Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Saturday, 23 September, 2006

   
   

رواية

سـريب (5)

أحمد الفيتوري

فى غبش الفجر هرب صيد الليل ، فوصل إلى رفاقه وهو يلهث من شدة الرعب .
فقالت الوحوش فى لهفة : خبرنا يا صيد الليل هل رأيت بن آدم ؟
فقال : لن أخبركم ! ، لن أخبركم حتى تحفروا لى حفرة فى هذا الجبل ، ويكون المأوى نفقا عميق الغور ، وقبل ذلك لن أخبركم .
أخذت الوحوش فى الحفر جميعا حتى أتموا النفق الذى شرط والذى يريد ، فدخله صيد الليل على عجل ، ولما شعر بشئ من الامان ، وبعد أن هدأ روعه قال :
بن آدم - ثم ازدرد لعابه - بن آدم هو سيد كل ما يوجد ، كل ما يوجد فى الدنيا ، هو الكائن الذى لا يقهر بما يملك من حيلة ، وكل من يريد أن يبقى حيا فليهرب ، فليهرب حتى لا يفقد رأسه .
ومنذئذ ، هربت الوحوش ؛ كل وحش اختار له مأوى وملاذا منهم من سكن إلى مغاور الجبل ، منهم من حفر الحفر فى الارض ، منهم من اتخذ الوعر المسكن وافترقوا كل فى ملجأ . كما افترقنا واحتلنا على بنغازى التى ضرب الجوع أطنابها ، ودكت الحرب عمدانها ، إتخذنا ملجأ لنا عمارة فكت جدرانها ؛ قيل أنها فيما مضى مقر الحزب الفاشى حزب موسولينى ، منها تدار أقدار الناس ، وتحرك خيوط المدينة وقد عاثت فسادا أما اليوم هى خرابة ، وأخرون اتخذوا منا جيرانا فعمرنا العمارة بكدحنا اليومى . دخل خالك الصغير مدرسة اليتامى فيما كنت احمس الحمص والفول لخالك الوسطى ليبيع ذلك أمام دور السينما ، ولقد خفت كثيرا أن يضيع منى زوادة العمر وما زرعت بشق الانفس وحلاوة الروح ، خفت أن تحصد حرب فلسطين أبنائى ؛ وقد عم الحماس الشباب والصبيان لأجل الحرب والتحرير، وبالكاد ذهبت عنا حرب ضروس لتنهض أخرى تأجج النفوس وتضرم فى الارواح النار . لكى لا تأكلنى هواجسى ذوبت نفسى فى بيوت بنغازى ؛ أنظف هنا وأطبخ هناك وأرعى أطفال هؤلاء وأغزل لأولئك الجرد والعباءة ، ولما كان أبوك يخبز الدقيق كنت أطحن العظام ، ولما فاض فى ذلك العام وادى القطارة فاضت الروح معه؛ غرقت المدينة وغاصت شوارعها فى كدر وضيق ، كنت انقب عن مستقر لما اقتلعنا من مطرحنا اقتلاعا ورمى بنا السيل على قارعة الطريق ، لكن من سكن بنغازى لا يخشى من البلل لهذا جففنا الدموع وسددنا فى وجهها السبل ؛ حصلت على عمل ثابت وسكن دائم ؛ لما كانت الناس بما جاءهم فرحون فقد هللوا لأستقلال البلاد ووزع التجار على الاطفال الحلوى.
- لمن تحكى يا جتى ؟ .
- نحكى لروحى ؛ قالت ذلك بغضب وهى تتدثر بالغطاء ، ثم سرعان ماذهبت مع النوم وعلا غطيطها واجتاحنى الخوف . بين حكيها ونومها تأخذنى حيرة : من أين تجد النوم كما تجد الكلام وكأنهما مربوطان بخيط واحد تستله من ردنها ، لكن هذه الحيرة تغلب فى كل مرة بالانسياب فيما تفعل . فى صباح اليوم التالى نهضت جدتى تعد الفطور وتوقظ خالى من أجل الذهاب للعمل ، عند آذن الفجر استيقظت على غير العادة كنت أريد أن أسالها من أين تجئ بالحكايات ، لماذا لم تذهب للمدرسة ، ثم أقترح عليها أن تذهب منذ اليوم معى لكى تتعلم القراءة؛ من أجل أن نقرأ معا مجلة الليبي الصغير وسندباد، فكرت فى الامر مليا، دخلت على لتجدنى واضعا رأسى بين يدى مستغرقا فى التفكير ، طلبت منى أن أنهض دون أن يلفت انتباهها استيقاظى على غير العادة مبكرا ، ولا انشغلت بما يشغلنى ثم سمعتها فى عراك مع خالى من أجل أن يذهب لعمله لم أهتم فهذا يحدث تقريبا يوميا ، ولأنى أيضا مشغول باقناعها بأن تذهب معى للمدرسة قلت لها ذلك فزجرتنى . نهضت على عجل وفى المدرسة سألت المعلم إن كان بامكانى أن أحضر معى جدتى ؛ فقال بأن هناك مدرسة لمحو أمية الكبار وهو يعمل متطوعا بها أخر النهار حيث بالامكان حضورها ، لم أقتنع لكن قررت أن أحاول معها . لما عدت للبيت لم أجدها ، رميت شنطة الكتب لأذهب للوسعاية باحثا عن أى طفل من أجل اللعب ، وجدت الاطفال يلعبون لعبة عروس وعريس طلبت أن أشاركهم فأبوا ، وبالقوة أخذت سعادا عروسا لى ، مهددا بأن ألعب أو أخرب اللعبة ، هكذا قبلوا بى على مضض ، بالسرد دخلت معركتى فأخذت أحكى لعروسى حكاية من حكايا جدتى ؛ تحلق الاطفال حولى وتركوا اللعب ، عندها ألفت الحكاية كما أريد ؛ كنت أدخل خيط حكاية فى ثقب حكاية جاعلا من نفسى البطل ، جعلت من الافلام التى شاهدتها مع خالى وأبى زوادة إلى جانب ما سمعت من حكايات : ركبت مع سندباد البحر ووصلنا جزيرة النحاس حيث بحر عين زيانة وفى القدر ؛ فى قلب العين خرج علينا ذو العين الواحدة عفريت الشيطان ، الذى ينفخ من فمه النار الذى خطف زوجة جارنا على الخياط ليلة الدخلة مما جعل أهلها وأهله يشعرون بالعار ، لقد استردينا منه الخطيفة التى دسسناها فى الجخ ، لما تركت سندباد تعاهدنا أن نساعد نص انصيص ضد اخوته المجرمين فى الرحلة القادمة . وقد اندهش الجميع كثيرا حين قلت لهم بأنى شاهدت عنترة ؛ حكيت معه وأتفقنا بأن أذهب برفقته فى حربه القادمة ضد عرب عبس ، لكن مفتاح بورقبة أصر أن شيبوب هو رفيق عنترة وليس أنا ، فتعاركنا لينصرف فى غضب صارخا : أنت ويشى - : شارلى شابلن - الكذاب .
