Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Wednesday, 25 October, 2006

     
       

رواية

سـيـرة بني غـازي (4)

أحمد الفيتوري

بورتريه الثعـلب..

صغير ، قصير، لكن ليونةالجسد ورشاقة الحركة توحيان بضخامة فهو دائم المباغته!.متردد لكنه حازم؛ تردده يربك الخصم فيكون حزمه قاطعا . يجيد الإختفاء حيث السهل الكاشف وحيث الوضوح فمقدرته أن يكيف المحيط لمراده . يسكن الفيافي لكن المراتع الضيقة والأزقة مثلما البساط والأرض القارة ، تبين جميعها أنه سيد المناورة.
كثيرا ما اقتحم الشوارع في مدينة بنغازي كما لو كان يمشط محيطها الصحراوي.
كثيرون لم يلتقوه وجها لوجه، لكن الجميع يقر بمكره ؛ الحق دهائه. عند الجميع أسطورة ، عند الجميع البطل ذو الإمكانيات القليلة الكثير الحيل . هكذا رتع ثعلب الصحراء في أركان بنغازي ، أما في ليل أهلها كثيرا ما جالت أساطير الثعلب التي تنسج من احباطات وخيبات عاشها أهل المدينة في مواجهة جيش فاشي مهزوم.

7- 2- 1941م .
عزيزتي لو
تسلمت وظيفتي في الليلة السابقة وهي حل معقول لمرضي الروماتيزم . وفي الوقت القليل المتيسر يتحتم على أن أجمع كل ما أحتاجه.
آخر الأنباء الواردة من افريقيا سيئة للغاية ؛ فقد استولي ويفل على بنغازي ، ودمر آخر فرقة مدرعة للإيطاليين جنوبي المدينة .
لذلك طلبت أن يهاجم ميناء بنغازي في نفس الليلة ، وارسال قاذفات في الصباح التالي لمهاجمة الطوابير البريطانية جنوبي غربي المدينة . ويبدو أن الإيطاليين طلبوا عدم قذف بنغازي بالقنابل لأن كثيرا من الضباط والمدنيين الإيطاليين يمتلكون منازل هناك . ولم أصبر على هذا ، وقام العقيد شماندت بالإتصال بمقر الفوهرر وتلقي تعليماته بالموافقة، وبعد ساعات قامت أول القاذفات الألمانية بقصف قوافل التموين البريطانية المتجهة إلى بنغازي.

· 26 – 3 – 1941م
عزيزتي لو
تحركت هذا المساء نحو الشمال لأرقب سير الأمور ، في جبهة الإستطلاع الثالثة التي تحركت في اتجاه بنغازي ، وعندما لحقت بها في منطقة المقرون أخبرني فون ويخمار أنه لم يصطدم حتى هذه اللحظة بأية قوات بريطانية ، وأن قسيسا إيطاليا قادما من هناك على الفور أخبره بأن الإنجليز أخلوا المدينة بالفعل، وبناء على طلب فون ويخمار أرسلت الكثيبة فورا لإحتلال بنغازي.

· 8- 4 – 1941م
عزيزتي لو
ليس عندي أية فكرة عن صحة التاريخ. فنحن من عدة أيام في هجوم مستمر في الصحراء اللانهائية، وفقدنا كل فكرة عن المكان والزمان. وكما تعرفين من الأخبار فكل شيء على مايرام. وفي 4 من الشهر زرت بنغازي مع رئيس أركاني وآلدينجر. وصلتني تهاني الفوهرر على النجاح غير المتوقع، ومعها تعليمات للعمليات القادمة تتفق مع ما أهدف إليه تماما.

· 22- 4 – 1941م
عزيزتي السيدة رومل:
انني مدرك أنك قد تصابين بصدمة عندما تتلقين رسالة مني ، ومع هذا فقد قبلت المخاطرة لأؤكد لك أن كل شيء على مايرام بالنسبة لزوجك المحترم الذي لم يتوفر له الوقت للكتابة إليك خلال الأيام الماضية ، لانشغاله باستمرار وقلقه أيضا لأنه عزم على ألا ندخل طبرق فحسب بل على أن نتقدم إلى ما وراءها ، وهي رغبتنا جميعا وبدون استثناء . ولكن في الوقت الحاضر أصبح ذلك مستحيلا ، لأن عدد القوات الألمانية قليلا جدا ، ونحن لا نستطيع أن نفعل أي شيء بالإيطاليين ،فهم إما يرفضوا التقدم كل الرفض وإما أن يهربوا عند أول طلقة أو لا يتقدموا على الاطلاق ويرفعوا أيديهم على الفور بمجرد ظهور أي إنجليزي . وبالطبع ستفهمين يا سيدتي كيف تكون القيادة صعبة بالنسبة لزوجك. ولقد نشر مقال عن زوجك في العدد الأخير من مجلة " راس الرايخ " وأظن أنك قرأته . وقد غضب زوجك للغاية وكتب على هامشه معلقا : هراء.
* الموقع الرائد شريبلر

· 29 – 9 – 1941م
عزيزتي لو
كانت الأيام القليلة الأخيرة مثيرة. فقد وصلت بنغازي شحنة كبيرة واستمرت عملية التفريغ 50 ساعة ، وتم كل شيء على ما يرام ، وتستطيعين أن تتخيلي مدى ابتهاجي بهذه الشحنة، فنظرا للحالة السائدة في البحر المتوسط ليس من السهل الحصول على أي مدد عبره. ونحن في الوقت الحالي نمثل الدرجة التالية في الأهمية لمسرح العمليات الروسي ، ويجب أن نرضي بالفائض بعد أن يستكمل احتياجات المسرح الروسي.
الريح تصفر في الخارج بالرغم من عدم وجود " القبلي " . وفي هذا المساء سيقوم جونثر بتقديم البطاطس المحمرة وأنا متلهف لتناولها بعد امتناعي عن طعامي المعتاد عدة أيام .

· 25 – 12 – 1941م
عزيزتي لو
لقد فتحت مساء أمس هدية عيد الميلاد في مقطورتي ، وسررت للغاية برسالتك ورسالة مانفريد وبالهدايا . وبعضها مثل زجاجة الشمبانيا أخذتها فورا إلى عربة الخابرات حيث احتسيتها وبرفقتي رئيس أركان حربي ورئيس عملياتي ورئيس مخابراتي ومرت هذه الليلة بهدؤ. وقد سببت لنا الفرق الإيطالية قلقا شديدا ، فهناك أدلة مخجلة على انهيارها ، وتضطر القوات الألمانية لتتدخل لانقاذها في كل مكان . وقد خاب أمل الإنجليز في بنغازي فلم يتمكنوا من عزلنا وتطويقنا هناك ، و لا يوجد أي وقود أو تموينات .
حاشية: لا أظن أنني قد أخبرتك بعد أن شريبلر قد لقي مصرعه في حادث أليم ، إذ مرت سيارة " الفيل" فوقه .


توقيع مونتجمري!

الذئبة ترضع جراها السبع فيما الثعلب يعيد الإستلاء على الساحة ؛ لمرات ثلاثة تبادل الأسد الهرم المدينة والثعلب الطامع في الإستحواذ على أي شيء؛ حتى لا شيء .
عراك الوحوش طحن عظام المدينة العجوز: ليلة البارحة، مثل كل الليالي. مواءُ القطة، صدعَ شوارع المدينة. لكن بنغازي، مدينة غارقة في ليل شخيرها. حتى لم تفطن للإعلان رقم 1 ، للحكومة البريطانية العسكرية في برقة / الإحتلال الثالث :
لما كانت بعض المناطق الليبية في الأيام الأخيرة تحت الحكم الإيطالي ، قد أعيد أو سيعاد احتلالها على أيدي قوات صاحب الجلالة البريطانية ، وقوات أخرى تحت قيادتي ، وبما أنه يترتب علي بوصفي القائد العام أن أؤمن حفظ النظام في المناطق السالف ذكرها . بناء عليه ، أنا الجنرال مونتجمري أعلن ما يلي :
1 – بدء الاحتلال : يعتبر بدء الاحتلال من تاريخ توقيع هذا الإعلان .
2 – بطلان الإعلانات والأوامر السابقة ؛ وبالرغم من هذا البطلان فإنه إذا كان أي عمل من الأعمال قد وقع بمقتضى أي إعلان أو أمر ملغى فإن ذلك العمل يعتبر صحيحا ، إذا كان قد وقع في مكان احتلته قواتنا تحت قيادة أحد أسلافي ، وكل من يكون قد ارتكب في أي مكان من هذا الأمكنة جرما مخالفا لأي إعلان ، أو أوامر من تلك الإعلانات أو الأوامر ، يكون عرضة للعقاب من محكمة عسكرية تشكل فيما بعد بأمر مني .
3 – حفظ الأمن العام : بهذا أنذر كافة سكان المنطقة المذكورة ( ذكورا وإناثا ) ، بأن يكفوا عن إتيان أي عمل من الأعمال التي تؤدي بطبيعتها إلى الإخلال بالأمن العام ، أو الإضرار بمصالح قوات صاحب الجلالة البريطاني وقوات حلفائه أو قوات أحلافها أو مساعدة أعدائهم ، وعليهم أن يمثلوا في الحال لجميع الأوامر الصادرة بمقتضى سلطتي . كل من تثيت إدانته أمام محكمة عسكرية لمخالفته أي أمر من هذه الأوامر يعرض نفسه للحكم عليه بالإعدام ، أو أي عقاب أخف منه كما أجيزه .
4 – مادام أهالي البلاد المذكورة يلتزمون السكينة ويطيعون الأوامر ، فلن يكونوا عرضة للتدخل بأكثر مما تحتمه المقتضات العسكرية.
5 – تعلق صورة هذا الإعلان وما يليه من الإعلانات المختلفة المختصة بالأهالي في كل دائرة متصرف ، وفي كل دار محمكمة وفي كل مركز من مراكز الشرطة الداخلة ضمن إخثصاصي .
صدر في هذا اليوم الحادي عشر من شهر نوفمبر 1942 – ب . ل . مونتجمري – جنرال . القائد العام للجيش الثامن . ازدحمت الأشباح تطالع طالعها ، لم يكن أحد في المدينة ساعتها ، هذا الثامن للمرة الثالثة يلطخ الأبيض بالأسود ؛ في مرتين سابقتين محى جيش البارينز وتابعه قفة موسوليني، هذا التلطيخ . رتع الورق في الفراغ ودوخ الأمر الشرطة فهي قوة إيطالية حارت في معرفة أو ترجمة لفظة الأهالي ؛ في المرتين تمكنت هذه من ذلك فكل من تعاون مع المحتل هو عدو ، لكن الخلطة الثالثة تبدو ثابتة ، لهذا أهدر مونتجمري منيه الأسود على حيطان منهارة ونفوس لا وجود لها حتى في السجل المدني الذي لا وجود له أصلا ؛ حيث حضر كل أحد لا وجود له ، وسجل غياب من توجه لهم القرار ، فالمدينة كانت دون أهل والأهل دون مدينة . لكن الإحتلال الثالث ثبت أركانه حيث تداعى كل شيء .

عقارب الميدان الميتة!

