Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Thursday, 28 September, 2006

   
   

رواية

سـريب (6)

أحمد الفيتوري

نشيج اجتاحنى وعبرة فى حلقى ثم اختنقت من البكاء ؛ بانت الغربة فى مطلع درنة والوحدة كانت بالمرصاد ، وجع أمسك بخناقى ، فى الطريق بددت توجسى الذى انبثق بغته كغول ينهشنى والذاكرة التى إنسابت تهدر بوجه جدتى وحضنها وبعلوة الزريريعية وكل أليف ، حتى أبى ملاذى الأخير بعيد الآن عنى؛ فأكلنى الخوف ، وتجسد عفريت المجهول على شكل صل يعصرنى وورل يسوطنى بذيله الثقيل ؛ ثقلت نفسى بأحمالها فأتخذت وضع الجنين فى الكرسى الذى أخذ يقذفنى عنه . انكمشت أكثر فأكثر ، وتشبت بخيط سرى طوح به عقلى حين هدر صوت أبى يعنفنى : انت راجل يا وجه البنت ، وتبكى .
من الخوف نمت وفى ذيل الوادى ؛ وادى درنة أفقت على زغاريد. في برزخ اختلط البحر المالح بالبحر العذب كما اختلطت أصوات الدربوكة بالتهاليل ؛ في الوادى زغرودة ، ثغاء ، بقبقة عالية ونقيق وفي جنباته مزامير ودفوف ، ضارب الدربوكة يعلو حينا على الهارمونيكا التى تعلو موسيقاها في حين آخر ؛ لتمتزج زغاريد النساء بصوت رجال في صرخة واحدة : درنة والمنقار العالى … وين خطم زولك ياغالى .. زغاريد بنات الماء ؛ الضفادع يغطى ثغاء الجديان والحملان التى يجرفها الوادى ، الرياح تعوى وهي تجرف الاشجار التي حفيف ورقها يصفع خد الماء ، فيما موج البحر المالح يصفع خد ذيل الوادى ، أصوات أجساد تنقذف في الماء لتمسك بالحملان والجديان التي يجرفها الموج إلى حيث يمتزج البحران ، الزبد ؛ المنى الذى ينسكب على شعاب الصخور ينقذف بقوة حتى تسمع تؤهات يتردد صداها مع بكاء وليد ؛ بقرة تخور وامرأة تتوجع ، الوقت غسق صبح ينبلج أو ليل يعسعس . لم أفق من غيبوبتى دستنى بين فخذيها وضغطت على بقوة واهتياج ، صفحة الفخذ مخمل ورطب عبق بالعرق الذى ينضح بالياسمين، ضغطت ودستنى بعنف فانزلق رأسى محتكا بزغب حريرى لا يستبان بغير ملمس ، ولما انزلق رأسى ردنى ثقل أرداف من زبد ذائب من أثر حرارة بخار الماء الذى يملأ الحمام ؛ الماء الذى يتكثف على الردف قطرات يغطى عيونى وفمى ، وبين ضغط اليدين وكماشة الفخذين وثقل الردفين وشراهة الماء المنزلق من فالق الردفين ؛ يعباء فمى ، الهواء يسحب عنى وتأوهات تنسكب في أذني ، الزغاريد تعلو واجساد تدعك بعضها البعض في اندفاع ؛ النساء يندفعن إلى الامام إلى مدخل البيت فقد حضر الرجال وحان دخول العريس ، وقد أتممن اعداد العروس و ساقيها منفرجين من أجل يكون الفرج مهياء . كانت الخادمة الشابة في بيت خالتي قد جأ بها والدها للخدمة بعد أن طلقت ، لم تكن خالتي تقبل خادمة هجالة لم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها ، وبدوية بشرتها في لون ونعومة الحنطة لولا الحاح والدها والحاجة لخادمة . ما ان قدمت الجارحة الشابة اللعوب للخدمة في البيت حتى وصلت في سفرتي الأولى وقد خرجت خالتي إلى بيت جارتها ظهر وصولى لتساعد الجارة في الاعداد لليلة الدخلة ؛ دخلة ابنت الجارة . وبقينا معا ؛ جموح الجارحة وتوقي للمعرفة ، اثارة العرس لأنوثتها والفضول الذى لعب برأسي ؛ بدأت بين اغماء ويقظة ؛ ألتقط الانفاس متى ما انزلق رأسي من بين فرجة الفخذين فتعيدنى وتهرصنى بفخذيها محمومة ، تجتاحها وحوحة فاستكين فتدفعني بيدها على البطن فازلق على الرخام الدافئ ، وبقوة تشدني بين ثدييها وتزداد تنهداتها حين تسكب في فمى نهدها ، حليب أو زبد يشخب في فمى فاغيب عنى ؛ أتحول بين يديها إلى اسفنجة تدعك جسدا يفور ويمور ، حين أفيق تعضنى في فمى فاغيب مرة ثانية ، و حين أفيق مرة ثانية أجدنى أمتطى مهرة تصعد متشبته بخيوط لا ترى وبي ، ثم تحط . بين هذا وهذا أدخل في سحب ، وتدخل أبخرة معطرة في أنفي ، وهي تمخر بي عباب ما لا أعرف كنهه وصرختها تشتد : يامموده حيه على ، حيه على يامموده . همدت فسقطت عنها مغشيا . العروس عارية في الحمام وخالتي ونساء آخر يرطبون جسدها ، في الأبخرة المتصاعدة أندس أرقب المشهد ؛ كان الياسمين الذى جمع ساعة طلوع القمر حتى ابيض شعر الليل قد رقد فى اناء وغطى بقماش من حرير ، ثم وضع في الماء منذ طلوع الفجر ومع الظهر سكب الماء فى جرادل ووضعت على مواقد النار وأقفل الحمام الذى صار أرض السحب الزكية ، ثم لف جسد العروس عارية بالياسمين ولف في الحرير ثم غطيت فامتزج عرق الياسمين بعرق الجسد الانثوى، اطلقت الابخرة من مسك ولوبان وقمارى في الداخل، في الخارج اطلقت ابخرة الفاسوخ والجاوى لدرء العين. في وسط الحوش وتحت الياسمينة وضعتنى وغطتنى ؛ لما أفقت هللت عيناها وانبثق دم في وجنتيها مثل وردة : حيه على ياحميدة شن درت فيك . العروس ممتدة على مصطبة من رخام ، ممتزجة في عتمة البخار مع الرخام وتنضح عرقا والماء يسكب على جسدها البلورى الناعم ، والوادى يهدر من على بعد ؛ تجمع الماء في ظهر الجبل ثم سال في مجارى والتطم في عراك عند حلق الوادى ثم تدفق يطلق هديره وزغاريده التي ركب من الضفادع يردد أصداها ، عربد الماء عند دخوله المدينة ؛ وهو يأخذ في طريقه كل شيء حتى فرحة الناس به ، وانتظارهم مجيئه بفارغ الصبر ، اكتسحها بمشغباته وهو يضرب هذا ويلسع ذاك ويشتت شمل الفقراء ، يطلق الزغاريد ويتقافز ويداعب بناته فيطوح بهن في الهواء العالى ؛ كذا الموج يعلو ويعلو حتى يلطم الجانبين ، وهي ترتجف ؛ أخرجت من بين نهديها أوراق مالية ومنحتها لى وهرولت إلى حجرتها ؛ جلبت عصير لوز وملئت كوبا وسكبته في فمى ؛ وهي ترتجف . الامواج طالت الشوارع والبيوت ، سال الماء وتكونت غدران ؛ فيما واصل الوادى زغاريده والسيل تصفيقه كانت العروس تنضح بعرق من الياسمين ويغذى شعرها بالقرنفل ، قدمت لى أنواعا من الحلوى و مرتعشة قالت : وحق جدك وصحابة درنة ما تقول اللى صار ، وقبلتني على رأسى ويدى وقدمى . خرج العريس فاندفعت النسوة وتعششن حول العروس وكذا فعلت ؛ العروس عارية وبين فخذيها دم حيث أيد ناعمة بيضاء مزخرفة بالحناء تفتش والعروس تفتش بيديها فى الفراش وهي تصرخ : فرفوطة الخاتم ؛ لعلع في السماء رصاص وانطلقت زغاريد لما رفع على عصا علم الشرف ؛ ثوب العروس الملطخ بالدم . خرج الوادى على المدينة حتى غدت بحيرة ، الوقت غسق