Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Sunday, 29 October, 2006

     
       

رواية

سـيـرة بني غـازي (5)

أحمد الفيتوري

بورتريه محمد زغـبية

الصابري عرجون الفل
الصابرى عمره ما ذل
الصابري ورد وياسمين
الصابري زين على زين
كنت انصت للغياطة محتارا في عرجون الفل الذي لم أشاهده مرة في الصابري حيث أقطن . كان " بوسعدية " يخرج قدامى من " زرائب العبيد " متقلدا العظام والعلب الفارغة ولم يكن ثمة فل ؛ حتى زهرة واحدة .
ذهب الصبا ، وردح من الشباب دون فل و لايحزنون ، لكن في ذلك الصغر كان الصابري الحى الشعبي ، في بنغازي الناهضة من ركام الحرب الثانية مهدودة الحيل والحال ، الصابري يفاخر ، البركة وحى البلاد، بفقره الذي يزدهر والخراب اليانع . والصادق النيهوم يكتب عريضة بسم سكان الصابرى المعترضين على سكان بنغازي الآخرين الذين يخترقون الشارع الرئيسي لحيهم حاملين جثث مواتاهم فحسب ؛ حيث يقع الصابري بين جامع الموتي وجبانة سيدي عبيد ، النيهوم سكن الصابري وطاردته العفاريت بين " حلاليقه ؛ أكوخ الزنك " في شوارعه المتربة والضيقة . وفي ذاك الصبا غير المأمون سكنت شارع الدرناوي الذي يحده جهة البحر زرائب العبيد حيث الدنقة والغيطة والرقص فنون الزنوج القاطنين الزرائب . يصب ذاك الشارع في سبخة الصابري قبالة " كوشة الجير " لسى على زغبية ؛ من من أولاده محمد زغبية الناقد والكاتب والمترجم والمثقف المتميز ، وخالد زغبية شاعر أغنية الميلاد ؛ الذي بشر بالحداثة الشعرية من خلال كتابة قصيدة التفعيلة / القصيدة الرومانتيكية الثورية التي احتفت بالموروث الشعبي في أغنية الميلاد ، والذي منعت له قصيدة وقدمت للمحاكمة باعتبارها تمس تابو من التابوات ، وابراهيم زغبية الذي كتب في مقتبل عمره بعض المقالات وشارك بفاعلية في المنشط الثقافي السياسي وشارك في بعض مؤسسات المجتمع المدني .. وغيرهم مما ساهم في الادارة الليبية .
ذلكم حصل بين الاربعينات والسبعينات من القرن العشريني المنصرم .
هكذا كنت : والصديقان الشاعر المتقاعد محمود العرفي والمخرج المسرحي داوود الحوتي نسكن ذلكم الشارع : يخرج على زغبية متأنقا بملبسه الليبي ، متكأ على عصى جميلة كثيرا ما جزرت مشغباتنا بتؤدة وحنان ، حينا يدخل دكان والدى ليتشاغبا حول شؤون السياسة الناصرية ، حينا يدخل سوق دكاكين حميد حيث الجزار موسى سلامة - والد الكاتب المسرحى على الفلاح - في محل سى موسى سلامة كتب لسلامة موسى وروايات نجيب محفوظ وغيرها مما يطالعه هذا الجزار .
يطل من بعيد رجل مربوع القامة متوسط العمر ؛ يضع على كتفيه " جاكته " شتاء صيفا ، كنا نهابه ففي عرفنا أنه الفيلسوف ؛ كل ممسوس بالفلسفة ممسوس ! ، هو محمد زغبية الذي لن أعرف عنه في مقتبل العمر غير ذكرى الطفولة والصبا هذه ، في غبش الذاكرة سمارة داكنة ومحيا صارم وجدية عابثة ، ولم يكن لخالد زغبية محط في معارج ذاكرتي في شارعنا في حى الصابري عرجون الفل كما يردد الغياطة وسيغنى محمد حسن ؛ الصابري المنشاء . وفي تيه ما بعد الحرب تاه محمد زغبية في فيافي العقل الجموح ، العقل الذي تشده عقول وعقود عن آفاقه التي لا يحدها حد ، في فيافي هكذا غاص وآقرانه عبد العظيم المهدي الحداد ، حسن مخلوف ، الراحل محمد حمى ، الناجى مصطفي الشيباني ؛ اليساريون الموجوعون بضيق الحيلة وشعب الفقر الفكرى المتربصة بكل متوثب لنهوض ما .
كأن الشغف بالتذكر من دواع التبطل ؛ فإن محمد زغبية لم يدق أبواب مقتبل العمر المشرعة لكنه دك أبواب العقد الخامس ، وقد قعدت متقاعدا متقرفصا أفتش في ثنايا دكانة الأمس وقيل وردد والدى أن صاحب الدكان ان أفلس يفتش سجل الديون .
كأن الشغف بالتذكر لدفع ديون تراكمت ووجب سدادها قبل أن يغرب العمر أو هكذا ؛ فمن سنوات أخذت في تقليب ما اصفر من ورق خريف العمر ، هذه مجلة الضياء التي أصدرها الصحفي والمؤرخ عمر الأشهب ، تلك مجلة النور للصحفي عقيلة بالعون التي أصدرها بعد اغلاق مجلة عمر المختار ، ومجلة ليبيا مما أصدرت جمعية عمر المختار برئاسة مصطفي بن عامر وقد كان محمد الصابري رئيس تحرير جريدتها الوطن .
قلبت المدونة : وما سرقت الصحف من الزمن فأبقت ؛ وجدت محمد زغبية كاتبا مثقفا بالايطالية والعربية قدم وعرف وحلل نظرة فيلسوف الجمالية الايطالي " كروتشة " في العقد الرابع من القرن المنصرم ، مبينا أهمية مفهوم الجمالية وهذه الفلسفة التي تحلل علم الجمال وتبوبه مكانة أولى في الكتابة الابداعية ؛ باعتبار أن الابداع عمل جمالى محض وأن محتواه من مقتضى الحال ؛ الكتابة الشعرية كتابة جمالية لا تستهدف هدفا فذاتها هدفا . لذلك شارك محمد زغبية في مناقشة كانت حامية الوطيس حول مفهوم الفن والشعار الذي غطى المرحلة بمعطفه : الفن للفن أم الفن للحياة ، وباعتباره يكن لفلسفة الجمال بمكمن وسابر لاغوار مفاهيمها فإن الفن عنده فن أولا وأخيرا ، الفن قبل الاخلاق حيث الاخلاق أيدولوجيا فهم الحياة ورؤية لسلك شعابها فيما الفن كما الصرخة الاولى بريئة من كل معنى قبلى . واهتم لذلك محمد زغبية بنظرية الفن قبل وبعد اهتمامه بنظرية للحياة ؛ كما سوف يتغى شعراء الحداثة الاولى كالشاعر خالد زغبية أخيه ، وابن حيه أو من كنت أسمع صوته صبيا في الراديو ومن طرق ذهنى الحديث عنه وهو يتردد على أخته في الصابري بشارع الدرناوي ، الشاعر محمد المطامطي والمذيع ، الذي ترك الشعر للسياسة ؛ السياسة التي لم تعطيه ما أعطاه الشعر ما أعطاه عرجون الفل ، خالد ومحمد هذان من كتبا قصيدة الفن للحياة وان لم يعطيا الظهر لنظرة محمد زغبية الجمالية .
لم يكتب : أو تحديدا لم ينشر الكثير كان ضائعا في متاهة الشفاهى وعلى عجل ، لم أجد له فيما قلبت من ورقات الزمان غير هذا القليل لكنه من القليل الذي يكفى ؛ فما كتب في نظرية الفن كان من جهة بحث دؤب ومكثف وينبئ عن مطلع عارف شغوف حر .
عنده اطروحة الفن ليست بحاجة لأي اعتبارات خارجية ومداهنة ، الفن فوق الاخلاق حيث الاخلاق أعراف وتقاليد ومعارف سالفة ، الفن خليق بأخلاقه فالجمال ينبوع الذات الذائقة التي ليست بحاجة من يقننها ويحوزها ويقولبها وكأن الفن عنده رديف الذات الحرة .
الصابري عرجون الفل
الصابرى عمره ما ذل
الصابري ورد وياسمين
الصابري زين على زين
الغياطة يغيطون ، وقد غطت في ذاكرة موشومة بـرائحة بيوت العازبين المتقدمين بالسن المخيفة مرددا دون ادراك : أنه في قديم الزمان وجديده حيث كل شئ يكرر كل شئ لا يشعر الانسان بالزمن لولا كبره وموته ، العالم يكرر الحكايات والرسوم نفسها وكأنه لا وجود للزمن ؛ كنت أردد ما أردد دون وعى ودون حاجة ، وتلك الأعمال تبذير للنسمة .