دقت ساعة الميدان ، وكنت واقفا متسمرا أتفحص عقاربها الميته ؛ التي لم تدق من زمن طال و لا حتى في التو ، نهض أحمد رفيق وانساب في لجة الميدان ، كانت الساعة واقفة عند التاسعة تماما ، وكنت الشاهد على هذا المشهد دون أن أتبين مغزاه : [ رجل فى مقتبل العمر يقف على طاولة فى المطبعة يقوم بجمع رصاص الأحرف وترتيبها ، أي يعد المادة الصحفية منهمك فى عمله ويوجد بجانبه أوراق وبقايا مجلات وغيرها ، وهو فى هذا الانهماك يدخل رفيق وهو يمسك بعكازه " مسعودة " خلف ظهره بتؤدة ، مرحا ينظر من خلف الرجل الى الرصاص ، ثم يقترب ويأخذ جزءا منه ليقرأه تحت المصباح الموجود قرب الطاولة ، فجأة يغضب وبعنف يدفع بالرصاص المجموع على الأرض ويقف غضبا ينفث .]
عبد الله الجهمى : يا أستاذ راك اتفركس فى شغلى .
احمد رفيق المهدوي : ( بغضب) هم ايفركسوا فى شعري وانت ياعبدالله الجهمى تجمع فى ..
عبد الله الجهمى : انا نجمع فى المجلة كلها من الصفحة الاولى لاخر صفحة ، وانت مش اول مرة اتفركس شغلى ..
احمد رفيق: ( يصرخ ) ولا آخر مرة ، اسمع ياجهمى أنا قلت ياتنزل القصيدة كلها يا لا ( بقوة ) يالا فاهم يا عبد الله .. فاهم ياسى الـ
[ تندفع طفلة نحو المكان دون انتباه الرجلين فيتوقف رفيق عن إكمال جملته،وحين تندفع الطفلة على المكان نشاهد صورة خديجة الجهمى على الشاشة ]
الطفلة : ( وهى مندفعة وبيدها كراس مدرسي )
باتى ، باتى ، باتى نبى عمى الشاعر يقرا لى الدرس الجديد ….
[ حين يدرك أحمد رفيق تواجد الطفلة خديجة الجهمى ؛ لابد أنه سيدارى غضبه بالاندفاع للشارع ، ولما كان الوقت ليلا فلا بد أنه سيذهب حيث اعتاد أن يقضى ليله ؛ مع ثلة الاصدقاء ، كما يمكن تصوره في المشهد التالى :
المكان " مقهى الشاطئ " ، حيث تتحلق ثلة من الأصدقاء فى جلسة صاخبة عابثة حوار وأصوات عالية يتخللها الضحك والمرح ، النادل يقوم بخدمة الجماعة دون طلبهم ]
امحمد كنوش : ( يقفز ويقوم بحركة فص قوى ) فى الجخ فى الجخ ، تحلم الدجاجة. سى محمد الفيتورى طبيب ؛ دكتور فوق العين والرأس لكن يفتى فى الشعر ، واجد واجد ، ( يلعب بحاجبيه لإزعاج الدكتور ) واجد راجنك ..
محمد الفيتورى : ( ساخرا ) علاش ، الشعر فتواه عندك يا سى محمد يا كنوش (بصوت عالي ) محمد كنوش لشؤون الشعر ليمتد .
عيسى بن عامر : ( مقاطعا )
ومن صدق الأخيار داووا سقامه ... بصحـة آراء ويمـن منـاقب
محمد الفيتورى : قول ياكنوش علاش تحوس ، آهى غابت وجابها الشيخ عيسى
محمد كنوش : الشيخ بن عامر يا دكتور دائما وابدا يعترفله الاستاذ بامتياز التخصص فىعلم الفرائض .
عيسى بن عامر : لا محمد لا عيسى عندهم فى الشعر ..
محمد الفيتورى : ولا الشيخ ولا الدكتور امفات الكنوش
محمد كنوش : وكانت عصى موسى لفرعون آية
ونحن على الأبواب نقصى ونحجب
تطاع فلا تعصى ويحذر أمرها
ويرغب فى المرضاة منها ويرهب
[ يدخل القاضى موسى البرعصى ومن بعيد وهو مقبل يتكلم ]
موسى البرعصى : هذى عصا الاستاذ ، مسعودة
محمد الفيتورى : إذا حضر القاضى موسى البرعصى بطل
موسى البرعصى : بطل الطب يافيتورى ، تستور يافيتورى ( يجلس ) انتم لازم مختلفين على مقال رفيق اللى طلع اليوم فى العدد الجديد من المجلة مش هكى
محمد كنوش : وعلى ايدك انحجوا يا قاضى موسى
عيسى بن عامر : انخشو للقفص على ايد البرعصى مش انحجو
موسى البرعصى : سئمت أنفسنا حتى متى
نعبد الشعر على حرف الرياء
نال منا للقوافى قـفص
كـلنا فيـه شبيـه الببـغاء
قادة التجديد لم يبدو لنا
مثلا يرضـونـه للاقتـداء
محمد الفيتورى : ( لكنوش ) مش قتلك . (يخرج مجلة ليبيا المصورة من جيبه ويأخذ فى القراءة) وسأبين رأى والحق أقول إنى وجل من أن أقدم عليه ، ولكن لا أرى بدا من عرضه على الجمهور طالبا منهم الرأي فى الموضوع ،وليحسبوني محاولا الوصول إلى غاية لا أدعى أنى فرغت منها …
عيسى بن عامر : ( بغضب مقاطعا ) وانت شن قلت يا دكتور ، امغير تقرا فى المقال ..
محمد كنوش : [ يخطف المجلة ويقرأ بتهكم ] أليس من الجمود ألا نخرج عن حروف التقطيع التى جمعتها جملة " لمعت سيوفنا " وأن نظل مربوطين فى أوتاد مفروقة أو مجموعة وأسباب وفواصل لا تنفصل عن قولهم " لم أر على ظهر جبل سمكة "حتى يعيش السمك على ظهر الجبال ..
( يحدث لغط واحتجاجات وضحك صاخب )
قالك ظهر جمل عليه الحوت
الحوت عليك يا فيتورى
وعليك
صلى عليك الحوت يا كنوشى
هضا الحوت فى سوق الحوت ..
موسى البرعصى : محكمة [ الجميع يسكت ] هيا يا جماعة نمشو للأستاذ وغادى ساهل .
محمد الفيتورى : توه عنده درس خديجة بنت الجهمى .
محمد كنوش : لا ، لا ، توه فى جليانة عا لشطيطة .
( الجميع يهم بالخروج حينه يدخل رفيق وهو يردد وينغم
قصيدة " أدهى من الشيطان " وكأنهم سكارى )
أحمد رفيق : الشيخ مـوسى البرعصى / نـعم الوكيل والوصى / يقضى على الخصم ، / بلا ريـث ، ولا تربص / بالشرع ، والـقانون ، / أو بحيلـة ، ومـخلص / إذا أتـى لـحـاجـة / لا يمشى الا بالعصي /وإنـه أزكـن ، مــن / ايـاس ، فى التخلص / وشـاعـر ، مـبرز ، / مثـل عبيد الأ برص / لـكـنه ، لـخلسه / لـيس بواف مـخلص / يـحـل لـى هجاؤه / لـهجـره الـمنغص / فـأنت يـا ثلج الشتا ، / ويـا فسـاء الحمص / افتـح لنا،عينيك كا / لطماطـم " المعفص " / واذكـر عهودا سلفت / " لا تنسنا يا بو العصي " .
وان غصت في لجة الميدان فإن ما خالج نفسي من تصدع المبنى صدنى عن توثبي للولوج في مبنى البلدية ؛ هنا في يمينه الساعة الميتة ، تابوتها صومعة عاليه تخترق كبد السماء ليرقد المبنى في دوريه تحتها ، ثمة مقدمة كثيرا ما عدت مسرحا لخطب من تزعم ، وفي أركانه أصداء الدوتشى وشعارات الفاشسيت ووقع أحذية عساكرهم ، في المدخل باب ضخم اقتاته السوس وفيما مضى يفتح على مصراعيه ليتسع صدر الزعيم ، بين هذا الباب وبين الباب الصغير في الشمال ؛ ثمة زقاق البلدية خاتمته البحر يموج بمخاطيره ، يسفح دمه فيكون الزقاق بوق تلاطم الموج وسد الشاطئ وتوجعه . على يمين المبني جنان صغير طال عمره ومنه كان يطل الزعيم كما يحب أن يسمى ؛ رجل سرح عن عقله وعقل النفس بالجنون كملاذ أخير في مواجهة صعاب الحياة ، يخرج من مكمنه كل صباح ليلقى خطبة اليوم في الشأن العام ، ثم يعود إلى مخدعه هاربا من أى شئ وحتى من لا شئ ، مشغولا بالبحث عن جبانة تمنح قبرا لـ " عقارب الميدان الميتة " ، كذلك كلّ عقله البحث عن جاليري وحيد يضم بورتريهاته التي رسمت ذاكرته المضيعة .


بورتريه إبراهيم الكوني

لم يكن إبراهيم الكوني مطمئن البال، في حالته يكون المرء متلبس البلبلة؛ لقد دفن الصادق النيهوم منذ ساعات، صديقه. لم أكن في حال الكوني شدني أنه أعرج مثل إدريس المسماري الذي كنا جالسين في بيته وأن بينهما مشترك جم يدلل على الاختلاف أكثر منه على التوافق. هكذا وجدت في حينها أن اجتماعنا حول الموت ما فيه من اجتماع هو لتبديد اللحظة، وأن الوجوم الحاصل من آثر ذلك والبلبلة المتلبسة صاحبنا من اقتنصنا مجيئه لتوديع جثمان صديقه وتسليمه للتراب ودوده في مسقط رأسه، أن هذا مدعاة لتأمل وجه إبراهيم الكوني من ينكفيا شارباه لأسفل باعتباريهما ثقلا لا يحتمل ؛ فمن جهة يذكر بآخر غير محسوس معناه في اللحظة هو جوركي الكاتب الروسي الذي درس إبراهيم في معهد بموسكو يحمل اسمه ، من ناحية ثانية فإن الشاربين يجعلا الرجل غريبا رغم أن اللحظة مزوقة بالحميمية. الشاربان والعرج وطول القامة جعل الكوني كقرطاس ككاغد وهو لا يهمد و لا يكل من حركة؛ نمل باحث عن شيء غير موجود أو غير مرئي وهذه حالة لحظتها باعثة للقلق.
كنا في صالة الشقة، في حي الكيش، في بنغازي، لكن المكان لم يكن له أيا اعتبار عندها ، حتى الزمن رغم أني لاحظت كثرة ما استرق الكوني النظر للساعة ، بالتالي لم يكن متأملا للحظة و لا في حالة انشداه. هل هذا يمكن تأويله أنه في كتابة دائمة تقصي محيطه وتكون حالته واحدة رغم تعدد مظاهرها؛ ديمومة الكتابة دون تبصر لغيرها. ما الذي يدعوه إذا لقطع هذه المسافات صحبة جثة ستوارى التراب في مدينة بنغازي قادمة من جنيف حيث انطفأت الروح ؟، لم أجب وحتى لم ابحث عن إجابة . لم ننخرط في نقاش أو حديث كان كل شيء متقطعا ؛ الحقيقة أن الميت كاتب كبير ويعني لكل منا معنا خاصا ، لكن أيضا الالتقاء - للمرة الأولى وقد يكون الأخيرة في بنغازي – جعله إبراهيم الكوني لا باعتباره الكاتب و لا الصديق أكثر غموضا وجعلنا في لحظة عاطفية مشتبكة .
لم يبدو الرجل ابن الصحراء ونحن أبناء مدنها ، كأنه مقرور، كأنه كائن شمالي ينكفي على جسده بحثا عن الدفء ، فهل كتابته المحمومة عن الصحراء بدافع هذا البحث ، وقد تصير شماليا في العظام أكثر من أنه ابنها أصلا كطارقي ولد وعاش الجزء الأول من عمره في الصحراء الليبية . وحتى إن شف تصوفه عن لا رغبة في الطعام فإن ذلك الجانب المادي الظاهر لم يغطي كينونة أوربية تتلبس الروح التي تتغطى بالقليل من اللحم وبعظام ناتئة .
لم يكن إبراهيم الكوني ساعتها في بنغازي وإن كان بالقوة فيها فهو فعلا لم يكن معنا ؛ ليس ذلك لأنه تائه عن المكان ومحسوسا ته وحسب بل في وجوده ذاك لم يكن موجودا .
تأملته وتسألت دون تفكير و لا تأمل : هل لوجوده في جبال الألب السويسرية ، فترة طويلة قبلها في موسكو ووارسو ، مدعاة لهذا الصقيع الذي ينتابني ؟ . ساح فينا دون أن يحسنا ، باحثا عن لا شيء ، لم تلتق العيون لأن عيونه تنظر لداخله وككائن بسيط بدأ أنه ملأ المكان بملامح حادة ونظرة ثاقبة كنقار الخشب ، وتقتير متعسف للكلام ؛ هذا ابن الثقافة الشفهية أكل القلم لسانه فلم يعد يلوك الهواء و لا يستسيغه : هكذا يمكن أن يخطر في بالكم ، لكن ذلك لم يكن في البال .
استعار لأجل صديقه النيهوم بعيض كلمات وشد على أهمية الرجل ، كأن ذلك حمل ثقيل ؛ لقد أنغرس في الكرسي إلى أن بات الكائن الخفي المتجلي كمتصوت لروح القرين الذي يتحدث عنه . درب النفس على الحضور في الغياب قد تكون علقت اللحظة أو قارئ ما بذلك . حدة تضاريس جسده وملامح وجهه تحيل على الودان الذي يتشابه حد الانمحاء ؛ فكرت في ذلك ساعة تبدد كل شيء ، حينها لم يمكن لي حتى الإمساك بهذه . في الهنيهات أعاد ترتيب جسده مرات عدة ، كأن الروح في غير وئام مع الجسد الذي جعلاه الرجلان الطويلان كنخلة طاولها جفاف طال ؛ كان ذلك في جلسته في كرسيه ذاك حيث طلع كنبتة صحراوية تراها جلية وان صغرت ، بشرته النحاسية الخامدة لم تكن تعكس ضوء الوناسة المنزوية في الركن خلفه لكنها عكست صوت روح متبرمة ؛ لحظتها على الأقل لم يكن من المنصتين . من ملاحظاتي أن الطارقي إن تكلم غمغم ، ليلتها تكلم إبراهيم قليلا لكنه غمغم أكثر ؛ حتى حين حدثته عن الجبل الأخضر وضرورة زيارته وافقني بنفس الطريقة ودون اكتراث . وان تكون سحنته تحمصت بالشمس فإن جوا نيته تحمصت بالصحراء : بالرمل والثلج ، ومما زاد عتمته شح الضوء في صالة البيت ، لهذا تنخ في المكان لكن جسده كان يسعى وبه توق للفكاك .
حارت سيدة البيت أم العز وارتبكت فلم تتحقق مما يريح الضيف ، انشغلت عنها باعتبار أن الضيف ليس ممن يبحثون عن الراحة ؛ قلت في نفسي من جبال أكاكوس لجبال الألب أي ودان هذا ، متذكرا أن ودان روايات الكوني تنسك في جبل أحد ، غير هذا فلابد أن في جوا نيته الصحراء أنبتت ترفاسا يقتاته. في هذا الانشغال أخذت أقلب روايات التبر ونزيف الحجر والمجوس ، أنهكتني متابعة شغل الكوني ، عدت إليه فلم أجده ؛ على رأس الجبل ثمة عمامة زرقاء لكن رأس الجبل رغم ذاك يبان أصلع .


