Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelrahman al-Janzouri
الكاتب الليبي عبدالرحمن الجنزوري


عبدالرحمن الجنزوري

الأحد 24 مايو 2009

وقائع وتأملات في سيرة مواطن ليبي

تأليف : عبد الرحمن الجنزوري

منشورات مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية
سلسلة السير والتراجم رقم (4)

أعدّها للنشر : أحمد الفيتوري

تقــديم

يعرض هذا الكتاب مشاهداتي وتجاربي عبر مسافة زمنية ، تشمل مراحل الطفولة واليفاعة والشباب ، وتتوزع بين عدد من الأقطار العربية فهو لذلك من كتب الذكريات التي تسترجع الماضي في شكل صور ذهنية .
والصور الذهنية هي الوسيلة الوحيدة لعرض الذكريات خلافاٌ للتاريخ الذي يستخدم الوثائق المكتوبة والآثار المحفوظة . ولذلك فإن الذكريات يغلب عليها الطابع الذاتي ، وتختلف من فرد لآخر من نفس الجيل ، ليس لاختلاف إدراكهم وتجاربهم فحسب ، بل لأن ميولهم تقودهم إلي الانتقاء ، وتزيين ما يتفق معها ونبذ ما يخالفها .
فذكريات الناس لا يمكن أن تكون متماثلة إذن ، ولا تخلو من الانحياز لأوضاع وعلاقات وقيم وقضايا يؤيدها هذا ويعارضها ذاك . وقد ينقلب الموقف عند نفس الفرد فيغدو مضادّاً لما كان يبشر به أو العكس ، تبعاً لتغير موقعه على السلم الاجتماعي ، أو تغير قيمة وأفكاره . فيصور الماضي وفقاً لما يطرأ عليه من تغيير .

1

فالماضي ليس ماثلاً أمامنا كهذه الشجرة التي نراها ولا تختلف اثنان في أنها ليست بيتاً أو إنساناً ، في حين أن الذكريات لا تعرض أشياء مادية ملموسة ، ومثلها التاريخ الذي يقتصر على الراوية ونقل الأخبار . إنما يعرضان صوراً مستقاة من الذاكرة في حالة الذكريات ، أو منقولة عن الآخرين في حالة هذا الصنف من التاريخ ، الذي تجاوزه العلم في العصر الحديث .
وقد يعجب أحد القراء بهذه الصور، ويتمنى أن تستمر أصولها قائمة بنفس الوضع الذي كانت عليه في الماضي. إلا أن تاريخ البشر ليس (بجامد قار) كما يقول ابن خلدون. ويشرح هذا المفكر العربي النابغة فهمه للتاريخ بقوله: "إن أحوال العالم والأمم، وعوائدهم ونحلهم، لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلي حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار، والأزمنة والدّول ".
ورؤية ابن خلدون الذي وضع اللبنة الأولى لعلم الاجتماع المعاصر ، هي التي يختزلها العلماء في قولهم : التاريخ لا يعيد نفسه ، على العكس من الخطأ الشائع الذي يقلب هذا المعني دون تبصر وإدراك لمجريات تاريخ البشر . فكل حديث عن الماضي إذن ، لا يحمل في طياته سوى رغبة الراوي في ما يجب أن يكون عليه الحاضر أو المستقبل ، كضرب من الخيال .

2

يتضمن هذا الكتاب ( بعض ) الصور عن الماضي القريب نسبياً ، ويعتمد المشاهدة والممارسة العملية قبل أي شئ آخر . والتبعيض هنا لا يعود إلي استحالة إلمام الفرد بكل ما يدور حوله فقط ، بل لأن الكاتب – في كثير من بلدان العالم الثالث – لا مناص له من تجنب العديد من القضايا ، ووضع النقاط على الحروف .
فإلي جانب الرقابة الرسمية التي تتمتع بسلطة مطلقة في منع ما لا يروق لها ، أو ما تتوهم أنه يزعج أهل الحل والعقد ، قد يتعرض الكاتب لهجوم تشنه عليه فئة مغرضة ، معادية لحرية الرأي والتعبير ، ترى أن ما تقوله هي وحده الصحيح ، ولا تعترف بوجود ألوان أخرى بين الأسود والأبيض . وبتعبير وزير الخارجية الأمريكية الأسبق (دالاس ) : من لم يكن معنا فهو ضدنا ! على أية حال فإن الكاتب بإمكانه أن يطرح ويعالج كثيراً من القضايا الهامة دون أن يتعرض لهذه المشاكل ، إذا فطن للمواطن الحساسة وتناولها بأسلوب خاص . كأن يستعيض عن التصريح بالتلميح ، ويستخدم الرمز والإيحاء بدلاً من المباشرة ، حتي عندما يتحدث عن الحاضر ، ناهيك بالذكريات التي تنقل أخبار الماضي .
يتوزع هذا الكتاب بين سبعة موضوعات تأخذ أرقاماً متتالية وتواكب مراحل العمر الماضية حتي السنوات الأخيرة من مرحلة الشباب إذا جاز أن تستمر هذه المرحلة إلي سن السادسة والثلاثين ، التي توقف عندها هذا القسم من الذكريات ، على أمل إصدار جزء ثان يتناول الفترة التالية لعام 1965 . إذا بقيت لي قدرة على مثل هذا العمل الذي استغرق عدة سنوات ، ولم أرحل عن الدنيا قبل إنجازه .