سوق الظلام .. سوق النور؟

دخلت سوق الظلام ، وإذا بعينى يخرجان من وكريهما ، لم أتخط فيما مضى عتبة الصابرى الذى عندى هو الدنيا لهذا كثيرا ما رددت مع صبيانه : الصابرى زين على زين ، لكن هذه الليلة وقد توغلت في سوق الظلام تكشف لى نور ما رأيت من قبل ، ولا لمخيلتى القدرة على تصور مواشير الضوء التى تغطى سوق الظلام أو تمخر سوق الجريد وشارع بوغولة - مدخل السوق ؛ حيث ليس بإمكان أية غولة أن ترتع فالنور بساط وغطاء ؛ النور كاشفها ، رأيت الذهب ؛ ما يخلب الأبصار وتهت مع الدلال .. أخذتنى القمجة بألونها الزاهية ففيها تبينت نساء خراريف جدتى يتمخطرن بدلال فى باحة المخيلة التى تدفقت كالماء متفجرا عن ينبوع ، أثارها اللون الارجوانى فى القفاطين النسائية ، ألتف برأسى حيثما وجه أبى نظره ، لم أكن معه وهو يشير إلى بعض ملابس الاطفال التى تصلح للعيد الصغير عيد الملابس ؛ لقد اكتشفت بنغازى مدينة جدتى المسحورة وبدأ لى أنى عرفت خزنة حكاياها ؛ أسواق : الظلام المضئ كلؤلؤة ، الجريد الذى يغطيه سعف النخيل ، وشارع بوغولة الذى ولا شك مكمن ومسكن الأغوال حيث المسرح فى الزريريعية مرتع الاهوال التى ظهرت لى الآن أنها السفح الأخير للدنيا فهى ربوة من الرمل نهايتها سبخة ، شغفت منذئذ بـالبلاد ؛ وسط بنغازى وبالفترينات ، رغم أنى لم أر غير اسواقها التى تزدحم بالرجال والصبيان والشحيحة فى البنات مع أنها تغص بلباسهن ، هكذا عرفت بنغازى لأول مرة وشغفت بها وكان ظنى أنها مدينة عجوز من صنع سرد جدتى ، فى هذه الأجواء المسحورة وجدتنى بين يدى أبى وهو يشلحنى ملابسى لأقيس بدلة العيد التى اختارها لى ، هى بدلة ضابط مثل بدلة الضابط ناصر الذى يعلق أبى صورته على حائط المربوعة ، ووجدت الشائب صاحب الدكان يعطينى التحية العسكرية ، دفع أبى الثمن وعاد بى للبيت مزهوا ، لم أنم تلك الليلة فى انتظار العيد الذى جاء الصبح ولم يجئ . لهذا حزنت وانغمست فى وحدتى حتى أخرجتنى جدتى معها غصبا فى زيارة لجيران قدماء يسكنون حى دكاكين حميد هناك انغمست مع صبى يدعى بشه فى اللعب ، وجدت عنده ألعاب صنعت من علب الصفيح الفارغة التى ثقبت وربطت بخيط على أنها خيل تجر عربة مصنوعة من خيط معدنى ، عجلاتها من علب حليب وردة ، كارنيشن الفارغة ، أخذت عربة وهو كذلك وفى سباق محموم أخذنا نجرى ونجرى مغنين : كارونا غلب كاروكم .. هاتوا الشيمة ونكروكم . العربات محملة ببضائع مكونة من أشولة الرز ، المكرونة ، الدقيق ، السكر وصناديق الحلوى وعلب التن والسردينة ، كانت الخيل تلهث من ثقل الأحمال والسرعة وكذا نحن نلهث ، نضرب الخيل بالسوط ، نجرى حفاة . لما سبقته إنقلب كاروى ، تبعثرت أحماله وتعثرت خيلى ، سقطت على الأرض فسبقنى بشه جذلانا على أجنحة الريح ، إبتعد كثيرا وشدتنى الخيبة إلى الارض ؛ إنساب ثقل فى قدمى وزادت نعومة رمل البحر فأغوتنى بالقعود ، غلبنى سلطان النوم توأم الخيبة فذهبت معه بعيدا ولما تركنى وجدتنى وحيدا بعيد أن أخذ الشمس رفيقة بدلا منى ،غطى الرداء الاسود الدنيا ؛ نستنى الخيبة فتذكرنى الخوف ، تخبطت فى محبسه وحيثما لذت وجدتنى فى مكانى مربوطا كما خيلى مربوطة لـلكارو . حينما تعرفت على حبسى ساعتها أدركت ؛ أن الساكن على البحر مرمى بصره هول ، تحته عجين الظلمة ، مصيره بين يدى إمرأة لعوب أو كما تقول جدتى عن البحر وأن بنغازى ابنة لهذه المرأة . لا جبل يأوينى ولا جدة ، حين هممت بالخروج عن مكمن المتاهة هذا طلع [ الشخص ] الذى يطول السماء ؛ شنبه الليل مشوب ببياض ، عيناه مجمرتان كـكوشة الجير الموقدة ، أنفه كهفان مخنان ، الصوت بحر هائج مبحوح ، ذراعاه خرطوما فيل ، أصابعه أحراش غابة ؛ أخذنى بخنصره لحسنى بلسان عشرة خيول : - لقد وجدته بحذاء الشاطئ قرب القصباية لكن بعيدا من بئر الكلبة ، ستر الله لم يدخل البحر قال أبو بشة لجدتى وهى تمسد شعرى وترتعش .
كانت تلكم ذاكرة مشوبة بالحزن حيث هدم سوق الظلام الذي سرحت فيه بين ثنايا رواية " سريب " . اعيد بنائه بشكل مشوه ولم ينهض بديلا لمحيطه الذي بقي فيه الجامع العتيق يتيما ، الاقواس عند مدخله ؛ لم تعد تضم مقهي العرودي ، و لا قرطاسية بشير المغيربي أحد مؤسسي جمعية عمر المختار الذي تاهت به الدنيا فساح .
صخب المقهي يصم آذن الذاكرة المثقوبة حيث جلاس المقهي يتخذونه مقاعدا لقضية الوطن ووحدة البلاد . هم ابناء المدرسة الكلاسيكية الحديثة يتشاكسون حول عمود القصيدة مع شاعر الوطن ؛ أحمد رفيق يعتمر الكلبك التركي ممسكا بعصى كناها بمسعودة ، تطال كل من خولت له النفس : أن يعترض على ضرورة التجديد ، وأن من لزوم ما يلزم تحوير مسار عموده حتى لا ينتهكه الجبرانيون – أتباع جبران خليل جبران من أمثال راسم قدري والشاب على صدقي عبد القادر - : أليس كذلك .. ؟ ، موجها ملاحظاته للشريف الماقني والشاعر محمد كامل الهوني ومصطفي السراج ؛ ثلة من رفقة المقهي تصيخ السمع لمظاهرة تصل أصواتها ميدان البلدية : الاستقلال أو الموت الزوؤام .
بعيد ذلك ضمت مقاعد مقهى العرودي ؛ مقاعد أصحاب الوطن ، من جلبت المدينة حاضرة البلاد من رجال عرب جاؤوا للخدمة في عاصمة البلاد ، التي نالت استقلالها حديثا بقرار من الامم المتحدة ، هي أول بلاد في التاريخ تمنحها هذه المنظمة الدولية استقلالها بارادة دولية ، في تصويت الاول من نوعه ؛ هذا ما كان مثار حديث الرجال حين انظم اليهم ضيوف جدد من رجال الدولة ومن التكنوقراط العرب والاجانب . في المشهد يرتكن مطربشان في خلوة القارئ ؛ أحدهما المؤرخ الليبي ومدير وزارة المعارف مصطفي بعيو ممعن الانصات ، الآخر القارئ بيده أوراق تبدو لمتأمل فاحص مذكرات أو أوراق خصوصية ، محمد فريد أبوحديد الكاتب المصري والمفتش الفني بوزارة المعارف الليبية : تنبهت من سبحة بعيدة عندما شعرت بالطائرة تضطرب اضطرابا عنيفا مع تيارات الهواء العاصفة فوق الجبل الأخضر . ونظرت من النافذة نحو البقع الخضراء التي ترقط محيط الرمال كأنها نقوش وشم متناثرة ولم تلبث الطائرة أن أخذت تهبط لتستقبل مطار بنغازي . ولأول مرة وضعت قدمى على أرض ليبيا عندما هبطت من الطائرة لانتظر استئناف الطائرة لرحلتها نحو طرابلس ، وفي تلك اللحظة تمثلت لى الحقيقة التي كنت أسبح معها في الخيال وأنا فوق متن الهواء . كان هناك الجندى الليبي الذي يستقبل ركاب الطائرة ، وفي ملامح وجهه رأيت أول ملامح ليبيا . كان وجهه ينطق بالجد والفرحة إذ سألني قائلا : إلى أين ؟ ناطقا بلهجة عربية مألوفة عندى لأني طالما سمعت مثلها في صباى في إقليم البحيرة بمصر .
