Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Tuesday, 19 September, 2006

   
   

رواية

سـريب (4)

أحمد الفيتوري

من حلاوة الروح : عذوبة الأمومة طلقت الفراش وتركت الدفء ، زحفت لصغاري على الركب حتى دميت ، بالدم رصدتهم وبحجاب الأم حصنتهم وكانت بنغازى تناديني فلبيت مسرعة النداء . من قمينس بلدة النعناع إن جادت السماء وبلدة العطش إن لم تجد ؛ وجدتنى أفر كما يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته، ويفر ببنيه من جوع أو خوف لأمل وأمنية .كذا كنت أفر من قمينس حيث لاشغل ولا مشغلة ، فقد توفر الماء ، وقصرت اليد عن المحراث فما فى الجب من حب ولا مال ، فتحول الماء لسراب وبنغازى مآب لملئ جيب البطن والرأس وجيب السروال إن وجد . خادمة و لا الموت بالحسرة قلت والخطى تحث إلى المشرق فالصبح لاح ، فى بنغازى بيوت لآل مصراته تجار البلاد أصحاب المال ، وإن لا يقدرون غب الحرب على الحشم قدروا على الخدم . ساعة خرجت وبنى إلى الطريق ، لم يكن فى الأفق حمامة أو يمامة ، لكن الأمل يرفرف فى الأنحاء . بنغازى مدينة مسحورة ؛ الأرض بيضاء فهى سباخ مترامية الأطراف يحدها الأزرق كشبه جزيرة ، فى مرمى البصر جبل أخضر بينها وبينه أحمر سهل من طين برقة الحمراء ، هى بساط والرحبة والقار قار يونس بوابتها الغربية ،كما الربوة ربوة سيدى يونس بوابتها الشرقية ، والأفواه أو الفويهات كما يصغرها البدو – قرى كما كف اليد صغيرة ومبسوطة وحاميات من عثار السفر وراحة من تعب ، هى مسحورة ليس بالأخلاط من أزرق وأبيض وأحمر ، لا باليباس والرطب والسائل ، لا باليم والوعر والسهل ، لا بهذا ولا بذاك ؛ لكن بطلوعها بقعة بقعة فهى مسارب وخلجان يحوطها ماء أجاج ، تحوط الحياة التى تنبثق عنها كما العجب أو ثغاء الحملان ؛ مأوى الذائح والذبيح والفار من سباع الأرض والدهر ، حين هممت بها كان التوق وقد أشعله الأمل دليل الفؤاد وزيت الروح ، طلعت بنغازى المسحورة فجأة عجوزا تتسربل ثوب العجز تطلب وتلح على القعود ؛ هى مدينة الغريب دون نزاع ، تتلبس الروح الشفيفة وتشغف القلب الملهوف ؛ راحة مذاقها ملح وخبزها الألفة، كالجديد فى القدم حلم وكالقديم فى الجديد ماض ولى ، وكما فى الأرض - فى الخاطر ثمة مطرح لكل أحد حيث كل مطرح ليس لأحد . بنغازى مدينة مسحورة ، قبل أن أجيها عرفتها ؛ فهى طوق الحلم ، وجدت لما لم تكن موجودة ؛ مدسوسة فى غياهب الزمن ، كما هى يابسة مدسوسة فى البحر فهى رطب الحلق عرق البلح ،كما الأمنية ننسجها بالتوق ونجسدها بالمكابدة – هى أليف اللغة لأنها مدينة بشرية ؛ من صنع البشر الذين تحدوا الطبيعة التى حاولت جهدها إخفاءها عنهم ؛ لما حوطتها بالملح والماء ، إنها المدينة التى نصنعها كما نصنع أنفسنا فيها ، هى منحوتة رغبة ونقش شهوة وأيقونة روح وشهقة نفس وتبرعم الجسد وكأس الحياة ؛ هكذا تجلت عن خفاء فهى مدينة نهر النسيان -كما جاء فى كلام الأولين حيث المآب الأخير ، لم تفتح مرة فهى التفتح الأبدى ، فى الخرائط مركونة فى الركن كما البئر فى البيت، الخيال فى النفس ، المنى فى الجسد والروح فى الكلام ، بنغازى مدينة الحقيقة غائبة عنا فى الوصف والتوصيف ، هى متجر الذهب الأبيض ، و محل المتعقبين من العبيد ، محطة آخر القوافل ، وأول محطة لغارات طير الحديد ؛ حتى تحولت سماؤها إلى غربال من أثر