Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Sunday, 20 August, 2006

ثلاثة وجوه لسيرة واحدة!

أحمد الفيتوري

تلتبس سيرة هؤلاء الثلاث بسيرة البلاد ، فكأنما عرفت البلاد بهم أو عرفت الكتابة ، والكتابة أحيانا تكون البلاد حين تكون الملاذ وسبيل الذات إلي ذاتها. الكتابة سبيل من لا سبيل له، لزوم ما يلزم للمحروم ذاته. فالإنسان في بلاد مثل بلادنا مشروع علي الطاولة وكثيرا ما يكون أسفلها . و لا تكفي فسحة الكون وإرادة المرء لتثقب ثقبا إلي الكون، فالمرء تحوزه عروة وثقي عن الوجود ، هذه العروة تقبض الإنسان في بلاد مثل بلادنا عن أن يكون، وتوثقه بمواثيق دولية في حيز الجغرافيا البشرية التي ولد فيها. ولهذا تلتبس الكتابة عند هؤلاء بمشروع الحرية بمعناها السياسي، وتكون سيرة الكتابة سيرة ذاتية للموضوع. وكل الملابسات التي تحوط مسألة الحرية تكون مسألة شخصية، في عين الوقت تكون مسألة سياسية تخص وتخصص نوعية الكتابة.
لهذا تتداخل سيرة مثل هؤلاء بسيرة البلاد فتكون كأن سيرهم سيرة واحدة،هم أبناء القمع ومحصلته، مندمغين فيه أرادوا أو لم يريدوا، و لهذا يكرسون وجودهم للخلاص منه أحيانا متململين وحسب وأحيانا مرتهنين: عمادهم القول المأثور فإن لم تستطع فبقلبك . إنهم يرهنون قلمهم للمسألة الوطنية التي عندهم مسألة وجود. وخيارهم هذا الذي يستنزفهم مدعاه أن لا خيار. في هذا هم السمكة والوطن البحر.

1. وكانت الريبة يقينه الوحيد

لم يضربْ الوتدُ الوتر.
عازفُ الكمان؛
غدرتَه
الأنامل.

تلبسته الحير وداهمته الريب وهو بعد غض، كل الطرق تؤدي إلي ما لا يحب، كل الطرق تؤدي إلي يقين ما، وكان متيقنا أن ليس ثمة يقين. اتخذ من اللا طريق طريقا؛ من العلم نهجا ينهجه كي لا يتيقن، فليس ثمة جسورا مثله ينقض في صبحه ما نسج البارحة.
وكانت الريبة يقينه الوحيد، ومن اقترن بها بديلا عن كل نساء وكل أنيس.
انفرد في محبسه هذا عن أي مجموع، وامتطى حصانه الجموح؛ العلم الذي تعلمه في كلية العلوم بالقاهرة وعاد إلي بنغازي كي يعلمه، كان حسين مخلوف معلما للكثيرين في مدرسة بنغازي الثانوية، وكاتبا للنقد ومترجما ومعدا للبرامج الإذاعية هو في كل هذه وليس في أي منها، اتهم بالبعث تحزبا منذ كان طالبا ـ وقد سجن لأجل ذلك منتصف الثمانينات من القرن الماضي ـ وما كان منه، وان كان طالب علم فهو طالب للتشكك فيه.

