Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Saturday, 30 December, 2006

آنـا حـبـيـبـتـي

أحمد الفيتوري



     إليكم أحبائي أينما كنتم وكيفما
     كل عام وأنتم أحبتي،
     كل عام جديد وأنتم ،الحب ، الجمال ، الخير ، وأنتم العام .
     كل عيد وأنتم العيد ، عظم الروح ، عطر الحياة ونفسها العبق .
     مغروسة شجرة عيد الميلاد
     في قلب البيت .
     صاحب البيت؛
     من دم البيت
     ريق الروح .
     يروى الشجرة



آنـا حـبـيـبـتـي

كم من الأحجار رُمِيَتْ عليَّ!
كثيرة حتى إنِّي ما عدتُ أخافها،
كثيرة حتى إنَّ حفرتي أصبحت برجًا متينًا،
شاهقًا بين أبراج شاهقة.
أشكر الرماة البنَّائين
– عساهم يُجنَّبون الهمومَ والأحزان –
فمن هنا سوف أرى شروق الشمس قبل سواي،
ومن هنا سوف يزداد شعاع الشمس الأخير ألقًا.
ومن نوافذ غرفتي
كثيرًا ما سوف تتغلغل النسمات الشمالية،
ومن يدي سوف يأكل الحمام حبات القمح.
أما صفحتي غير المنتهية
فيدُ الإلهام السمراء
ذات الهدوء والرقَّة الإلهيين
هي التي سوف
من هنا
من عَلٍ
تنهيها.

شعـر :آنا اخماتوفا

ترقد آنا حبيبتي وحيدة الآن؛ لكنها رفقة وحدتها ترقد، وسريرها قلبي كما قلب كل محب ، ترقد آنا وحيدة الآن كما يرقد ستالين ، ستالين هذا يرقد مثلما كابوس في عقول الناس .
آنا ترقد وحيدة و لا غيرها في القلب، ترقد في وحدة مشتهاة؛ وحدة كل محب يقضم منها قضمة كي يؤنس وحدته.آنا مروضة استأنست النمرة واستبدلت روحها بروح هذه النمرة التي ترقد في سرير جسدها ؛ جسد آنا ما جعل من الثلج مدفأة الروح ، البارد القارص كان يخجل من آنا فيمنح وحدتها رفقة من دفء كان نسيه، وكلما ضاقت بها الحياة يكون الموت زوج روحها، ويبثها شجاعته كوحيد ما داخله وجل من فعل ما يريد .
ترقد حبيبتي آنا وحيدة الآن كما قلبي من تؤنسه خفقات آنا التي دستها في الأثير الأزرق ؛ كليمات شعرها ما غزلته من شعر روحها الكستانئي الطويل التيلة. كثيرا ما نهضت في ليل سجنها كي تنسج ، تحوك ، تغزل من شعرها الطويل رسائل، تبثها عبر الكوة لروح شاردة أو تائهة أو وجلة أو حاصرها التتار في السهوب البعيدة.
ذئبة آنا تفترس مواجع الآخرين بمواجعها؛ بوثبة الذئبة تخلع همومك عنك وتمنح فرح روحها الخبيء، تتجلي آنا كامرأة في الشعر فتؤنث المكان كي يعول عليه، ومن جسدها تفتل الكلام وتمنحه حرارة الروح ، تطلق حمامها من كوة الزنزانة فيطير : حمامة الزرقة ، حمامة البرتقال ، حمامة الدوح، وحمامة المراسيل من تغني الحياة وتبسم في وجه الموت رفيق دربها من تستمد منه حبها الحياة.

سوف ينسوني بيد أن لا قيمة لذلك،
لقد نُسيت ألف مرة،
ومئة مرة طُرحت في نعشي،
وربما أكون الآن ميتة (....)
إلا أن البذرة التي وضعتْ في الأرض لم تمت
وستنهض ذات يوم من الرماد
مثل العنقاء محلقة في الأثير الأزرق.