ما أخترقها من قنابل ورصاص ومتفجرات آخر ، من فوق ومن تحت ومن يابس وبحر ، فإنها مدينة الغارات الجوية فى الحرب الأخيرة ، لما كانت أرضها مفتوحة لكل أحد بنغازى ليست مدينة أحد ومدينة كل أحد جمعت وأوفت ؛ جمعت من كل فج أفواج المغتربين وأفواج الحيارى وأفواج الضائعين ، ولكل فوج فتحت مساربها ؛ هى مقر الغرباء ومقام النسيان ، قيامة النفس التواقة وحصير التعب ، مسكن الجن والأنس وما بينهما ، ومنارة ( سيدى اخربيش ) تشى بها للسفن التائهة والبحارة المساكين ، والقراصنة الفارين من أشباح المطاردين وأساطيل الدول العظمى ، لهذا هى بيت شمل يغمر السائح وملاذ الغريق - قال قريتلى : حينما استولى النصارى القريت على جزيرتنا ، وتركتنا فلول الأتراك المهزومة ، فررنا بالأسلام ديننا من عقاب أهلنا الذين عدونا من الخائنين ؛ أوينا بنغازى ، وقال لى قرصان مالطى لما حوصرت القرصنة ومنع البحر عنا كانت بنغازى المأوى ، كذا قال انقليزى وقالت يونانية فتحت خمارة هنا لما عاثت جيوش ألمان وطليان ببلادى وكذا فعل أرنأوطى ( ألبانى ) ، ركن ألمان من تعب – تعبوا من طموح قادة بلادهم وعسفهم – ببنغازى ، وشامى ويمنى ومصرى جاء بهم الترك ؛ فبعد عنهم موطنهم اتخذوا بنغازى وطنا ، وجعلوا منها جمعهم مدينة ولما جئتها سبقنى الكثيرون من أهل البلاد ؛ الفزازنة خبازون وأهل الغرب بناؤن والبدو شيالون ، ومنهم من قدم منذ قدم ؛ فكان أول من أهل الأرض وصيرها مدينة بنغازى الحقيقة التى أوتنى من جوع وخوف ؛ بنغازى المسحورة التى تعطى نفسها لكل من عجنته الصعاب وألف المكابدة ؛ كل عنيد صاحب تغريبة ، هى أرض الملح وفى الملح خبز تخبزه الأيدى من شقاء ، تحوله الروح الوثابة إلى جار أليف فى زرايب العبيد بالصابرى مستعمرة السود والفقراء من قش وبقايا الحرب من زنك وحديد ، وفى السبالة بالكيش نجع فقراء البدو حيث شيدوا بيوتا من الصفيح فتحلقت الحلاليق و البراريك بالمدينة ، وساكنيها الأقدم فى البركة وسيدى حسين اللذين يربطهما بـالبلاد ؛ وسط المدينة، مسرب من اليابسة يجانبه السباخ . حين نزلت بنغازى رأيت بأم عينى أهلها يعودون بعيد الحرب من حيث هجوا فى البوادى والجبل ، كما رأيت أهل طرابلس يهجون عنها إلى دواميسنا بجبل غريان ، عاد أهل بنغازى إليها وقد غدت حطاما وكبرت فى سنوات الحرب فصارت أعجز من عجوز ؛ البيوت دكت وحطامها أغرق الشوارع حتى سدت، والميناء جبانة للسفن ، والموت يخرج لسانه فى كل درب للسائرين ، وكنا نتخطاه ليس عن جدارة وإتقان بقدر ما هى الصدفة .فى البدء كانت الصدفة هكذا أحببت بنغازى من أول نظرة ، كما ولدت فى غريان من أم إسمها عربية وهى عربية وأب جبالى بربرى يدعى بريبش ، كما تزوجت البشير العربى ، وكما قطعت سرتى فى الجبل الغربى شدتنى سرة للجبل الأخضر ، لأسكن سفحه ، فى هذه المدينة التى ليست كالمدن ، فهى ليست مدينة كما ليست قرية ؛ هى جمع شمل يسكنه النفس قبل الجسد ، ضفة للبر وعنق تشرئب للبحر ، لما أطلت على طلعت الروح راضية مطمئنة ، كان عناق من خرج عن صحراء سرت ، ومن خرج عن البحر فرحا بأنيس ، وإن كان غريبا فبنغازى الغريبة ؛ عن الجبل بعدت وفى البحر سكنت ، إلى الصحراء فتحت يديها للناجين - وكنت منهم رغم كل ما دسه الطليان والأنقليز والألمان من لعب الموت فى شوارعها وعلى ضفافها وفى أحشائها من بيوت وعمارات هدمت ،فى الحضن دستنى وعن القنابل والألغام أبعدتنى وأبنائى ، فى عمارة متهدلة سكنت كما الناس ، فى شوارعها سرحنا نجمع بقايا الحرب من نحاس قنابل متفجرة - بعضها ختل الناس وأخذهم بغته وهم يحاولون تحويلها لقوت يومهم ، وكان تاجر يدعى السوسى ؛ يجمع من الناس ما يجمعون من بقايا الحرب التى آثارها تفعل فعلها حتى بعد زوالها لهذا قتلت الآثار من قتلت وأحيت من أحيت ، وكما شردت أطفالا أغنت رجالا وعهرت نساء ، علمت الصبيان النهب والتسول ، فتحت ملاجئ ومدارس ليلية وإدارة انقليزية ومعسكرات ورأيت لأول مرة أهل المدينة أهلى فسمعتهم يسمون أنفسهم ليبيين ؛ رأيتهم جماعات جماعات : الأستقلال أو الموت الزؤام ، تساءلت عما يحدث قيل يتظاهرون من أجل حرية بلادنا فرحت دون أن أعرف السبب ، وكان إبنى الأكبر فى هذا الوقت يسطو على دارات الأنقليز من ضباط وبعض الجنود الذين قيل أنهم استرال ، وبنغازى تنهض من جب غميق دكت فيه فنهضنا بها . أجرت بيتا بشارع بوغولة زقاق بالروين ، بعيد أن اشتغلت خادمة فى بيت المال عائلة جعلتنى منها لما بينت لهم مقدرة فى التعلم والأتقان ، فى بيتهم راديو وكان أمرا جلل وهلم من كل شئ حديث وجد أيامها ، وهم أغنياء وسط فقراء لكنهم به – بالغنى شغلوا الكثير من رقاد الريح وأوهم من مسغبة ورعب بعد الحرب ، وتميزت فى الطبخ الحديث مكرونة سباغيتى صلصة ومبكبكة ، محشيات بــراك وطواجين لحم وسمك كما فـى الشعبى من بازين ،كسكسى ، رز مبوخ ومطبوخ ، والناس يقتاتون من الموت من بقايا الحرب اقتت من بقايا العائلة التى أخدم .ما بعد الجوع إلا الشبع ؛ اتخمت المدينة بمآسيها فلم تجد وسيلة للحد من ذلك إلا بأن تذهب فى المأساة إلى مداها ؛ بقدرة غامضة تحولت إلى [ الحاضرة ] التى تحضر إليها وتجمع حولها كل معاناة الحرب الطويلة منذ مجئ الطليان حتى دخول الانقليز ؛ مؤتمرات وخطب واعتقالات واجتماعات وسجون ، ومهمتى أن أطبخ القدور تلو القدور فى بيت المصراتى الذى تحول لمضافة لأناس قدموا من درنة ومن طرابلس وفزان ومن مصراته والزاوية الغربية وحتى من بلدتى غريان ؛ يناقشون السياسة والتجارة . وفيه رأيت عجب ؛ رجال وأى رجال متعلمون وآل جاه يلبسون الافرنجى والوطنى : الجرد ، الكاط الملف ، الشنة الحمراء أو السوداء ، يتحلقون حول ورقة يسمونها جريدة الوطن يقرأون ويعلو صوتهم ثم ينصتون لأذاعة لندرة ويتخاصمون ثم يتعارفون ويفترقون ليجئ غيرهم ؛ فلقد صارت بنغازى القبلة وعاصمة إمارة برقة التى أميرها إدريس السنوسى ، لم تنته الحرب قلت فى نفسى إلا لتبدأ حرب أخرى ، لم أر فيها السلاح لكن رأيت الكدر والحيرة ؛ فلأول مرة لا أعرف من أنا ولا من سوف أكون ، اختلط على الأمر وأنا أطلب من ابنى البكر أن يفكر فى الزواج رغم صغر سنه قلت : انبيت البكر ونرتا.. ثم تساءلت أأريده صاحب بيت واسم أم أريد أن اتخلص منه ، أم أنى أنا التى تريد بيتا لكن تخفى الأمر حتى على نفسها . ما أصعب البدايات أى بدايات هكذا داخت بنغازى إثر الحرب ، وفى فترة كأنها خدعتنى ببساطها الأحمدى ، وأنى خدعت النفس وزينت العجوز بما فى دكان العطار ، فقد كشر الدهر عن أنيابها أو هكذا راودتنى نفسى لما وجدت جنيهها المصرى عملتها الجديدة يذوب كما تذوب الأحلام ، ووجدتنى غرباوية يقولها اصحاب السبق فى التوطن بالمدينة، ووجدت الملاهى الليلية : الريفيرا