صبح ينبلج أو ليل يعسعس . من الخوف نمت وفى ذيل الوادى ؛ وادى درنة أو في مخرجها عند العقبة اختلط على الامر كما اختلط البحر المالح بالبحر العذب والجبل الوعر بالسهل . قافلة في مدى البصر أم حلم ؛ تداخل بين جمال عالية حمالة غرر وحوائج أخر وأبنية مرتفعة ؛ دور يعلو دور وعلى الاسطح ملابس منشورة ، لم أتبين المشهد حتى اقترب وزبدت جمال وناخت أخر ، سرب الجمال تسرب في الطريق كالنمل الضخم الجثة ، يحاذيها رجال أشبه بهياكل عظمية خرجت في التو من مقبرة وخلفهم أطفال في عمرى تطاردهم أسراب الذباب ، حلقي الرؤس مثل أباهم ولكنهم نصف عراة يعبثون بأعضائهم ومناخيرهم ، خلف سرب الجمال وسرب الرجال وسرب الاطفال وسرب الذباب ؛ نساء على ظهورهن أطفال أو حوائج وقد لف كل واحدة منهن رداء أحمر قاني ووجههن مليئة بالوشم الاخضر الزاهي ، على الجمل الذى في المقدمة والذي يزبد غضبا ويصدر أصواتا تهز الافئدة وتدفع بالخوف في النفوس ؛ على هذ الجمل كرمود في داخله شابة حلوة التقاطيع تظهر وجهها بين الفينة والاخرى من فتحة الكرمود ، وفي جانب الطريق يقف الكثير من الناس ينظرون بدهشة - كأنهم جمعوا في انتظار موكب الملك - وقد عقدت ألسنتهم ، بعد هنيهة وجدت نفسي مع أطفال الصابرى أخر سرب في القافلة التي لم نر لها مثيلا ، ولم أسمع عنها إلا في حكايات الجدة ، و لما ناخت الجمال كانت بمحاذاة أرض رملية خالية بالقرب من زرايب العبيد وبالقرب من شاطئ البحر . عدت مسرعا لجدتي أحكي عن القافلة التي قدتها مخترقا المدينة ومحالها التجارية ، وفي الطريق وسط السيارات والموتسكلات والدراجات وقد أوصلتهم سالمين بعد كادت ناقة أن تدوس الناس حين شاهدت وجهها في زجاج الفترينة ؛ زمزمت واندفعت حتى زلقت لكن رجلا اندفع وهو يصيح : زع .. زع ، فنهضت الناقة التي اندفع خلفها قعود أبيض وخلفه زمرة من الصبيان المشاكسين ، قاطعتني جدتي : خرف ياقعيم ، فقلت بغضب : وحق سيدى اعبيد الا صحيح . وخرجت بالنباء ابحث عمن يصدقون : قافلة في بنغازى عرجت من طريق الصابرى على البحر حيث بئر الكلبة وناخت جمالها هناك ، في القافلة قعدان أحدها أبيض وفيها بنات وصبيان ، وقدت قطيع صبيان وبنات العلوة خلفى حتى عين المكان ليروا بأم أعينهم ما لم ير من قبل حيث أحطنا بصبى من أهل القعدان والجمال . ذكر لنا أنهم قادمون من العجيلات شمال جبل غريان وأنهم ساروا أياما وليال ، وقعدت قرب محمد انصت لحكايته وقد أنسانى القعدان في حين ذهبت عنى جماعتي للبحث عن القعود الابيض . ركبنا القعود الابيض وهو يخب كان يقوده محمد وأنا أحثه أن يسرع حتى نلحق بشيبوب وعنتر قبل أن يصلا مضارب عبلة ، ألحيث كثيرا ونحن نقطع القفار بأنى سأتزوج عنيترة وأن يتزوج محمد من يشاء من بنات عبس ، لهذا تسللت من بين بيوت الشعر عازما على اختطاف عنيترة والكل نيام لكن أحدهم قبض على من الخلف وضمنى له ، عاركته حتى رمى على غطاء أبيضا فلم أر شيئا ، تخبلت اثر محاولاتي للتملص من الفخ ؛ أخذت أجرى وخلفى أسمع صوت جدتى تلح أن أقف وأن لا أخرج للشارع بالنصوله غطاء السرير الوحيد فى البيت ، كنت أعرف أن هذه حيلة من بنات فكر شيبوب أبو الحيل ؛ لهذا هرولت مسرعا ، أحاط بي صغار الحى يتصايحون فاندفعت نحو امراح الابل لكي أركب الابيض مفر مدبر معا لما حصرت وأسرت . أفقت من النوم وعلى عجل تركت البيت وصراخ جدتي يلاحقني يطلب مني العودة . لم أتوقف إلا في نجع العجيلات ، وفي عشة صديقي محمد الصرماني الذي عرفت في ما بعد بأنه صرماني ولكن أمه عجيلية تضرب الودع ، تقراء الكف ، ترسم في الرمل ، تسمع النواة وتعرف المقدر والمقدور ؛ دخلت البيوت فسرقت الافئدة ؛ أفئدة النساء لمعرفتها البخت والمكتوب وأفئدة الرجال لجمالها وسحر عينيها ؛ وعرفت بأنها أمرأة لعوب كبقية شابات نجع العجيلات غجرية السلوك ، ترقص وتغنى وتضرب الطار والدربوكة حتى تطرب أجساد النساء وتخور أجساد الرجال ، ورجال نساء النجع منصرفين للدلالة ؛ لبيع العقيق وحوائج النساء وجلب الخمور للرجال والاحجبة . وقد ذابت القافلة حين عجنت بماء بنغازى المالح وبعذوبة وهادها ؛ الابل بيعت ، الاطفال سرحوا بالغنم وماعز الجيران بعد أن دسوا في المدارس وفي السنة الاولى الابتدائية ؛ انخرطوا في الدراسة وقد وصل عمر بعضهم الثانية عشر ، أما صديقي محمد الصرماني فقد أخذت أعلمه كل ما أعلم وما لا أعلم . تعددت الالوان ولون بنغازى واحد ، ملحها ذاب في ريقي كالعلقم ، تعددت مشاربي والايام واحدة أو أنها يوم واحد . حياة الحواس وحياة الروح ، توق النفس وغرابة الواقع تشابكت في نفسى ووطأني جوع مأهول لمجهول أو شئ لا أدرك كنهه ، انظر باستغراب وريبة لجدتى وهي تحاذينى مذهولة عنى ؛ بدأ أنها تغوص في رمال الذاكرة المتحركة وأني أرقب باندهاش لمرآة داخلها مرآة ، داخلها مرآة دون حد واني في دكان حلاق أعيش ، تجرنى أحلام تلو أحلام من أنفى حتى يحمر ويرعف بالدم ، بالصوت العالى أتحدث مع هذه النفس التى أخذتنى عن نفسى ، لم أعد أطيق أحدا وفي عراك دائم مع هذا الطفل الذى يشاكسنى ويشاغب فى صدرى يريد أن يخرج ، بعد أن مات جدى لأبى وبعد أشهر ماتت زوجته عائشة ؛ أم أبى ؛ بدأ أن كل شئ راحل ، لم يكن ثمة علاقة تربطنى بهما ولكنهما ماتا في الوقت المذهل عندما لم أجد ما أفعل ولم أعد مطمئنا لشئ ، المدرسة ممللة كما جدتى الزائرة والرتابة تضرب البيت وتصفع الحياة ، دخت في ما يجرى حولى وأخذت أحدق فى الفراغ ، أنقر الفراغ بشراسة مولود يرفص الهواء وهو مكتوم الصوت ولم تخرج صرخته الاولى بعد ، وكأنى جثة هامدة فى جبة هرمة لا أحد يعيرها اهتماما . لماذا جئت بنغازى وتركت بيت أجدادى في غريان حيث كل شئ طلق وكذا الروح طليقة ، غريان مهدى وغريان لحدى ، حين هممت بتركها خلفت حسرة في النفس ، كنت أفر من الموت والموت في ردنى ؛ أمن أجل حجرة سقفها تبن البحر ومطبخ لا سقف له وكنيف شبيه القبر ، هذا هو المدفن ، أمن أجل هذا ؛ أدفن وأذرف دمع عمر الحسرات و تاؤهات امرأة مطعونة بجسدها ، لم تكن غريان بسقوف لكنها ثابته تحت الاقدام وما تحتى - الآن - سباخ طبقة على طبقة ، الروح جفت ، الملح طبقة على طبقة ، الجسد هرم ؛ ماتت الحواس واشتعل الشيب .. وصيورك لوكرك ياطير .