آنا رفيقة من لا رفيق له كم استهجنت كلمة رفيق هذه ، المرأة التي تحب الرجل كل رجل حيث ندر الرجال ، تهيم أنوثتها في نزوة الحياة وتجعل من البدن أيقونتها، وتتعبد في محراب الشعر الطويل التيلة الكستنائي الطالع، لهذا أحبت زرقة عينيها لأنهم مصاصي الدماء ، لاذت إلي وكر الله حين كان الإلحاد دين الطغاة . نهدها قبة كنيستها ونهدها الآخر حليب الفقراء ، آنا عشيقة الشعر حين كانت الجموع عشيقة ستالين اله العهد الجديد، آنا هذه حبيبتي كما حبيبة من لا حبيبة له جعلت من فمها زهرة كل نحلة ضالة، فشعرها كما سيرى القلة ممن لا يهدرون دم اللغة و لا يألهونها : يمارس القصد والاقتصاد في استخدام الوسائل والألفاظ ، ويتحرى دقة التعبير وسلامته وتحديده .
وبانتشار المجاعة والخراب وعبادة الدوغماء الإله الجديد، كان عليها أن تجعل من شعرها سرب طيور بيضاء في زمن أسود . لهذا قالت نثرا ما هو فصيح شعرها : لست واحدة من الذين يتركون أرضهم لقمة سائغة في فم الأعداء ، لن أعير تملقهم الخشن التفاتا ، وعقيرتي لن ترتفع بالغناء لهم.
كما أشفقت علي الذين يعيشون في المنفي شفقتها علي السجناء من المرضى: أيها الجوال إن الطريق الذي سلكته معتم وطعم الخبز في مثل مرارة العلقم .
شعرها رعشة الروح التي أعدم ستالين زوجها وسجن ابنها ونحر صديقتها- ثم نفاها ، حكم علي شعرها؛ دهشة الحياة بالدفن في صدرها وصدور المندهشين مما تغزل من فم الروح كدودة قز، المدهش أن الطاغية نقش آنا بحكمه هذا علي عضلة تحت الثدي الأيسر لكل محب.
لهذا سيبقي ستالين لأن هذه إرادة آنا؛ خلود آنا سيطال ستالين كما لم يطاولها، فهذا الذي كنيته الرعب جعلته سماد روحها العصية عن الفناء . ومن شعرها سنستمد جمالية استيلاد الوجود من المحاولة السقيمة لنفي الموجود. هامش 1 [ في عام 1939 تكتب أنا أخماتوفا عن حالتها بعد إعدام زوجها غومليوف واعتقال ابنها ليف قصيدة تقول فيها:

الدون الهادئ يجري هادئاً
هلال أصفر يدخل البيت
يدخل بقبعة مائلة على الرأس
يرى الهلال الأصفر ظلاً
هذه المرأة مريضة
هذه المرأة وحيدة
الزوج في القبر والابن في السجن
صلّوا من أجلي

لم يكن الخوف وجبروت السلطة ليمنعا أخماتوفا من الوفاء لأصدقائها الملاحقين والمعتقلين زارت أخماتوفا (عام 1936) صديقها الشاعر اوسيب ماندلشتام (1891-1938) في منفاه في مقاطعة فورونيج وعن ذلك كتبت قصيدة أطلقت عليها اسم فورونيج:

حيث الليل لا يشف عن فجر
ولا ينتهي إلا إلى المزيد من الظلام

بعد ذلك بعامين أعدم الشاعر ماندلشتام تقول أخماتوفا في المقطع الأخير من قصيدتها:

وفي غرفة الشاعر المغضوب عليه
يتناوب الخوف مع جنيّة الشعر
والليل يسير
الليل الذي لا ينبئ بالفجر

استمر اعتقال الأصدقاء وموتهم يلاحق أخماتوفا ففي عام 1953 قضى نيقولاي نيقولايفيتش بونين في قبضة الجلاد في المعتقل كانت أخماتوفا قد انتقلت عام 1920 لتعيش في بيت بونين في شارع «نابيريجنايا فانتانكي 43» في بطرسبورغ - لينينغراد - ، هذا البيت الذي كتب عنه الكثير من الشعراء كما كتبت عنه أخماتوفا وصار متحفاً فيما بعد حين علمت أخماتوفا بموت بونين في المعتقل كتبت:

لن يستجيب القلب بعد الآن
لندائي متلهفا منشرح النبض
كل شيء ينتهي.. وقصيدتي ستهيم
في ليل خاو، حيث لم تعد أنت

أما صديق أخماتوفا الشاعر ميخائيل زوشينكا الذي عانى وإياها المنع واضطهاد النقد الجدانوفي وظل القبضة الدامية التي تعتقل الأصدقاء وتعتم النهار، فترك رحيله الشاعرة وحيدة تحت سماء الخوف عام 1958 عام وفاته كتبت أخماتوفا تبحث عنه:

أرهف السمع لعل صوتا يجيء من بعيد
لا شيء حولي، لا أحد
مددوا جسده
في هذه الأرض الطيبة السوداء
لا غرانيت ولا صفصاف باك
يظللان جثمانه الخفيف
لا شيء سوى رياح البحر والخليج
تهب إليه لتبكي عليه ]