حين غادرت الشارع عائدا للعلوة أمسكتنى أخته الكبرى ، صفعتنى على وجهى ، فهرعت وبين البكاء والصراخ كنت أردد فى تنغيم تهديدى : ياعورة ياعين الديك ... كلبتنا اتحلف فيك.
فى ذلك اليوم فقط انزعجت أن لا يكون لى اخوة فى عمرى ، فتمنيت أن يكون لى الكثير منهم ، وأن يكبروا بسرعة تحققت هذه الأمنية التى ندمت عليها فيما بعد لما تجاوز عددهم الدزينة حينها أخذتنى بنغازى من يدى واندلفت بى متخذة من غيمة البياض بساطا كانت الغيوم الأخرى تداعبنى فتتحول إلى غزالة الريح ، ضب السماء الطائر ، قنفذ الشوك الحريرى وجربوع القفزة السماوية ، حتى وصلنا حديقة الحملان الذهبية والجديان الزرقاء التى حوطتنى بمخمل ملامساتها وهى تلحسنى غمرتنى رائحة مسك أمى وقرنفلها ، صفا صفا وقفت تحيى بنغازى وتحيينى ؛ ثغاءها موسيقى الكون وهو يتثاءب مع طلوع الصبح الذى تحول إلى مسرب قادتنا فيه طيور الضوء حتى ظهر علينا صرح شاهق لم أتبينه لأنه يعكس أو ينساب منه قوس قزح قلت فى نفسى هذا مصب نهر الالوان الذى تخفيه الشمس عنا حتى يباغتها المطر ويغسل السماء فتبان كنوزها كما تبان النجوم لما تنام ؛ شمس الصحارى شمس الخفى . وكنت أندلف فى المكان دون أن أتبين موقع قدمى وأنساب فى مسرب البياض تأخذنى أجنحته والنوارس تحط على حافة الضؤ وتخترق الفضاء بين السبخة والبحر أو تحط على سريرى الأبيض حين ينتابها الاعياء وكما بيتنا كان لا باب له كذا هذا الصرح . قالت بنغازى وهى مشغولة - بى - عنى : هذا بيت بنى من الملح ففى جنوبى يبنى أهل لك لا تعرفهم فى الواحات بيوتهم من الملح ، ولما عقلتنى الدهشة استطردت وإن المطر قد جفأ هذه البلاد وهى حافة الصحارى الكبرى وواحات لمستقر أراد التوحد فى الكون ونأ عنى وعن البحر منشدا سماء النجوم وخصلة شعرى ؛ خصلة برنيق الذهبية فى ليل الصقيع الابدى ودفء الفؤاد ، وفى النهارات يهز النخلة ويطلق سراح الماء الجارى عن العيون كذا هو ساكن بن مسكان، ساكن أوجلة / مرادة التى فى مرة نفى اليها الطليان وقد كانت المنفى أحد المجاهدين ، هالهم سروره وغبطته لكن حيرتهم تبددت لما عرفوا أنه أصلا من مرادة وأنه أحد بناة بيوت الملح هذه التى نفوه إليها ، وكما ترى فإنها مصب النهر الذى جففته الدهور ويبست حلقه شموس الصحارى الغضبة من جشع الانسان ، وكذا هى محط القوافل التى ارتادتنى حقب وسنون طوال حتى غرقت جمال بحر الرمال فى بحر النسيان لما ركب الانسان الحديد وصيره بهيمته وهذه الواحات / جالو جزيرة فى الرمال وعمارة فى تلك الصحارى هى راحة يدى المغروسة فى الرمل لعابر السبيل ومستقرا لهائم تعب . سرنى ما أسرت به لى ونحن ندخل بيت الملح للطعام لكن لم أفهم ؛ وبدأ لى أنى فى خلوة الجامع أحفظ ما يطلب دون أن أفقهه كذا الايمان سر القلب ولغز العقل أو هذا ماقاله فقيهنا ذات مرة وحفظته عن ظهر قلب ، لم أطلب شرحه مخافة عصاه وهى تطولنى فى المنام فما بالك بالصحو . صحوت وخرجت من التابوت الذى يرقد فى صحن الجامع والذى يستعار لنقل الموتى ، هو أفضل مخبأ ، وملجأ اطفال الحى الهاربين من الفقيه أو من غضب الأب ، كالعادة سررت لما وجدت نفسى حيا وبإمكانى العودة من جديد إلى البيت ورؤية جدتى التى وجدتها نائمة قد أنهكها شغل كل يوم ، وهى نائمة كثيرا ما تتكلم وتحكى عن تغريبتها ، ترطن بلغة غير مفهومة لكنى كنت عرفت من أمى أنها لغتها الامازغية غير أن الكلام فى مجمله وإن هو فى صيغة شكوى كما تبين نغمته غير مفهوم ومتقطع ، يستهوينى الاستماع اليه فى الغالب لأنى أشعر بالأمان ، بأنها حية وأنها تأكل الرز مع الملائكة كما يقول جارنا المهاجرالعائد من مصر حين يجد أحدهم نائما ويخثرف . طوقنى نعاسها ، اجتاحنى الوسن اكتسحت أمواجه عيونى ،كذا بردت فتدفأت بموقد حضنها وتلحفت ردائها . حين لفتنى بنغازى بيديها كان البحر الأبيض يجتاح شواطئها الراقدة