قلب الورقة متفحصا وجه السامع مستقرئا انطباعاته : كان ذلك في التاسع والعشرين من شهر أغسطس في العام الخامس والخمسين وتسعمئة وألف ، نطق ذلك في صيغة التوكيد كأنه استشرف سؤال مستمعه ، دس عينيه في ورقة أخرى : مما أحب أن أذكره في هذه المناسبة حادثة صغيرة ، كان لها في نفسي أثر عظيم في أول عهدى بمدينة بنغازي . فقد كنت سائرا في إحدى حارات المدينة القديمة ذات صباح فرأيت أمامى طفلة تبلغ التاسعة من عمرها تتجه نحو المدرسة . ونادتها زميلة لها من خلفى فقالت " يا فاطمة " وكان في رنين صوتها شئ استرعي انتباهي ، إذ خيل إلى أني أسير في حارة من حارات احدى قرى مصر . والتفتت فاطمة نحو زميلتها فرأيت وجهها ، وكأني أرى وجها رأيته من قبل وعرفته ؛ كانت ملامحها وسحنة وجهها ونظرتها وبسمتها لزميلتها وهيئة ملبسها وتسريحة شعرها ، كان كل ذلك يشبه ما سبق لى أن عرفته في أطفال القرى المصرية ، و لا سيما قرى الوجه البحرى . وسرت في طريقي سابحا في فكرة واحدة استولت على ، فكيف حدثت هذه الظاهرة العجيبة ؟ ، أية قوة هذه التي استطاعت أن تطبع أهل هذه البلاد بمثل هذا الطابع ؟ ، وأى شعب كان هذا الشعب الذي استطاع أن يخلد أثره في بلاد تفصل بينها آلاف الأميال ؟ . لم يكن صوت الطفلة الذي سمعته ، إلا ذلك الصوت الذي يمكن أن أسمعه في مصر وفي غير مصر من البلاد التي تمتد من العراق إلى المحيط الاطلسى . ولم تكن طريقة الحديث وطريقة التحية ، وطريقة المشى والملبس والزى إلا طريقة واحدة تتميز عن كل طريقة سواها : حقا لقد كان العرب شعبا عبقريا له طبيعة غلابة .
خيم الصمت على القارئ والمتلقى ، قطع مصطفي بعيو حبل الصمت بتقليب للأوراق ثم توقف عند ورقة تفحصها بعينيه : دهشت يوما إذ رأيت بائع السجائر المتنقل على عربته يقرأ إلى جانب عربته في ناحية من الرصيف ، وكان الكتاب الذي في يده كتابي " صلاح الدين الأيوبي " الذي نشرته دار الهلال في يونيه سنة 1958 م . في بنغازي شغف عظيم بالاطلاع ، والشبان الذين نالوا قسطا من التعليم ثم انخرطوا في سلك الوظائف الصغيرة حريصون على القراءة . ويعجب الإنسان لمقدار اطلاعهم على ما نشر من المؤلفات العربية ، وهم يعرفون أسماء الكتاب العرب في الجمهورية العربية ولبنان والعراق ويتابعون ما ينشر من النقد لهؤلإ الأدباء ، وهم ينقسمون في تقديرهم للإنتاج الأدبي ويعبرون عن آرائهم في حماسة ظاهرة تدل على مقدار اقتناعهم بما يقولون وسعة اطلاعهم على ما يكتب .

المنارة تشي بالمدينة النوامة!

سئمت كل شئ ، سئمت تلال العتمة ، سئمت الخمود ؛ كل شئ ساكن والبرد يشق حيطان المدينة المتصدعة من آثر الرطوبة ، احترت كيف يتسنى للشوارع الخالية والميدان المهجور أن لا يغادرا هذه المدينة العجوز ، توجست خيفة من هذا الخواء وتطلعت إلى مطلع يخرجنى من جب ميدان البلدية . لم يتم الليل مطلعه بعد لكن لا أحد ، لم يلون الظلام المكان لكن لا أحد ، الميدان خاوى على عروشه تؤنسه الوحدة و لا أحد ، تخبلت في هذه الوحشة وغصت في سباخها ، بنغازي النوامة ، مدينة المسارب التي تؤدى إلى مسارب في مسارب خلتها فجوة الهيولى حيث لا أحد . غصت في نهر النسيان على حافة المدينة ووجدتنى فى نهر الليثون – الجخ – الجوفى ، هناك فى كهف عميق تحفه المياه يمتد فى باطن الأرض مئات الفراسخ ويتسع فى أماكن عشرات الفراسخ ، به ثلاث حجرات متصلة : الأولى درج ترتقيه صعودا والثانية هضبة مسترخية فى نعومة الرخام والثالثه قمة . هناك أشارت لى بأن هذا هو مصب نهر النسيان وهناك التقيت أحد الرجال يهيم فى ذهول عن كل شئ ؛ حتى عن نفسه ، لكنه لما رأى بنغازى بدأ وكأنه فى رؤيا ، أخذه شطح رجال الحضرة ثم سمعت الدفوف ، ورأيت الهسبيريدات حارسات بستان هيرا – أو كما قيل بأنهن سيدات المساء الذى لا يأتى دون اذنهن بعد أن تتوارى التفاحة الكبيرة لتظهر خصلة برنيقى خصلتى ، فى هذا الآن أخذ الرجل الصرع والهذيان فقال مما قال : يا سيدتنا برنيس إنى الشاعر المجنون ؛ مجنون قورينا التى جعلتنى فى نهر النسيان أنسى نفسى ولا أنساها . ثم صلى بين يدى بنغازى فقالت الهسبيريدات : هذا كاليماخوس القورينى العاشق قورينا وأخواتها ومن تغنى بخصلة شعرك يا برنيس الاحلى مذاقا من رحيق الازهار .. ومن أطيب الطعام ، والتى تمر باللسان أحلى مذاقا من الخمر الجديد المنعش .
ثم وقف كاليماخوس هذا وقفة ضاقت فيها العبارة وهو يهذى : وبعد أن رنا كونون ببصره يتفحص أجرام السماء ، والنجوم السابحات كل فى فلكها ، عثر على ، أنا خصلة برنيقى ، التى وهبتها للآلهة جميعا ، وها أنذا أتحرك فى الفضاء .. لقد أقسمت برأسك وحياتك .. وارتفع سليل ثيا إلى ملأ أعلى خفاقا لامعا مثل مسلة والدتك أرسينوى [ تيوكيرا ] ، وأبحرت سفن الميديين المدمرة متوغلة وسط جبل آثوس الذى سيسمى فى قادم الايام الباكور.
ما حيلتنا وما عسانا نفعل نحن خصلات الشعر ، إذا كانت مثل هذه الجبال تذعن لجبروت الحديد ؟ . يالغيظى ! من كشف عن ثمرة الأرض الشريرة هذه ، وعلم الناس فن الحدادة .
وبمجرد أن جززت أنا خصلة برنيقى حزنت على شقيقاتى . وحرك النسيم الرقيق ، زفير شقيق ميمنون الأثيوبى وابن الفجر ، أجنحته فى الحال فى حركة دائرية ؛ فاندفع حصان أرسينوى ، ذات النطاق القرمزى . وأمسك بى بأنفاسه ، ثم حملنى عبر الهواء الرطب ووضعنى بين أحضان دارنيس . لقد اختارته أرسينوى ( أفروديت زيفوريتس ) التى تسكن على شاطئ برسس ، بنفسها لهذه المهمة .
وهكذا لم تعد العروس المينوية ؛ من أحبها ديونيسوس وأقام لها تاجا من النجوم تبعث بنورها على العالمين وحدها ، بل أننى أيضا أنا : خصلة برنيقى الجميلة ، قد أصبحت إحدى النجوم العديدة .
وبعد أن اغتسلت فى مياه أوقيانوس ، وارتفعت على مقربة من الخالدين ..
وضعتنى دارنس نجما حديثا بين النجوم القديمة ..
بعد أن تقدمت إلى أوقيانوس فى فترة متأخرة من الخريف .
ولكن ما كانت متعتى بهذه التكريمات تفوق الحزن الذى يجثم على صدرى
لحرمانى من ملامسة ذلك الرأس
الذى رشفت منه عطورا كثيرة عبقة
عندما كانت برنيقى لا تزال بكرا
ولكنى لم أمتع بعطر المر ، العطر القوى فى شعر المرأة المتزوجة .
المنارة تشى بالمدينة والسفن تنسل من ظلمة ، تطلعت من مرقاب ميدان البلدية ؛ الشويرع المندس تحت المبنى القديم للبلدية هذا الفالوج يصب في البحر اللابس لبوس الليل ، المنارة برق كاشف : فوق تلة قرب بحر الشابي وخلف المبنى القديم للبلدية صندوق حجارة طيني ، قالب مستطيل خارق للسماء وسكين ضخم خارق قلب جبانة سيدى خربيش ، في مدخل الجبانة متحف المدينة تسوح فيه ؛ فيه تماثيل الموتي الذين يرقدون خلف المتحف حيث يوسبريدس بنغازي الهلينية ، حفريات ؛ قلادة تحوط رقبة مبنى المنارة من تحت ، بين الموتي والحفريات مسارب تؤدى بك لفم المنارة تصعد ، تصعد سلما في أعلاه المصباح الواشي بالمدينة كل ليلة منذ سنين وسنين ، وفي القريب منها رقد المكان جثمان سيدي غازي من آول بعضهم فنسب اسم المدينة لبنيه : بنى غازي ! بعد أن لم تعد تكنى بـ " كوية الملح " ؛ بارت تجارة الأبيض بمنع تجارة الأسود البشرى ، حينها هزل حال كوية الملح فنهضت بنغازي على أنفاس ذهب أسود ، هذه المدينة السواد طعامها والبياض ملح هذا الطعام وبحر الشابي صخور تتلاطمها أمواج عاتية شتاء ، في الصيف جزر البحر ، في الحالين ثمة صخور صاغها البشر كى ترد عن الميناء شغب اليم العاتي والمستكين ، في الجزرعند السكينة تمتد قصبات الصائدين ، في الغلو بوسيدون اله البحر عاشق المدينة يغمرها برغائه ، يزبد شوارعها ، فيما سلف كثيرا ما طرد ساكنيها غيرة :
- الحبيب لا يخون .
- العدو لا يخون .
- فئران المنارة تتخبط في الظلمة ،
والسكان يرعبهم اهتزاز الحائط .