لم تعد هذه بنغازى ياجدتى - كذا كنت أقول في داخلى وأفصح لنفسى عن مكنونى و ما يكوينى أنها لم تعد تسمعنى ولم أعد أسمعها ؛ أصرخ في واد وتآذن في جرة – كذا كنت أقول في نفسى التى هي أيضا لم تعد تسمعنى ؛ وأنئذ دهست سيارة الكيول حمالة الحطب عيسى الاشقر أخى الصغير ؛ وأنئذ تحولت العلوة لمهبط للشاحنات ومكب لزيوتها المحروقة كذا كنت أقول وبنغازى قد أعطتنى بظهرها ، كل شئ لم يعد لي حتى أوجاعى أتكتمها فالكل أصبح لهم أفواه ثلاث ، المعلم غضب برم ، ناظر المدرسة مشغول والأخرون على عجل ، أجر ظلى تارة ويجرنى تارة : السيل يجرف كل شئ جرفا ، الماء يعلو يتشبت بأعلى الوادى ، حتى غص الوادى ، أتشبت بشعرها ، وهي تفح بزنديها تظغط وتهرصنى ، العرق يحرق عينى ، يدها تمتد نحو عضوى وخصيتى تقبض عليهما متشبته بهما ، تتشبت من حلاوة الروح وعذوبة الحياة بعمود بيت الشعر الذي جرف من الحافة العليا للوادى وهي تصرخ ، كنت ائن من ثقل الردفين وقبضة الفخذين ، حين صعدت كانت روحى تصعد معها ولما اخترقت السقف سبحت فى هواء مثقل بماء لزج انساب من ثغر يحوطه الزغب ، روحها تطير وهي تمسك بالعمود آخر قشة في بحر متلاطم من مياه الوادى ومياه البحر في برزخ ملتقاهما ، درنة تغرق في شبر من ماء فما بالك .. لما يطلع الوادى والسيل يجرف قافلة من جمال هائجة ومائجة تسكب غضبها في شوارع مزدحمة بالرجال والصبيان المتشردين ، تدوسنى في مرقدى حتى أعبيه بمائي فيغدو الفراش سبخة من صنعى ، وتدق أوتاد بيوت الشعر في السرير الذى غدا سدة تقبض الانفاس ؛ وألعب في هذا المراح وصديقي الصرماني لعبة الهنديان والكاوبوى من أجل الفرخة التي في أخر المشهد يعضها البطل في فمها ، ويقرصنى الخوف في حبة الفؤاد . ومن على جبل القعود الأسود نطل على المرج قارة في لون الدم ؛ هذه بطاح برقة الحمراء قلت فاحذر يا محمد ؛ لقد نهض العجاج من قمقمه وسد الفم من أثره عن الكلام ، عطر الغبار أحاط بكل شئ ، والتعب بلل النفس لما جف الحلق . الارض تميد تحت الاقدام ، حين تغيب البركة ويغضب صلاح البلاد، لا محالة السخط كذا أخذ يقول كشيرمه الولى الذى يخافه بعض رجال السلطة قبل غيرهم من الناس : مدت الخيوط والماء صعد مع الحيوط ، والمرأة لها عين ترى، فكت الخطوط لم يعد كلام الله سر الخاصة ولم يعد يخيف العوام ، صار كلام النصارى أو من يسمونهم علماء الذرة والفجرة كلام العامة ، صعد الحديد السماء فلا محالة العذاب جاء والآخرة قربت . إذا زلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأرض أثقالها ، وقال الإنسان مالها ، .. صدق الله العظيم كان أبي يقراء هذه السورة القرآنية الكريمة وهو يرتجف وأمى تبكي لما كنت وجدتي ندخل البيت مذعورين مقرورين ؛ المطر عاد من جديد وليبرر غيابه حول السماء إلى غربال ، السماء انهمرت فجأة حتى اندمجت في الارض ، غاب الافق ولون الظلام الدامس المشهد بلونه ولما انقطعت الكهرباء أخرج لسانه ولعق أي نور في كل الامكنة وأطلق الزمام لأهل الليل يعبثون ويشاغبون . حين خرجت وجدتي من بيت أبي متجهين نحو بيتنا ممسكا بحبل السرة ردائها بعيد آذان العشاء لم أفطن لما حدث ونسيت ماقبله فلقد اصبت بالصمم إثر سماعى سقوط شيئ هائل عند رجلى عرفت في ما بعد أنها بلوكة : حجرة من حائط بيتنا الجديد الذي يبنيه سى محمد الاوجلى ؛ هذا الحائط الذي انهار عقب اجتيازنا له بخطوات ، لم يصدق أحد نجاتنا من الذين أخذوا يتدفقون على بيت أبي للتحميد والتهنئة بسلامتي . ارتجت الارض وارتعشت السماء وأطلقت صواعقها وولول رعدها ؛ انهارت سقوف المرج ومن صداها فجعت بنغازى وسقط حائط بيتنا وغشيت الناس ، مفردة الزلزال مفردة قرآنية بيانية