أسفل البحر الذى أطلق عنانه فغطى حى الصابرى فى مجمله ، لم يصل العلوة لكن بكاء الاطفال وصراخ النسوة خيم على كل مكان قريب ، وأبى يعارك الامواج ممسكا بطفل ويجر إمرأة : من يسكن بنغازى يدفع دية البحر كل عام ؛ غرق ملبس وعام مأكل وطفت بعض العشش ثم تفككت حلاليق وبراريك ولم تعد تصلح مأوى . الغضب الشتوى مس البحر فهاج وماج ، ظهر جنونه وزاده الصراخ والعويل هيجانا على هيجانه ، كذا أخذ الناس بغته كأن الشتاء يأتى فجأة ، وليس ما يحدث الآن يحدث فى كل عام مضى . وقد انتزع الذهول العقول فتخبط الناس وتخبلوا بهلعهم إلا نفر قليل أخذ ينقذ ما يمكن انقاذه ، حولت جدتى بيتها مأوى ؛ وهكذا هى العلوة التى مد البحر ألسنته فى محاولة مستميته منه أن يطالها ، لقد تلبسه الحنق الشديد فبدأ يضرب بشراسته المعهودة حتى غطاه الزبد ولم يطل إلا حواشيها ، فإرتد خائبا ليعيد الكر المرة تلو المرة حتى أفاق الصبح مصعوقا تراجع البحر ، ومدحورا مد ألسنته الملتهبه من أثر الحنق نحو السماء مهددا لما ظهرت عليه الشمس ؛ كاشفة عري جسده الأبيض الذى يغطيه فى غير هذا الوقت ثوبه الأزرق المحروق بحنق وغدر قلبه الأسود المشحون بغضبه على الإنسان الذى حوله إلى مطية يركبها متى وأين شاء ؛ هكذا سمعت أخر صراخات البحر وهو يرتد على نفسه ، غب ليلة البارحة التى فيها نكل بمن إستطاع من أهل المدينة . قالت بنغازى إنها غيرة بيسدون من أهلى الذين أويت ومن انشغالى بك ؛ عنه .
عادت بنغازى إلى عادتها القديمة وجدتى أيضا ، كأن لم يحدث شئ . غير أنى لاحظت فيلا أصفر يحمل صخرة جبلا يمخر الشارع الرئيسى فى المدينة يقوده تيس أحمر ؛ كنت كلما رأيتهم أقرأ فى سرى الآية القرآنية : ألم ترى كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ، ألم يجعل كيدهم فى تظليل ، وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول . صدق الله العظيم . عرفت فيما بعد أن هذا الفيل سيارة حمالة الصخر ؛ ليغطى البحر حتى يكف عن مشاغباته فى الليالى الشتوية ، ثم لدفن السباخ ، وأن من يقودها يونانى أو رقريقى كما جارنا ؛ غير أن قائد الفيل نصرانى وليس كجارنا الذى كرمه الله بالاسلام . لم يرق لى ما يفعلون ببنغازى فركبت الثور ؛ اليونانى يدفن السباخ وأنا أحرث البحر ثم دخت السبع دوخات بحثا عن بنغازى ؛ أتعب النهار فأصرخ فى مرقدى كل ليلة وقد ظنت جدتى وأهلى بى الظنون ، لكن على أن أنقذها مما يبيت لها ؛ هم يريدون تشليحها من ثوبها الابيض الذى ليس كمثله شئ ؛ الملح إن غاب غاب الخبز لو كانوا يعلمون ، وفى مرة ركبت الكبش ، نطحت بقرون عنادى الفيل سيارة اليونانى ذودا عن ثوب بنغازى التى فى قديم الزمان - كما حكت - مزقوا قرون شعرها ؛ خصلة برنيق التى علقوا فى السماء كى تكون منارة ، هدى الفلائك والسفن والتائه فى بحر الماء ، كما جعلوا واحاتها مستراحا للتائه فى بحر الرمال ثم ثقبوها بحفارات القبور بحثا عن القاز والقطران أو كما يقولون كفوا عن بنغازى فقد أهلكها تعب حتى صارت عجوزا عند النواحين والعدادين وهى الفتية كما ليس ثمة فتاة ؛ قلت لصاحب الفيل لما أمسكنى يغرينى بقطعة شوكلاطه كبيرة وحلوة حليب ؛ كى أتركه ينهى مهمته التى صيرتنى مهموما بما لا يعى الكبار . الحدث لم يأخذه أحد بجدية كذا جدتى : انهم يدفنون السباخ ويزيحون البحر عن بنغازى ، ردت على وأنت يغطونك بالنيلون الذى يشتعل بعود وقيد أو طشاش فحم ؛ لم تكن تحب الملابس الجديدة التى يجلبها لى خالى دون أقرانى من أطفال الحى ، التى كنت أتباها بها ؛ لهذا مرة ثانية بعدت بيننا المسافة كما حلى لى أن أقول فى نفسى خاصة عندما أقلب المجلات التى صرت أملك منها الكثير ، وأنكفى عليها أقرأ وأدفن خيبتى فى الجميع مهووسا بالبحث عن بنغازى التى غابت عنى خلف غبار الشاحنات . الشاحنات اتخذت من العلوة ركحا لاستعراض قوتها ، محطة تقذف فيه نفايتها من زيت ونفط وأوساخ آخر حتى غدا الركن المحاذى للطريق مرحاض الشاحنات وكنيف سائقيها .