- اني فاعل ما أستطيع لا ما أريد .
ثم انسل بيسدون من المشهد لاحسا زبدته تاركا بنغازي كل عام نائحة ، والمنارة تشى بالمدينة . تخبطت بين حيوط مشبعة بالظلمة وشوارع تعاني الوحدة ، المدينة تغط ومتساكنيها في سبات ، الكسل يشع من مصابيحها الكهربائية التي تتصرم خيوطها كفخاخ مكشوفة ، كل شئ حديث ميت ، المدينة هذه الساعة مصباح نفخ عليه غول ، هذه الساعة الشمس قد غربت وليت النفس للنوافذ المغلقة أرقب ضوءا ، جميعا في جحورهم يعمهون ، تخبطت في نسج أسود يلظمه مجئ الليل والبشر الفارون من فسيح الشارع لضيق البيت المفتوح على الداخل ؛ بيوت بنغازي قنافذ خارجها ساحات فارغة ، مرتع لللا .. أحد .
جعلنى ذلك أدرك أن الحياة الحقيقية هي مواجهة اللحظة ، شفيت من خوف حين اخترقت بنغازي جوانحي فأحببتها ؛ الملغومة بالتوجس والمرتابة دائما ، السهلة المنال مثل مريم حبلة بالترقب وفي حالة انتظار أبدى ، كل بيوتها رحم يرتقب وتقابلك – رغم كل شئ – بحميمية غير قابلة للصياغة في عبارات ، فتكلم كى تراك .
رأيت فيما رأيت سوق الجريد يعج من النخيل بالجريد كى يلفه الظل ، ثم رأيته مثقل الصدر بالسقوف الاسمنتيه ، طيبت خاطره بأن كل زمان يتغطى غطاء ، حال السوق هي فرصته بعد أن أزيل سوق الظلام وهجر ميدان البلدية ، تدرج سوق الجريد في ذهوله : أنه وحيد في مكانه ، أنه يعج ببضائع مطلوبة، وعجزت الاسواق المستجدة في كل حى أن تسلبه مكانته اغتبط بخاطره هذا ، هذا جال في النفس دون أن تدوس القدم سوق الجريد حيث ليس لى حاجة نسوية هي بضاعته ، و لا يحسن مضغ الماء في سوق النساء . تذكرت أن أول ما لفت ما ما خديجة في طفولتها سوق النساء المنعوت آنذاك بشارع الشطشاط ، وأني ساعة ولج الذهن سوق الجريد ولجت تلك الذكرى ، هل ثمة بين السوق والنساء وشائج وأن بين السوق والمتعة وشائج ؟ ، ان حدث وولجت سوق الجريد النسوى ؛ في بضاعته ما يحك المذكر – تتذكر من ملابس داخلية نسوية .. ، من سواك وأحمر شفاه .. من لوبان طرقعة ، مثل طرقعة آلة الكتابة – الآن – صحبة المدفاءة الصاخبة ، فيه من بضاعة العرس والليل ما ليس في غيره ، كذا تشردت نسوة شارع الشطشاط بعد منعه فاتخذ كثيرات منهن في أجيال متعاقبة سوق الجريد سبيلا ، حيث ضرورة المتعة الحسية والحاجة اليها تجعلها تتقنع بالقناع الأكثر شفافية ، لهذا تسوق المتعة نفسها حيث تتسوق ، وطالبها أين التهتك يتحجب ، استحوذت نشوة نصر عجيبة على سوق الجريد استمدها من تغييب غيره ، هو سوق الممنوعات وشبيهها من المسموحات .
قلب المدينة عتيق ومدعاة للنشوة ؛ فيه سبل خفية وظاهرة للمتعة ، الحديث من عادته السفور ومن عادات المدن القديمة الخفاء . بنغازي في أسوقها القديمة كالسيدة الناضجة لديها ما تخفى وان كان الزمان ، يضيق سوق الجريد كما يضيق سوق الظلام فيما سلف بما وسع ، وقد ضاق شارع عمر المختار عن متاجره بالباعة المتجولة الطارحين فخاخهم حيث ما أمكن ، أما ما استجد من أسواق فسيحة في مدينة الحدائق وشارع عشرين ودبي ، فإنها مثل شابة حاسرة الفخذين عندها من العنفوان ما تشهر . من عاداتي أن ألج السوق تلو السوق بغبطة مراهق منفك من مراقبة ، محاسب تستهويه الأرقام ودقتها ، من تشغفه سيقان عارضات الأزياء ومغلفات الأجساد الطرية وألاعيب سحرة الموضة ، في تسكع شبه يومي أطرد الفقر بالأماني وبالمثل القائل : اللى ما يشرى يتفرج ، كانت نشوة طريدة ، الغزالة الشاردة تغطى جسدها من مرآة عينيها اللتان يؤججان رغبتها ، كثيرا ما تحسس نظرى حريرها ، البدن ثوب يشف شبق الروح ، هذه تعلة المتسكع / المتسوق كأنا عند عتبة الجريد ، وفي شارع دبي الفترينات والديكور حدثيان حدة شفرة حلاقة لم تستعمل بعد . بنت من بناتها تتخذ الحداثة عرجونا تكنس به خيباتها ومن وله المدينة / الأم باستعادة الذكريات مخيطا ؛ تحوك الكلمات ، تتطرز الجمل في شعرية عابثة : في التباس المعنى / أرحل إلى يقيني / أفتش عن نسيان ممكن / يتفوق / على تكوينات الذاكرة . البنت في المشهد المشاكس من المدينة تردد تعاويذها فـ : هذه الدروب المرتعشة / لم تعد تليق / بأحلامنا الصغيرة . تخرج من المشهد تقطع درب الشارع حيث يحتشد مبنى التلفزيون والاذاعة الوطنية ، مبنى اذاعة المدينة المحلية ، الصحافة ، منتدى الفنانين والكتاب ؛ المقهي الذي ينحشر فيه مثقفي المدينة من الرجال ترقب هذا من قرب : وحدها الذكرى لا يزعجها نحيب التجاعيد . في تلك الظهيرة اللافحة بالشمس الحارقة / بالمطر الثاقبة ، يعج شارع الاذاعة بأحلام مثقفة ، بخيبات حالمة لجيل مطلع الألفية الثالثة الذي يتلصص كعين كاميرا على طيور حداثة جافلة : خلف مبنى الاذاعة هوتيل برنيتشي تتهجى المعمار صرح فيه من فخامة رومانية ما يبز الكاتدرئية التي تحاذيه وان فصل بينهما محط شارع ، تعطى ظهرك البحر ما عرف بـ " القبطرانية " و " نادى الصيد " ؛ بالتحديد كورنيش المدينة الذي لم يتجاوز حدوده وان تجاوز عمره القرن إلا ربع ، واجهة الهوتيل في منتصفه درج فسيح مرمرى غالب الزمن وغلبه ثم امتداد لطرقة هي مصعد للسيارات كى تقف بمحاذاة باب الهوتيل عند اللزوم ، الباب منفسح وبللورى والبراندة أعلاه مظلته ، البراندة طول في عرض حديقة مطلها البحر ، هي مطل للغرفة الرئيسة - التي بحجم دارة كبيرة - في الهوتيل التي بنيت للدوتشي موسوليني من أقام فيها ساعة زار المدينة ، وان كان لكل غرفة تقع في واجهته بلكونة مماثلة إلا أن حجمها ما يعادل الفرق بين الدوتشي ومواطن من مستعمرته الليبية ؛ الشاطئ الرابع لروما .
ترتقي الدرج مسافة حتى تلج المكان في المدخل على شمالك مطل المقهي حيث مرتاده يطلق النظر للإفق البحرى والكورنيش ؛ لوحة منقوشة على قماشة الأفق ترتادها نوارس كسولة ، رواد المشرب سكارى يتكئون على أريكة : هكذا كان في سالف الزمان ، المسيحيون من طليان وغيرهم يأتون المشرب بعد الاعتراف في الكنيسة التي ترقب الهوتيل عن كثب : قبة هي رأس كائن خرافي ضخم الجثة منبثق من الطرز القوطية تسابق صومعة الجامع العتيق في اختراق السماء فيما المنارة ضلع هذا المثلث ؛ رأس المدينة المنحشر في البحر .
بعد خروج كاليماخوس القورينى العاشق قورينا وأخواتها إلىالأسكندرية تسنى لخلود الفلاح أن تخرج لسانها لبرنيس : شاهدة قبر ترمقني بلا اكتراث ، عند دخولها المتحف قرب مقبرة سيدي خربيش لاحظت ذلك ؛ هذه المقبرة مستلقية على ظهر يوربيدس المدينة التي دفنها القبلي قبل أكثر من عشرين قرن ، جبانة سيدى اعبيد تغط على قلب هسبريدس المدينة الأقدم والسور عبارة عن : مقبرة اليهود تلضم عقد جبانات سيدى اعبيد و سيدي يونس ثم جبانة العويلة فجبانة النصارى ، أما جبانة الحرب العالمية الثانية في الفويهات فهي مقرالأمم المتحدة التي انتصرت في تلك الحرب ، ورقود هذه الجبانة من سيخ ويهود ومسلمين ومسيحيين ينامون ، في سلام ودعة ، في حديقة من الزهور ، لن تلقاها في غير هذا المكان إلا في المتحف منحوتة على الصخور ، مثل زهرة السلفيوم دواء كل داء .