حسين مخلوف يتأبط نفسـه!
الزمان خروج الخمسينات وطلوع الستينات، المكان عالم ثالثي والزعيم ينفخ بوق القيامة والشاعر تموزي؛ ساعتها كان حسين مخلوف يسطر نقوده للشعر البياتي ويقدم قراءته لرواية 1984مشيدا بالرواية اليابانية، هذا علي عجل فقد شغلته تجريدات الأرقام والرياضيات من جبر وتكامل ومن كيمياء فبدد روحه هناك حيث العلم دين الشكاكين من تلبستهم الحير وداهمتهم الريب.
الزمان السبعينات وهو يعمل مترجما بعد أن ترك التدريس؛ يعمل رئيسا للقسم الإنجليزي من الإذاعة الليبية ببنغازي، التبس عليه كل شيء فلم تعد النسبية؛ نسبية كل شيء، كافية كي يتيقن أن شكوكه في محلها، كان عليه أن يتبراء حتى من يقينه هذا؛ فإذا كان التحزب خيانة فإن عدم التيقن كما عدم الالتزام كفر معاذ الله.
هكذا كانت منزلة حسين مخلوف بين البعث واللا يقين منزلة بين منزلتين؛ فإن كانت منزلة الأولي السجن المؤبد فمنزلة الثانية جهنم، وبئس المصير في الحالين.
وإذا كانت الأم شجاعة في قصة الملك / النبي سليمان قد تخلت عن جر ذراع الطفل ـ رأفة بطفلها ـ من الدائرة، بعد أن حكم النبي / الملك أن الطفل للمرأة التي تجر الطفل من ذراعه نحوها، إذا ذاك كان قد حدث كذلك علي الأقل في مسرحية بريخت فإن حسين مخلوف جر من ذراعيه، فكل أم رؤم، وكل مطلق علي حق سوى كان يمسك بزمام الأمر أم يتوثب لذلك. ولأن لا يقينية حسين مخلوف مطلقة ولبوسها الريبة فقد اتخذ من التفرد متراسا، فلم يعد من زمرة أحد و لا زمرَ مزامير خاصة، لهذا ولتصوفه في محراب دينه العلم بث الشكوك حوله؛ فحيث ثمة شاك زلزلة الأرض وبعثرت النفوس.
انزوي عن نفسه منزويا عن الآخرين، كتب النزر القليل واتخذ الهواء مركبا، فما كتبه من مراجعات ومقالات نقدية بث عبر الأثير في إذاعة بنغازي وهكذا اكتسب النسيان عند اكتساب المعرفة، ضاعت تلك الكتابات كما ضاع صاحبها وهو يفكر: ما جدوى أن تكتب ما جدوى الكتابة.
أسوء ما في كتابة حسين مخلوف ومثله قليل، حريته التي دون حدود، وهو يجزم بالا يقين في ذلك، ولهذا أقصى نفسه وقد أقصته عروبة متيقنة من كل ما تفعل، حد أن إقصاء الفعل كان نهجها.
أول معرفة مباشرة بيننا حين شاركت مطلع السبعينات في برنامج تلفزيوني كان يعده علي شكل مسابقات بين الحاضرين في الأستوديو، حينها كنت طالبا غرا ومازلت، طالبا في مدرسة عمر المختار الإعدادية، فزت في تلكم الحلقات الثلاث المتتالية، وكان يقدم البرنامج المذيع علي احمد سالم الذي مثل شخصية بلال في فلم الرسالة الشهير، سلمني المذيع جهاز تسجيل جديد وكان من نوعية مستحدثة. لكن المعد حسين مخلوف لم يكتفي بذلك فسلمني هدية منه مجموعة كتب ومنها كما أذكر كتب مسرحية مترجمة: فكان أستاذ العلوم يروج الدراما.
فيما بعد شاهدت المعلم فيه يحتفي بكل تلميذ متمرد، رغم تشككه وانزواؤه ظل هاجسه أن يكون ظلَ كل يانع، ورغم انه كان متيقنا من شكوكه في لبوس المرحلة فقد ظل أيضا متيقنا أن أجمل ما في الحياة أن أوهامنا معنا.
اتخذ من بيته في حي البركة خلوة الغلبان ليقينه أن الغلبة في الاختلاء، ولشكه في الاجتماع، فالمفرد عنده صيغة الجمع؛ النحل كما يقتات القليل ينتج الأقل.
لقد داهمت صيغة جمع الجموع كل فرد متفرد، لهذا كانت حبيس المحبسين ظاهرة في أمة كل ما يجمعها التشتت والانكفاء. لكن ما زاد الطين طينا أن البلل طال العقل الذي كان يبحث عن مأوي حيث لا مأوي؛ فأستاذ العلوم الذي جعل الكتابة مأواً للعقل الناقد كسحته الشعبوية التعبوية، لقد جعل الميكرفون السبورة التي يخط عليه دروسه لتلاميذ افتراضيين، تلاميذ ضيعتهم محافل الميكرفونات.
هل كان نادرا في حالته أم أنه ابن مرحلته هو من يعد من جيل ما بعد الحرب؛ الجيل الذي في بلاد الحرب دعا للنظر إلي الخلف بغضب، وفي البلاد التي كانت مسرح الحرب دعا للتخلص من أولئك أصحاب الحرب؛ المستعمرين. لكن من سؤ الطالع أن تكون ولدت في مدينة داهمتها الجيوش أكثر من مرة، مرة يحررها الإنجليز من الطليان ومرة الألمان من الإنجليز، مرة يكتسحها من يدع ثعلب الصحراء رومل :
ـ 2 ـ 1941م .
عزيزتي لو
تسلمت وظيفتي في الليلة السابقة وهي حل معقول لمرضي الروماتيزم . وفي الوقت القليل المتيسر يتحتم على أن أجمع كل ما أحتاجه.
آخر الأنباء الواردة من افريقيا سيئة للغاية ؛ فقد استولي ويفل على بنغازي ، ودمر آخر فرقة مدرعة للإيطاليين جنوبي المدينة .
لذلك طلبت أن يهاجم ميناء بنغازي في نفس الليلة، وإرسال قاذفات في الصباح التالي لمهاجمة الطوابير البريطانية جنوبي غربي المدينة.
ومرة تقع تحت توقيع مونتجمري!.
لما كانت بعض المناطق الليبية في الأيام الأخيرة تحت الحكم الإيطالي ، قد أعيد أو سيعاد احتلالها على أيدي قوات صاحب الجلالة البريطانية ، وقوات أخرى تحت قيادتي ، وبما أنه يترتب علي بوصفي القائد العام أن أؤمن حفظ النظام في المناطق السالف ذكرها . بناء عليه ، أنا الجنرال مونتجمري أعلن ما يلي : بدء الاحتلال : يعتبر بدء الاحتلال من تاريخ توقيع هذا الإعلان .
من هذا تلبسته الحير وداهمته الريب وهو بعد غض، كل الطرق تؤدي إلي ما لا يحب ، كل الطرق تؤدي إلي يقين ما ، وكان متيقنا أن ليس ثمة يقين. اتخذ من اللا طريق طريقا. فبعثرته الظنون وكل ظن اثم ، عد لهذا صاحب الاثم وهو بعد غض فذهب في منزلته تلك وقد طالته السنون السبعون من العمر، كما طاله السجن كبعثي ولم يكن كذلك. طال ما كتب النسيان وان لم يطاله، طاله الشك في شكه وان لم يطال يقينه في العلم كأفضل مظلة للريبة وللتشكك. كان قد اتخذ من الكون معزله، فضيقت العولمة معزله؛ فاتخذ ركينة قرب بيته كمتراس أخير في مواجهة زمن لعبته العقل.