قلبت فى كل مكان دون جدوى ، بحث عن أحد ينصت لى دون جدوى ، فتشت فى رأسى الصغير عن معنى ما يحدث دون جدوى ، حاولت استدراج جدتى إلى مشكلتى دون جدوى عندئذ عدت إلى دكان أبى الذى بدأ لى كـكاركاوز بازامه أو صندوق العجب فقد أضاف إلى رواده من بدو وعمال من غرب البلاد روادا جدد؛ اليونانيين الذى يردمون بنغازى واللبنانيين اسطاوات البناء والمصريين الذين يساعدونهم ، تعددت اللهجات واللغات وجدت سلع من برغل وسمك مجفف ولحم معلب بولوبيف وفول مدمس وتلونت السحنات والملابس ، وكل واحد من هؤلإ الرواد يداعبنى بطريقة ولهجة مختلفة ، وكذا ترددت وجوه جديدة قيل أنهم عمال حقول النفط فى الصحراء والذين يجئون للدكان لغرض بيع ما يستبقونه من تموينهم فى الحقول وهى بضائع لم أعرف لها مثيلا من قبل ، مرة سمعت أحدهم يصفها بالبضاعة الأمريكية . احتفل أبى بوجودى فى الدكان وأخذ يتركنى بين الحين والآخر وحدى كحارس صغير حين يضطر لغياب سريع ، وقد وعدنى بالذهاب إلى درنة وزيارة خالتى هناك والبقاء أيام فى مدينة الموز . لكن رغم الوعود وهذه الالوان المتعددة والزاهية فإنى ما رأيت إلا السحنة المكفهره للسماء وشكل الغبار - بتحالف مستتر مع القبلى الذى لا يظهر إلا فى الصيف - وجه كل شئ ، واقتلعت أشجار لتوسيع أو مد طريق وضيق على البحر حتى انحسر ، فى فترة وجيزة تأكد لى أن المردة الذين يسكنون جبانة سيدى اعبيد وجبانة اليهود وجبانة سيدى خربيش وجبانة سيدى داوود وجبانة العويلة ؛ الاطفال وجبانة النصارى أطلقوا ريحهم وأخذوا يرمون المدينة بالقطران والزيوت فى وضح النهار وفى الليل الذى انير بعواميد الكهرباء الممتدة حتى الصابرى . وفى صندوق العجب هذا دفنت حيرتى ، وبقى السؤال يسرح فى رأسى ويرتفع طنينه لما انتبهت أمى لغيابى عن جدتى وأحست بالخوف من عودتها للعمل فى بيت محافظ البنك من جديد أظهرت حرصا غير معهود عندها بمدرستى وأهمية القرأة وبمجلاتى وكتبى هاته التى جعلت جدتى تزيد من اهتمامها بى فهى تريد أن أكون ضابطا أو معلما وليس تاجرا ، وحين باغتها بأسلتى عما يحدث وعن غياب بنغازى ، أخذتنى فى حكاية وضمتنى فى حضنها ولفتنى بردائها لكن السوال الفاغر فاه فى جمجمتى لفنى بثوب التعب فاستلنى منه النوم ؛ غبت فى الرماد الذى تسفحه الريح من مواقد السباخ ، لم أتبين طريقى حتى أردفنى نص انصيص خلفه على ظهر الكبش والمحل يغرس أنيابه فى الارض التى تشققت ، والسباخ التى جفت كأن زلزالا ضربها ظهرت لها أخاديد وغارت ملامحها فيما أخذت الارض الزراعية المحادية للمدينة تمد ألسنتها من أثر العطش ؛ غاب المطر غب انسكابه من السماء سيولا وخروج البحر واكتساحه الصابرى حتى غصت المدينة بالماء الذى امتزج حلوه بمالحه ، صلى أهل البلاد صلاة استسقاء لإستمطار السحب التى تمنعت وأمعنت فى الغياب حتى جفت حلوق أهل البلاد وترمضنت وجوههم ، ومات الزرع ويبس الضرع ولمعت أنياب الشمس ففزعت كل دابة وسكت الدبيب . قرأ النـاس القرآن والاوردة ، أقاموا الحضرة قامت قيامة الدفوف لكسب رضى السماء دفعوا دقات القلب ووجل النفس وسفح الدمع وخرجنا الاطفال ثم النساء والزوايا : الحركات الصوفية الاسمرية ، العيسوية ، القادرية ، الشاذلية ، التيجانية هذه يقودها الشيخ الصفرانى وتلك الشيخ ازواوا والاخرى الشيخ فرج وأخرى الشيخ البهلول وقال ناظر المدرسة فى طابور الصباح : لم يحدث وأن غابت كل العام وإن قلت سبع فهى فى سبع آخر شبوب تنهمر ، وعلق مدرسنا فى الفصل لم تكن المدينة تشرب من المطر قدر أن ماء شربها من البحر فهو ماء أقرب للمالح من قربه للعذوبة ، ولا البادية الساعة تكفى المدينة مؤنتها ، ومما من زرع وقد أخذت الموانى تقوم مقام الزارع والراعى