3

يعني الموضوع الأول بوصف المدينة التي ولدت ونشأت فيها ، وسبل عيش سكانها وعاداتهم وتقاليدهم وعلاقتهم بالمستعمرين ... الخ .
ويتناول الموضوع الثاني مشاهد من الحرب العالمية الثانية التي امتد لهيباً إلي ليبيا ، وما أحدثته من آثار في حياة الليبيين ، وانحسار الاستعمار الإيطالي الذي احتلت مواقعه ثلاث دول غربية . ويتحدث الموضوع الثالث عن انبعاث الحركة الوطنية ونضالها من أجل وحدة ليبيا واستقلالها .
أما الموضوع الرابع فقد خصص لحرب فلسطين الأولى عام 1948، التي شارك فيها عدد كبير من الليبيين، وهو يميط اللثام عن فضائح النظم العربية وعجزها عن حماية الشعب الفلسطيني، وتأمر بعضها مع الاستعمار، لتمكين الصهيونية من السيطرة على هذا البلد العربي الشقيق . يستأثر الموضوع الخامس بالعنوان الأصلي للكتاب ( رحلة السنوات الطويلة ) ، لأن ما يتضمنه يعتبر تحولاً حاسماً في حياتي الدراسية والثقافية بوجه عام . وما كان عملي بالقضاء ( الموضوع السادس ) ، ومن بعده بالمحاماة ( الموضوع السابع ) سوى ثمرة تلك السنوات التي أمضيتها في مصر .

4

لا يفوتني في هذا التقديم الوجيز أن أثمن عالياً نصائح الأصدقاء ، الذين اطلعوا على بعض موضوعات الكتاب، وأفادوني بملاحظاتهم القيمة، واخص بالذكر الصديق (محمد العارف) الذي نبهني إلي إلغاء مشاهد لا لزوم لها. وأتوجه بشكري العميق للصديق الشاعر ( محمد الفقيه ) ، الذي كرس وقته لقراءة المخطوطة من ألفها إلي ياءها وأسهم في تصحيح ما شابها من أخطاء لغوية ، كما أشار على بإضافة أشياء عن الألعاب التي كان يمارسها الأطفال ، وخيال الظل ( القراقوز ) الذي كانوا يشاهدونه في ليالي شهر رمضان فيغمرهم الفرح .
فإلي هؤلاء جميعاً يعود الفضل في إعداد هذا الكتاب ، وأتحمل وحدي مسؤولية أية أخطاء قد تكون اعتورت الشكل أو المضمون .

صـ (261)

كان عدد سكان " ليبيا " عند إعلان الاستقلال حوالي مليونين ، وشكل الدولة الليبية ( فيدرالي ) أي اتحادي حسب نص الدستور الذي لم تضعه جمعية تأسيسية منتخبة ولم يستفت عنه الشعب ...أقرته قلة من الأفراد الذين عين غالبيتهم الملك ...قرر هؤلاء وبالأحرى وافقوا على مخطط أجنبي أراد أن تكون " ليبيا" مقسمة إلي ما يشبه الدويلات الثلاث ، التي أطلقوا عليها اســــم ( طرابلس وبرقة وفزان ) على منوال الولايات المتحدة الأمريكية ، مع أن الأخيرة كان عدد سكانها يقارب (250 مليون ) وينتمون إلي عشرات الأمم ، ويعتنقون ديانات ومذاهب عديدة !