ونسائها الانجليزيات والايطاليات واليونانيات .. والسينما : برينتشى .. ونسائها المصريات ؛ كوكا وتحية كاريوكا وشارع [ الشطشاط ] قد أخذ أبنائى ، كما أخذ القمار والخمارات أبناء الفقراء الذين استطاعوا أن يغتصبوا القرش بالكد والعرق الأسود من ايام الغصة ، لكن بنغازى مدينة مسحورة فسرعان ما شمرت عن ساعدها ودارت فيها الطواحين غب أن حصد الزرع الذى عاما عن عام يكون صابة ، فتزوج البكرى إمرأة مدينة ، وفى ريقى ذابت بنغازى وكنت أذوب فى حلوى بر الترك التى يصنعها كانون ، سحت فى الزلابية والمخارق والسفنز ما تعلم إبنى الوسط خليفة صنعه ، غاصت قدماى فى السبخة وكأنى مرصودة ، تشبت ببنغازى فأخذنى وجد ، طلقت الرجال ورضيت بها حامية وظل ؛ مدينة الشرق الحاضرة التى ليست من ولا كـ المدن فى شئ . دخلت سوق الظلام والأيام أيام شهر رمضان حيث بنغازى تسهر على غير العادة حتى منتصف الليل ، وإذا بعينى يخرجان من وكريهما ، لم أتخط فيما مضى عتبة الصابرى الذى عندى هو الدنيا لهذا كثيرا ما رددت مع صبيانه : الصابرى عرجون الفل ، الصابرى عمره ما ذل الصابرى ورد وياسمين ، الصابرى زين على زين ، لكن هذه الليلة وقد توغلت في سوق الظلام تكشف لى نور ما رأيت من قبل ، ولا لمخيلتى القدرة على تصور مواشير الضوء التى تغطى سوق الظلام أو تمخر سوق الجريد وشارع بوغولة - مدخل السوق ؛ حيث ليس بإمكان أية غولة أن ترتع فالنور بساط وغطاء ؛ النور كاشفها، رأيت الذهب ؛ ما يخلب الأبصار وتهت مع الدلال .. أخذتنى القمجة بألونها الزاهية ففيها تبينت نساء خراريف جدتى يتمخطرن بدلال فى باحة المخيلة التى تدفقت كالماء متفجرا عن ينبوع ، أثارها اللون الارجوانى فى القفاطين النسائية ، ألتف برأسى حيثما وجه أبى نظره ، لم أكن معه وهو يشير إلى بعض ملابس الاطفال التى تصلح للعيد الصغير عيد الملابس ؛ لقد اكتشفت بنغازى مدينة جدتى المسحورة وبدأ لى أنى عرفت مخزن حكاياها ؛ أسواق : الظلام المضئ كلؤلؤة ، الجريد الذى يغطيه سعف النخيل ، وشارع بوغولة الذى ولا شك مكمن ومسكن الأغوال حيث المسرح فى الزريريعية مرتع الاهوال التى ظهرت لى الآن أنها السفح الأخير للدنيا فهى ربوة من الرمل نهايتها سبخة ، شغفت منذئذ بـالبلاد ؛ وسط بنغازى وبالفترينات ، رغم أنى لم أر غير اسواقها التى تزدحم بالرجال والصبيان والشحيحة فى البنات مع أنها تغص بلباسهن ، هكذا عرفت بنغازى لأول مرة وشغفت بها وكان ظنى أنها مدينة عجوز من صنع سرد جدتى ، فى هذه الأجواء المسحورة وجدتنى بين يدى أبى وهو يشلحنى ملابسى لأقيس بدلة العيد التى اختارها لى ، هى بدلة ضابط مثل بدلة الضابط ناصر الذى يعلق أبى صورته على حائط المربوعة ، ووجدت الشائب صاحب الدكان يعطينى التحية العسكرية ، دفع أبى الثمن وعاد بى للبيت مزهوا ، لم أنم تلك الليلة فى انتظار العيد الذى جاء الصبح ولم يجئ . لهذا حزنت وانغمست فى وحدتى حتى أخرجتنى جدتى معها غصبا فى زيارة لجيران قدماء يسكنون حى دكاكين حميد هناك انغمست مع صبى يدعى بشه فى اللعب ، وجدت عنده ألعاب صنعت من علب الصفيح الفارغة التى ثقبت وربطت بخيط على أنها خيل تجر عربة مصنوعة من خيط معدنى ، عجلاتها من علب حليب وردة، كارنيشن الفارغة ، أخذت عربة وهو كذلك وفى سباق محموم أخذنا نجرى ونجرى مغنين : كارونا غلب كاروكم .. هاتوا الشيمة ونكروكم .