بعيد خروج النفط من نفس تلك الموانى ، لكن العطش اجتاح المدينة والبادية وفزعت البلاد شاخصة عيونها الذابلة إلى السماء التى اشاحت وجهها عنا مما زاد عطشنا الابدى . لم أفطن لبقية ما قال فقد رفعت اصبعى مستئذنا المعلم لكى أخرج للحمام ؛ كان نهر العطش فاض فى جسدى . جبنا على ظهر الكبش ثغورا وحصونا ، وكلما نص نصيص لكز الكبش قفز عابرا كثبانا وسدودا . فى النفس توق لفك أسر مطر من قبيلة القبلى لهذا ارتدنا بلد الهول فبلد الويل ثم اقتحمنا بلد الجفاف حتى وصلنا العطش فى امبرطورية الرمل ودخلنا من باب القحط فوجدنا هناك المطر جثة هامدة .
هالنى ما رأيت وأصمنى ما سمعت فى الهو: دج دق دج دق ؛ زاد دق الدفوف وماجت السناجق وتلفعت أجساد وداخت روؤس ثم تسترت بمروج البخور وتصاعد الدخان الذى تمايل مع الاجساد فاجتمعت مع طست وطار وطبل ومزمار فى انشاد وذكر فى مديح ورقص ، صدحت الغيطة ثم اشعلت نيران لما علت الاذكار واطلق سراح الجذيب مالت الرؤوس من يمين لشمال ومن شمال إلى يمين والاكتاف تهتز حيث مالت الرؤوس ، وفينة صرخات تخترق السماء وأخرى يهيمن التصفيق ولما تربع الباز أخلت الالآت الساحة فأكل المريد النار وخيم الوجد وهمد كل شئ وعلا سكون : اخوانى أيها الفقراء واظبوا الحضرة كما تواظبوا على الصلاة كذا قال الشيخ ؛ شيخنا صاحب البندير عبدالسلام الاسمر ، فقطعت أصوات الجماعة حبل السكون : شى لله شى لله .. ثم هيمن الصوت الفرد مرة ثانية على المجموع : أما البنادير فلا تضربوها إلا بعد أن تظهر الخمر ، و لا تضربوها إلا وأنتم طاهرون ، وأما الرقص فلا يكون فى الحضرة إلا عند الجذب ، و لا ترقصوا فيها متعمدين ، وأخشعوا فيها كما تخشعون فى الصلاة .. الحضرة روضة من الجنة ونورها المنثور سياج الحلقة . كنت أطرق الطار الصغير الذى أعطى لى كلما سكت الشيخ النقيب حمد ازواوه شيخ الزاوية عن الكلام صائحا حى حى ولم يسكتنى أحد من الكبار فأنا الطفل الوحيد فى هذا الجمع فى هذا ( الهو ) ؛ الجرف الغميق فى الارض الذى يظم جنانا طبيعيا وفى الاسفل كهف كبير ينطوى على كهوف ، الزاوية العروسية تأم هذا الهو كل عام وقد حضرت هذا العام طلبا للغيث بعد انحسار المطر ولما كنت فى اجازة نصف العام الدراسية فقد طلب الشيخ حمد من أبى أن أذهب معهم؛ هو يعدنى كإبن حيث لا عيال له وقد سميت على اسمه ليظهر أبى محبته لسى الشيخ حمد المشرف فى مدرستى من ألقى منه كل عناية وحنان ما لم أجدهما عند والدى . أخذت عن نفسى ناسيا من أكون وعن ما شغلنى فيما مضى ، بما أرى و أسمع : كان شيخنا الاسمر عبد السلام يشير على الدف فيضرب نفسه بنفسه بدون واسطة ؛ كانت له سبحتان ، واحدة بيده والأخرى معلقة بوتد ؛ فإذا سبح بالتى فى يده تسبح التى فى الوتد حبة حبة من غير واسطة . ووجدتنى أترك دفى الصغير جانبى وأترك النقر فى ذهول سكنت أنفاسى مصغيا بكل جوارحى ، حينها اتكاء الشيخ ناحيتى مستريحا : مما أنعم الله به على فى الصغر فى أيام قراءتى على عمى أحمد ؛ تسألنى جماعة الطلبة عن مسألة لا يكون عندى لها جواب ، فأرى الجواب سطر أمامى فى الحائط أو الحصير أو فى الدواة ، هذا فى الصغر قبل أن أبلغ الحلم . ومما أنعم الله به على لما حدث لى الوارد ، وهو الحال القوى الذى لم أجد منه راحة حتى لم يكفينى فيه ذكرى وذكر غيرى ، قيل يا عابد السلام لا تجزع مما نزل بك من الوارد القوى ، فادعنى أستجيب لك . فقلت : يارب ! رضيت بما نزل بى منك . ودعوته بدعاء يطول ذكره وقلت فيه : أغثنى بدواء واردى ؛ واذا بالنداء من الهواء : يا عابد السلام ، خذ دواء واردك الربانى . فشيعت بصرى إلى السماء ، وأنا أقول : سبحان الملك القدوس وكررتها ، واذا بدف عظيم هابط على من السماء مرتج من نور ، فتلقيته وجعلت نضربه لنستريح بسماعه حين هيجان الحال واحراق الوجد ، فكان فى سماعه دواء واردى .