خصلة برنيقى الجميلة ،
قد أصبحت إحدى النجوم العديدة ؛
قال كاليماخوس :

جاءت شفتاي مع قافلة للعبيد / كان يملكها السنوسى الأكبر./ في الجغبوب عتقهم و نشرهم في الارض. / انهم مازالوا يقنطون الربع الفقير ببنغازي / قرب المستشفى حيث ولدت. أولئك الإغريق / الذين أهدوني حواجبي / ما كان ببالهم البقاء بتوكره. / ولكنهم شموا ذات يوم / رائحة المرمية البرية / وأعلنوا بلادي مسقط رأسهم. / فرسان القديس يوحنا / غزو اطرابلس . / فطلب سكان المدينة النجدة من أسطنبول . / في عام 1531 جاء الأتراك بأنفي. / يعود شعري / إلى إحدى جواري / سبتموس سيفيروس . / كانت تهيئ له فطوره / و أنجبت له أربعة أبناء . / فتح عقبة مدينتي / بأسم الله . / نجلس الأن على حافة قبره وأغنى لك : يا ذات الأهداب الحلوة — حادة كالسهام — / أهذا وجهي الذي أراه منعكساً في عينيك؟ .
شمس في جوفه نشفت ريقه وهو يتلو أشعاره :
في بيتنا نكسر الجوع بتمر من هون / و بأكواب من اللبن الرائب ./ ثم بأقداح من شوربة / بلحم الخراف ونكهة النعناع . / و منها لاطباق من المحشى / وصحون من الفول المبهر / يسبح في بركة من الزيت والليمون . / وهذه هي البداية فقط . ليت كل ما لدي أن أخبرك / جميل مثل قصة الوردة . / وصل موسوليني إلي سرت قابله غريزياني و جمعٌ من البدو الجائعين / كانوا لتوهم أٌخرجوا من معسكرات الاعتقال / صاحوا " ال كابو… ال دوتشي " / وهمَ احد قادتهم العجائز / (عيناه مضروبتان بالتراكوما) / بإلقاء قصيدة للمناسبة . / ثم قامت فرقة من غاتٍ البعيدة ( أتوا بهم عبر الصحراء بعربات مكشوفة ) / برقص رقصة علي جمال متعبة نحيفة.
في اليوم التالي ..
وصل موسولينى لبنغازي / لم اكن بعد في السابعة من سني / ولكني أول من قابله / بوردة حمراء / علي مخدةٍ مخملية سوداء . / كان مصدوماً / كأنه يتسأل / " أين المتوحشون؟ " / مشي خطي قليلة / ثم رمي الوردة لأحد أعوانه . / تلك الليلة سمعت أبي وأصحابه / من القضاة و الزعماء / يضحكون علي / و كيف وقفت منتظرة "ال دوتشي" / أن يقبل خدي . / مرت سنين قبل أن افهم – سمه ما شئت – كبرياء الضعفاء / أم قدرتهم الخارقة علي / استيعاب المفارقة .
أنا أتحدث عن الليثي . ولا أقصد بذلك الحي الذي ببنغازي / على بعد خمسة كيلومترات من المطار حيث يبني أبي بيتا / بدون مهندس, بدون خريطة / بدون مقاول وبدون أية تجميلات . / تقول أمي : أنه كبير جدا./ يقول أخي : لا فرق بينه وبين البيت القديم .
كان خالد مطاوع يلقى قصيدته هذه بفصاحة انجليزية لعثمتها لغته الأم في مدرسته بالولايات المتحدة ؛ زد عما سلف أن خالدا هذا لم يتسن له أن يركب جمل البحر ، لم يتسن له أن يمتطى سفينة الصحراء ، تسنى له أن يتخذ من طير أبابيل وسيلته لمغادرة البلاد صبيا . في صباه ذلك لم يتمكن أن يصيد سمك بحيرة بودزيرة الميت ، التي تقع قبالة الحى الذي يسكنه " الليثي " ؛ البحيرة دار حولها كثيرا ، هي بحجم قبضة غولة بنغازية لكن عمقها مهول ، وقيل أنها حنجرة النيل الذي ينفث فيها ما يشوبه من ملوحة لذا تركز ملحها . بعد أن تعب من مطاردة زرازير بحيرة بودزيرة وكابد العطش ، شرق في اتجاه بحيرة عين زيانة ، هناك بضمة يد كان يغرف الماء الحلو من وسط البحيرة المالحة التي لها بوغاز نحو البحر أضيق من خصر مارلين مارلوا ، صاد هناك سمكا برأسين ؛ رأس – معتاد - في الرأس ، رأس ثان – غير معتاد – بدل الذيل ؛ حين تسنى له الحوت والصبارص والليم القارص أولم نفسه وغادر البلاد ليكتب قصيدته ، قبيل توسيع بحيرة جليانة التي شكلت صرة لبطن المدينة الرخوة .
أخذ الأب ، الذي يبنى بيته دون مهندس ، يفكر في كثيرا وقد بنانى أيضا دون مهندس ولكن بعزم ، كنت ابنه الذى أثقل ظهره بهموم لا تشغله وان أحبها ؛ أن ينشغل ابنه بقضايا الثقافة والآداب في بلد يضيق صدره بكل معرفة لا يعرفها ، وبكل سؤال يقلق مضجعه .
نزل الأب بنغازي من فاه من فويهاتها ، حط بزقاق بروين في شارع بوغولة ، هناك لمته مع فنانين جمعتهم غربة الفن ، مثل على الشعالية الذى ربطه به نسب بعيد ، وحسن عريبي الذى هج عن مدينته طرابلس بمالوفها الغناء الليبي المميز ، ليحط الرحال حيث يتسنى الغناء . الأب يسوح قمينس البلدة المحادية بنغازي على حمار يبيع بضائع جلها نسوى بقامته الفارهة ووسامة وجه بشارب هتلر موضة الزمان وعيون واسعة ببريق شهواني - ما سيرث الابن من قليل يورث – ، اعتناء خاص بالملبس القميص الأبيض والكاط الأزرق المحروق والشنة الحمراء على معرقة بيضاء والطيب ووسامة الرجل ، هذا عرف في كل بادية قمينس حيث يستبدل بضاعته ببعض من منتوجات الرعاة خاصة نسائهم . يحكى الأب أن فيه ما في سيدنا يوسف وما جاء عنه في الكتاب ؛ كنت أنوى الزواج لما كنت في الغرب في زليتن تحديدا وقد توجهت وصديق للسوق البعيد عن البلدة كى اتبضع حوائج العروس والعرس ما حمل الجمل في العودة عند العشية في خلأ طلع علينا على بابا وأربعين أو ما شابه ، فر صاحبي وأثقلني أني صاحب المال وما في القلب من حرارة العشق وزهو الشباب سرعان ما غلبت على أمرى وكنا عند بئر حين سمعت رأس العصابة : أخذ الحوائج لكنى لا أخذ الروح ، طوحوا به في البئر ان عمره طويل فكته السبل . رميت وفي ساعات جاء القدر مرت قافلة تتغى الماء ، فبعث . تزوجت وطلقت بعد رزقت بنت أخذها باريها ، وجدتنى في قمينس تاجر كاليهود عادة أسوح بحاجات النسوة وأطفالهن أستبدل بضاعتي ببضاعتهن أيا كانت ، عاشق الحياة عرفت ، نهارى نساء سافرات وليلي خدرهن والخمر وما من أمر . المنادمة تضم خالى وخالك الذي قد هج مع أمه من غريان رفقة أمه وأخويه وأخوات ثلاث ، تزوج صديقين من بادية البلدة الاثنتين الاكبر وفي سكرة منحنى الصغرى التي تجاوزت العقد الاول من عمرها بعام أو أقل من عامين، كانت طفلة تلعب مع الاولاد حين زفت لى لكن خالى برر ذلك في تلك السكرة أن نبيئنا تزوج أمنا عائشة في عمر يناهز ذلك ، وتهكم خالك ان فيّ من الانبياء شواهد : تاجر جده عبدالسلام الاسمر وسيم وعلى يسر وفاض للمنازعات شيخ في العقد الثالث ، بقي خالى يردد أنه لم يستلم مهر أخته من أبي أبدا . ضاقت قمينس ومن بنغازي كنت أتسوق غادرت البلدة للمدينة فالتجارة مدنية ، حططت في البدء بزقاق بروين وسط سوق بوغولة ، ضمت جلسات الانس وقد حضر الفن وتوفر الخمر أجسادا بضة أوربية نأتي بها من ملاهي المدينة التي في الحرب عانت من الاتراح ، لذا غب الحرب اقامت الافراح والليالي الملاح .
عرف الأب – ككل أب جاد في أبوته في هكذا مدينة – بالصرامة ، الجدية ، الحزم ، الحسم في النهارات ، عند مجئ الليل يشلح ثوب الشيخ ، وتحت غطاء الظلام تنحل النفوس وتتحل من كل موثق . في الصبا وقد قر للايطالين الامر عملت عند ايطالى أقام مخبزا وقد كنا قبل نصنع خبزنا في البيوت ، هكذا تعلمت صنعة فيها جدة قلعت التنانير من البيوت ، في مقتبل الشباب تجندت في الكبنيارى أو البوليس المحلى ما علمنى الحزم والضبط عند اللزوم وتفتحت آفاق . عند بيت النار في الفرن يضع زجاجة النبيذ وهو يدخل الخبز بعد أن يتناول جرعة ، عارى الصدر فيه ناران يخرج أمام المخبز في الشارع آخر الليل ، يتروح بزهو الصانع الثمل ؛ يعجن الدقيق أول الليل برجليه ثم بيديه يشكل الارغفة ويلقفها النار ، اتقاد دائم ركزه نقطة دائرة في الصابري حيث انتقل وثبت أقداما راسخة .
