Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

السبت 30 مايو 2009

النيهوم في الأسر

أحمد الفيتوري

لم يكن النيهوم ظاهرة وحدها حين خرج علي الناس بتمرده وأفكاره الجريئة ، فجيل الستينات – جيله – جيل التمرد والعبث واللامعقول والثورات والهيبز والبتلز والذي يأتي و لا يأتي والهزيمة العربية في حرب 5 يونيو ، وكان آنذاك اليسار الفرويدي متسيدا علي جبهة الفكر الإعلامية : هربرت ماركوز و اريك فروم .. الخ ، وكان اللامنتمي صرعة اللحظة علي يد صحفي نابه تحول إلي أيقونة للشباب الناقم يدعى كولن ولسون .
في هذه اللحظة بدأ وكأن العالم قدم سلم زمامه للأفكار وحاملها الأيدلوجيات وتحولت الصحف إلي أسفار أنبياء العصر : ماركس وفرويد ودارون .
لقد قفز إنسان تلك اللحظة من آثار الحرب العالمية الثانية من قرد إلي سيد الكون ، بعد أن طال غاغارين الفضاء .
لكن في الإقليم العربي من الأرض بدأ ما سمي " بنكسة حزيران " يقظة الهزيمة لهذا تزامنت وتراصت الشيوعية والوجودية والأفكار الدينية في سلة اليوم الصحفية ، لعلنا نذكر ما أثاره كتاب جلال العظم عن الفكر الديني من ضجة وكذلك الكتابة الصحفية في جريدة صباح الخير التي تفسر القرآن تفسيرا علميا علي يد كاتب طبيب عرف بكتابته القصة حتى ظهوره مفسرا قرآنيا فجاءه وهو الدكتور مصطفي محمود .
لقد تأبط النيهوم كتابه بقوة المرقون بروح العصر وبدأ من هناك ينظر إلي هنا بسخط وبسخرية ، وبحكم تواجده في هلسنكي اتخذ من هنا هدفا لنقمته التي بدورها شتت ذهنه وفاعليته ، لقد صار كاتبا صحفيا لجريدة محلية ملزما بكتابة مقالة أسبوعية ، هكذا وقع النيهوم في أسر الطريقة الناجحة والمجربة إلي الجمهور؛ بهذا صار " النيهوم في الأسر" .
يكتب ويترجم – دون ذكر مصادره – ويرسم ، يكتب التقارير الصحفية والمقالة النثرية الساخرة المطعمة باللهجة المحلية التي تحكي عن الحاجة مدلله التي تتعاطي الشعوذة ونتاشا تتعاطى الفودكا فيما الحاج الزروق المتكئ علي التكية يغمزها .
هكذا سوق النيهوم نفسه ككاتب صحفي مشغول بالشخصيات المحلية البسيطة وكرجل فكر يهتم بقضايا تشكل ذهنية هذه الشخصية ، لقد كان الدين ابرز المحطات التي أثارتها قترة الستينات خاصة عقب الهزيمة العربية أمام دولة اليهود !!، كتب النيهوم في القضايا الدينية الشائكة وقضايا المرأة بجرأة وقليل من التمحيص والدقة ودون مرجعية ما أو منهج . ولهذه الاعتبارات المثيرة التي جعلت منه الكاتب والصحفي النجم تساوق النيهوم وسلطة الدولة لقد حول المشكل إلي قضايا ثقافية اجتماعية فيما كانت النخبة جملة بعقائدها المختلفة تركز المشكل في الدولة التي وصمت بالرجعية من جهة ومن جهة أخري باللاسلامية ومن أخري بالمرتهنة للدوائر الامبريالية ..
لقد تسلطت كل الأضواء علي هذا المختلف من عد كظاهرة.
لكن النيهوم لم يكن برجل اللحظة الراهنة تلك فحسب بل لأن النيهوم كان قبل هذا وحتى بعده الفنان .
لم تكن موهبة الفنان أهم رصيده ولكن شكل وأسلوب الفنان كان ضمن هذا الرصيد، كفرد صبغ جسده وسلوكه بروح الفنان وكمبدع نم موهبته بدأب ودون كلل.