لم يكن لها وقع إلا في أذني حتى كشفت الارض عن أنها القبر وعن شهيتها لأكل الانسان كما البحر، لم يعد ثمة ملاذ خرمت السماء وحرك الثور قرنه بغضب لم تعتده البلاد التي عاث الزلزال بها افسادا ، الجيش الانجليزي خرج عن أسواره وهب من قواعده ببنغازي نحو المرج المنكوبة ، كنت وصبيان الحي نرمي الرتل الذي يمر في الطريق عند مقبرة سيدى اعبيد بالحجارة هاتفين ضدهم ملوحين بأيدينا الصغيرة ، كما فعل الطلبة الكبار الذين يتظاهرون تأييدا لناصر العرب، أو كما سمعت من خالي العائد في المساء باعتباره من جنود القوى المتحركة التي خرجت لتعيد للطلبة رشدهم الذي طار من أثر اذاعة صوت العرب ومكرفونها المدعو أحمد سعيد وصرخته ياعرب ، تجمع أهل البلاد في المرج لمساعدة المنكوبين . أطاحت رائحة الزلزال عقل بنغازي التى لبست الذهول عقالا ؛ تشققت الارض وتشققت الاجساد من البرد كما تشققت الانفس من الخوف ، طلع العفريت الاسود وماجت الدنيا ، لم تتوقف الارض عن الارتجاج كلما تقدم العفريت خطوة نحوى . الرصاص لعلع للمرة الاولى في شوارع المدينة منذ الحرب الاخيرة قال أبي كيف يأخذ بنو صهيون ماء العرب ، ألم يأخذوا أرض فلسطين ؟ ، أخذنا نطارد رجال البوليس والقوى المتحركة : كنداري طاقيته اسفنزة ، وقد تعددت الدوريات في شوارع المدينة الكئيبة بعد أن سقط بعض الطلبة قتلى وجرحى ، أخذ أبي وصحبه يلعنون في بيتنا الحكومة ويرددون اسماء بوقويطين والفزاني ، ولم أفهم شيئا . بدأ أن الزلزال لن يتوقف فقد وجدتني مرة ثانية في وسط القافلة ؛ جمالها من نوع كيول وداف وفيات تحمل المؤن التى تبرع بها الناس من أجل منكوبى المرج ، أو محملة ببعض هؤلاء المنكوبين الذين لاذوا ببنغازي التى سكنها القلق أيضا . اختلطت الخلائط وتحولت الشوارع إلى عجين من طين وبشر ، وأخذ سبات عميق الشمس فلم تلح في الأفق المعتم . تعطلت المدارس وسجن طلاب ومدرسون وأعلنت حالة الطوارى ، سكن الخوف المدينة والتمرد النفوس حين وصلت أنباء أخر أن طلبة من مدينة الزاوية فى أقصى غرب البلاد سقطوا صرعى رصاص البوليس ؛ اثر تظاهرههم ومحاولتهم الوصول إلى القاعدة الأمريكية : ويلس في عاصمة البلاد طرابلس . أبي تحول إلى أذن للراديو يحرك مؤشره بين إذاعة لندن وصوت العرب معاركا خالي وعمى في حوار طرشان حول ما يحدث . بدأت أفهم أن هنالك أمرا جلل يحدث وأنه لابد أن يكون لى دور ؛ ما هو ؟ لا أعرف . تجمعنا صبية العلوة نتدارس الأمر واسترجعنا محفوظاتنا فلم نجد أفضل من أفلام الكاوبوى ، لهذا انقسمنا ؛ جماعة منا هنديان حمر وجماعة كاوبوى واشتعلت المعركة ؛ جميعنا يريد أن يكون كاوبوى و لا يفضل أحد أن يكون من الهنديان فاضطررنا للقرعة حلا . فجأة تذكرت صاحب أبي ناصر زعيم الفقراء فارتضيت أن أكون زعيم الهنديان وهكذا حلت المسألة ، لكنى رفضت الهزيمة والموت كما تقتضى قوانين اللعبة فبأ الأمر في مجمله إلى الفشل . ازداد الغموض على وقد تلبدت سمائي بغيوم الحيرة؛ أصرت جدتي على البقاء لأيام أخر في بيت أبي الذى زاد غضبه وتسلطه ، وغاب خالي عن البيت أياما مما شغل جدتي وأمي ، لم يهتم أحد بازدياد حيرتي والصمت الذى عشش في داخلي وفقس بيضه وجوما مضطردا ، لأول مرة أعرف الوحدة رغم ازدحام البيت بأهلي وغيرهم ، اتخذت الكتاب بيتا سكنته ولم ينتبه أحد لغيابي مما زادني غيابا عن من حولي ولم أعد أجد للطعام طعما ، أزلت طعم الوحشة المرة بطعم الكلمات والأحرف وقصص الكيلاني الطازجة . تعرفت على شكسبير وتوفيق الحكيم والهند والصين في هذه القصص وسررت بمعرفتي لمصادر معلم المدرسة . كنت المعتزل الصغير وسط موج واصطخاب البيت ، ووسط كآبة الشارع وخوف الناس على أطفالهم