دكاكين حميد صف من محلات تطل على الشارع الرئيس مخرج المدينة الشرقي ، خلف المحلات محلات تقتبلها محلات بنيت من طين وزوقت بالجير وطلاء الابواب أخضر يانع ، هنا يباع كل شيء . للأب محل مواد غذائية بضائعه ، سواك النسوة ، الأسبيرن ودهن الفكس ولصقة جونسون ، الدقيق ، المعلبات من كل لون وكذا الخضار ، الفاكهة ، الفنارات ، القاز والفحم والحطب ، الأبر والخيوط والحبال وعدت الحرث والحصاد ، القرنفل والتوابل والفلفل المطحون والبزار والعطور ، كل حوائج نساء البدو وحاجة البدو تتم مقايضتها بمنتوجهم من خراف وصوف وسمن ، في البيت مستراح لعلية الزبائن هؤلإ ولشبابهم نقود للهو في شارع الشطشاط ، كل هذا من بضاعة ومقايضة يدون شفاهيا ! حتى يكبر الأبن البكر فيكون من عامه الدراسي الاول المدون الوزرقي . للأب مطحن يجعجع بحبوب الزبائن البدو ويطحن الملح ما يغلف في ورق خشن ويباع بالكيلو ، كذا يكبس الشحم في مغلفات مماثلة وللأب فرن جير فليس لمثل هؤلإ الزبائن من حاجة إلا وتم حصرها . اذا حاذيت البحر شرق ميناء المدينة يلتقيك شاطئ يحاذى زرائب العبيد ، العبيد الذين اعتقوا عقب الغاء العبودية واسكنوا عششا من سعف النخل وسيقانه وتفل البحر والصفيح خردة الحرب ، غرب هذه الزرائب يسكن أهل البلاد من غير العبيد وان كان بهم عوز . هنا حط الأب وبنى بيتا على الطرز الليبية لكن المطورة ؛ يجلب الماء المر ملوحة للبيت وراد من ماسورة البلدية التي تتوسط الحى لهذا أطلق مثلا مفارقا : بلا جميلت الوراد نشرب مية الصابري ؛ حيث يتمكن اطفال البيوت الفقيرة من جلب الماء دون عناء ودون نقود طبعا ، لكن مثل بيتنا يجلب مائه سبيكه كما يدعى الوراد الذي يحصل مقابل ذلك القليل من المال . أما الماء الاسود والفضلات فتسحب من حفرة تحت المرحاض ، من قبل السائح اسم الرجل الذي يقوم بهذه الخدمة في حبور وزهو وهو يخيف الاطفال من رائحته العفنة ، لكن طيبة قلبه والحلوى تجعلانه معشوق أطفال الحى ، وحوله دارت أساطير أنه ابن اسرة ثرية لكن عشقا أصاب قلبه لفتاة زوجت من ابن عمها غصبا - كما تستدعى التقاليد - جعله هذا مغبونا يدس نفسه في حنايا أطفال الحي ومراحيضه . ما بنى الأب دعى بالعلى لوجود غرفة فوق السطح يعتزل فيها ويقيم لياليه الصاخبة ، وأعلى شأن البيت لوجود الكهرباء فيه عن غيره من البيوت التي تنار من فنارات وفتائل القاز . يكد الأب نهاره كى يجعل من ليله خمر الذي يبيعه أحد الجيران في البيت ، في شرق البلاد منع الملك بيع الخمر للمسلمين ، كانت أخت بائع الخمر صبية تقوم بنقل القناني في قدقود ؛ حقيبة من سعف النخل ، على درجاتها الايطالية الصغيرة العجلات تحت وابل من معكساتنا الصبيا والشباب ، تقف عند باب بيت الزبون وتستبدل الزجاجات الفارغة بالمملؤة . عند المساء يفرش الأب جلسته وسط البيت يعد مزته بنفسه سمك مشوى ، فول أخضر مطبوخ ، كبدة بالمكرونة ؛ تعلم الطبخ على أيدي ايطالية مدربة ، ثم يجمعنا حوله كى نحتسى بعض الكؤوس ، ويقيس درجة سكرنا بان يطلب من كل واحد رفع صحن صيني وتوصيله للمطبخ فإن سقط الصحن فإن حامله يغادر الجلسة . معاقرة الخمر في البيت أو الحى شيئا معتادا ، لم يكن ثمة من رفاق الأب وصحبه واقاربه من لا يتعاطها .هكذا تميز الأب بشخصتيه الصارمة نهارا اللينة ليلا ، المنضبطة في شغلها المستمتعة في أجوائها الخاصة . كانت المدينة تقيم الكثير من الفواصل بين الحى والحى ، بين واجهة الحى وخلفيته ، بين البلاد قلب المدينة وبين ضواحيها ، بين الشارع والزقاق ؛ لهذا تسنى للأب أن يقيم فواصله ، زوجتان في البيت ولليل ما ملكت يده فإن تعاركتا الضرتان ربطهما في حبل واحد ووضعهما معا في حمام البيت الضيق وارجع الباب خلفه ، عند خروجه يطلبان منى فك الحبل ليتسامرا معا ويأكلان ويضحكان حتى قرب عودته للبيت ، عندها يطلبان منى أيضا أن أعيد ربطهما . لا شييء يتم دون اذنه حتى الخروج لبيت الاهل أو الجيران ، كنت في التاسعة حين تخطيت البيت لبيت الجيران في الشارع الخلفى جلدني ، حبسنى في الحمام وملأه بالماء كى لا أتمكن من الجلوس ، ترك باب الحمام موارب وخرج من البيت لم أقدر على الخروج وخافت الأم وضرتها اخراجي فقد يعود فجأة . المخبز قبالة البيت يشعل الحطب والقش في بيت النار عند تكون الريح جنوبية يختنق البيت ، بيت الخباز لا ينام ، أحيانا يدخل الأب جذلانا يحمل أرغفة ساخنة أعدها لنا بطريقة خاصة : يعجن الدقيق بالزيتون واللحم أو التن والفلفل الاحمر ثم يضع هذه الخلطة في الفرن ، في سكره يحب أن تكون مزته لحم طاجين من الخبز كثيرا ما يعجبه طبخه فيحمله ويطرق باب البيت مسرعا ومتلهفا كى يوقظنا لنأكل ما لذ عنده وطاب . يحرث الأب نهاره في أرض الملح هذه بين دكانته ومخبزه والحى المحوط بالسباخ والبحر ، ويتقنع يومه بصرامة جبلت نفسه عليها قساوة مدينة مائها وخبزها خلائط من ملح ودم من هذا كان للأب قبضة قوية على بيته ببنيه وبناته وزوجاته مسورا مملكته هذه برحمة القسوة أو قسوة الرحمة حسب الظرف والحاجة . مرة طلب جدى منى أن أحضر له في زجاجة قازوزة قليلا من زيت الزيتون من دكانة ابنه ، ملأ الأب من برميل الزيت قليلا ثم عزم أن يكمل من برميل آخر هو لزيت يعرف با لتريبيا وهو غير زيت الزيتون وأرخص وأقل قيمة ، اندهشت للأمر لكن لا يمكن لى أيا تعليق ، عدت إلى جدى الذي علق قبل أن يستلم الزجاجة : دارها الله ايسامحه .
فجر اليوم التالى أخذني أبي كالعادة معه للدكانة قبل أن يفتح الباب شاهد بحيرة من الزيت ، لم ينبس ببنت شفة أمسك بيدى مهرولا وعند بيت جدى توقف يطرق الباب ، دخل إلى حيث يقعد الجد أخذا في تقبيل يديه طالبا السماح . الجد أعمى يتلحف عبأة صوف على الجلد والعظم ، وكمتصوف خيل لى أنه يقتات من ترديد آيات القرآن والذكر ومدح الرسول ، لم يكن يفك الخط لكنه حفظ الكتاب عن ظهر قلب ، اعتزل الناس مكتفيا بأنه فك لغز الحياة وانحل في الوجود . كشبح من طيب ترأ لى هذا القارئ الموجود من خلال ما يردد في خلوته ؛ من الحرف عنده طائر لا يجب أن يؤسر في دواة وحبر و لا أن يرقن : ما يرقن سيكون طعاما قديما لا يمكن انقاذه وغذاء للعث ، جدى حكيم نقش في صدره معارفه لهذا كرهت الورق ، كثيرا ما شهدت على مريض يستغيث ببركة جدى ، الذي يتمتم جهرا بآية قرآنية مشفوعة بادعية سرية على رأس المريض حيث يضع يده ، ولأن الشفهي مخلوط بالروح عادة لم يخرج هذا المريض من بيتنا إلا شفي عفي . ما أن صار للأب أولاد حتى عزل الجد في خلوته واتخذ من الحفيد مرسال . أما الجدة فاتخذت من بيتها متراسا بعد ان اتخذ الأبن بيتا خاصا ، وأعلنت الحرب على زوجتي ابنها الذي لم يطاوعه قلبه أبدا أن لا يستمع لمواجعها ولطلباتها من حوائج الزينة النسائية في محاولة لسحن كبدت نسوة ابنها ، لكن كبدت ابنها كما كانت تدعوني فله كل التدليل ، كذا فإن الأكل التقليدي واجادت طبخه هذا ما عزمت الجدة على اعتباره فخها المفضل لاستدراج ابنها وحفيدها الأول ، بين يوم وآخر تطبخ البازين من دقيق الشعير الخشن بالقديد أو لحم القعود - ان تمكنت من فك قروش من الابن - وتطبخ المقطع أو الحساء ، وفي بيتها أصرت بالحاح على التنور وان تعد أرغفتها فيه ، ولم تعترف حتى لنفسها أن حربها خاسرة وأن الوقت يلعب ضدها متحالفا مع عدواتها ، في زمن غدت فيه الجدة بحق هي أم الأم بعد أن انعزل الزوج في بيت خاص .