بورتريه لتوينبي

قلبت الصفحة شاهدت من بعيد المؤرخ الانجليزي الشهير أرنولد تويني خارجا من مدرج أحمد رفيق المهدوي ، كأنه مل الجلسات المطولة لمؤتمر تاريخ ليبيا القديم ؛ خاصة بعد أن ألقي محاضرته وارتاح ، انحرف باتجاه البحر عند الكورنيش تنسم الهواء الرطب فارتخت مشيته ، جال في المكان وكأنه يصيخ السمع لطائرات بلاده وهي تدك ميناء المدينة ، تفطن للبحر وأخذ يرسم بورتريه مدينة ناهضة عن كثب من تحت ركام غزاة تبادلوها في مطاحنات ومشاحنات وغارات لا تعد ، هذا جعله يقول لنفسه : ما أقل الحكمة التي تسير هذا العالم . شرع يخط لوحته التي سيهديها لزوجته من هنا : في بنغازي يغدو منظر البحر مبهجا ، فالبحر المتوسط المشهور بزرقة مياهه ليس أشد منه زرقة في هذا المكان . وبالمقابلة يكون منظر البر متشابها وكئيبا ، فالأرض الأفضل من شبه صحراوية ، تنتشر فيها مع الأسف بحيرات مالحة قرب الشاطئ . انها أرض مستوية من الرسوبات الجيرية التي لم تستبدل ، حتى الآن ، بأية بديلات من قشرة الأرض . والغطاء الطبيعي للسهب الجاف نثار من الاجمات اليابسة التي تتربى عليها أغنام تغدو سمينة بصورة مدهشة ، وتكون أصوافها جيدة . و لا يتقبل هذا السهب غير المعشب زراعة الأشجار ، وان كان يمكن زراعة اشجار اليوكالبتس والزيتون فيه . ويمتد البصر عبر السهب البراح إلى الداخل حتى يصطدم بافق شمالي شرقي يحده خط أزرق باهت ، وهذا الخط خداع وجذاب : انه حافة الجبل الأخضر ؛ وكلما طال بقاء المرء في بنغازي تزايدت رغبته في أن ينهض ويذهب اليه .
لما كنا نطير من القاهرة إلى بنغازي نهارا ، فقد أملت ان أحرز نظرة عجلة من السماء ألقيها على الجبل الأخضر في طريقنا إليه . لكنه كما يحدث كثيرا في السفر بالطائرة ، فإن روح الفضول تندحر أمام الغيوم . ومن خلال تقطع السحب ، لمحت ، لثانيتين لا أكثر ، ميناء طبرق ، وهي واحدة من المدن التي استحر القتال فيها في الحرب العالمية الثانية وتبادلتها الأيدي ، كل ذلك لاعتبارها غنيمة استراتجية هامة . ثم ان السحب حجبت الجبل الأخضر ، ولم يكفها هذا الشر ، بل عاكستنا إلى درجة أنها جعلت هبوطنا في مطار بنغازي متعذرا آنذاك .
وبنغازي – برنيقة Berencie ، يوهسبيريدس Euhesperides – هي آخر المستعمرات الاغريقية إلى الغرب التي شكلت ما يسمى المدن الخمسة في برقة ، ومنها توكرة Tokra – توشيريا Taucheria وهي جارتها الأقرب من جهةالشرق ،فإن بنغازي تقوم على الساحل وفي أرض منبسطة شبه صحراوية . ولربما تمانشاء يوهسبيريدس و توشيريا لشراء الحيوانات الحية والجلود والصوف المتوفرة لدى الليبييين الرعويين في السهب ثم شحنها . وفي كلتا المدينتين الاغريقيتين ، كان الاغريق متخلين عنطبيعتهم المحلية في ديارهم . وكذلك أيضا كانوا في طلميتة Ptolemais منفذ برقة البحرى وفي ابولونيا Apollonia ، مع أن كلا من طلميثة و ابولونيا لا تقع خلفهما الصحراء التي على مستوى البحر ، وإنما النجود الماوجهة شمالا ، أى الجبل الأخضر . وكانت شحات وبرقة وهما المدينتان الكبريان بين مدن برقة الخمس قد جعلتا في الداخل لا على الشاطئ ، وعلى المرتفعات لا على مستوى البحر كما لم تقاما في نقاط تناسب التجارة بصورة خاصة ، وإنما في مواقع توفر لسكانها التمتع بوجود اراض فلاحية خصبة ومراعى ممرعة قريبة .
جال فكره في كل هذا وهو في مطرحه على البحر الذي بنى كورنيشه الايطاليون ، غير من قعدته ، في مخياله أنه محاصر في جزيرة حيث من الضرورة لجزيرة ما أن تكون منفصلة عن غيرها تماما حتى يمكن اعتبارها جزيرة حقا . وقد حول الردم الذي قام به الاسكندر الكبير اثناء حصاره صور جزيرتها إلى شبه جزيرة . لكن الوسط الفاصل ، أو الشقة العازلة إذا شئت ، لا يتحتم أن يكون هو الماء ، فالصحراء القاحلة تصلح بديلا من ذلك ؛ والواقع ان كل واحة لهي جزيرة ، لكن الماء في داخلها عوضا عن كونه حولها . كذلك يمكنأن تكون الجزيرة مفصولة بالماء من جانب وبالصحراء منجانب آخر ؛ وهذه طبيعة جزيرتين اثنتين يحوطهما ماء البحر الابيض المتوسط وحجارة ورمال الصحراء الليبية والصحرا الكبرى . وليست الاكثر بعدا إلى الشرق من هاتين الجزيرتين – جبل برقة الأخضر – إلا نسخة طبق الأصل ، لكنها أقصر ، من جارتها الشمالية جزيرة كريت . أما تلك الاكثر بعدا إلى الغرب منالاثنتين – والمعروفةفي اللغةالعربية باسم المغرب ، أي غرب العالم العربي – فهي نسخة طبق الأصل ، لكنها أطول ، من جارتها الشرقية صقلية .
ان الانصال أوالعزل نسبي . فلبلوغ أي منها تينك الجيرتين من جهةالشمال ، يجب أن تركب البحر ؛ ولوصول احدهما من الجنوب يتوجب ان عليك تصطنع الجمل ركوبة لك . لكن الصحراء ، مثلها مثل البحر ، تغدو سبيلا لأيما إنسان يحسن استعمال الوسيلة المحلية المناسبة للاتصال ؛ فعلى مساق التاريخ تم غزو كل من الجزيرتين بنجاح ، كما تسنى احتلالها عن كلا الطريقين .
خذ ، خذ الألف الاول قبل التاريخ مثلا ؛ اثناءه استعمار جبل برقة الأخضر من البحر على يدي الاغريق الوافدين من بحر إيجه ، بينما استعمرت سواحل المغرب البحرية ، في نفس الوقت تقريبا ، من قبل الكنعانيين الوافدين من الموانىء الفينيقية على طول ما هو معروف الآن باسم الجمهورية اللبنانية . وفيما تلا ذلك استحوذ الرومان على كل من الجزيرة الخضراء والجزيرة الكنعانية ضمن امبرطوريتهم التي احاطت بالبحر المتوسط من جميع اطرافه . ومن بعد اولئك ، فتح العرب المسلمون في القرن السابع من الفترة المسيحية تينك الجزيرتين الرومانيتين آنئذ ، عن طريق البر .
عاد يقول لنفسه : ما أقل الحكمة التي تسير هذا العالم . شرع يخط لوحته التي سيهديها لزوجته قبالته البحر وخلفه جزيرة نفسه التي نسجها من خيوط فكره ، متأملا الحالة متمنيا في خالجته لو أنه روائي ؛ لتمكن أن يعيد نسج الحكايا ، أن يؤلف أساطيره مثلما جاءت شعوب وقبائل وخاطت من خيوط الزمن أساطيرها ، ومثلما جاءت الموجة الأولى من العرب الفاتحين على ظهور الجمال لا سطوح المراكب ؛ غير ان قادتهم لم يكونوا من أهل البادية ، بل مدنيين من أهل الحواضر التجار في الدولتين المدينيتنين العربيتين : مكة والمدينة . لذا قدروا حسنات عيش الاستقرار والحياة المدنية ، فصانوا الحقول والضياع التي خلفها لهم سابقوهم الاغريق والكنعانيون والرومان وزادوا في ازدهارها .
لم ينتبه لبدوى مر عليه في مجلسه صائحا : السلام عليكم ، فسترسل نسيج مخياله ؛ كانت الموجة الثانية من الفاتحين العرب هي التي صفت انجازات ستة عشر قرنا من الحضارة في كلتا الجيرتين الافريقيتين غرب مصر . وكان الغزاة هذه المرة مسلمين من حيث الاسم أيضا ، لكنهم في الحقيقة وثنيون ، وفي الواقع براربرة لا قادة لهم كي يكبحوا جماح نزعاتهم التخريبية . لقد خرب بنو هلال المغرب ، وخرب بنو سليم جبل برقة الأخضر ؛ وقلبوا حقوله وبساتينه إلى المراعي الصيفية التي كان الليبيون البدو قد حولوا الجبل الأخضر اليها قبل وصول الاغريق . ومنذ القرن الحادي عشر من الفترة المسيحية عانت كل من برقة والمغرب خسوفا ثقافيا كاملا . اما بداية عهد يقظتهما الحديثة فتبزغ في القرن التاسع عشر . وفي برقة في الوقت الحاضر ، يرى المرء احفاد بنى سليم هؤلإ ينتقلون من طور الرعاية إلى عصر البترول مباشرة .
وان لم يقطع البدوى المار من جانبه تأملاته فإن الحشد الذي أقبل عليه استطاع ذلك ، فجمع من أساتذة الجامعة والمسؤولين انطلق يبحث عنه ، حتى وجده غارقا في بنغازي ؛ حيث يغدو منظر البحر مبهجا ، فالبحر المتوسط المشهور بزرقة مياهه ليس أشد منه زرقة في هذا المكان .