دج دق دج دق دج دق دج دق هاجت الدفوف السماوية وطلعت الملائكة فى فم الكهف ، طار طارى لمطل البنادير التى انبثقت من فوهة فى السماء ، ارتج المكان ودج ودق ، فى الوسط كنت ؛ تبركا بى باعتبارى من حفدة الشيخ صاحب البندير ، وقلادة الحلقة كان الشيخ النقيب ، ارتجت أجساد ، هلل الشيخ ، هلل المريدون ، هللت ، همدت أجساد وهاجت أرواح والحلقة تتسع وتضيق ، نور خيم على الكهف وترانيم :
اصدع يا دف وتكلم
لسالم السنهورى
جاء بجماعة متحزم
بفتاوى الفيتورى
فقال الدف محرم
على القول المشهور ..
طار طار إلى أعلى الكهف ، شاوش الحضرة طار يلاحقه فيما أمسك النقيب بالعقد كى لا ينفرط . استولى الطبل على مكانى ، أخذ الجذب العاقل عن المعقول فأطلق عنان الجسد الذى طوح بأطرافه كل فى ناحية يضرب فى الهواء ومزقت الحناجر ستور الكون ولما طار الشاوش تبعه مريدون ، امتلئت سماء المحيط بالدفوف والاجساد وأطرافها واندغم هذا فى سحب البخور والجاوى والفاسوخ وتطاير شرر القمارى ثم استولى دف سماوى على المشهد حينها جاء صوت الشيخ النقيب من بعيد يسعى : نحن والفيتورى أصل واحد لكنا الأسمر فرع زاهد .
أخذنى زهو فزدت هياما وجذبت حتى غرقت فى بحور الوجد فقد بدأ لى أنى ابن السماء كما أنا ابن بنغازى وأنى الكامل الكمل وأنى لست كنص انصيص لما انتشلنى صوت تبينته صوت جدى : جئت للشيخ أواسط شهر مارس بقصد الاستسقاء وقد حصل بالبلاد العطش ، فندهت بالشيخ وأخبرته ، فلم أتم كلامى إلا والشيخ أصابه حال عظيم وأنشد يقول :
زرعك يا خليلى      الآن يروى بالامطار
وعلى الله يتقوى      وتفوح أسرار البارى
ولم يتم كلامه حتى ظهر السحاب ونزل المطر الذى عم مشارق الارض ومغاربها : أرعدت السماء وأخذها هول وأبرقت من جزع وغطت خوفها برداء السحب ثم تلحفت الغيوم حتى عم الظلام المكان ، بغته شقها نور ثم درت السماء واسترد المطر الروح فهللت الانفس ، انقشع عن الوجوه ستر الغم فخرجنا جمعا مزدحما من بطن الكهف الذى كأننا سكناه الدهر وأغتسل بعض المريدين فى زهر شيخهم عابد السلام وسلمت الارواح . لم أفطن إلا ويد الشيخ تقتلعنى من بركة الماء التى سبحت فيها جذلان وقد تنبهت إلى أن شجر الجنان ؛ الرمان والتين والزيتون والتين الشوكى والعنب الذى يغطى ( الهو ) أمام الكهف يرقص ، وبدأ لى أنه نبت فى التو والساعة وليس كما يقال بأن الاقدمين زرعوه لما لاذوا بالكهف فرارا من حرب ومطاردة الاعداء لهم. لكزنى نص انصيص وكنت فى غطيط النوم ثم أردفنى الكبش وهو يطير فرحا : لقد حدث المقصود ببركة جدك كذا قالت جدتى وهى ترحب بى عقب عودتى من الزردة مع الزاوية كنت أردد : مشينا وجينا زاردين بركة ربى العالمين ، وكنت أريد أن أخرج لأعوم فى السبخة والغدران التى أعادت لبنغازى الروح. طوفان عم وغدران حولت المدينة إلى جزر مقطوعة العقد لهذا تعاون الناس فى وضع الحجر وبنو جسور صلة مؤقته ، لكن العلوة كالعادة لم يطالها السيل فى حين غرق الصابرى فى شبر ماء ، غير أن الحفارات واصلت حفرها لتقيم مجارى من أنابيب للماء الابيض وأنابيب للماء الاسود وقد غرقت أيضا شركة المقاولون العرب التى تحفر هاتيك المجارى غير أن عمالها وسط اعجاب أهل المدينة واستغرابهم أخذو ينزحون الماء بالجرادل فى سرب يمتد من داخل حفرة إلى حوض السبخة لهذا علق البعض أن قوة ناصر تكمن فى هذا النمل الاسود ، فتعلقت منذئذ بمصر بلد العجائب أو كما قال لى اولئك العمال أن مصر أم الدنيا وتعلقت أيضا بالمحفوظات المقررة فى المدرسة لأنها مصرية وتغنيت بها : بلاد العرب أوطانى وكل العرب إخوانى .. زاد أبى اعجابا بى خاصة بعد حصولى فى امتحان الفترة الثانية على الترتيب الثانى ، بز بهذا جاره عبدالدائم الذى رسب ابنه كذا غيره من أصحاب دكاكين حميد ، على غير عادته وزع المشروبات وحضننى ؛ علمت فيما بعد أنه فى جلسة خمر راهن بأنى أبز كل أولاد الحاضرين كما يبزهم هو فى الخمر وغير هذا من الامور ، لما كسب الرهان الذى هو خروف يذبحه الخاسر للجماعة وجدت نفسى وقد تم ايقاظى باكرا فى محطة المسافرين أركب البولمن ؛ بولمن شركة الطرباقية لأول مرة فى حياتى ووحيدا أقضى بقية العطلة فى مدينة خالتى : درنة بلاد الموز .