جدتي لأمي هي حكايتي ، هي السارد ومن حكاياها حكايا المدينة ؛ ككل مدينة فصاحتها شفاهية ، من حلاوة الروح : عذوبة الأمومة طلقت الفراش وتركت الدفء ، زحفت لصغاري على الركب حتى دميت ، بالدم رصدتهم وبحجاب الأم حصنتهم وكانت بنغازى تناديني فلبيت مسرعة النداء . من قمينس بلدة النعناع إن جادت السماء وبلدة العطش إن لم تجد ؛ وجدتنى أفر كما يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته ، ويفر ببنيه من جوع أو خوف لأمل وأمنية .كذا كنت أفر من قمينس حيث لاشغل ولا مشغلة ، فقد توفر الماء ، وقصرت اليد عن المحراث فما فى الجب من حب ولا مال ، فتحول الماء لسراب وبنغازى مآب لملئ جيب البطن والرأس وجيب السروال إن وجد . خادمة و لا الموت بالحسرة قلت والخطى تحث إلى المشرق فالصبح لاح ، فى بنغازى بيوت لآل مصراته تجار البلاد أصحاب المال ، وإن لا يقدرون غب الحرب على الحشم قدروا على الخدم . ساعة خرجت وبنى إلى الطريق ، لم يكن فى الأفق حمامة أو يمامة ، لكن الأمل يرفرف فى الأنحاء . بنغازى مدينة مسحورة ؛ الأرض بيضاء فهى سباخ مترامية الأطراف يحدها الأزرق كشبه جزيرة ، فى مرمى البصر جبل أخضر بينها وبينه أحمر سهل من طين برقة الحمراء ، هى بساط والرحبة والقار قار يونس بوابتها الغربية ،كما الربوة ربوة سيدى يونس بوابتها الشرقية ، والأفواه أو الفويهات كما يصغرها البدو – قرى كما كف اليد صغيرة ومبسوطة وحاميات من عثار السفر وراحة من تعب ، هى مسحورة ليس بالأخلاط من أزرق وأبيض وأحمر ، لا باليباس والرطب والسائل ، لا باليم والوعر والسهل ، لا بهذا ولا بذاك ؛ لكن بطلوعها بقعة بقعة فهى مسارب وخلجان يحوطها ماء أجاج ، تحوط الحياة التى تنبثق عنها كما العجب أو ثغاء الحملان ؛ مأوى الذائح والذبيح والفار من سباع الأرض والدهر ، حين هممت بها كان التوق وقد أشعله الأمل دليل الفؤاد وزيت الروح ، طلعت بنغازى المسحورة فجأة عجوزا تتسربل ثوب العجز تطلب وتلح على القعود ؛ هى مدينة الغريب دون نزاع ، تتلبس الروح الشفيفة وتشغف القلب الملهوف ؛ راحة مذاقها ملح وخبزها الألفة ، كالجديد فى القدم حلم وكالقديم فى الجديد ماض ولى ، وكما فى الأرض - فى الخاطر ثمة مطرح لكل أحد حيث كل مطرح ليس لأحد . بنغازى مدينة مسحورة ، قبل أن أجيها عرفتها ؛ فهى طوق الحلم ، وجدت لما لم تكن موجودة ؛ مدسوسة فى غياهب الزمن ، كما هى يابسة مدسوسة فى البحر فهى رطب الحلق عرق البلح ،كما الأمنية ننسجها بالتوق ونجسدها بالمكابدة – هى أليف اللغة لأنها مدينة بشرية ؛ من صنع البشر الذين تحدوا الطبيعة التى حاولت جهدها إخفاءها عنهم ؛ لما حوطتها بالملح والماء ، إنها المدينة التى نصنعها كما نصنع أنفسنا فيها ، هى منحوتة رغبة ونقش شهوة وأيقونة روح وشهقة نفس وتبرعم الجسد وكأس الحياة ؛ هكذا تجلت عن خفاء فهى مدينة نهر النسيان - كما جاء فى كلام الأولين حيث المآب الأخير ، لم تفتح مرة فهى التفتح الأبدى ، فى الخرائط مركونة فى الركن كما البئر فى البيت ، الخيال فى النفس ، المنى فى الجسد والروح فى الكلام ، بنغازى مدينة الحقيقة غائبة عنا فى الوصف والتوصيف ، هى متجر الذهب الأبيض ، و محل المتعقبين من العبيد ، محطة آخر القوافل ، وأول محطة لغارات طير الحديد ؛ حتى تحولت سماؤها إلى غربال من أثر ما أخترقها من قنابل ورصاص ومتفجرات آخر ، من فوق ومن تحت ومن يابس وبحر ، فإنها مدينة الغارات الجوية فى الحرب الأخيرة ، لما كانت أرضها مفتوحة لكل أحد بنغازى ليست مدينة أحد ومدينة كل أحد جمعت وأوفت ؛ جمعت من كل فج أفواج المغتربين وأفواج الحيارى وأفواج الضائعين ، ولكل فوج فتحت مساربها ؛ هى مقر الغرباء ومقام النسيان ، قيامة النفس التواقة وحصير التعب ، مسكن الجن والأنس وما بينهما ، ومنارة ( سيدى اخربيش ) تشى بها للسفن التائهة والبحارة المساكين ، والقراصنة الفارين من أشباح المطاردين وأساطيل الدول العظمى ، لهذا هى بيت شمل يغمر السائح وملاذ الغريق - قال قريتلى : حينما استولى النصارى القريت على جزيرتنا ، وتركتنا فلول الأتراك المهزومة ، فررنا بالأسلام ديننا من عقاب أهلنا الذين عدونا من الخائنين ؛ أوينا بنغازى ، وقال لى قرصان مالطى لما حوصرت القرصنة ومنع البحر عنا كانت بنغازى المأوى ، كذا قال انقليزى وقالت يونانية فتحت خمارة هنا لما عاثت جيوش ألمان وطليان ببلادى وكذا فعل أرنأوطى ( ألبانى ) ، ركن ألمان من تعب – تعبوا من طموح قادة بلادهم وعسفهم – ببنغازى ، وشامى ويمنى ومصرى جاء بهم الترك ؛ فبعد عنهم موطنهم اتخذوا بنغازى وطنا ، وجعلوا منها جمعهم مدينة ولما جئتها سبقنى الكثيرون من أهل البلاد ؛ الفزازنة خبازون وأهل الغرب بناؤن والبدو شيالون ، ومنهم من قدم منذ قدم ؛ فكان أول من أهل الأرض وصيرها مدينة بنغازى الحقيقة التى أوتنى من جوع وخوف ؛ بنغازى المسحورة التى تعطى نفسها لكل من عجنته الصعاب وألف المكابدة ؛ كل عنيد صاحب تغريبة ، هى أرض الملح وفى الملح خبز تخبزه الأيدى من شقاء ، تحوله الروح الوثابة إلى جار أليف فى زرايب العبيد بالصابرى مستعمرة السود والفقراء من قش وبقايا الحرب من زنك وحديد ، وفى السبالة بالكيش نجع فقراء البدو حيث شيدوا بيوتا من الصفيح فتحلقت الحلاليق و البراريك بالمدينة ، وساكنيها الأقدم فى البركة وسيدى حسين اللذين يربطهما بـالبلاد ؛ وسط المدينة، مسرب من اليابسة يجانبه السباخ . حين نزلت بنغازى رأيت بأم عينى أهلها يعودون بعيد الحرب من حيث هجوا فى البوادى والجبل ، كما رأيت أهل طرابلس يهجون عنها إلى دواميسنا بجبل غريان ، عاد أهل بنغازى إليها وقد غدت حطاما وكبرت فى سنوات الحرب فصارت أعجز من عجوز ؛ البيوت دكت وحطامها أغرق الشوارع حتى سدت ، والميناء جبانة للسفن ، والموت يخرج لسانه فى كل درب للسائرين ، وكنا نتخطاه ليس عن جدارة وإتقان بقدر ما هى الصدفة .