بورتريه وهبي البوري!

مساء أتمشى من بيتي بحى البركة مخترقا شارع العشاق ؛ حيث الشارع يندس بين شجر السرو ما زرع الايطاليون واقتلعنا . عند الفويهات في اتجاه " البوسكو " حديقة الحيوانات في مدينة بنغازي ، شاهدت عن بعد رجل يسند عصاه ويتلحفه بالطو سميك من الصوف ، في جو بارد يتمشى هذا الرجل في آواخر السنة حيث يدثر الشتاء المدينة بمعطفه الكثيف .
عرفت الرجل وعرفت أن معطفه يتلحف قرنا من الزمان إلا سنوات خمس ، مشدود القامة مربوعها ومن المعطف تنبثق رقبة قصيرة ورأس كطير على كتفين ، هذا الرأس مثقل بحمل الكتفين ، قصرت الخطى كى أتأمل قرنا يمشى في مبتدا قرن آخر في ألفية ثالثة . كان يتقدمنى في المكان والزمان ولكن بتريث ؛ يستنشق الاكسجين بتؤدة حكيم وينساب في الشارع جاسا الارض متحسسا نبضها : ولدت عند مطلع القرن العشريني العجول حيث كل عشريني عجول . خلته يخالج المحيط الساكن عنه في عشية رمضانية ، في ذلك المطلع ، تلفت ؛ هو يغرس القدم الامامية بين شجرتي سرو معمرتين ، يصعد الرصيف المحشور بينهما أخذا نفسا من هواء طرى بعثه حفيف الورق السروى ، فتح قوسا بين زفير وشهيق : ( كل مطلع صعب ؛ كل جبل مأوى ، أليس الجبل مطمح الانسان منذ أيام ابن سيدنا نوح ؟ ؛ الجبل أولمب مطرح الألهة وكل مصعد مغالبة ، والفوق غامض كما السماء ؛ وإن كان مطلع الإنسان لتحت فإن مطمح هذا الطلوع الفوق ) ، في ذلك المطلع ولدت في العقد الأول من القرن العشريني حيث كأن كل شئ ولد ؛ لم يكن قرنا كان دهرا وفيه خيلأ الإنسان خيلته أن الله مات وأن إبن الله قد تبوأ مكانته .
في السنة التالية من العقد الأول من القرن العشرين تنبهنا للقرن على أصوات المدافع ، كما لو حان وقت إفطار رمضان والمدفعي ينبهنا للانعتاق من جوع ، كأن الغرب أراد إيقاضنا من سبات فالمدفع مصدره البحر ، والبحر محيط شبه الجزيرة الليبية بنغازي ، ومصبه بحر نيران يشق المدينة من وسطها إلى البركة فالفويهات ؛ البدو يرجبون على أفواه المدينة فيصغرونها ، في مرجل النيران هذا ترعرعت وعلى ايقاعه الإيطالي تكونت .
قبالته وصلت دون أن ينتبه تسللت : الدم يكاد ينبثق عن الوجه ، البياض يلفع الرأس الحاسر أما التجاعيد فهي أخاديد الزمن المتوردة وبينها عيون نمر ثاقبة ؛ بنية فاتحة ، طلعته فيها من الشمال ما فيها وفيها من كريت ما فيها وفيها من مهاجر البحر الأبيض ، فيها المتوسط من كل شئ فكأنه أخذ من كوية الملح – الاسم القديم لبنغازي – البياض والنعومة الخشنة وصلابة النعومة الذائبة ، نظرته كالملح حاذقة وفيها لمعانه ، كأن الضؤ ينبثق منها على عكس كل عين ، وهو مشرئب دائما ؛ فيه جفلة الغزال المتريث أبدا ، فيه ركون الصحراء وبساطها .
خيم أزيز الرصاص على المدينة وأشعل المدفع ليلها وأظلم نهارها حتى أن منارة سيدي خربيش التي كانت تشى بالمدينة لكل سفين لم يعد لوشايتها نابه ؛ كأنها غدت توشوش في جرة ، ومن بين هذا وهذا تسللت عوائل تنشد السلامة مشرقة ومغربة وحط آل البوري في الاسكندرية حيث وهبي سيستنير من مناراتها ومدارسها ، أو كما فعل شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي . في الاسكندارية محطة العلم ولم الشمل للشامي والبغدادى ، لليبي المطرود بنار بارود الغرب ولليوناني المطرود من نار العثماني كما الأرمني ، والإيطالي الهارب من جوع وخوف وكذا بيرم التونسي ، وفي مدرسة فيكتوريا منتدى لكل مقتدر . عاد المهاجر بعد أن دكت ايطاليا البلاد وأسرت العباد ، وان كان عمر المختار مازال في غيه متمردا وثائرا عرينه الجبل الأخضر ؛ له حكومة الليل ولغرسياني والطليان حكومة النهار ، كان ذلك في العقد الثاني من القرن العشرين . في عجيج بنغازي وغبارتلك الأيام طوح المهاجر العائد نفسه ، وبين مقاهي الشاطئ وميدان البلدية وجد للنفس مطرحا ومراحا ، كان الصغير فيهم : أحمد رفيق ، موسي البرعصي ، محمد الفيتوري ، فخري المحيشي صاحب ليبيا المصورة رجل التعليم الشريف الماقني .. ثلة من مثقفين يراضون الواقع كمتمردين وزنادقة ، أصحاب العقل ومثقفي العصر المتشيعين للنهضة ، المتعصرين المتعصبين وبينهم مشترك عزيز هو الاختلاف . منهم من لفه لفيف جماعة الديوان ومن تشيع لجبران ومن شده شوقي ومنهم بين بين ، لكن لوهبي البوري غربال ينخل به ويستزيد ؛ فإذا كانت اللغة منزلة الوجود فإن منزلة وهبي البوري – كما زميله الصحفي مصطفي السراج – ايطالية اللسان ، دانتى المشرب ، نهضوي الوجدان والعقل ممزق بين البين. و ب : كان الادباء الذين مارسوا الكتابة في الثلاثينيات يحاولون ارضاء ميولهم الادبية اولا ثم خلق ادب عربي يشير اليه المواطن الليبي ويربطه بثراته وماضيه . ولم يكن مستوى وكمية النتاج انذاك بالقدر الذى يخلق مراجعة نقدية .. كانت علاقتي بالثقافة العربية تقتصر على قراءت ما كان يصلنا من كتب ومجلات . وقرأت لعمالقة الادب انذاك كالمازني ومحمد حسين هيكل ومحمود تيمور والزيات وغيرهم . اما علاقتى بالثقافة الايطاليه فقد تكونت من خلال دراستي فى ايطاليا حيث كنت على صلة بمجلة الشرق الحديث وبمحرريها من كبار المستشرقين الايطالين .
وكنت نشأت في بلد يحتله عدو غاشم صمم على تحويله الى ارض ايطالية مسيحية ، وتحويل شعبه الى مواطن من الدرجة الثانية بدون هوية ولا حقوق ولا ماضي . وفي سبيل هذه الغاية حرمت ايطاليا على الليبيين تعلم لغتهم وادابهم الا في حدود التعليم الابتدائي كي تخلق اجيالا جاهلة ومتخلفة وراضية بتبعيتها لمغتصب ارضها وحريتها .
طل العقد الثالث من القرن العشرين ، وكان ملبس وهبي وجماعته البدلة الافرنجية ، حاسر الرأس ، كما شوارع بنغازي تعمرت ببنيان من طرز ايطالية وقد تكهرب قلبها ، مدت الخيوط على الحيوط ، امتدت أنابيب في شرايينها كى يروى العطش الأبدى لمدينة السباخ ، كما ضمت مدارس بعض صبيانها ليحترفوا مهنة جدت ، أو يفكوا خط لغتهم ولغة غريبة يرطن بها الشارع وتقضى مصالح . لم يطل العقد الثالث من القرن العشرين إلا وميدان البلدية قد أعيد بنيانه بالعمائر التي تحتها مظلات مقوسة ، تطل منها محلات ومقاه ، والنخيل يحوط مدرس سيارات الحكومة والحزب الفاشي ، يتوسط ذلك مبنى البلدية ، سوق الظلام الذي مدخله مطل على الميدان جدد وشع نوره . لم يطل ذلك العقد إلا ورجل مهيب وشيخ في العقد السابع مسربل بالسلاسل يتلحف لباسا عربيا ؛ جرد وقميص وسروال بيض والوجه يتلحف لحية بيضاء والرأس معرقة بيضاء ، جر في شوارع المدينة الكسيفة ؛ خسف الزمن الأمل وأسر المختار ، خيم صمت على بني غازي وتاه شاب في تلك الخيمة . طل العقد الثالث من القرن العشرين ، وكان ملبس وهبي وجماعته البدلة الافرنجية حاسرالرأس ، يلحف الاصابع بقلم ، يجوب الشوارع ، يلتقط صورة المدينة .
كنت أعطى الضهر للبحر ، عند نهاية شارع البركة ما يمكن اعتباره لسان شارع جمال عبد الناصر أطول شارع لوسط المدينة ، في نهاية شارع السرو الذي كان جانبه معسكر انجليزي من محصلة الحرب الثانية ونهاية السرو ممشى وهبي البوري حيث بيته في الزاوية على مطل الشارع الذي كناه رواده بشارع دبي!، حيث كدت أخبل وحدته ومتأمله تسألت كيف تسنى للدماثة أن تلتقي شراسة موسوليني ؟ ، دخل عليه في مقصره بروما كمترجم للوفد العربي من جاؤ لمقابلته : رئيس الوفد شيخ فلسطين أمين الحسيني ، المتمرد على الانجليز قائد الانقلاب الفاشل في عراق الثلاثينات الكيلاني وعند هتلر في برلين رافق الوفد ثم حاصرته الحرب ، في هذه الحصرة لم ينقذه من الجوع إلا عبث كبير العابثين يونس بحري العراقي الذي رددت اذاعة برلين فصاحته العربية وهي تتلوا النازية كبيان خلاص ؛ كان لبحري عشيقة برلينية وللعشيقة زوج وللزوج مطعم وللمطعم رواد نازيون قح، للرواد كل زاد طيب شح في زمن الحرب هناك، لهذا أمنهم البحرى من جوع وإن لم يأمنو من خوف ، وهناك سيلتقي رواد الرواية العربية السوري شكيب الجابري والفلسطيني جمال الحسيني والقصة وهبي البوري .
و ب : تحدى الليبيون هذه السياسة الإيطالية الظالمة ، واقبلوا على تعلم لغتهم وادابهم وتاريخهم بمساعدة من سبقهم من العلماء والمثقفين ، وساهمت المطبوعات المصرية والايطالية في تغذية هذه الحركة التي افرزت في الثلاثينات شعراء وادباء وكتابا ، وجدوا في الصحف القليلة التي كانت تصدر انذاك ، المجال لنشر بعض نتاجهم الفكرى . وقمت فى هذه الفتره بترجمة بعض القصص عن الايطالية ونشرها في مجلة ليبيا المصورة ثم تشجعت وكتبت اول قصة ليبية نابعة من الواقع والمحيط الليبي ونشرتها فى ليبيا المصورة . ثم واصلت نشر قصة فى كل عدد تقريبا على مدى ثلاث سنوات ، غادرت بعدها البلاد للدراسة وتوقفت ليبيا المصورة عن الصدور وتوقفت انا ايضا عن كتابة القصة . وقوبلت قصصى فى اول الأمر بمزيج من الاستحسان والتحفظ . وكنت شخصيا اشعر بالحرج لانني كنت لا اريد احيانا أن اوقعها باسمي لهذا وقعتها بالاحرف الأولى واحيانا اخرى بدون توقيع ، ولاح لى في بعض الوقت أن قصصي لاتعبر عن مجتمعنا واخلاقياته .
تقنع وترمز بهذين الحرفين و ب كى يكتب في مجلة ليبيا المصورة التي أصدرها فخري المحيشي وجلب مطبعة خاصة بها ، في سوق الجريد وضعت المطبعة في بيت المحيشي حيث يسكن أحمد رفيق باعتباره صهره . شاب متفرنج يردفه مصور متجول في ميدان سوق الحوت ، أخرج من جيبه مفكرة في يده قلم ، بين مستغرب وجاهل لما يفعل الشاب كان رواد السوق ؛ منهم من عرف أن هذا الشاب ولد البوري ومنهم من ظنه نصراني لكن لهجته ريبت ظنونه ، علق أحدهم أن هذا شباب آخر الزمان يفعلوا كل بدعة وضلال ! .
سأل هذا وذاك عما يتميز به الشهر المبارك في هذه المدينة : كتب و ب التحقيق الصحفي ونشر مما نشر تحقيق " رمضان في بنغازي " ، أعد الكلمات المتقاطعة وكانت تنشر للمرة الاولى في الصحافة العربية . كان من المناهضين النهضويين ، لخص مما ترجم عن النهضة الإيطالية حين كان في نفس الوقت أحد السوريين المقيمين في البلاد يترجم لأول مرة إلى اللغة العربية : الكوميديا اللالهية لدانتي ، وكما ترجم القصص الايطالية مثل بيرنديللو كتب القصة القصيرة . لكن العقد الثالث من القرن العشرين تلبد في نهاياته وخلطت أموره وتعقدت شوؤن العالم حتى لم يعد مطراح ، ضاق كل شيء على كل شئ ، ضاقت البلاد عن أهلها : رحيلى عنك عز على جدا / وداعا أيها الوطن المفدى / وداع مفارق بالرغم شاءت / له الاقدار نيل عيش كدا / وخير من رفاه العيش ، كد / إذا أنا عشت ، حرا مستبدا / سأرحل ، عنك ، يا وطنى ، واني / لأعلم ، أنني قد جئت ادا . كانت ادا على رفيق فيما توفر وهبي على وظيفة في القنصلية الإيطالية بطنجة لم يطول المقام حتى تركته طنجة لروما غب الحرب ، في إذاعة روما العربية كان المحرروالمذيع والمترجم والتلميذ في الآداب واللغة الإيطالية . و ب : فى فترة الثلاتينات عندما بدأت أهتم بالقصة واحاول كتابتها ، نشرت أول قصة فى مجلة " ليبيا المصورة " وكان احمد رفيق المهدوى هو الذى شجعني على نشرها ؛ هذا شجعني على مواصلة الكتابة . وأنا أعتبره أستاذا أو مدرسة للشباب الذين عشقوا الأدب والفكر فى ذلك الوقت ، والذين كانت الظروف السياسية المحيطة بهم لا تتيح لهم فرصا كثيرة لأن ينموا مواهبهم ، فكانت هذه المدرسة ؛ مدرسة احمد رفيق هى التى يأتى إليها الشباب ويتعلمون فيها دروسا فى الشعر والأدب والوطنية ….احمد رفيق هو الذى أخذ منى أول قصة كتبتها وأعطاها لمجلة " ليبيا المصورة " لتنشرها . غربلت طائرات الحلفاء سماء بنغازي ، وكما خرطها غرسياني مندحرا شققت بنيانها هرولة الالمان ، أستعادها المحور لكن مونتجمري تأسد على ثعلب الصحراء وانتزع بنغازي وهي في الرمق ما بعد الأخير . انحسر كل غطاء عن روما التي غدت مدينة مفتوحة ولم يعد ثمة ملاذ لوهبي البوري لكن إن كان لرجل إمرأة من البلاد ثمة ملاذ ، وكانت ثمة إمرأة والدها كابنييري ، ظابط البوليس وفر للرجل الذي قد تأسره قوات الحلفاء امكانية الفرار من نتائج الحرب ، بعد غذاء طيب ووداع أطيب من المرأة وضع البوري على باخرة هدفها الصومال وتمر طبعا بالسويس ، دون أوراق ودون علم أحد فما بالك القبطان ؛ الخطة أن يفتعل الظابط عركة وأن يختلس البوري نفسه ويندس في الباخرة دون أن يتبين أحد وجوده حتى تمخر السفين وتتوسط المتوسط . اكتشف البوري عندما لم يكن للقبطان أمر .. حتى وصل السويس مراده في مصر منع من النزول ، فكر مستذكرا خبرات ومقلبا معارف : بينه وبين عبدالرحمن عزام أمين الجامعة العربية المصري وشائج ، جمعت بينهما ليبيا بلاده وقد كان عزام مشاركا في جهادها وكلاهما محورى الهوى ، أبرق من باخرته – مستعينا بالمال - لصاحبه من استجاب ؛ دخل مصر أمنا .
وان كانت البلاد قد عتقت من الفاشية فإنها لم تعتق من نتائجها ، هكذا وجد نفسه في ركامها حيث حولت بنغازي إلى خرابة ، وكان هو قد تعلم حيث لم يكن في البلاد من متعلم غير قليل لهذا تبوء المنصب تلو المنصب ولهذا سيسكن العالم كوزير للخارجية يلتقى نهرو وهوشي منه وكنيدي ونكروما .. ، قبل ذلك جمعته في برلمان البلاد صحبة بزميل من صحب القلم عبد الله القويري ناسك الكلام وعلم الكلام من شغل بالكتابة وبمعنى الكيان عن أى مطمح غير ذلك ، لكن البوري اشغل عن الكتابة وأنسته مهامه الرسمية القصة فيما بعد ندم عن تركه القويري وحده ، وأنه لم يكن ثان اثنين في المنسك .
قصرت الخطى كى أتأمل قرنا يمشى في عشية قرن آخر في ألفية ثالثة ، كان يتقدمنى في المكان والزمان ولكن بتريثه علم بوجودى خلفه لهذ التفت والبسمة تغطى مجمل الوجه ، وهو يصافحنى تأمل اندفاعى ضاغطا على يدى حتى تبددت الدهشة في ألفة اللقاء والتلقي الحميم .