*   *   *

2. بيت الحريري

كنت ولدا صغيرا معجبا بنفسه ككل مراهق مختال ، كنت أكتب ، وقبل كنت أول شخص في تاريخ عائلتي يفك الخط . نشر لي في باب القراء؛ أخذني الزهو، وأعددت نفسي صنوا لسلامة موسي الذي كتبت مقالا عنه ، أشرح فيه أراء هذا الكاتب الذي أسرني أسلوبه ، كما كانت عناية يوسف القويري بما يكتبه سلامة موسي مدعاة لأن أكتب عنه، ثم أني نشرت وعمري ستة عشر سنة مقالا بجريدة الحقيقة تحت اسم نسائي رد عليه ابن الطيب معتقدا أن الكاتبة امرأة.

أحمد الحريري بطاقيته
هكذا خبلت بهكذا كتابة، وتحت أسماء نسائية وأسماء رجال مستعارة، غير كتابتي باسمي في تلك المرحلة الأولي من مراهقتي .والسنة التاسعة عشر من عمري كنت صحفيا، في جريدة الجهاد التي رئس تحريرها المهدي المطردي، ثم لما أممت صار رئيسنا محمد الشويهدي.
في هذه الجريدة سوف التقي الفلسطيني قاسم حماد؛ مراجع الصحيفة الذي كان يقوم بهذا الدور في جريدة الحقيقة ، علي يد هذا الرجل سوف ينحر غروري، وبهذا تم تمريغي في العمل الصحفي، وأذاقني هذا العجوز ويل الصحافة ليس اقلها أن يتم نشر مقالاتي من غير اسم البتة.
لقد افقدني هذا برأتي الأولي وغدوت دون هوية ، من قلب هذا قلبت طاولة اللعبة التي العبها ، وكانت البلاد قد غدت لازمتها عروبية، ولا بد أن أعرف نفسي بـ " عربي ليبي " ، أما عربي فقد تكفل بها الإعلام الرسمي من خطب ومقالات وتعليقات إذاعية ، من الصبح؛ كانت إذاعة نص الليل كما سمينا إذاعة صوت الوطن العربي، لا نسمع غير الزعيم العربي جمال عبد الناصر وأناشيد عبد الحليم حافظ ، حتى الأغاني التي يكتبها شعراء أغنية ليبية تكتب باللهجة المصرية، وكذا يغنيها مطربون ليبيون . أما الليبي فأبنة سفاح لا أب لها . فتشت في الدفاتر عن الليبي هذه في ذاكرتي : الليبي الصغير مجلة للأطفال؛ كانت ملحقا تصدره مجلة ليبيا الحديثة يوم كان صالحين نتفة رئيس تحريرها.
لكن هذه عمرها كان قصيرا؛ ما صدرت حتى قبرت .
أخذت أسوح وأجوس، أدور كثور الساقية حول نفسي ؛ هذه الأناشيد اليعربية لهجتها مصرية ، وهذه الأجواء مصرت كل شيء، حتى وجدتني لا أطيق نفسي بين ما أسمع وأري وبين ما أعيشه مع أمي وفي بيتي .
في حيرتي عشت وهم أن أحب؛ أي وهم كي أجد خلاصي من هذه "البرباقاندة" : كيف يكون المرء عربيا دون أن يكون بنغازيا، أو من الصابري حيث الحي الذي ولدت وأقطن فيه ، فمبال الليبي هذه مستعصية علي، وكأن لا معنى لها وأنها مفردة مفارقة ذات دلالة ميتافيزيقية .
كان الخمر قد منع أيضا، وفلح الأهالي الخمورجية في صناعة خمر محلي دعي بالقرابة، وجدت فيه ملاذي ، وكنت ربيب المسرح وفي مدينة بنغازي تأسست فرقة المسرح الحديث من شروطها تقديم نصوص وأعمال مسرحية ليبية فقط .قبل ذلك ولأني أصبت بمرض الحب، أو هكذا أوهمت نفسي، كان لا بد من الغناء، في السر لم أجد طريقة للتغني بحبي هذا الموهوم، الكل يغني عبد الوهاب وعبد الحليم، والطبقة الرفيعة أم كلثوم والأدنى ينوحون مع فريد. لم أعرف النواح مرة، ولا أجيد التعبير عن نفسي بالرائج في السوق. خاصة وأني أقطن الحي الشعبي الصابري؛ حيث الفنون الخاصة من الغيطة والدنقة، وحيث هو حي الزنوج، وخلائط من الليبيين الشعبيين الذين لهم فنهم الخاص المرزكاوي .
كان لابد للتعبير عن حبي بلهجة ذاتية، من حشا القلب؛ وليس من طريقة غير مطرب الحي وان لم يطرب المرحلة ، مرض الحب هد حيلي فأصبت بأنفلونزا ليبيا .
كتمت العروبة الرسمية أنفاسي، فداهمني الحب ولم يشتد عودي بعد، ومن المرض وجدت خلاصي بهذه الأنفلونزا العليلة التي اسمها ليبيا؛ وهي آلهة من آلهة الإغريق الليبيين كما علمت من أساطير اليونان. هكذا تحررت من عصبية وعصبة العروبة، فاندلق لساني بلهجة من لهجات عربية متعددة وغنية .وفي الأغنية الليبية وجدت لساني العربي كمثل عصافير طليقة.