الذين منعوا من الخروج ، وكنا نلتقي خلسة لنتبادل المواجع ونضع الخطط تلو الخطط للفرار من جهنم السجن الذى صرنا فيه ، وكم شدنا الحنين إلى المدرسة ، كم تمنينا أن تفتح أبوابها مرة ثانية ، كم تمنينا أن نكبر بسرعة لنفهم السر ؛ كل ما يحوطنا سر في سر ، وأهم هذه الأسرار حوائط الباستيل السجن الذى نعيش والذى قرأت قصته لزملائي : قصة مدينتين لديكنز كما جأت ملخصة في كتاب لكامل الكيلاني ، واتخذ كل واحد منا قرارا بأن يكون البطل . لم يكتمل المشهد حتى فتحت المدرسة أبوابها وطلب منا العودة للدرس و لأول مرة التقينا في الشوارع مهللين مغتبطين ، التقيت بزملائي وكأني كنت تهت عنهم السنين ، وفي رغى لا يتوقف تكلمنا عن أى شئ ولا شئ . لم يكن يوما دراسيا معتادا فقد خيم الفضول علينا كما خيم الارتباك على المدرسة واجتاح الغموض مرة ثانية المكان ؛ ثمة هرج ومرج في إدارة المدرسة وحوار صاخب يعلو حينا وينطفئ بين المدرسين وناظر المدرسة ، لم نتبين ما يحدث مثل كل مرة ؛ لكن صوت معلمنا الاكثر غضبا بين الاصوات الاخرى فيما صوت ناظر المدرسة هادئ ولكن مضطرب ومهتاج . فجأة دخل الناظر الفصل وطلب منا الخروج إلى فناء المدرسة حيث تجمعت بقية الفصول وطلب منا أن نردد نشيد البلاد :
يا بلادى بجهاد وجلادى      ادفعى كيد الاعادى والعوادى
ثم حمل بعضنا العلم الوطنى كما حمل أخرون صور الملك ، وقد تسابقنا من أجل فعل ذلك ، اقتدنا إلى اتوبيس كبير ، وكم فرحنا بهذه الرحلة المباغته التى لم نحلم بها مرة في غير زردة المدرسة السنوية لملقاة الربيع . في الاتوبيس أخذ بعض المدرسين يهتفون بحياة الادريس مليك البلاد وكنا نردد خلفهم حتى وصلنا شارع الاستقلال فانزلنا صفا صفا نحمل الاعلام والصور هاتفين فرحين بالدور الذى أوكل لنا ، مزهوين بأننا أخيرا صرنا من الرجال ومن الجيل الصاعد كما يسمى الصبيان الاكبر سنا منا . بانضباط قطعنا شوارع المدينة ، هكذا مرة ثانية أسوح في شرايينك يا بنغازى ، عند الكورنيش اختلط الحابل بالنابل ؛ جمع من مدارس الاطفال مثلنا والصبيان الاكبر وكذا البنات اللواتى نلتقيهم لأول مرة ، هذا الجمع تفكك وساح عند الكورنيش ثم تبعثر في ميدان الشجرة مع محاولة المدرسين وبعض رجالات البوليس ترتيب وتوظيب الصفوف ، ولم يفلح بعض رجالات المرور الراكبين الموتوسكلات وهم يطلقون مزاميرهم في اعادة بعض من سرح منا . أخذنى تماوج الازرق مع البياض ؛ أرض الكورنيش وصفاء البحر المستكين في وداعة المستريب ، الاخضرار الممتزج مع أسود الطريق ، كذا مطرزة بالاحمر كانت ألوان العلم الذى كلا متنى فوضعته جانبا ، سرحت فى غي المكان وتلاعب ظلال نخل الكورنيش مع صوت موسيقي قرب البوليس التي تنساب عن بعد ، شدنى الانفساح ؛ اتساع الطريق النظيف والمسفلت بنعومة كحية رقطاء بمحذاة اليم المستكين ، وذهلت عن الجماعة .
عم الظلام ولم يعد وأخذ الجدة البكاء ، ولولت الأم . عادت مسيرة الاطفال وقد غلب النعاس أغلبها ، وقد طاش صواب المدرسين وغلبوا على أمرهم ، وكان أخر المطاف الميناء حيث هناك فقد أحد أطفال مدرسة دكاكين حميد الابتدائية ، غيمت السماء والنفوس وبددت الحيرة ما تبقى من صواب : أين ذهب ؟ . قل أين ضاع ؟ ، لا أحد يتحمل مسؤلية ما يفعل ، وكل شئ لا يسمى باسمه . الزبد غطى الافواه كما غطى الامواج التى أخذت تعلو ومن أثر ذلك سكب البحر الغضب على جنبات الشاطئ فيما جرف الغضب الأب في شوارع المدينة عن غير هدى والخال الذى عاد من ثكنته . جمع وقف أمام باب البيت وفي المربوعة من الرجال وامتلأ داخل البيت بنساء الجيران والاقارب ، ولولت الريح فوجلت القلوب ، تباشير عاصفة في الأفق ولا شئ يحدث ولا أحد يجئ .