بورتريه ماما خديجة!

مشهد مستعاد : أعطتنى بظهرها معنفة ، غامرا جسدها النحيل الجمع الذكوري الذي يصبغ الشارع حيث مشت واثقة الخطى ملكا لا يألوا جهدا ، نافرة ممسكة بيد خديجة الجهمي ، عابرة الشارع بخطوات ثابتة ومتيقنة حميدة طرخان القريتليه سليلة كريت : آه يا طين كريت القاسي ، لقد انزلقت كومضة فريدة تلك اللحظة التي اعتصرت بها وتشكلت في هيئة انسان مكافح ، لقد جبلت بالدم والعرق والدموع ، أصبحت وحلا ، أصبحت انسانا وابتدأت صعودها .
مشهد ثان : أصعد في اتجاه ميدان البلدية ما قبيل وصله يقطع الخيط طول رقبة قصر حمد الشارع الذي يربط عمر ابن العاص بالبحر هنا أتريث ؛ متمهلا أتأمل فصاحة عمر المختار وبلاغة قامة خديجة وهي تخطوا اولى خطواتها ، بارزة ، وجهها حاد الملامح وفي نظراتها قوة امرأة ناضجة ؛ تلكم الصبية التي تقطع الطريق بسكين المثابرة والنفس الواثقة ؛ والجوبة بعيدة سافر مازال عيني تريده ، بنت الوطن الاسم الذي اختارته لتقدم ما كتبت من أغان ، من أهم ما قدم في النصف الثاني من القرن العشرين من أغان ليبية مميزة .
ماذا تسمى صوت اليد الواحدة عندما تصفق ؟ لم يصيخ أحد السمع ، لم يجب أحد لكن اليد الواحدة استمرت في التصفيق والاصبع الواحدة في رقن الحروف ؛ ثمة صوت يقطع وصل الصمت الصاخب . في وحدتها تنثال شلالات من ذاكرة منهمرة ، في عراك بين تصورات وأحداث وأفكار راسخة وأخر طارئة أما الاسئلة فقد جعلتها في متاهة ان وطأة الماضى تجعل علاقتها بالحاضر مضطربة وهذا مما يؤدى للاحباط وعدم الفهم . بقلق انزاحت إلى الامام لتحل هذا الاضطراب ، أفاض بها ذلك إلى مزيد من الثقل والتوتر المشوب بالحزن ، لم تستعن في وحدتها بغير نفسها ولم تستعن في مضطربها هذا بغير وحدتها .
ولدت من امرأة أمة أو جارية دون أهل ، ولدت من هذه الوحيدة باقتدار من كانت حاجتها للغد هي أقل القليل لهذا فإنها مضت بفرح كبير لاستقبال الغد لاستقبالي . ولدت في بنغازي فجر يوم الجمعة 7 رجب أى 15 – 3 – 1921 م ، تذكرت أن شهادة ميلادها تحمل تأريخا مغايرا فأوراقها الرسمية تجعلها أصغر أربع سنوات ومنذئذ جعلت تاريخ ميلادها مؤشرا إلى أنها ولدت ساعة شأت وليس كما شأت الاقدار . الرقن يستمر ، مندهشة من انسياب مخيالها وتدفق ذاكرتها ساعة رنت لوالدها وهو يجمع حروف الرصاص التي تتراص مكونة جملا تتدفق بحيوية المعنى . وقفت عند باب المطبعة ترقب والدها في شغله ، والعدد الجديد من المجلة يتشكل من ضربات أبيها على الآلة : كيف تأن لرجل كهذا أن يخلق المعنى بعزف يديه على رصاص ساخن ، من ولد يتيما ونشأ وحيدا بعد أن ضاع والده في الصحراء ، من كان جنينا عندما أرسل جدى عبدالله بوالده رفقة عمه في رحلة تجارة السودان ، في قافلة يمرض دليلها ؛ في عينيه يندس الظلام فيكون جدى الدليل لماء سيكون السراب الذي يجعل من أبي يتيما ووحيدا . في وحدتها ومعزلها كثيرا ما جاست صحارى كبرى بحثا عن هذا الجد ، فكانت الذات التي تتوسط بين ماض غير موجود ومستقبل غير موجود ، لذا لم تحس حضورها فكأنها ؛ تقطن بغموض في الماضى على أنها كائن من الظل يتطلع إلى الامام لما قد يكون في المستقبل . وهكذا اجتمع الوحيدان ؛ الجارية سليلة العبودية والحر سليل الفقد ، حرمت أمى من الأرث فكنت ميراثها . حكى والدى لى أنه كان في حالة سيئة وفكر في طريقة للتخلص من العروس التي فرضت عليه فرضا : قررت أن أقتلها ! – قال ذلك وهو يضحك – دخلت الغرفة وفكرة القتل نائمة في عقلى ، سمعتها تنتحب فدنوت منها وسألتها متعجبا : ما سر بكائك ؟
- أبكى ؟ أبكى حظى العاثر يا ابنى ، لست بحاجة الزواج والطلاق كل حين ولست أنت الرجل الذي من المفروض أن أرتبط به .
- لماذا قبلت ؟ .
- لأنني يتيمة وامرأة .
بين هذين اليتمين ترعرعت نبتة طرية في العناية المركزة ، في بيت ككل البيوت ولا يشبهه بيت ؛ ممر طويل يتوقف عند السقيفة التي تفتح على ساحة وسط البيت حيث في كل ضلع من أضلاعها المربعة حجرتان ، أرضيته كانت مزلزة بالاسمنت فكني ببيت الخواجة ، وفي وسطه ثمة برميل ماء وزير وجنان الذي فيه كنت أزرع أى قطعة نقود أحصل عليها : MIA BORSA DEL DENARO BELLO ياحصالتي .. يا حصالتي الجميلة / أضع فيك اليوم مليما ليزهر / يثمر فيما بعد فرنكات وليرات / بهذا أحضر أشياء جميلة / وتمكنني من امتلاك أشياء أجمل من النجوم . رددت في الفصل مع غيرى هذا فطلبت منى المعلمة أن أكف عن الغناء فصوتي رجالى ، غدوت من هذا إلى الجنان حيث يزرعون أزرع نقودي وان لم تثمر. ماذا تسمى صوت اليد الواحدة عندما تصفق ؟ لم يصيخ أحد السمع غيرها لكنها وكدت النفس أن هذا الصوت الذي أزعج المعلمة لابد أن يخترق حاجزه هذا . ومن شباك وحدتها نسجت خرافاتها ؛ في حجرة أمها منامها ، وفي ضؤ فتيلة القاز ولمبة خمسة استذكرت درسها ، في ذات الحجرة ذات الاستطالة المفرطة ناموسية إلى جانب سدة من الخشب المزخرف تحت هذه السدة الخزانة ؛ حيث تخزن المؤن خزنت كنزها ، ومن فرط توحدها طفقت عند مرآة الشكماجة تسرد مسرودات يومها بقرب الصندوق الكبير ما يختزن أسرار أمها أسرت للمرآة بسرها : أن صوتها رجل وأنها ستكون صوتها .
انسابت في خضم الشارع ؛ ليس من ولد ذكر كى يقوم بجلب حاجات الأم التي ليس بمستطاعها خرق جدران البيت كما كل نساء المدينة الصغيرة ، تكشف لها أن ما بين البركة وسكنها هو الشارع الوحيد الرئيسى في المدينة ، لكن قطعه يعنى سفرا وان لم يتعد ذلكم مئات الامتار – لهذا وغيره لم تتجاوز وسط البلاد حتى تخطت العشرين – . بيتهم محور تتحوطه الاسواق منها سوق الحشيش حيث بعثتت لجلب الحشيش البرى وقليل من حشيش الصفصفة كى تغدى خروفها الصغير ، عند خروجها كل يوم تطلق النظرة على الخمارة التي كانت قبالة البيت ، هذه المرة وقد اجتازت شارعهم راكبة الدراجة صحبة ابن عمتها لفت نظرها امرأة جالسة أما بيت الدار في الشارع سافرة : حيه .. حيه .. مرا هبلة مصبية قدام الباب . لم تعرف لما جزرها قريبها ولم تفك لغز شارع الشطشاط حتى هذا الزمان : ما معني سوق للمتعة وامرأة جسدها سلعة هذا السوق ؟. ماذا تسمى صوت اليد الواحدة عندما تصفق ؟ تاهت في السوق بين الحشيش والحمير والحطب والفحم والابل ، والعربات التي تجرها الخيول والبغال والصوف الخام ، والقعمول والشمارى والغرنبوش وكريشة الجدى والحلبة الخضراء والبرسيم وأكداس الاعشاب الطبية وغير الطبية من حشائش بر ، وبين الباعة والمشترين الوافدين من الصابرى والقوارشة وسيدى خليفة ودار العريبات ، والحمالين المحملين بزكائب القمح والشعير . هذا السوق يقال أنه فيما مضى يباع فيه أيضا الرقيق ، وفيه يجمع هؤلإ العبيد آخر النهار ليقيموا حفلة / دنقة ؛ رقص وطبول مدوية وصرخات تقطع أوصال المكان ، ليقيموا ختمة السوق لأسيادهم القدامة ولأسيادهم الجدد . في هذا لم يكن غيرها من الاطفال ، ومن النساء فقط دادة حواء ودادة مريم الافريقيتان اللتان أعتقا ، أما دادتها بخته من تحب فإنها تمر بالسوق على رأسها قفة فيها فول مطبوخ ساخن : فول يا عويلة .. فول ياعويلة ، فهل يتسنى لها يوما أن تحصل على القفة تحمل ثقلها عن دادتها وتأكل كل ما فيها ؟ . وين حوش بوسعدية .. مازال لقدام شوية ؛ " بوسعدية " الافريقي المدجج بالعظام وعلب الصفيح الفارغة الممسك بعصاة يرقص هنا ويقفز هناك ، يقطع خيوط فكرها ويخبلها فتلاحقه مع الصغار مرددة : وين حوش بوسعدية .. مازال لقدام شوية . وتنتبه فجأة دون الصغار مكبلة بالخوف من هذا العفريت الأسود الحى ؛ تضيع عن بيتهم باكية في نحيب يقطعه رجل يعرفها ويصلها البيت . هل ذكرها ذلك بالأبح جزار حيهم العصبي المزاج الذي كلما شاهدها عائدة من المدرسة صرخ غاضبا : البنت التي تخرج إلى الشارع وتدخل بيت النصارى التي يسمونها مدرسة ما تحشمش ودير العار ، لكن أبيها يصد عنها هذا وكل هذيان . في العقد الثالث من القرن العشرين كان الاحتلال الايطالي في العقد الثاني : الرجل الذي لا يستحي يبعث ابنته للمدارس ، المدرسة شغل نصارى لتنصيرالمسلمين ، لم يكن ذلكم وحسب ما جعل اهل المدينة يرفضون المدارس الايطالية كان الفقر ؛ للفقر تؤم هو الجهل ، التحقت بالمدرسة رفقة عشر تلميذات ؛ ثلاث ليبيات والاخريات قريتليات وتونسيات ورفقة اصرار والدى ؛ عناد التركي كما علق البعض الذين منهم ومع الزمن من شارك والدى هذا العناد ، مما جعل الصف الأول الابتدائي يصل الثلاثين تلميذة لكن ما ان يصلن الصف الثالث حتى ينحسر العدد إلى أربع أو خمس . في بيت من حجرات عدة كانت المدرسة الملكية الابتدائية للبنات المسلمات تلقت دروس التاريخ الروماني والجغرافيا والرياضيات باللغة الايطالية ، تتخللها حصتان في الاسبوع للغة العربية والقرآن .
