عن علاجات مناسبة لها. فالعلة الكبرى التي نعاني منها ليست في وجود الأطر والآليات التي يعمل مثقفونا وكتابنا من خلالها، ولكنها في استمرار وجود تلك القيود والسلاسل التي تكبل حريتهم في الحركة والمبادرة.

وإن لدينا من الشواهد والأدلة على قدرة الليبيين على المبادرة والفعل ما يكفي في هذا الصدد، ففي تقديري أن ما استطاع إعلامي وكاتب فرد مثل إدريس المسماري إنجازه على صعيد العمل الإعلامي والثقافي، عبر مجلة "عراجين" لدليل قوي ساطع على أن الأفراد يستطيعون أن يتخذوا المبادرات الناجحة والفاعلة، لو أتيحت لهم حرية الفعل والحركة.

ولعلنا نقترح على الأخ سيف أن يفكر في أن تكون من أولى مبادراته في إطار التعامل مع ملف "تحرير الإعلام" منح إدريس المسماري وذلك النفر المعدود من رفاقه الكتاب والمثقفين إذناً رسمياً قانونياً بإعلان "عراجين" مؤسسة ثقافية إعلامية حرة، ثم منح الحق نفسه لغير المسماري من الكتاب والإعلاميين، وسوف نرى كيف تتحول ساحتنا الإعلامية والفكرية إلى خلايا من العمل الدؤوب، لنا أن نتخيل ما سوف يعود من ورائها من خير كثير لبلادنا وشعبنا.

Abdullah_jibreel@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home