بلدي وما بلدي سوى حقق الطيوب
ومواقع الإقدام للشمس اللعوب
أيام كانت طفلة الدنيا الطروب
فالحب والأشعار في بلدي دروب
والياسمين يكاد من ولهٍ يذوب، ولا يتوب

الناس في بلدي يحيكون النهار
حباً مناديلاً وشباكاً لدار
والفلُّ يروي كل ألعاب الصغار
فتعالَ واسمع قصة للانتصار ..
للشعب
للأرض التي تلد الفخار
تلد النهار

الليل في بلدي تواشيح غناء
وقباب قريتنا حكايات الإباء
وبيوتنا الأقراط في أذن السماء
بلدي ملاعب أنجم تأتي المساء
لتقول هذي ليبيا بلد الضياء
كرم وفاء.

هكذا وجدت الليبي ، وهكذا تكلم علي صدقي عبدالقادر في هكذا انطلق لساني يوم التقيت حبيبتي تحت جدار نافذتها، ذات مساء ربيعي في عام من سبعينات القرن العشريني، في زقاق يطل أخره علي البحر المتوسط ، وأول الشارع يمتد من بحر الرمال الليبي .
كانت الأغنية من فك لساني؛ والفن دين الحياة وطللاقتها وطراوتها، الدين الأرضي المنزع والإنساني المزرع، من يبعث الجنة في النفوس ،فاتخذت من الفن ديدن النفس ومعبدي دون صروح. وهذه الأغنية الشجية التي تتوشح الرومانسية، في رهافة تصد عني عجاج المرحلة.
وكان بيت أغنيتي هذه؛ بيت أحمد الحريري كاتب الأغنية الليبية الأبرز من وشي وشكل وجداني.
أصغي لمطرب الحريري المفضل من تغني بكلماته سلام قدري : يا سلام سلام قدري يغني لي، يغني ما أغني لمحبوبتي.
لم أفكر في هذا كله كنت مأسورا بخطاب عروبي صلب وصلد، ففكت الأغنية أسري، وكنت يساري الفكر، فوجدت في أغنية الحريري نافذة أطل منها علي العالم، بمحبة تبدو في جوهرها مسيحية، أو صوفية إسلامية سكنت نفسي يوم كنت طفلا، فصبيا يرتاد الزاوية كي يمدح الرسول في " البغدادي " ، مرددا مع صبيان مثلي في المولد النبوي : صلاتك ربي والسلام علي النبي . التقيت أحمد الحريري وجها لوجه في بنغازي؛ حيث جاء وزوجته فاطمة محمود ليسجلا حلقة من برنامج مرئي، أظنه فكر وأكسب أو شيئا مثل هذا.
رقة تجرح وسلاسة تغيض فتىً أهوج، معجب بعنفوان نفس شرسة تعارك الكون؛ هي نفسي لحظتها، خبلني الرجل بنعومة طرابلسية، في ملمس الحناء علي يد عروس في عمر الزهر. وكنت أتوق للطيران، والرجل كأنه طير يضمه قفص لكنه لا يحبسه :

لم يسجن القفصُ
عصفورَ النار.
روحُ العصفورِ
الطليقة
أحرقتْ القفص.