- كيف تخيط قفطان لبنت وجهها كيف ها الوجه و بـ " 15 فرنك " ، تقدر تشرى بيهم شوال دقيق ثلاثة زيرو .. يا كافر .. ؛ عمها يصرخ في وجه أبيها الذي خيط لها قفطانا ونعلها قبقابا يوم دخولها المدرسة . أمي أيضا لم تقبل المدرسة ، نظرت فيما يحوطنا فوجدت بنات الجيران موشومات فقررت أن أفعل مثلهن ، على عجل دون علم أحد ذهبت لجارتنا الوشامة ؛ دقت لى وشاما طويلا أسفل الشفة السفلى وفي جانبي الوجه ، عدت فرحة فقد صرت منهم ، غير أن الفنان والشاعر في والدى الحريص على اختلافي حزن لتصرفي الطفولي هذا . في وحدتها طالعت ما وجدت من محفوظات ، في مكتبة جد أبيها كتب فقه ولغة ، الجد درس في " زاوية الجغبوب " المركز الثقافي الديني ، كلما استعصى عليها العصى أصلا سألت ، أعمامها يجيدون القرأة والكتابة ، ما معنى كلمة اجهاض ؟ ، لقيت من تعنيفهم ما حيرها فظنت أن في الكلام المدون في القراطيس معائب جمة ، الاجهاض : الثمرة التي تسقط من الشجرة قبل إتمام نضجها ، الشجرة أيضا تجهض حملها ؛ أجابها والدها ببساطة بددت سؤ ظنها . سنيورينا سارتا قلقة من تبطلها من اعتادت الشغل وانتحلته مركب صعابها ؛ خاطت غطاء رؤوس النساء / المحارم المحلية وأحبكت الفانيلات من الصوف ، أجادت فحصدت الثمن الاغلى وهي تخيط الاجود دعيت بـالآنسة الخياطة ؛ سنيورينا سارتا . بعد أن اضطرت لترك المدرسة عامين عادت لتنال الشهادة الابتدئية في الصف الخامس ، في العام الرابع عشر من عمرها . ماذا تسمى صوت اليد الواحدة عندما تصفق ؟ ، وهي ترقن حيرتها تذكرت سيدي حميدة الدرناوي عطار السوق ، من معظم زبائنه من البنات مثلها يزدحمن في الدكانة ، لا تزيد عن ستة أمتار وتحتوى على كل شيئ طيب وسحرى ؛ جلاب الجمال وجلاب العافية :
كم عمرك يا شاطرة ؟
- سبع سنين .
- يبقى انت غبية وما تخافيش الله ، أمك لم ترسلك فهي لا تطلب مثل هذا فلماذا تكذبين ؟ . فعلا كنت أكذب بناء على طلب جارتي التي طلبت منى أن أشتري لها مادة مما يبيع سيدى حميدة الدرناوي وأن أقول له أن من بعثني أمى وليس جارتي ، ولكن حقا كيف تسنى لسيدى حميدة معرفة ذلك دون أن أخبره ؟ .
عدت للبيت تتلاطم طفولتي الحيرة والخيبة فداهمتني مشاغله : القمح يغسل والشعير ينقى من الشوائب كى يحضرا للطحن على الرحى ، الخبز خمر وجهز ليؤخذ للخباز في كوشة القش ، الغسيل عسير مع ماء بنغازي المالح وهذا الصابون الأخضر الذي يصنع محليا ويدعى الصابون السوسي قليل الفاعلية ، ولغبن الغسالات يضفنا الرماد كى تنظف الملابس ، أنشر الغسيل بعد أن دعكته أمى بين يديها ، وهي تتمتم متذمرة : قالت ايش يهد المرا .. قالت لها : الغسيل والرحا ، قلت يا أمى لو نتزوج فزجرتنى : انطمرى عيب بنت وتحكى عالزيجة . كنت أبتغى مشاركتها في حوارها الدائم مع نفسها فكأن لكل امرأة في المدينة قرين لا مرئي تبادله الحديث ، فقد شاهدتها كثيرا في منولوج ، خاصة إذ زارتنا عمتى وأقارب أبي فتكون شغالة تعد لهن الشاهي وما يتيسر من طعام وحلويات ، و لا واحدة تمد يد العون ، كنا يجلسن يتبادلن الاحاديث وسيرة الجيران وسمعة هذه وشينة تلك وأمى مدفونة في المطبخ بين المواعين والرماد . شاقنى حالها كما شقيت طفولتي بجزرها ، كما شقيت في كل ليلة ونهار بأكلة واحدة طبيخ البطاطا أولا وحينا بامية أو كوسة وخبز نعجنه في البيت من قمح أو قمح وشعير . وإن كان بيتنا من دون غيره يزيد اهتمامه بالطعام حيث يعد المحشى من فلفل وطماطم وكوسة وملفوف السلق / البراك ، نحمله في طاجن على الرؤس إلى كوشة القش ، الفرن القريب لبيتنا ، لكن ذلك كان مدعاة لتعاليق رجال الجيران : أن ما يحصل عليه أبي من دخل الوظيفة يصرف على البطن بدل أن يدخر كى يبنى بيتا خاصا بنا ، دائما يرد أبي على هؤلإ : الغذاء .. لا الدواء . لم يخالجها ايما شك أن الشقاء في خطر وهي ترقن مستعيدة ترتيب حوائج النفس ، تحل تخبلها بتفكيك ذاكرتها مما يشوبها من انثيال مصاعب جمة واجهتها في كل خطوة ، وفي طريق دون معالم ودون دليل ، لم تخطط لما ترقن ؛ انسابت بارادة الوحيد في أن يجعل من وحدته تضوج حيوية ، لم يكن يهمها أن تصل بل المهم أن تقطع الطريق دون كلل وبضجر أقل . لهذا نهضت تعد الشاهي الاخضر الخفيف ما تحب ، متكئة على جسد أوهنه الزمان وأثقال ما حملته من وحدة مختارة بعناد ومثابرة لا تعرف الكلل . خيم الصمت صاخبا في مرتكنها حيث ترشف الشاهي وترصد أبخرته التي تهس مشكلة لوحة من عتمة شفيفة ، فيما عاد الاصبع الواحد يكسر حدة الصمت . عادت لشارعهم مندهشة من تلكم العجوز الايطالية ووحيدها من يسكنا وسط بيوت من عرب المدينة ، عائلة غريبة ومختلفة تقابل بالتحفظ من الجميع ، قبلت يد العجوز مرة فجزرها جدها ، فكيف لها أن تقبل يد نصرانية ؟ ، رغم أنهم جميعا كثيرا ما حثوها على تقبيل يد الاكبر منا سنا ، انبرى والدها كعادته لافهماها معنى نصراني . هذه العجوز الايطالية لا تحبها خالتى جازية العجيلية التي تتعيش من التقازة / قراءة البخت ، وقد طلبت منى مرة أن اخبرها بان تقز للعجوزالايطالية التي أجابت حاسمة : الماضى أعرفه والمستقبل لا أعرفه وهذا أفضل ، وقد علقت خالتى جازية باقتضاب : طيح سعدها . ذلكم حدث في العاشرة من عمرها ، حينها عادت من السوق جالبة حاجة من حوائج البيت لتفاجأ بإمها وجارتها تنتحبان ، تسألت بفزع عن مدعى ذلك وان علمت : سيدى عمر المختار شنقوه فإن شنق شيخ المجاهدين لم يعنى لها شيئا ، عادت تلعب بفرح وحيرة . هذه الحيرة خيطها الموصول بشريانها ؛ طعامهم ما يتبقى من أي وجبة يوضع تحت الليان – صحن غسيل الملابس المصنوع من الزنك – ويوضع فوقه سكين مرددين : خاتم سيدنا سليمان عالمتغطى والعريان . حلمت مرة أن سن من أسناني الامامية سقطت فصرت أبكي خوفا على أبي فلم يكن ثمة رجل في بيتنا غيره وإذا حلم فرد من آل البيت بسقوط سنه الامامية فتفسير ذلك أن البيت سيفقد ذكرا . ولم تتمكن من استيعاب أن يغنى فريد الاطرش في اذاعة مصر وبعد قليل في اذاعة طنجة بالمغرب ، كيف يتسنى له الانتقال بهذه السرعة من بلد لآخر ؟ . أول مرة تحضر عرسا شاهدت العروس ترمى بيضة على مدخل غرفة عرسها وبيضة على حائط الغرفة المواجه للمدخل ، وقد بيتت البيضتان ليلة كاملة مغروستين في طبق عجينة حنة العروس . وكما كانت الحيرة زادها كان الجنون محيطها ، كلما خرجت للشارع وجدته قبالها ؛ محظية الامرأة الضخمة تمشى في الشارع تكلم نفسها وكذا يفعل ابنها الصغير ، هذه المرأة تلبس بعناية ملبسها المحلى من رداء وقميص لكنها دون جرد يبرقعها فهي سافرة تمر على محال التجار تطلب حاجتها ، كل يوم تطلب قدر حاجتها فإذا منحت مقدار ما طلبت ثلاتة أضعاف فإنها تغيب ثلاتة أيام ثم تعود في اليوم الرابع لتطلب من جديد ، معلقة أنها تطلب حقا لا تنهب . عبابودة .. قتال القطوس السودة ؛ تجرى مع الاطفال وهو يطاردهم يجرجر اوساخ الشارع خلفه بقميصه البالغ الطول ممسكا بعصى ملوحا بها دائما مهددا الهواء أو الاطفال ، ثريا السمراء الشابة التي لا تخاف أحدا تتسول النقود فقط لتنفقها في الخمارة . العمياء بطة مغنية يهودية وزوجها خموس ، خموس صاحب الدكانة المقابلة للشارع ، حرفي يصلح ما فسد ويحور الاشياء مثل علب الطماطم التي ما ان تفرغ حتى تؤخذ اليه ليحولها لعلب بغطاء تستخدم لحفظ التوابل والفلفل والبزار ، كثيرا ما بعثت اليه بمهمة كهذه ، كثيرا ما راقبت بطة الدرباكة برفقة نجمة الليبية الكفيفة يقيمان معا ويترافقان في الاعراس ويغنيا معا . كثيرا ما بعثتنى أمى إلى شالوم من يسكن شارع الشويخات ، من عنده بضائع نسائية لا توجد في سوق ، النسوة كنا يخرجن للدلال بائع البضاعة اليهودي دون تبرقع ؛ اليهودي لا يجوز الزواج منه ، كأنه ليس رجلا عند نسائنا ، لهذا تميزوا كباعة للحاجيات النسوية فاختلطت بهم أكثر ، فيهم رقة ناعمة وانوثه والكلمة الحلوة مما تحب النساء ، خاصة الفقيرات منهن اللاتي يتحصلن على مرادهن دون مقابل أو بالدين الطويل الاستحقاق ، ذات مرة دخلت احد البيوت فجأة رأيت أحد هؤلإ الباعة ، طارحا أقمشته ، بعض من مصوغاته ، أدوات تجميل وعطور، يتصرف مع امرأة البيت التي أعرف بطريقة أخجلتني ، خفت أن أخبر أمي .