لم أهيئى نفسى لهذه الرحلة رغم شغفى بفكرة السفر لكن مدينة الماء عودتنى أن لا أخشى البلل فغطست مخيلتى فى بحر الطريق ؛ الاشجار تمر علينا متعجلة أما عمدان الكهرباء فتخطف البصر كالبرق، فيما البساط الاسود الممتد أمام البولمن ينزلق من تحت ؛ ريح خلفه ريح ، كل ما رأيت غادرنا على عجل ويلاحقنا صفير العفاريت ، كف الريح تأخذنى هنا وهناك وشغفى يأسره توقد مبهم ، للسفر فوائد سبع قال الشيخ ؛ أن لا تصل ؛ أن يغيب عنك الهدف ؛ أن تنسى أى نقطة ؛ أن تشغف بما ترى ؛ أن تنسى ما ترى ؛ أن ترى ما لاترى ؛ أن تغيب فى اللحظة ، هذا ما سطره الأولون ويسطره السفر الحق فى صدرك فلا تحاول أن تفهم . غابت نفسى مثلما غاب توقى كنت أسرح فى زرقة الذهول ؛ الروح تشف حتى أرى القلب ينتفض ؛ الجديان التى تمر بنا طائرة كذا الحملان تحاذينى فى انسياب حتى حاذينا الجبل؛ الجبل الأخضر من بعيد يطل على سهل بنغازى حضنا ينتظر ، طلع الجبل علينا فى ثنايات وجذبنا لعقبة البكور ، فى السفح غادرتنا برسس وبطة كما غادرنا المبنى وتوكرة ، لما دخلنا البوابة الخضراء أخذ الازرق يلوح لنا بيده فطالت مبتدأ العقبة فيما الابيض يلحس خدها ، عاد البحر لنفسه مودعا فى نفسى حزنه . عندئذ انتصب تحت عينى بيسدون شاكيا لوعته وشغفه ببنغازى التى لاحت لى حلما يقشعه الجبل الاخضر بيناعته هو الغابة التى على خلاف أبدى مع بطاح الرمل ، الذى عند قدميه بيسدون يركع ، الذى جمع شمل السرو ، الأرز ، الصنوبر ، الصفصاف ، النم ، والاكليل والزعتر ؛ شمل كل زهر ومخضر ، الذى شتت البحرين الماء الاجاج والرمل الاشعت ، هو الفرقان ، الذى فيه تسكن المرج ؛ مروج القمح التى فى ذهبها ذهب العقل وفى طينها الاحمر غرقت وما من مأوى غيره ؛ الجبل الذى بدأت كهوفه عيون الزمن فى محاجر الافق ؛ الذى كهوفه أوشاز وبيوته معلقة سكنها الناس مخافة كل خناس تخنست الريح فى المرج مدينته الاولى التى عرفت قبل ببرقة من بين شجر فشجيرات فسبل ؛ البطوم والشمارى والسدر وفوحت صدرى بعطره ، ومثلما تسللت للأنف وشوشتنى : برقة هذه أقدم بلدانه وهى غرارة القمح ، ثم قال المشهد للعين هذه البيوت البيضاء وتلك الكنيسة المهجورة وطاحونة الريح هى ما أبقى الطليان بعد أن دحروا فى الحرب وأيضا شجر السرو الذى يخفى المدينة عن النظرة الخاطفة .غادرت المرج البولمن فى عجل فامتدت سهوب القمح مسورة بالشعير ؛ الأخضران يتسابقان فى الطلوع عن الارض الحمراء والجبل عن بعد مظلة السهل ؛ حارس المرج يرقبنا ، فى سفحه البدوية ترعى كوكبة من النعاج والخرفان . فى الغريب حط بنا البولمن لنقتات ؛ لما كنا قطعنا نصف الطريق التى قالت لى لقد بنانى أهلك سخرة - قبيل الحرب - من قبل الطليان ، فقال الجبل تسكننى الريح أما أهلك فيسكونون السفح ، وقالت الارض من جاء من البحر توطن الجبل مثل الاغريق ، أما العرب فقد سكنوا الصحارى جنوب الجبل وشرقه ، ماعدا القليل الذين يبدون بقايا جماعات بحرية كما تبين سحنت بعضهم واهتمامهم بالزراعة المطرية ، ثم قال الغريب سكان قرى هذا الجبل كما الغرباء كأنهم على رحيل .جلب لى الرجل الاجنبى ؛ الذى يجلس بجانبى فى الكرسى سندوتش تن وزجاجة رنجاته ، وهو يعتذر عن أنه لا يتقن العربية وأن لغته عامية مكسرة ، وقد اهتم بى إلى جانب السائق الموصى من قبل أبى ، وذكر بأنه قدم من جامعة إيطالية مع مجموعة أخرى لغرض الحفر ، والبحث عن آثار أثينا الافريقية : قورينا ، خفته وخفت بالتالى أن أساله ، لهذا استرسل وكأنه لايعرنى اهتماما ، قورينا هذه هى شحات الآن .. فى اللحظة أطلق البلمون زمارته .