5

تطبيقاً لهذا النص الدستوري تم تشكيل أربع حكومات ، منها ثلاث للـــولايات ( طرابلس وبرقة وفزان ) والرابعة الحكومة الاتحادية ... نص الدستور على المسائل التي يتداخل فيها اختصاص حكومة الولاية مع اختصاص الحكومة الاتحادية ، والمسائل التي تختص بها الأخيرة وحدها ، ومنها " التعليم في الجامعات والمعاهد العليا وتقرير الدرجات العلمية " .

كانت الحكومة الاتحادية قبل نقلها إلي بلدة ( البيضاء ) تباشر عملها تارة في مدينة " طرابلس " وتارة أخرى في مدينة " بنغازي " ، باعتبارهما أكبر المدن الليبية وأكثرها سكاناً ، ولها مكاتب دائمة في هاتين المدينتين كحلقة وصل بينها وبين المتعاملين معها ، وكثيراً ما يتواجد بهذه المكاتب بعض الوزراء أو من ينوب عنهم لتسيير الأعمال اليومية .

عند عودة صاحبنا من " مصر " بعــد إنهاء دراسته الجامعية ومروره بمدينة " بنغازي " ، تصادف وجود المسؤول عن التعليم في الحكومة الاتحادية بهذه المدينة فرأى أن يزوره ليستشف أمكانية الموافقة على دراسته العليا وتخصيص منحة مالية له .. أطلعه على شهادة إنهاء دراسته بكلية الحقوق ، وأعلمه برغبته في استكمال تعليمه العالي بإحدى الجامعات المصرية ...

6

تململ الرجل في كرسيه وصوب إليه نظرة لا تنم عن الرضا ... لم يعلق بكلمة واحدة على الدراسة في " مصر " ، ولكنه أشار رغبة الحكومة في إيفاد بعض الطلبة إلي أوروبا ، وعرض عليه السفر إلي ( ألمانيا ) الاتحادية لاستكمال دراسته العليا بها .
فوجئ بهذا العرض الذي لا يعتقد أنه يخدم المصلحة الوطنية ، ليس لأن دراسة القانون في ذلك البلد الأوروبي تتطلب وقتاً طويلاً لإتقان اللغة الألمانية وحسب ، بل لأن القوانين المعمول بها في " ليبيا " منبتة الصلة بالتشريعات الألمانية ، التي تنتسب إلي طائفة القوانين ( الأنجلو- سكسونية ) ...معظم التشريعات الليبية الرئيسية – كالقانون المدني وقانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية – تكاد تكون نسخة طبق الأصل من القوانين المصرية النظيرة ، وهذه الأخيرة يعد التشريع الفرنسي مصدرها المادي ، وهو ينتسب إلي طائفه القوانين ( اللاتينية ) المختلفة إلي حد كبير عن القوانين ( الأنجلو – سكسونية ) .
معني ذلك أن من يحصلون على درجة الدكتوارة من " ألمانيا" سوف يعودون إلي بلدهم بمعلومات قانونية غزيرة لكنها لا تجد مجالاً للتطبيق في "ليبيا " وعكس ذلك دراسة القانون في " مصر " أو فرنسا " . ثم إن المصريين كانوا حينذاك يشكلون غالبية رجال القضاء في المحاكم الليبية ، ومن ثم فإن المتشبع بالقوانين ( الأنجلو – سكسونية ) يجد نفسه غريباً بينهم .

7

لم يواجه صاحبنا مسؤول التعليم في الحكومة الاتحادية بهذه الحقيقة تجنباً للـــدخول في مجادلة نتيجتها معروفة سلفاً . فهو يعلـــــم أن رجال الحكم في " ليبيا " ليسوا على وفاق مع النظام الناصري ، مما دعاه إلي إغفال بيان أهمية دراسة القانون في " مصر " والفائدة التي تعود على بلده .... تظاهر بالامتنان لما عرضه عليه مسؤول التعليم وطلب إمهاله لاستطلاع رأي عائلته في هذا العرض الكريم .