- يا ربي نجي عويشة .
تخرج للشارع مرددة ، تمشي في الزنقة مكلمة النفس مجرجرة ثوبها القذر حافية القدمين مخبطة رأسها ، معتوقة اليهودية الوحيدة دون زوج تسكن شارعنا تدخل بيوتنا ، كـ " ساسية " من تسكن مع وحيدها " خلافوا " وبناته ، لتقضي حاجات نسائها اللاتي لا يستطعن قضائها لأنها في الخارج وهن لا يغادرن بيت الزوج إلا لزيارة بيت الأب أو الجبانة ، عندما تدخل معتوقة لبيت عمى تطلب كوب ماء وخبز ، تغب الماء بطريقة عرفت عندنا جميعا بغبة معتوقة ، رغم وجود ماجن في بيتها دائمة الحرص على هذا الطلب ثم تنام بعد تحققه ، تفيق تخرج للشارع مرددة : – يا ربي نجى عويشة . ساسية غير خدمة نساء الشارع تدخل البيوت رفقة ابنها خلافوا ليغنيا في الاعراس ، ساسية كثيرا ما سمعت تؤنب خلافوا لعدم قيامه بواجباته الدينية وعدم التردد على الكنيسة فيرد دائما : لما ينزل رسول جديد ، يجيب كلام جديد ، الكلام الأول حفظته . شدني هذا الحوار كما فجأني بنات خلافوا حين جئنني طالبات أن أعلمهن اللغة العربية ، قلت في الخاطر : بالك يستسلمن . في وقت آخر ، مرة ثانية فجأتها الابنة الكبرى لخلافوا التي تركت لباسها الليبي الشعبي المعروف وغيرت من هيئتها ، صارت فرنجية لباسا وسلوكا وعللت لها ذلك بأنه استجابة لطلب خطيبها ، في المفاجأة الثالثة : ساسية وابنها باعوا بيتهم وكل ممتلكاتهم ، دون أن يفطن أحد غادروا المدينة ، فيما بعد تناهى لسمعها أن ذلك كان استعدادا للهجرة لفلسطين . الحيرة بددت الهواجس والجنون روض الخوف ، ترقن سفرها ووحدتها أنيسها في معزلها الذي بنته بتؤدة ، تنسج الوقت وتحوكه رداء العمر الذي لا يبيد و لا يتبدد ، تنشغل عنها بالآخرين ، مستمدة من وحدتها سماحة فسيحة تتسع كل اللاجئين إليها من عثرات الزمان وعبثه . نشبت الحرب العالمية الثانية فتصارعت ديوك الحرب في سماء مدينتها ، الطائرات تدك البواخر المحملة بعتاد الحرب الذي يتفجر محولا الميناء لجبانة والشوارع لفخاخ قاتلة والعمار لحطام ، هربت رفقة الأهل في عشرينية العمر للقوارشة قرب المدينة حيث الخلأ غير مستهدف من أحد . لكن الجميع كان عرضة للانتقام : الجيش المنهزم الذي في المرة الاولى كان ايطاليا وفي الثانية تحول لإنجليزي في الثالثة الماني ايطالي ، في هول الحرب هبت عاصفة وكانت برفقة أكثر من خمسين طفل وامرأة تحت خيمة اقتلعتها العواصف الهادرة ، لم يفلح الرجال في صدها فباتوا عراة . في هذه الحرب مع جيش منسحب غادرهم أبيها إلى مصر ، بين وابل الغارات وفعل المتفجرات تخيط الثياب من أجل القليل من القوت النادر ، الغالى الثمن في ظرف كذلك ، ويمدهم الجار الذي عاملهم كأهل بالشاى والسكر الأكثر ندرة . في القوارشة حيث هجوا مدت يد العون كممرضة تتقن الحقن وتضميد الجراح ، كناها الجد بـ " جيجا " اسم الممرضة الأرمنية التي تحقن الابر لمرضى الاسرة وبعض من أهل المدينة ، لكن الظرف مختلف مما جعل عملها هذا تطوعا وليس كـ " جيجا " الاصلية ، خاصة مع نفاذ الدواء الذي جعلها أيضا تطهر الجروح بـ " القاز " ؛ كروسين الفنارات مضاءات ليلهم البهيم . حينها قل الزاد وبعد المعيل فكان لزاما عليها أن تشمر ساعدها وتخرج ماكينتها لتخيط ، بيد أن القماش ضنين فحورت المظلات التي زرعتها الحرب في سماء المدينة وأطرافها ، قماشتها من حرير طبيعي وبفتقها واعادتها لاصلها واعادة تلوينها وبيد ماهرة في الخياطة تكون القمصان الرجالية والقفطان النسائي . اليد النشطة ، مما تعلمت زمن السلم في المدارس الايطالية ، جنت من الحرب النقود التي انخفضت قيمتها فلم تعد تجلب شيئا بعد أن ندر المعروض من الزاد .
بعد الحرب لم يعد الأب كما عاد غيره لبنغازي ؛ جاء من عنده من نقل عن الأب : ليش نروح ؟ علشان بنتين زرق ، ماعادش نبي بنغازي ؛ فزعت عند وقع هذه الكلمات في أذني ، أمي أصلها أفريقية – زنجية ، لماذا تزوجها ولما جعل نفسه أبا ؟ ، استدركت الأم قائلة : اجى ويزوج البنت ويرجع ، بالنسبة لى كان لا بد من التأكد مما نقل عنه .
كاتبته : شور والدى ما هوش كيف العادة / لا يريد حوشه و لا يريد بلاده / ما هوش كيف الماضى / هالى مدللنى وساد اغراضي / زعم يا عرب حرجان والا راضي / اللى خاطرى عنده طريح وساده / ما نكش كيف الاول / شوره غلانا من فؤادك تحول / صحيح ع الاقامة في الامصار تعول / ناسي خديجة الغالية والودادة .
فكاتبها : جوابك وشعرك راه أثر فيا / غيابي عليكم كل يوم بمية / ما ننساكم .. غيابي عمل / ودى نحوز رضاكم / نرجع ويرجع كيف قبل هناكم / على الله يا ستي وعيني حية / نجيكم غادي .. ونمسح دموعك / يا حشيش في وادى / وفي كل لحظة بإسمك انادى / مربيك يا أشرف بنات الفية / ربتك مشهورة .. / وطبعك وعقلك دوم باين نوره / وحق الكتاب اللي نزل بالسورة / من فرقتك جارن أمراض على .
لم تكن تهتم بالسياسة فلم تدرك كنهها ؛ قيل أن لوالدها خلافات سياسية اضطرته حينها للبقاء في المهجر ، وان كاتبها وأرسل النقود فإن ذلك زاد من حيرتها ، الأم تعاني من روماتزم في القلب ، أخبار ترد أن الأب تزوج في مصر التي لم يمكنها أحد من الذهاب اليها كى تلتحق بأبيها وقد توفيت أمها .
حين وصلت مصر واستعادت رباطة جأشها حارت في قدراتها وتكشفت نفس غريبة كامنة في النفس الظاهرة لها ؛ صباح الخميس 1946 –1 – 1 م تسللت من البيت ، دون عدة ، دون جواز سفر ، دون مال كاف ، دون معرفة وطيدة بالطرق التي تسلك وبهدف غائم واصرار ملبد بالغيوم السحت .
تغطى الرأس ، تنقب الوجه ، تتوكاء عكازا ، عجوز بدوية استقلت سيارة ، كرسيان طويلان متقابلان ، ركاب رجال ، عجوز بدوية مفردة بصيغة جمع متوجس يردد التسابيح والآيات التي تشد العزم . توطد النفس في منولوج يقطع الانفاس بالأسئلة والريب ، المصير المبنى للمجهول ، تستذكر دروسها غابت عن محيطها : أليس كل قرأة معتزل ، لقد كانت منذ صباها في عزلة ؛ المدرسة مغامرتها الاولي : انت يا عجوز وصلنا المرج تريدي شاهي والا مشروب ، توكدت من أنها عجوز ومن أنها خيبت أمآل العجز ، أنقذها صوتها من كشف سرها فتفطنت أن معيبها سلاح لحظتها . وصلت درنة بعد ، ساعات عشر من السفر ، ثلاثمئة كيلو متر ، ثلث المسافة مما توجب حتى تصل مرادها ، أصابها الهلع ، الليل حبك خيوطه وخبلها : أين أذهب ؟ ، ماذا أفعل ؟ ، أين تقضى الليلة ؟ ، كيف تستأنف السفر غدا ؟ طاش عقلها ونطق لسانها لاقرب رجل منها : أريد الذهاب لطبرق و لا أعرف أحد هنا ، وعدها خيرا ثم تنصتت عليه فإذا يحادث رجلا بالايطالية ثم يجيئها بنباء لا تحبه : ما فيش كرهبه توصلكم لطبرق لكن .. ولم يكمل ؛ لكن تسد الانفاس وتوثب الروح وتوقظ الحيرة ، انتقلت بعدها لسيارة نقل بضائع لتجلس محاذيه السائق : ربي ظلمت نفسي وأظلمت طريقي وعميت بصيرتي أتوسل إليك ذليلة خاشعة فأجعل في قضائك اللطف . توسلت في نفسها القوى وقد تناصف الليل وبعد .. ترقن في دفء الوحدة شقاء طريق دون رفيق وعمر زهوه هذه الطريق كأنها واحد أحد لا زوج و لا ولد ؛ زوجها نفس تواقة وولدها عزم مركبه موج عال ، كثيرا ما رددت ذلك وقد أقبل الصبح مدركة أن كل علم ليس في قرطاس ضاع . وهي ترقن ذلك ضاع خيط سبيلها حتى أفاقت على بزوغ الشمس وبيان طبرق ، نزلت في برد وسلام متوكأة على يد السائق الذي أسرع يمد يد العون للعجوز رفيقة السفر متسائلا : وين .. ؟ قاطعه قلقها وما ينم عن هلعها : لست أعرف ، الله يعلم أني أبغى السفر إلى السلوم من قصر الجدى ، فقاطع – السلوم !! فيه بللمون واحد يسافر للسلوم في الاسبوع مرة وسافر أمس . في قصر الجدى بعد أن أوصلها سائق الناقلة أقامت ضيفة في بيت بدوى تلك الليلة ، في النهار أطلعت ربة البيت عن مرادها السفر لمصر ودون جواز سفر ، دون مال ، دون رفيق ، تشاورت المرأة مع زوجها وتوكد العزم أن يرافقها ابنى المرأة ليتم تهريبها من حراس الحدود ومن جنود القوات الانجليزية المرابطة هناك غب الحرب ، والصحراء بغير السراب زرعت ألغام وأشباح ما تبقى من حرب لم تغلق أبوابها بعد ، امتطوا الحمير لقطع الطريق في تسعة عشر ساعة والدوريات تجوس الأمكنة ، مرددة في سرية : يا ستار .. ويا ستار .. انشا الله .. ما ينهق الحمار .