لامت الجدة ابنتها على تركها إبنها يربيه الغريب ثم في وجد غنت نشيدا بلغتها الغريبة وكأنها تستدعى كل غريب أن يعيد قريب قلبها ، اربك الغناء النحيب النسوة فانكمشنا وتدثرنا بالصمت . لامت الابنة أمها على أنها دلعت إبنها وأفسدته فضاع منها وعاد أطفال الأخرين ، وأخذت تولول والنساء يحاولنا اسكاتها ، زادت الريح وطرقعت صاعقة فسقطت القلوب . كان الاب قد صرح بغضب متشجنا أن الفرخ لن يعد لبيت جدته أبدا من فور أن يعود ، وحلف لأجل ذلك الطلاق بالثلاثة ، أثنى العم وغمغم الخال .. وطلب الجار الصبر ..
لملمت المدينة ردائها الارجوانى وتدثرت لحافها الاسود عادت الطيور إلى أعشاشها بجبانة سيدى اعبيد والنوارس سكنت عن حراكها عندها ظهر طوير ليل وحيدا في الفضاء . أغلقت الابواب وانطلقت القطط والكلاب في الزوايا وعند مجمعات القمامة ، وقف الخفير بهراوته في مدخل السوق المغلق يرقب المكان الذى غادرته الشمس على عجل فيما بقية من خيوط ثوبها الشفقى علقت بنهاية المدى . عندئذ بدأ سريان منع التجول والأب والخال والعم والجار والقريب لم يعد منهم أحد ، وانتشرت القوى المتحركة في الشوارع الرئيسة بالمدينة ، شقت سيارات البوليس الطريق ولم يعد أحد وليس ثمة خبر عن الغائب .

ـ انتهت ـ


هـذه الرواية

تنطلق رواية " سريب " للكاتب الليبي أحمد الفيتوري أساسا من سؤال إشكالى يتعلق بجدل الأزمنة وخاصية التشكل الذهني والعاطفي ، في إطار هذا الجدل الذى يحدد أحد مستويات السرد الذى يشبك نسيجه في جدل آخر مع مستوى سردي يتعلق بذاكرة مكان حائر اسمه ليبيا يتكثف كوزموبولتيا وبكل تناقضاته في مدينة بنغازى التى تنعتها الحكايات الشعبية برباية الذائح.

ينمو الطفل في كنف جدة تقاوم الوحدة والموت بالسرد ، وتحاول أن تصدر جسدها المهزوم إلى حفيدها اليانع ، ويتم ذلك في إطار اللعب .. تعويذة الاجساد الشارفة ضد الزوال ، التى تتلهى بالسياحة عكس عقارب الساعة ، بينما الطفل الذى يتحول إلى أذن مشرعة بحجم الذاكرة يتشكل في بيت الجدة ؛ مملكة الميثلوجيا الصغيرة ، حيث الخوف من الليل المبكر والاشياء المسكونة بالاشباح واحتضان براعم الضؤ الأولى والاسئلة النازفة من عينيه الفضولتين .. الطفل المصغي بمرح إلى رنات مفتاح صندوق الذاكرة المزخرف المسكون بالاسرار والروائح الصامته ، الطفل المتلصص من ثقوب الصفيح على نزوات الأب ، والهارب من عصا السلطة إلى حضن التابوت ليتشكل في ذروة التماهي مع تشكل المدينة مستودع الملح والذائحين .. المدينة التى تنبثق من الاساطير وسط هذه السباخ ، والتى تتحول فيها الحكايات إلى عرجون بلح يهش الرمال عن عتبات البيوت .

رحيل الجدة في المكان الوعر المحاصر بالظمأ والجوع والموت إلى فردوس غامض وسط بحيرات الملح يكمله الطفل في رحيل آخر إلى مدينة في الشرق ، وفي الحالتين يشرق الجسد بشهوته ليقاوم الموت وهاجس الزوال .. الجدة التى تنهض فجأة من احتضارها أمام عيني الرجل الطافحتين بالشهوة ، والطفل الذى تغتصبه امرأة في مدينة الحلم ، عندما كان الفيضان يهدد الجميع بالزوال .

انها رواية الاسئلة التى تتشظى باطراد ، والتى تنسج من الذاكرة والاساطير والتاريخ وسيرة الجسد والمكان الطارئ والذوات التائهة نشيدها الذى يتصاعد مع الدفق الشعرى المبثوث داخل تقنيات سردية دوارة تحفر زمنها العمودي في المكان الممتد أفقيا بحثا عن هوية ما لهذا المكان المغلف بالاساطير ، أو سعيا لاكتشاف الذات الذائحة فيه .

سالم العـوكلى


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home