خالجني شعور سجين تذكره القصص: مرة انزعج سلطان من صديق له ، لم يعرف أن مصادقة أهل الملك تؤدي للتهلكة، الصديق غير العارف لذلك أغضب سلطانه فأمر بإيداعه السجن، كعادة سلاطين ذلك الزمان، لم تفته الحكمة وهو يعاقب جهل الصديق، فقال سلطان الزمان ذاك لصديقه من صيره جهله سجينا : إن تمكنت من الخروج من زنزانتي فأنت حر. مر الدهر كساعة وصاب العجز السلطان كما صاب صديقه؛ سجينه. لم ينجح الصديق، ولم يفك السلطان أسره. ولما كان الدهر فعل أفاعيل؛ داهم الغم السلطان فتذكر سجينه، بعد عقدين ونيف . ذهب بنفسه، ومن كوة للتنفس سأل سجينه لما لم تفر ؟ . أجاب ما ابقي الزمان من السجين : لم استطع.
في صوت أوهنه مفرق الأحباب: هل تعرف أن طير الحساسين إن اسر فرخها، تحوم حوله حتى تتمكن منه، ثم تخلب روح فرخها. السجين غير العارف لم يجب، لكن السلطان، وما سلطان غير الله، نهره : ماذا كنت فاعلا والدهر يأخذ بخناقك. أجاب السجين غير العارف : كنت أدفع الباب حتى حرثُ الأرض. قال السلطان أسفا هذه المرة : لو كنت صديقي لعرفتني، وكنت جررت الباب إليك، الباب لم يغلق أبدا. دفع السلطان الباب فهوي في الحفرة، التي حرثها السجين وهو يحاول الهرب، وأخر ما سمع كان الصوت الواهن للشبح الصديق: كنت أحفر قبري دون أن أدري . سكت الرواي، وفي نفسي نهض رواة.
هل كنت ساعتها والحكي يموج في، أرقب ما فعل الدهر بأغنية الحريري، التي كانت تهمس نفسها ساعتئذ وطبل المرحلة يمور.
في السنة التالية أخذني طموح الصحفي إلي طرابلس ، هناك في بيت أحمد الحريري صبغت أغنيتي كما يصبغ المتوضئ وضوئه. وبأم عيني، في السكر وفي الصحو، شاهدت أغنية الحريري تقول نفسها، دون مماحكة ودون بحث، ودون انتظار، كانت الأغنية تطرق قلب الحريري المخملي والذي دعكه الوقت .
تربي في حارات اطرابلس القديمة، وفي رواية كتبها " وجدت في عيونكم مدينتي "، وطبعت في بيروت، واحترقت كل نسخها في بيروت 75، ولم يتبق منها غير ما كتب عنها من نقد ، في هذه الرواية المحروقة ذكر الحريري : ساعة ولدت لم يكن أبي في البيت ، كان في خمارة يتعاطى البوخة، حين زف له الخبر، جاء والسكر يتعتع صوته وجسده . اخترق البيت كما اخترقته الشوارع التي أوصلته بأن كانت مسنده؛ وقف حيث وضعت مقمطا، ولا حيل لي ولا حيلة لأحد كي يصده عني ، فتح فاه الذي جمع فيه لعابه المخلوط بالبوخة، وسكب الخلائط في فمي . قيل لي، كان ذلك عقب أول رضعة من حليب أمي، وثاني ما ذقت في البدء.
اختلط هذا بوحل شوارع المدينة القديمة، مع خلائط من طرق النحاس عند القزارة الطرابلسية، وأنين دفوف الزوايا العيساوية، وباز المالوف، وتواشيح ومدائح، وروائح السفنز والزلابية، ومطعم برعي، الذي افتتح في نهاية القرن التاسع عشر، وكان زيت هذا: البوخة المشروب الشعبي للمدن الليبية.
حين دخلت بيت الحريري، كان حوكيا يغزل حرير الكلام وقد خبلته المرحلة ، لم يفقد مشيته لكن الطرق غير المعتادة توهته، صدي الحرير يضطرم في نفس صخبتها الطبول. غدت أغنيته المهموسة بائتة، تعفها النفوس التي عفرها العجاج وغطاها غباره.
أغنيته تفوح بمشموم الفل، والمرحلة تفوح بالنفط ، هكذا استطاع النفط أن يقلب الموازين حتى صارت رائحة عمر المختار ـ شيخ الشهداء الذي وضعت صورته علي العملة الليبية ـ فائحة بالبنكنوت . وبهذا ذهل الحريري عن أغنيته كما ذهلت أغنيته عنه. توج الطبل الميكرفون وقبر الطار والعود. وبقي قلب الحريري فسحة للأحباب وبيته مقام العود الذي ينوس ليراه من يري فحسب، مرددا اللازمة الشعبية :
فتنا النخل والديس / وتعدينا / لحقنا الندم / ياريتنا ولينا.
لقد تكشفت العروبية كما لم تفعل تراجيديا غيرها ، لقد تبدد ريحها، ولكن وقد تعرت المرحلة تعرى كل شيء وغدا اليوم دون أمس.