المتأمل لجملة النيهوم في كتاباته سيجدها جملة تصدع بروح الفنان فهي جملة كافية ومكتفية ، نابضة وحيوية ، وماكرة لدرجة بدأ أن الكاتب يكتب رموزا – عند عامة قرائه – وأنه بحاجة لتاؤيل وتفسير مضطرد هذا من جهة ومن الأخرى ردد قرائه أولئك جمله كما حكم ومحفوظات .
وقبل اتخذ المقالة السردية صيغة يحوكها لمقتضى الحال ، أحيانا لم تكن المقالة ذات دلالة لكن صيغة السرد والسريالية الساذجة تجعل من المقالة عند المتلقي كما لو كانت أحاجي ورموز حتى أن بعض هذه المقالات أثارت لغطا عند تاؤيلها بأنها تمس هذه الشخصية أو تلك السلطة أو حتى تمس الذات الإلهية أو مسلمات ما ..
هكذا كان النيهوم فنانا من طراز خاص لعله استفاد من فن الشطح الصوفي المحلي البسيط في رفع اللغة إلي درجة الإيهام ؛لأن مقالاته وجل ما اطلعنا عليه مما كتب لا يدلل علي صلة وثيقة بالنتاج الصوفي الكلاسيكي المعروف لكن هذا النتاج كان قد تحول علي يدي مريديه إلي فنون في الزوايا والتكايا، واللغة في هذا النتاج تبدو في الظاهر مموهة ومحملة بمستويات عدة من الترميز والدلالة .
هكذا هو من طراز خاص لقد تنبه للغة المحكية كلهجة عامية وكمصطلحات ثقافية وفنية، وكما أشرت أنه استخلص أسلوبه من عدة أساليب فإنه أولاء اللغة منزلة المنازل في شغله وفكره معا.
لقد عاش في فلندا فترة شبابه العشرينية وكان يطالع بالإنجليزية ويكتب بالعربية ويتحدث بعامية مدينته بنغازي الستينية حتى وفاته..
لم يكن بمكنة غير – مثل - هذا الفنان جعل هذه الخلائط عجينة واحدة مصبوغة بروح الفن التي توحي قبل أن تؤمي وتؤمي قبل أن تشير وتصمت كي تتكلم .
ومن هذا الفنان وضع تضاريسه الخاصة ذات الطبع المستقل عن محيطها وان كانت مربوطة به بالعروة الوثقى ، تجانب هو وقرائه والصحيفة التي يكتب لها ما تريد وما يرغب والدولة ، لكن ككاتب محلي كانت تعوزه سلطة الذات المنفكة من احتياجات أولية ، لهذا كان مأسورا لهذه الحاجات؛
من هذا العوز تحاذي والسلطة السياسية دوم حياته لكن بشروط روح الفنان التي كانت ديدن الروح .
بعد بحثه الأولي في تفسير القرآن تيمم بالفن واتخذ من مكة محرابه فكانت روايته غير المكتملة : " من مكة إلي هنا " ، هذه الرواية أثارت – أيضا – لغطا محليا ؛ منه أن الشاعر علي الفزاني صرح في حوار معه أن الرواية بحاجة إلي ثلاثين عاما كي تفهم ، ومنه أن بطل الرواية مسعود الطبال قد رسم شخصية والد أسرة من مدينة بنغازي حيث تقع بعض أحداث الرواية . وقد كان الصحفي رشاد الهوني يعمل بجهده المتميز لترويج كتابات نجم الحقيقة- صحفيته : الصادق النيهوم .
من مكة إلي هنا الشخصية الرئيسة فيها قد تكون الشخصية الأولي في رواية عربية تقع أحداثها في إقليم العرب التي بطلها زنجي، وقد تكون الرواية الأولي التي تثير مسألة اللون في اشتباك مع مسألة الدين ، وفي قرية ساحلية فترة الاحتلال الإيطالي وتمارس الشخصية الصيد البحري ، لقد دخلت الرواية في نسيج شائك ومتصدع وفي شبكة من القضايا التي لم يتخللها السرد بعد .
أيقونة النيهوم مس ما لم يمس بعد ....


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home