ماذا تسمى صوت اليد الواحدة عندما تصفق ؟ لم يصيخ أحد السمع ، لم يجب أحد لكن اليد الواحدة استمرت في التصفيق ، والاصبع الواحدة في تقليب ما وجدت ؛ كتب مهملة في شرفة مغبرة في بيت أبيها ، جد زوجة الأب معلم آداب فقراءت وانبهرت واستغرقت في كتب المنفلوطى وأحمد أمين وغيرهم من معاصريهم ، اثر ذلك تمصرت ، ولدت في بنغازي عاشت ربع قرن لم تغادر مدينتها ، لكن أبيها عقب دخول الانجليز المدينة وهجته لمصر حصل على الجنسية المصرية وبالتبعية حملت جواز سفر مصرى . أكتوبر 1947 م ، عادت للبلاد كما عاد الوالد ، عهد الادارة البريطانية ، عادت لبنغازي عن طريق السفارة البريطانية باعتبارها حاملة الجواز المصرى رفقة دفعة معلمين مصريين ، عينت كمعلمة في مدرسة الأميرة ، أمنيتها تحققت لكن التعليم ليس كالتعلم . من حيرتها تتفتق ذاكرتها : في يوم 1939 – 3 – 15 م يوم ميلادها الثامن عشر وطدت النفس على احتفال للمرة الأولى بهذه المناسبة ، ستدعوا الصديقات على الأخص صديقات ايطاليات ، تكتب خطبة باللغة العربية ، تتطوع صديقتها وداد أشرف لترجمة الخطاب للغة الايطالية ، تعد العدة لحفلها هذا تعجن العجين تعد لقيمة القاضى ، لما شاهدها الأب تجهز حلوياتها المحلية هذه أحضر من محل ايطالي حلويات افرنجية ، في الصالون الفرنجي الذي أدخل البيت من فترة ليست بعيدة ، جلسن لكن احدى المدعوات جلست على كرسي مكسور فسقطت لن تنسي الحرج ما أربكها . أم صديقة ايطالية من المدعوات حضرت برفقت ابنتها ، هذه المرأة الكبيرة السن شدها أكثر ما شدها الخطاب الذي ألقيته ، نصحتني كثيرا بالعلم وأني ان فعلت هذا سأحقق كل ما أتمناه وأن في هذا سيكون لى شأن ، من هذا الحفل خرجت بالكلمات وهذه النصيحة . بحثت ، قرأت ، تسألت عن حق المرأة في العلم ، موقف الاسلام من ذلك ، القرآن وما يقوله عن المرأة وحقوقها ، كتبت مقالة في الخصوص ، أرسلته إلى مجلة ليبيا المصورة التي لم تنشره ، أعقبته بمقالة أوضحت فيه استيائها من موسوليني ، هذا المقال عرض الأب لمشاكل ، الأب الذي أنبها بشدة على فعلتها الشنيعة تلك ففجرت استيائها في رسالة لصديقتها بهيجة هانم العرادي لتحفظ هذا الاستياء طول العمر كشيئ مقدس . حين دخلت الفصل لملمت ذاكرتها وبدأت التدريس من درجة الصفر لخليط من بنات وأولاد في أعمار متباينة ، استغرقها الدرس سنون ، فطنت لنفسها تتوق لمزيد الدروس فشدت الرحيل لمصر في 1952 – 8 – 10 م ، لتقيم في بيت أقارب لهم ، هناك تبدأ من جديد السفر في بحر مجهول ودون زاد يذكر لتحصيل ما يمكن مما لا يمكن : متر قماش وشريط أزرق كانا وسيلة تجد بها الشغل والحصول على الشهادة الاعدادية ، في العام الثالث والثلاثين وثلاثة أشهر من عمرها تحصل على شهادة من جامعة عابدين الليلية : تعادل شهادة الثقافة ، درست الصحافة بالمراسلة وحضرت دروسا في الفرنسية . تاهت في خضم أحلامها المتلاطمة لم تعرف سبيلا لتخلص من موج طموحاتها ، جنت من نفسها على نفسها ؛ الثمرة الحقيقية لعجالتها اللاواعية فقد كانت الثقافة تعنى البطء ، تعثرت كثيرا في ظلال نفسها تلك متشبته بخيوط تنسجها من وحدتها ، تضرعت مع أحد الشعراء إلى جميع من يحبوها أن يحبوا وحدتها ، لهذا على عجل فكت رباط زواج سريع ، جعلها هذا تعرف دائما كـ " أنسة " تزوجت أحلامها ، طائشة في توقها للآخرين الذين جعلت من آذانهم مسربها ومن سرائرهم – التي تنيرها ولكن كنجمة آفلة – سريرها .
- يا سيدة خديجة .. يا سيدة خديجة .
لم يناديها مناد في شارع و لا لقبت مرة بهذا اللقب ، جفلت فضاعفت خطوها ؛ عادت لبنغازي ولم يكن العود أحمد ، ستعين ، بعد أن يعتبر تغيبها للسنوات الخمس الفائته دون مبرر ، بمرتب ثمانية جنيهات فقط بعد أن كان مرتبها طال الخمسة عشر جنيها ، ليذهب التعب سدى ، لحق بها المنادي وكان ابن عم لها :
- لقد جاءك الاستاذ محمود خصيصا بوظيفة مذيعة ..
- عمل ما نعرفه ، مذيعة !!
- هم بحاجة صوت نسائي ، ورقة تنقراء وبس .
- ويرضى هلى وهلك ، ما يكفيش ما درت ، نضيف لهم فضيحة أخرى ؛ عمل وفي إذاعة !
عادة ما كانت كالكتب التي تقراء تفصح عن نفسها من مجرد النظر إليها ، حرنت في البيت تغالب توقها لأن تسمع ؛ مرة ثانية سيكون معيبها سلاحها ، لم تكن تجيد معاركة السيدة حميدة العنيزي الملحاحة على موضوعها ، خاصة أن تسند بامرأة في مهمتها لتحرير المرأة وفي دور مذيعة ، لم تكشف حميدة عن مسرها ، ما أفصحت عنه :
- لا تشددى ، عمل مذيعة أفضل من التعليم مقابل ثمانية جنيهات .
- نحصل في الخياطة على مبلغ أكبر ..
- جدك البعباع موافق .
- عائلة باتي .. عائلة باتي ، بلكى ما توافقش .
تدخل السيدة حميدة العنيزى حسم الأمر ، عملت مذيعة .
- نخش عليها في نص الليل نقبض روحها .
ابن عم اعتبر عمل المذيعة مدعاة لأن يستعير دور عزرائيل ، فكرت وعزمت أمرها دخلت بيت عمها لتدعوا من هددها أن يفي الوعد ، خجل منها ومن جسارتها بكى :
- حشمتي بينا ، الناس اتقول بنت عمك تخدم في الإذاعة .
طلبت منه في تحدى وقوة أن يتبعها ليعرف ماذا ؟ هي نفسها لم تكن تعرف ، كانت تعيش وسط ضؤ بين زمنين مظلمين دون أن تمسك بخيط هذا الضوء ، أحيانا تتبدى لها نفسها كظلال غائمة وترتعش كضوء شمعة أحيانا آخر واثقة الخطى ، دخلت الاذاعة قابلت مستر فلتشر الانجليزي المسؤول على الاذاعة ، إلى جانب عمله كسرتير أول في السفارة البريطانية ، صباح يوم 1956 – 10 – 7 م ، تصادف أن كان ذلك فترة الاعتداء الثلاثي على مصر . فجأها مستر فليتشر :
- ليدي خديجة ، لماذا ذهبت للسفارة المصرية ؟
- ذهبت لأن جواز سفري مصري .
- كيف نفسر ما فعلت ؟
- أنا أعمل معكم هنا .. أصدقاء ، عند اللقاء في الميدان سأكون مصرية أولا عربية ثانيا هذا ما يجب أن تعرفه .
وما الاسماء التي تضمها القائمة ؟ .
حارت : من أخبره . وقد تم الامر بينها والقنصل المصرى ، لم يطلع غيره على قائمة المستعدين للتطوع لخدمة مصر في حربها لكنها بددت حيرتها باجابة قاطعة :
- لا أعرف .
باشرت عملها، كانت حميدة بن عامر قد سبقتها منذ عام وتقدم برنامج ركن المرأة. كى يفصل مستر فليتشر أى احتكاك بين المرأتين اقترح عليها فكرة برنامج مستوحى من أهداف جمعية التسلح الخلقي: عدم التدخين، عدم الشرب، المحافظة على الترابط العائلي.. ، قدم لها كتيبا يحتوي على أهداف الجمعية، التي ستعرف فيما بعد أنها فرع من الجمعية الماسونية الدولية .
غنت : عليش عايشة يا عين / وايش تريدي / وانت كل ساعة / في الهموم تزيدي .
غنى : الزيجة شينة / تقيد بنادم / ما يمتع عينه / عياط العيال / يطلعه من دينه / ويقول يا خسارة أيام هنايا . كتبت تمثيلية اذاعية من وحى مقترح مستر فليتشر حول عواقب الخمر شاركها في التمثيل المطرب على الشعالية وغنت مما أثار لها مشاكل وخيمة، اكتفت بتقديم واعداد البرامج وكتابة الاغاني، كانت هذه التمثيلية الاذاعية الحلقة الاولي من برنامجها [ أضواء على المجتمع ] الذي سيكون أهم البرامج الاذاعية الليبية لمدة ثمانية عشر عاما ، من هذا – الكثير ، الكثير غيره - ستعرف بـ " ماما خديجة " .


     
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home