*   *   *

3. رسالة إلى أمين مازن


( أمين مازن بين قوسين )
في تلك الأشعار الرائعة
سخرت من الشمس ومن القمر
سخرت من البحر ومن الصخور
لكن الأشد حمقا
كان أن سخرت من الموت
ربما طفولة ؟ ـ قلة ذوق
لكنني سخرت من الموت .
اشتهرت في الإقليم كله
بمبالغاتي الطفولية
أنا الذي كنت عجوزا محترما
تظاهرت بأن أفكاري واضحة
عبرت عن نفسي بثقة كبيرة
لكن الموقف كان صعبا .

السيد والأستاذ أمين مازن
تحية طيبة وبعد..

دعنى أكتب إليك رسالة خاصة كنت قد بدأتها منذ التقيت بك شخصيا في مطلع السبعينات أي منذ ما يزيد عن الربع قرن الأخير من القرن العجول المغادرة .
وأسمح لي أن أبدأ هذه الرسالة بالمثل المكسيكي الذي يقول : إن من لا تحبه الآلهة تجعله واحدا منها. وإني أعتقد أن الآلهة لا تحبك لهذا فأنت واحد منا ، و كنت منذ أربعين عاما ويزيد ـ كواحد من جيل 57 الذين وضعوا لبنة الخمسين الأخيرة الأهم في الثقافة الوطنية الليبية التي منها وعليها بحثت في وجودها وسؤالها في الثقافة العربية ومن ثم الإنسانية ؛ وكان ذلك منذ صدور " أحلام وثورة " ديوان على صدقي عبد القادر و حنين على الرقيعى الضامئ بداية الشعر الجديد الذي احتفيت به وعشت معه وكتبت عنه ، ومع بداية القصة الليبية القصيرة ؛ نفوس عبد القادر بوهروس الحائرة ، وكتاب المرأة الليبية " القصص القومي " لـ " زعيمة البارونى " ، والبحث عن معنى الكيان في الفكر الليبي وحواريات عبدالله القويرى والمفاهيم النقدية الجديدة في نظرية النقد عند خليفة التليسى ومفكرة حساسيات ومستقبليات رجل لم يولد يوسف القويرى الإبداعية ، ثم التمرد النيهومى ـ صادق النيهوم ـ في الأسلوب والمعنى.
وقد كنت أنت أمين مازن الكاتب الفاعل في كل ذلك ومن أجل ذلك تقول وتفعل ما يعنى أنه علينا أن نخترع أنفسنا، أي أن نقبض على حرية أن نكون خلاقين كل بلغته ، فخورين أشد الفخر باختلافاتنا وبما نشترك به سواء بسواء كما يقول كاتب جنوب أفريقيا برايتن باخ ، وأشدد على القول باختلافاتنا وبما نشترك به سواء بسواء .
وأنني لا أذكر ـ أيضا ـ على مستوى السيرة الذاتية بيننا ، التقيت بك منذ أكثر من عشرين عاما ـ كما أشرت ـ ، وكنت أنت قبل ذلك بعقدين من الزمن قد وضعت وأسست مع زملائك ـ جيل 57 ـ رؤية جديدة في الثقافة والإبداع ما جعل ذلك اللقاء بيني وبينك ، وأنا أحبو في دنيا الثقافة ، أهلا وسهلا ..
لقد التقيت بك آنذاك وكنت أعتقد في ثقافة شابة حملت فيما بعد اصطلاحا جديدا هو : الحداثة التي كانت تعنى مما تعنى أنه ومرة ثانية علينا أن نخترع أنفسنا وأن نقبض على حرية أن نكون خلاقين، وفى هذا كنت لا تستجيب لهذه الأصوات الجديدة وحسب ـ بل كنت تقدم نفسك الجسر ومنارة الطريق الذي كان منذ البدء الطريق الصعب ، والذي لم تقف فيه لتلعب دور الأستاذ أو العارف فقد كنت كعادتك دائما تدرك أنه :على المرء إذا كان غنيا بالذهب أو المعرفة أن يراعى فقر الآخرين. وقد كانت مهنتك أن تمقت الادعاء والدجل لهذا عملت على أن يكون اتفاقنا الأساس على قبول اختلافنا ؛ أي على التميز والإبداع وأنت تحتفي بالجديد فينا في الكتابات الشابة الواعدة والمتحفزة ، الرافضة والمستريبة والتي تحمل معها أجمل ما في الحياة أوهامها .
وهنا لابد من أن أذكر بأنك أول من احتفى على مستوى الكتابة بتلك الكتابة الشابة أو الحداثية منذ أكثر من عقدين ، مذكرا بمقالك عن كتاب القصة الجديدة ـ كذا مقالة الكاتب المبدع حسين مخلوف ـ الذي نشر في ملف جريدة " الفجر الجديد " ـ وكان رئيس التحرير آنذاك عبد الرحمن شلقم الذي له دور هام في تاريخ الصحافة الثقافية الليبية فترة السبعينات ـ وقد نشر الملف في مارس 1977م ، ومن أسماء ملف القصة ذاك وملف الشعر قبله؛ البارزة الآن :
محمد الفقيه صالح ، عاشور الطويبى ، عمر الككلى ، فتحي نصيب ، فاطمة محمود ، فوزية شلابى ، محمد الزنتانى ، على عبد اللطيف احميدة ، جمعة بوكليب ، إدريس ابن الطيب ، عبدالسلام شهاب ، محمد المسلاتى ، ..... غير أن هذا الاحتفاء وهذه الكتابة لم تتوقف عند ذلك فقد واصلت نفسها عقب 3 مارس 1988م بعد تجربة السجن ؛ وتمثل ذلك الاحتفاء في الاهتمام الذي أوليتنا به وبكتابتنا التي خرجت خروج آل الكهف ، غير أننا جددنا في ذلك أدواتنا التي صقلتها التجربة/المحنة التي كنت خير صديق عارف بها ودافعا للحيوي فيها ليكون كل عصفور طليق طار، يكتب في الفضاء مربعات وانحناءات جميلة أو هكذا كنت تقول ؛ ومن ذا لم تعد الأناشيد أو الأغاني الداخلية يمكن أن تكون مجرد وقفات غنائية ساكنة بل أصبحت تؤدى دورا في معمار الثقافة في بلادنا وفى الثقافة العربية عموما .