* * *

في أوائل شهر مايو 1958، سلمه ساعي البريد صورة من الرسالة التي وجهها وزير المعارف في "ليبيا" إلي وزارتي العدل والخارجية والمحكمة العليا، والتي جاء فيها عن صاحبنا: "بما أنه كان عضواً في بعثه هذه الوزارة... وعليه أن يعمل في خدمة الحكومة... فالمرجو اتخاذ الإجراءات اللازمة للاستفادة من خدماته"(**).
في ذلك الوقت لم يكن قد حسم أمر الاختيار بين البقاء والعمل في بلده أو السفر واستكمال دراسته "مصر " إذا تم تعيينه بجامعة الدول العربية ... أشعرنه رسالة وزير المعارف أن الخيار الأول في متناول يده ، في حين أن العمل بالجامعة العربية الذي يعتمد عليه استمراره في الدارسة لم يتقرر بعد .

8

اتصل بالجهات التي طلب وزير المعارف " الاستفادة من خدماته " ،باعتبار الالتحاق بإحداها لا يشكل عائقاً أمام عمله لدى الجامعة العربية في حالة موافقتها على تعيينه ... بادر بتقديم طلب إلي وزارة الخارجية وآخر إلي مكتب النائب العام بالمحكمة العليا ... توقع أن يفتح له العمل بوزارة الخارجية باب الدراسات العليا إذا تم إيفاده إلي " مصر " أو " فرنسا " للعمل بالسفارة الليبية في إحدى العاصمتين ، وإذا تم إلحاقه بمكتب النائب العام فإنه سوف يكتسب خبرة قانونية لا يستهان بها ، إلا أن توقعاته ذهبت أدارج الرياح . فالخارجية أهملت طلبه ، ومكتب النائب العام أرسل إليه رداً في غاية الإيجاز ،يقــــول فيه : " نأسف لعدم وجود مكان شاغر في الوقت الراهن "!
ما كان هذا الموقف ليصدمه لو أنه أزاح عن ذهنه المعلومات النظرية التي تلقاها في الجامعة ، ونظر إلي حقوق المواطن المنصوص عنها في الدستور بشكل مختلف ... كان تفكيره – حتي ذلك الوقت – مشوباً بالمثالية ... يتصور أن الدولة لا مناص لها من احترام حقوق المواطنين التي تنص عليها التشريعات ، ولم يسأل نفسه عن القوة التي تجبر الدولة على احترام هذه الحقوق .. يقرأ في الدستور : (( أن المواطنين متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفي تكافؤ الفرص )) ، فيتصور أن هذا النص قابل للتطبيق في كل زمان ومكان ، وإن الحكومة لاتجرؤ على مخالفته ، في حين أن الحكام في كثير من الدول المتخلفة يعتبرون أنفسهم فوق القانون .

9

بعد أن تلقي هذه الصدمة في أول محاولة للعمل داخل بلده ، أحجم عن الاتصال بأية جهة أخري تابعة للدولة ، خشية أن يلقي طلبة ذات المصير ... شغل نفسه بالقراءة ومعاونة شقيقة في الإشراف على الأنوال اليدوية والمصنع الآلي الصغير للمنسوجات ... فكر في الالتحاق بأحد مكاتب المحامين ريثما تتاح له فرصة الحصول على رخصة للعمل بالمحاماة دون أن يفقد الأمل في تعيينه بالجامعة العربية والانخراط في الدراسات العليا .
خلال فترة الانتظار هذه التي لم يمتد بها الوقت ، استلم خطاباً من السفارة الليبية في "القاهرة " (*) ، وصـــــورة من مذكرة الجامعة العربية ، التي تعلمه بــــــــالموافقة على تعيينه ، بمكافـــــأة شهرية أولية قـــــدرها (25) خمسة وعشرون جنيهاً مصـــــرياً وتطلب إليه أن يتصل بها لاستلام عمله في أقرب وقت ممكن(*).