حين دخلنا وادى الكوف أصغيت لزغردة الماء ونبض الأرض ورأيت العاديات ضبحا ؛ الخيول الحمراء تخب ، فى المقدم حصان أبيض ، سيف أبيض وبندقية ، جرد أبيض ، عمامة بيضاء ، لحية بيضاء ، أسنان بيضاء ، من بين السحب البيضاء انبلج نسر أبيض ثم إبيض كل شئ ؛ الجبل الأخضر ، الكوف الأحمر ، البلمون الأزرق والاجنبى ؛ حينها علت قرقعة اقشعر لها جسدى الصغير لأتبين أننا نسير فوق جسر الوادى الخشبى الذى بناه غرسيانى ، وبدأ لى أننا نطفو على خشبة فى مهب الريح والسيل يجرفنا ، عمر المختار ابتسم لى . كذا تبسم لى الطليانى مشجعا ، فيما سمعت السائق يسائلنى عن حالى الذى تدهور، وانتابنى احساس أنى بين المطرقة والسندان ؛ فما بين الارض والسماء خشب قديم : هلل المجاهدون يحيطون بالعربة يحاذوننى فبعدت عن الايطالى الذى يقاسمنى الكرسى ، ثم غرقنا فى سيل الدماء المنبثق عن الارض ؛ لم ينتبه أحد لغرقى حتى طفوت فى مسه ، أفقت فى مطلع مستشفى الجنون خلفى معمل الخمر ؛ ورد مسه ما جلبت منه الكثير لأبى من جارننا بائع الخمور فى بيته سرا ودون ترخيص ، لهذا يخفى لى نصيب أبى فى القدقود ؛ قفة سعف النخيل التى لها غطاء . تعتعت فى سكر ظاهر ثم تقيأت ما فى جوفى ؛ أمسك بى الطليانى وغاب عنى المشهد فغبت فى اللحظة ، ورأيت ما لا أرى. البياضة تنسحب فتطلع البيضاء فى الأفق ، ومبتدائها جامع سيدى رافع فهلل الراكبون شئ لله يا رافع يا أنصارى ، فسحب السبات عنى غطاه ، فانقشع المنظر ؛ فسابق شجر الآرز السرو ، فأظهرت البيضاء مفاتنها : قمة الحمرى أعلى قمة الأخضر - نهدها ، شط الحمامة اللازوردى - صفحة فخذها والبيوت الحديثة تطرز بطنها ، كذا انسكب فى عينى المنظر وشاهدت مبنى البرلمان ومنازل الحكومة . حين أعطيناها بالظهر توقف البولمن عند شحات لينزل جارى الطليانى ونستريح ؛ الوقت وقت الغذاء ، والجوع ألهب البطون بسياطه حتى سمع صراخ مصارينى ، أكلت صحن فاصوليا بالكرشة ، شربت زجاجة قازوزة بيضاء فدب نمل فى جسدى ؛ حينها فطنت إلى أن رجل الآثار لم يتعاط معنا ما تعاطينا ؛ بل أنه نزل وادى شحات يسوح فى منازل قورينا ويشرب مشهدها الخلاب . أخذتنى عزة النفس فأخذت أقلده ؛ قفزت من صحن المطعم فى فندق موسولينى أعلى التل إلى صحن معبد زيوس أسفل الوادى ، لقيت عجوزا له لحية بيضاء كثة ، يعطى الدروس للتماثيل ، سألته عما يفعل فقال أدرس المدينة الفاضلة على من يفقهون ، وقد غادرت أثينا إلى قورينا لما غابت عن أثينا محبة الحكمة ، سألته عن من يكون فقال أفلاطون . اجتاحنى عطش فأشار تمثال أن أشرب من نبع أبولو اله الموسيقى والنور ، ثم قال عندنا موسيقى ليست لأحد غيرنا ، فرجالنا يستعملون كنارة صغيرة جاسية جلفة لا فن فيها و لا صنعة ، لكنها لا تخلو من سحر : إن لها طابع الرجولة ، على النحو الذى طالب به أفلاطون فى تربية الأحداث مثلك . ولسنا نؤثر الموضوعات الرقيقة المتفسخة العاطفة ؛ بل مدح الكبش القوى والتيس ، والتغنى بالكلب الجسور الذى لا يهاب الضبع ويخنق الذئب تلك هى موضوعات أغانينا .. قطع خيط الكلام مزمار راعى يحاذى القطيع أعلى الوادى فقلت من تكون أيها الثرثار .. فقال سونسيوس القورينائى ، ولا تلومن إلا نفسك على ثرثرتى هذه : إنها عقاب لك على حب استطلاعك . ولم يطل بى المقام :
هانوا بلا سيّات وزادوا غلا ع العقل       وصار ياس ما فيه الرّجا.
ردد الجبل والوادى أغنية العلم التى اكتسح بها الراعى السمع حين وجدت أذني بين يدى السائق، يقرعنى على الغياب وذهولى عن الجماعة؛ لهذا أجلسنى قربه وحبسنى عن نفسى وشرودها بثرثرته السمجة، لكن البلمون العجوز صد عنى صرير السائق لما أخذ يكح ، يطلق الدخان ويئن فقد أعجزته عقبة درنة عن الصعود.


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home