بورتريه آنا

هامش2 : [ ولد ناثان آلتمان في أوكرانيا سنة 1889 ودرس الفن في اوديسا قبل أن يغادر إلى باريس في العام 1910.في باريس اتّصل آلتمان بشاغال وبيكاسو وشتيرينبيرغ قبل أن يعود بعد ذلك بعامين إلى سينت بترسبيرغ.
لوحته عن الشاعرة الروسية الكبيرة آنا أخماتوفا تعتبر اشهر أعماله على الإطلاق، كما أن اللوحة تعتبر بلا شك أحد اشهر الأعمال الفنية العالمية.
في هذه اللوحة ثمّة مسحة من التأمّل والغموض، والشاعرة تبدو هنا جالسة على أريكة ومرتدية فستانا ازرق بينما لفّت حول ذراعيها وشاحا اصفر. هنا يلاحظ بوضوح غلبة اللونين الأزرق والأخضر وظلالهما على معظم مساحة اللوحة ومن الواضح أيضا أن الفنان استخدم في رسمه للوحة أسلوبا يقترب كثيرا من التكعيبية.
آنا اخماتوفا هي أحد الأسماء الكبيرة في الشعر الروسي المعاصر وقد اشتهرت بأشعارها التي يغلب عليها الطابع الذاتي والموسيقيّ أسوة بالشاعر الكبير بوشكين.
تزوّجت الشاعرة اخماتوفا من الشاعر نيكولاي غوميليف في العام 1910، وتصدّت بشجاعة لستالين وهاجمته بضراوة، الأمر الذي دفع النظام آنذاك إلى سجنها سبعة عشر عاما، بعد أن اتّهمها بـ "الترويج للانحلال البورجوازي والانشغال بالأمور التافهة كالحديث عن الله والحب".
عالجت اخماتوفا في شعرها مواضيع متعدّدة مثل الزمن والذاكرة والحب المأساوي والأنوثة والمرأة المبدعة ومصاعب العيش والكتابة في ظل الستالينية.
وفي مراحل لاحقة أضافت إلى شعرها موتيفات دينية ووطنية.
في العام 1921 أعدمت السلطات زوجها بعد اتهامه بالضلوع في مؤامرة لقلب النظام. ولم تلبث السلطة أن اعتقلت ابنها الوحيد ونفته إلى سيبيريا. بعد تلك الأحداث أصبحت اخماتوفا أسيرة للحزن والعزلة والصمت، وعانت من إقصاء وتجاهل زملائها من الشعراء والأدباء الروس.
وفي 1946 هاجمها الحزب الشيوعي بعنف واتّهمها بتسخير شعرها للترويج للإباحية والتصوّف واللامبالاة السياسية، الأمر الذي أدّى إلى طردها من اتحاد الكتاب السوفيات.
في ما بعد، أنجزت اخماتوفا ترجمات لإشعار فيكتور هوغو و رابندرانات تاغور، ونالت جائزة إيطاليا للشعر العالمي كما حصلت على درجة دكتوراه فخرية من جامعة أكسفورد.
بعد وفاتها نمت شهرتها أكثر وُترجمت أشعارها إلى معظم اللغات الحية، واعتبرت إحدى أعظم الشاعرات في العالم. ومنذ سنوات أعيد لها الاعتبار في بلدها روسيا وُسمح بإعادة طبع ونشر أعمالها الشعرية الكاملة.
بالإضافة إلى بورتريه الشاعرة اخماتوفا، رسم ناثان آلتمان مناظر للطبيعة حاول فيها بعث تقاليد الانطباعيين كما أنجز رسوما توضيحية لبعض روايات غوغول.
عندما عاد إلى روسيا في العام 1935 وجد آلتمان نفسه يعيش في أجواء سياسية وأيديولوجية صارمة تتّسم بالضغوط والقهر. وأدرك أن رسوماته، الطليعية والتجديدية، بعيدة جدّا عن معايير الواقعية النقدية التي فرضها الحزب الشيوعي على الأدباء والفنانين، فشغل نفسه بالمسرح حيث اشرف على تصميم مشاهد وأزياء مسرحيات شكسبير وسواه من الكتاب المسرحيين.]
هل آنا هذه الحياة الكأس المترعة بالتراجيديا، أم أنها الشعر الذي يشف الزمن ويكثف دلالة الوجود، أم أنها الشاعرة التي تحصنت بالشعر ضد الرعب فكانت آنا الكاتب والمكتوب،أم أن آنا ترى الوجود باعتباره الشعر فتماهت فيه؟ .
كانت تذهب في مملكة الرعب كشاعرة تقراء كثيرا كي لا تبدد الوقت في التفكير: ماذا يريد ستالين ولكن تملاء وقتها بالتفكير ماذا يريد الشعر، الشعر من جعلته معنى وجودها أيضا. لقد استثمرت الشعرية في تجربتها كي تعمق النفس البشرية ؛ حيث صاغت شعرا ما فعله بجدارة روسيها الآخر ديستوفيسكي. هذه الشعرية التأملية صدحت بغنائية مفعمة بالأسى، ولكنه الأسى الذي ينهض بالروح الحية التي تجدد جلدها، فتكون الشعرية التجدد الذي يناء عن التجريب العقيم وعن الادعاء، لهذا كأن آنا أخر الكلاسيكيين العظام،تشيع المنثور كي تبين الشعرية فيه وتتماس مع أيقونات دينية ومعمارية وتعيد تشكيل معين تجربتها وتترصد التفاصيل والنمنمة ومن هذا تتكون شعرية النفس البشرية ما حاول ستالين دون جدوى قتله فيها .
لقد تماهت هذه المرأة الاستثناء في حياتها وشعرها؛ فلم يكن من الممكن الفصل بين آنا اخماتوفا المرأة وآنا اخماتوفا الشاعرة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home