أيها السيد المحترم والأستاذ الجليل
مرة ثانية اسمح لي في هذا المقام أن أستعير قولة الكاتب الإنساني غوته :انه كلما اشتد الضوء اشتدت الظلال، فتبين الخيط الأسود من الأبيض وتدرجات ما بينهما ، وإذا كان ذلك كذلك كما يقول المناطقة فإنه الآن قد اشتدت الظلال لهذا لا ننتظر لكي نلتقي بموضوعنا بل نسعى لملاقاته سعيا ، وموضوعنا ليس أن نكرم فيك الثقافة الوطنية وحسب بل وأن نجدد أسئلتك في هذه الثقافة التي تشكلت من السؤال الذي عانيته وعنيته كمشكل، كـالوعي الشقي ، وعى لمعنى الكيان وبحث في المعنى ، ولهذا كان يوسف القويرى يقول ـ منذ ذاك أي منذ بدء جيل 57 ؛ جيل الحداثة الليبية ، جيلك وجيله ـ :
إن ثقافتنا الوطنية لا تزال قريبة من النبع ، لازالت تشق مجراها الطويل ، وهى لم تصل بعد إلى المصب، لم تصبح تيارا واضح الاتجاه، ولازالت ضعيفة الارتباط بالمجتمع إلى حد مؤلم وانه من الممكن أن نقرن الأزمة بالوضع الثقافي في الجزائر، لأن الاستعمار الفرنسي الذي استمر في ذلك القطر الشقيق أجيال استطاع أن يفرض لغته ـ الكلمات التي تقاتل ـ ص 136 ـ الطبعة الثانية ـ الشركة العامة للنشر ـ طرابلس.
فهل حقا لازالت هذه الثقافة في النبع ؟ وهل حقا أنها لأنها كذلك لا تعانى من أزمة ؟ وهل أن ( مسارب ) سيرتكم الذاتية سيرة هذا السؤال ؟ .
لقد بدأ لي أن هذا هو السؤال فلا يمكن للمرء أن يكون ابنا لقرية ويكون كزموبولتي هكذا دون أن يقرصه حامض هذه القرية ، ليس لأنه يريد هذا أو ذاك ولكن المرء مسكونا بعفاريت قريته ومعجونا بطينها وموجوعا بتضاريسها الضيقة ، وحينما يحلق تشده أزقتها . وليس ثمة معاناة لهذه الحقيقة الصفيقة كما في وقدات عبد الله القويرى الذي ولد ومات غريبا بالمعنى المادي للغربة ، ولعله لهذا وليس غيره كتب صادق النيهوم يقول : وإذا كان الألمان يقولون أنه ليس من حسن الطالع أن يظل المرء شاعر القرية؛ فأنا أعتقد أنه ليس من حسن الطالع أن تظل القرية دائما مجرد قرية. فالمبدع الليبي محاصر ، ومحاصر مرتين مرة في أنه من بلد صغير يعانى ما يعانيه كل الصغار ، ومرة أنه في بلد ضيق يضيق بمبدعيه مما جعل هذا المبدع على هامش الثقافة العربية فهو مغيب عن فاعلية هذه الثقافة رغم فاعليته حيث أن: الشعوب الصغيرة ليس لديها الحس بالاسترخاء الناجم عن قوة الوجود ، في الماضي والمستقبل ؛ إن لديها كل عناصر الحضارة ، في نقطة ما عبر تاريخها ، لقد مرت عبر حجرات انتظار الموت ؛ مواجهة دوما بالتجاهل من قبل الدول الكبرى المتغطرسة ، وهى ترى وجودها مهددا بشكل دائم ، أو محلا للتساؤل ؛ لأن وجودها ذاته هو مجرد تساؤل. ـ ميلان كونديرا ـ الطفل المنبوذ ـ ط أ ، 1998م.
من هذا عنى المبدع في مثل هذا البلد بالسؤال باعتباره معنى وجود ، هذا الوجود الذي يكمن دائما في المستقبل الذي هو شاهد على غائب ؛ شاهد من حيث أن معنى الوجود مشروعا وليس منجزا ، وبالتالي فسيرة مثل هذه الشعوب الصغيرة سيرة لـ ..الوعي الشقي ؛ سيرة المتغير وجغرافيا هذه السيرة كالصحراء مسارب تمحو مسارب ؛ ومن ذا فلوحات تاسيلى موجودة بالقوة لا بالفعل وكذا روايات الكوني، وبحث نجيب الحصادى المضني في فلسفة العلم الذي هو جامع الصادق النيهوم ؛ وهو جامع بدون حدود ، كما هي هوية محمد المفتى التي هي أسطورة ،وصناعة محلية في قصص عمر الككلى التي لا هامش لها، وخوف مكلوم من مجهول في قصص يوسف الشريف، لذا فسيرة مثل هذا البلد سيرة وجود لا سيرة ذاتية ؛ فالذات ملمح والوجود بحث ، وفى هذا وبه تكون كل سيرة ذاتية سيرة بحث وكأنها سيرة للموضوع لا للذات .