فى البدء كانت الصدفة هكذا أحببت بنغازى من أول نظرة ، كما ولدت فى غريان من أم إسمها عربية وهى عربية وأب جبالى بربرى يدعى بريبش ، كما تزوجت البشير العربى ، وكما قطعت سرتى فى الجبل الغربى شدتنى سرة للجبل الأخضر ، لأسكن سفحه ، فى هذه المدينة التى ليست كالمدن ، فهى ليست مدينة كما ليست قرية ؛ هى جمع شمل يسكنه النفس قبل الجسد ، ضفة للبر وعنق تشرئب للبحر ، لما أطلت على طلعت الروح راضية مطمئنة ، كان عناق من خرج عن صحراء سرت ، ومن خرج عن البحر فرحا بأنيس ، وإن كان غريبا فبنغازى الغريبة ؛ عن الجبل بعدت وفى البحر سكنت ، إلى الصحراء فتحت يديها للناجين - وكنت منهم رغم كل ما دسه الطليان والأنقليز والألمان من لعب الموت فى شوارعها وعلى ضفافها وفى أحشائها من بيوت وعمارات هدمت ،فى الحضن دستنى وعن القنابل والألغام أبعدتنى وأبنائى ، فى عمارة متهدلة سكنت كما الناس ، فى شوارعها سرحنا نجمع بقايا الحرب من نحاس قنابل متفجرة - بعضها ختل الناس وأخذهم بغته وهم يحاولون تحويلها لقوت يومهم ، وكان تاجر يدعى السوسى ؛ يجمع من الناس ما يجمعون من بقايا الحرب التى آثارها تفعل فعلها حتى بعد زوالها لهذا قتلت الآثار من قتلت وأحيت من أحيت ، وكما شردت أطفالا أغنت رجالا وعهرت نساء ، علمت الصبيان النهب والتسول ، فتحت ملاجئ ومدارس ليلية وإدارة انقليزية ومعسكرات ورأيت لأول مرة أهل المدينة أهلى فسمعتهم يسمون أنفسهم ليبيين ؛ رأيتهم جماعات جماعات : الأستقلال أو الموت الزؤام ، تساءلت عما يحدث قيل يتظاهرون من أجل حرية بلادنا فرحت دون أن أعرف السبب ، وكان إبنى الأكبر فى هذا الوقت يسطو على دارات الأنقليز من ضباط وبعض الجنود الذين قيل أنهم استرال ، وبنغازى تنهض من جب غميق دكت فيه فنهضنا بها . أجرت بيتا بشارع بوغولة زقاق بالروين ، بعيد أن اشتغلت خادمة فى بيت المال عائلة جعلتنى منها لما بينت لهم مقدرة فى التعلم والأتقان ، فى بيتهم راديو وكان أمرا جلل وهلم من كل شئ حديث وجد أيامها ، وهم أغنياء وسط فقراء لكنهم به – بالغنى شغلوا الكثير من رقاد الريح وأوهم من مسغبة ورعب بعد الحرب ، وتميزت فى الطبخ الحديث مكرونة سباغيتى صلصة ومبكبكة ، محشيات بــراك وطواجين لحم وسمك كما فـى الشعبى من بازين ،كسكسى ، رز مبوخ ومطبوخ ، والناس يقتاتون من الموت من بقايا الحرب اقتت من بقايا العائلة التى أخدم .ما بعد الجوع إلا الشبع ؛ اتخمت المدينة بمآسيها فلم تجد وسيلة للحد من ذلك إلا بأن تذهب فى المأساة إلى مداها ؛ بقدرة غامضة تحولت إلى [ الحاضرة ] التى تحضر إليها وتجمع حولها كل معاناة الحرب الطويلة منذ مجئ الطليان حتى دخول الانقليز ؛ مؤتمرات وخطب واعتقالات واجتماعات وسجون ، ومهمتى أن أطبخ القدور تلو القدور فى بيت المصراتى الذى تحول لمضافة لأناس قدموا من درنة ومن طرابلس وفزان ومن مصراته والزاوية الغربية وحتى من بلدتى غريان ؛ يناقشون السياسة والتجارة . وفيه رأيت عجب ؛ رجال وأى رجال متعلمون وآل جاه يلبسون الافرنجى والوطنى : الجرد ، الكاط الملف ، الشنة الحمراء أو السوداء ، يتحلقون حول ورقة يسمونها جريدة الوطن يقرأون ويعلو صوتهم ثم ينصتون لأذاعة لندرة ويتخاصمون ثم يتعارفون ويفترقون ليجئ غيرهم ؛ فلقد صارت بنغازى القبلة وعاصمة إمارة برقة التى أميرها إدريس السنوسى ، لم تنته الحرب قلت فى نفسى إلا لتبدأ حرب أخرى ، لم أر فيها السلاح لكن رأيت الكدر والحيرة ؛ فلأول مرة لا أعرف من أنا ولا من سوف أكون ، اختلط على الأمر وأنا أطلب من ابنى البكر أن يفكر فى الزواج رغم صغر سنه قلت : انبيت البكر ونرتا.. ثم تساءلت أأريده صاحب بيت واسم أم أريد أن اتخلص منه ، أم أنى أنا التى تريد بيتا لكن تخفى الأمر حتى على نفسها . ما أصعب البدايات أى بدايات هكذا داخت بنغازى إثر الحرب ، وفى فترة كأنها خدعتنى ببساطها الأحمدى ، وأنى خدعت النفس وزينت العجوز بما فى دكان العطار ، فقد كشر الدهر عن أنيابها أو هكذا راودتنى نفسى لما وجدت جنيهها المصرى عملتها الجديدة يذوب كما تذوب الأحلام ، ووجدتنى غرباوية يقولها اصحاب السبق فى التوطن بالمدينة ، ووجدت الملاهى الليلية : الريفيرا ونسائها الانجليزيات والايطاليات واليونانيات .. والسينما : برينتشى .. ونسائها المصريات ؛ كوكا وتحية كاريوكا وشارع [ الشطشاط ] قد أخذ أبنائى ، كما أخذ القمار والخمارات أبناء الفقراء الذين استطاعوا أن يغتصبوا القرش بالكد والعرق الأسود من ايام الغصة ، لكن بنغازى مدينة مسحورة فسرعان ما شمرت عن ساعدها ودارت فيها الطواحين غب أن حصد الزرع الذى عاما عن عام يكون صابة ، فتزوج البكرى إمرأة مدينة ، وفى ريقى ذابت بنغازى وكنت أذوب فى حلوى بر الترك التى يصنعها كانون ، سحت فى الزلابية والمخارق والسفنز ما تعلم إبنى الوسط خليفة صنعه ، غاصت قدماى فى السبخة وكأنى مرصودة ، تشبت ببنغازى فأخذنى وجد ، طلقت الرجال ورضيت بها حامية وظل ؛ مدينة الشرق الحاضرة التى ليست من ولا كـ المدن فى شيء .
في البلاد في شارع اللواحي كنا في منزل جدتي حين صرخت أمي ، كنا بين الحين والأخر نزورأمها في منزلها لما يسمح الأب بذلك ، نجلب معنا قفة تضم خضار ولحم وزيت وعلبة طماطم ، ما يفترض أنه غذائنا ، هذه المرة كان اللحم ربع خروف على غير العادة ، علق خالى الصغير اللحم بسنارته حيث وصلنا مع قدومه ، انغرست السنارة في يد أمي .
قبل هذا اصطاد خالى هذا سمكة فروج كبيرة جلبها لأمي كى تعدها كطعام ذلكم اليوم ، كان يدور في الأحاديث أن البحر اصطاد صبي منذ يومين ، لما فتحت الأخت بطن الفرج وجدت اصبعا صغيرا ، انكر خالى وادعى انها من تخيلات أخته لكن أمي لم تعد تطيق صبرا لذكر البحر فما بالك أبنائه وبناته الاسماك . هكذا حرم علينا تناول السمك في بيت أبي الذي كثيرا ما اضطر وشهوته الفذة السمك ، أن يرحل زوجته أمي لبيت أهلها حال تغيب الزوجة الثانية ليقوم بطبخ ما جلب من سمك في الغالب اصطاده وحينا اشتراه ، يومها تكون وليمة ملكية كما يقول وكما هي حقا ، بهذا وغيره كانت الأم ظل البيت . لم يكن أحد يتحقق من وجود ظله إلا ساعة غضب الأب الغاضب كل الساعات ، فإذا كان الأب العصا في بيت كبيتنا فإن الأم من يتلقي هذه العصا دون وجع دون كلل ، من حبور عصافيرها تستمد صبرها ومعنى وجودها . حرجانة اخذت أمى مرة لبيت أهلها ، أمها تحصد الزرع عند عائلة بدوية في البر بالرجمة التي تبعد ممشى ليلة ونهار للراجل ، أخذت غصبا أزبد أخوها ورغا معللا تصرفه هذا : أن زوجها هجرها بعد لم تنجب طفلا وقد تعدت السن اللازمة عمرها تجاوز الستة عشر . ليلتها لم تكتمل شغف يشدها تسللت حافية راجلة ، تندس بين ثنايا الليل وتؤنسها الذئاب بعوائها ، تتعثر فتمسك بشعر الليل من شجيرات البطوم والشمارى عند سفح الجبل الأخضر وكدت العزم على أن راجلها ملاذها ، فلق الصبح عزمها فتوثبت كذئبة تركض في طريق شقته بفكرة أن تخطب لزوجها امرأة ولادة ؛ ابنت خالته أرملة ولدت وفجعت في وليدها :
- سأفرحها وان حزنت ، فإن لم يكن لى ولد يكون له ولد .
لكن لم تطيق صبرا حملت بي أنجبت ولدا قبل أن تنجب ضرتها ابنة بشهر ، احتفى الأب بالولد - صرت ابن أبيه - كما لم تحتف الأم التي تحولت للانجاب وللاهتمام بما تنجب ، حسبها أن تكون المرضعة ودفء الفراش والفؤاد الملتاع بهم ؛ لهم جميعا .


     
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home