10

ما أن فرغ من قراءة هذه الرسالة حتي انتابه شعور بالدهشة، جسدته المفارقة بين حرمانه من العمل في بلده، وتعيينه بهذه المنظمة الدولية الإقليمية التي فتحت له باب العمل والدراسة العليا معاً ... كان عليه إذن أن يحزم أمتعته ويسافر على وجه السرعة ليكون بعد بضع ساعات في قلب العاصمة المصرية ... يتوجه في اليوم التالي إلي مبني الجامعة العربية ... يطل من شرفاته على النهر الذي أمد "مصر " بالحياة منذ الآف السنين ، وألهم شعبها التفنن في النشاطات الإنتاجية والخدمية والتألق في الآداب والفنون كالنحت والرسم والشعر والموسيقي والرقص والغناء ...
ينظر إلي ( برج القاهرة ) على الضفة الأخرى فيراه يمد لسانه في وجه المخابرات المركزية الأمريكية (C.I.A) ، التي قدمت للرئيس ( عبد الناصر ) مبلغاً ضخماً كهدية شخصية ،وحاولت إقناعه بإنفاقه للترفية عن نفسه ، فاستلم الهدية ( الرشوة ) وشيد بها هذا البرج العملاق ... يستعرض هذه المشاهد ويتصور أن ما كان يتمناه أصبح حقيقة واقعة ، ولكن الظروف كثيراً ما تحول دون تحقيق ما يتطلع إليه الإنسان وتغير وجهه سيره على الطريق الذي كاد أن يصل إلي نهايته . اظطر إلي إلغاء السفر في آخر لحظة نتيجة ظروف يعجز عن التنبؤ بها أبعد الناس نظراً ... الظرف الذي سد عليه الطريق نهائياً هو حادث مأساوى مفاجئ ، ترتب عنه غياب شقيقه الأكبر الذي كان يتولي إعالة الأسرة ورعايتها ، وذلك بسبب خلاف حاد نسب بينه وبين شريكه في مصنع النسيج وأدى إلي مقتل الشريك ، فأصبح صاحبنا جراء ذلك المسؤول الوحيد عن إعالة الأسرة ورعايتها .

11

كان لا بد له من البحث عن مورد لتغطية نفقات العائلة ومصروفاته الشخصية ، ولم يكن أمامه سوى التفكير في العمل بالمحاماة .. مهد لتنفيذ هذه الفكرة بالتردد على مكتب الأستاذ ( فرارة ) الذي كان من أشهر المحامين ، ومن أكثرهم تمسكاً بالقيم الإنسانية الرفيعة ، وذلك لاكتساب المزيد من الخبرة في مجال العمل بالمحاماة وبدأ يعد نفسه على هذا الطريق .
ذات يوم توجه إلي نظارة العدل في ( ولاية طرابلس ) وقدم إليها طلباً للحصول على رخصة العمل بالمحاماة، أرفقه بالشهادة التي منحها له الأستاذ ( الخواجة ) المحامي ، ولكنه ما لبث أن استلم ردها بالرفض .. عللت ( النظارة ) عدم استجابتها بالأستاذ إلي نص في لائحة البعثات ، يلزم الطالب الذي درس على نفقة الحكومة بالعمل معها ضعف المدة التي أنفقت عليه فيها ، وتغاضت عن مادة في ذات اللائحة تنص على إعفاء الطالب من هذا الالتزام ، إذا مضت على عودته إلي بلده مدة ثلاثة أشهر ولم تقم الحكومة بتعيينه في وظيفة مناسبة لتخصصه ، مع أن هذا النص الأخير ينطبق عليه تماماً . ليس لأنه أمضي أكثر من ثلاثة أشهر بعد عودته إلي بلده دون أن تقوم الحكومة بتعيينه وحسب ، بل لانه قدم طلباً إلي جهتين حكوميتين للعمل بهما ولم تستجب أي منهما إلي طلبه .
تذكر مشكلة مماثلة كان قد تعرض لها أحد زملائه من قبل واقتدى بالحل الذي توصل إليه .فقد سبق أن رفضت ( نظارة العدل ) في ( ولاية طرابلس ) منح زميله هذا رخصة العمل بالمحاماة ، فتوجه إلي ( ولاية فزان ) وحصل على الرخصة المنشودة .

12

سافـــــــر صاحبنا إلي "سبها " عاصمة الولاية وقـــــــدم طلباً إلــــــي ( نظارة العدل ) وظل ينتظر ردها أسابيع متتالية ... شغل نفسه خلال مدة الانتظار بكتابة ونشر سلسلة مقالات في ( جريدة فزان ) تحت عنوان : " نريد تخطيطاً علمياً وطنياً لرسم سياستنا الاقتصادية " ، وفي نهاية الأمر عاد إلي " طرابلس " دون الحصول على رخصة المحاماة ، وانضم إلي طابور العاطلين عن العمل ، رغم أنه يحمل شهادة جامعية في بلد متخلف حديث عهد بالاستقلال .
_______________

* ملحق الوثائق ، وثيقة رقم (16) .
** ملحق الوثائق ، وثيقة رقم (17)
** ملحق الوثائق ، وثيقة رقم (17) مكرر.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home