لقد عنيتم بكتابة سيرة ذاتية ومن خلال إطلاعي عليها منجزة / مخطوطة بدأ لي أن هذه العناية بتضاريس ذاكرة المكان، وتعين ذلك في نمنمة هونية هي أول كتابة تعتني ببلدة ليبية إن لم أقل بالجنوب الليبي، ومسارب الصحراء وأبواب المدينة التي غطاها تراب هذه الصحارى ، وأنها في ذلك تشترك ـ وهى تنزع لخصوصيتها ولجنس الرواية ـ وسيرة مفكرنا عبدالله القويرى وقدات في أنها سيرة صيرورة ؛ الصيرورة الباحثة عن الوطن ـ وطنها، وأنها تتفارق مع الوقدات في أنها مسارب لتفاصيل ما صنعت وصنعتم جيل 57 حيث كانت ـ وأظن لازالت ـ المهمة المنوطة بكم أنه علينا أن نخترع أنفسنا.
فإذا كان المثقفون المصريون يعانون ـ مثلا ـ من هيمنة المؤسسات فإن المثقفين والمبدعين في بلادنا يعانون من غياب هذه المؤسسات . لهذا كان الفرد منكم يقوم بدور المؤسسة فهو الفرد المؤسسة والتي تجلى في العناية ـ التي أبديتموها وأعطيتموها كل العمر وأجمل ما فيه ـ بالعمل الثقافي وبالإبداع ؛ مهتمين بالمبدعين الاهتمام الشخصي والحميم بنشر أعمالهم ، بالكتابة عنهم ، وبمتابعة همومهم الخاصة وتذليل ما بالإمكان ، وأن هذا الدور أعطاكم أيضا ما أحرزتموه من مكانة وإمكانية فكانت مسا ربكم مسارب لغيركم وغيركم مسارب لكم !.
وكان هذا الأمر يخص ـ هنا والآن ـ المستقبل الذي يكمن فيه التقليد الوحيد لهذا البلد ـ بلادنا ، هذا البلد الذي أنشئ من أجل المستقبل ، فكان المستقبل نصب عين أهله والذي قد يكون المعنى الذي بحث عنه عبدالله القويرى في معنى الكيان وفى مجمل إبداعه / حياته .
وعنت هذه المهمة مما عنته أن نتسلح بأدوات العصر من أجل هذا المستقبل الذي هو هويتنا ، فرغم كل الهذر وهدر الطاقات وتفخيم الذات كانت هذه المهمة حاجة شديدة وملحة علينا ووقفة المستقبل التي هي بالضرورة استشرافية ؛ نافذة تخلصنا دائما من هوس الهوية وأوهامها لأنها تعنى أننا نصنع أنفسنا .
وإذا كان اكتافيو باث الشاعر المكسيكي شاعر التعويذة الطاردة لأشباح الماضي ، والرغبة في رؤية جذور المكسيك بوضوح ، الشاعر الإنساني يقول :إن الدفاع عن الشعر ، المحتقر في هذا القرن ، يرتبط ارتباطا وثيقا بالدفاع عن الحرية، فإن الشعر والمستقبل صنوان.
وكانت ولازالت مهمتكم الدفاع عن الشعر، وكانت ولازالت الحرية اللازمة.
وفي النهاية: لقد أجيز له الوجود في دنيا البوهيميين، أقول "أجيز". إذا لم تنجح الأسرة في أن تبيد أبنها غير المحبوب، فإنها تذله بالغفران الأبوي. على أنه داخل أسرته الوطنية كان هناك، على أي حال، هؤلاء الذين أحبوه.
لهذا وبهذا فإن هذه السيرة الذاتية سيرة المستقبل الذي نصنعه معا والذي به نصنع أنفسنا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home