العربات محملة ببضائع مكونة من أشولة الرز ، المكرونة ، الدقيق ، السكر وصناديق الحلوى وعلب التن والسردينة ، كانت الخيل تلهث من ثقل الأحمال والسرعة وكذا نحن نلهث ، نضرب الخيل بالسوط ، نجرى حفاة . لما سبقته إنقلب كاروى ، تبعثرت أحماله وتعثرت خيلى ، سقطت على الأرض فسبقنى بشه جذلانا على أجنحة الريح ، إبتعد كثيرا وشدتنى الخيبة إلى الارض ؛ إنساب ثقل فى قدمى وزادت نعومة رمل البحر فأغوتنى بالقعود ، غلبنى سلطان النوم توأم الخيبة فذهبت معه بعيدا ولما تركنى وجدتنى وحيدا بعيد أن أخذ الشمس رفيقة بدلا منى ،غطى الرداء الاسود الدنيا ؛ نستنى الخيبة فتذكرنى الخوف ، تخبطت فى محبسه وحيثما لذت وجدتنى فى مكانى مربوطا كما خيلى مربوطة لـلكارو . حينما تعرفت على حبسى ساعتها أدركت ؛ أن الساكن على البحر مرمى بصره هول ، تحته عجين الظلمة ، مصيره بين يدى إمرأة لعوب أو كما تقول جدتى عن البحر وأن بنغازى ابنة لهذه المرأة . لا جبل يأوينى ولا جدة، حين هممت بالخروج عن مكمن المتاهة هذا طلع [ الشخص ] الذى يطول السماء ؛ شنبه الليل مشوب ببياض ، عيناه مجمرتان كـكوشة الجير الموقدة ، أنفه كهفان مخنان ، الصوت بحر هائج مبحوح ، ذراعاه خرطوما فيل ، أصابعه أحراش غابة ؛ أخذنى بخنصره لحسنى بلسان عشرة خيول : - لقد وجدته بحذاء الشاطئ قرب القصباية لكن بعيـدا من بئر الكلبة ، ستر الله لم يدخل البحر قال أبو بشة لجدتى وهى تمسد شعرى وترتعش .فى تلك الليلة زارتنى بنغازى التى عرفت مؤخرا ؛ وجهها تجاعيده تشع بنور يعكسه الملح لما تشرق الشمس ، فى عينيها بحر والأزرق يلبسها مسدتنى بيديها الملائكية ، فى صوتها جذل ونغم ناعم وحاد كملح الطعام . غمرتنى بطيبها وهى تدسنى فيها حتى سرى الدفء فى المسام ، أخرجتنى عنها كأنها ولدتنى من صرتها أو فمها ثم دست أصبع محنى فى صدرى فرأيت قلبى وقد أخرج من جوفى معلقا على اصبعها ، غسلته بلعابها حتى تراخا ثم نفخت فيه فانبثق دم جديد فى عروقى ، مسدت الصدر فالرقبة فالوجه وقبلت عينى : ياحموده عينك سوده .. قلبك شمس بما مطروده . أخذت تهدهدنى فى حجرها شغلت بى وشغفت بها ، قالت ولدت من ماء كما أنا ، عشت فى ملح هو خبزى ؛ قبل أن يتزوج أبوك أدم حواء غرم زيوس اله الالهة بتانيت الالهة ليبيا وتزوجها فرزق بى ، ولدت من أخلاط الأفق واليم والطين فكنت ملح الارض وماء السماء ، سميت هسبيرديس ودللت بـ ( برنيس ) ، لما ولدت - فى اسبوعى فى لمة عقدتها أمى رددت أغنية نسجها الشعراء من خصلات شعرى الذهبى : أيتها البطلات ، يا أطفال …إيو . ياحورية الماء وعروس بيسدون ، لا يليق أن تقف الفتيات أمام المغازل ، كى ينسجن ثوب هيرا الطاهر ، قبل أن يجلسن فوق الصخرة المقدسة التى يسيل حولها ماؤك ، ويصببن ماءك فوق رؤوسهن . سلاما يا أقدم منازل الحوريات ، تدفقن بالمياه أيتها العذارى . برنيس الاحلى مذاقا من رحيق الازهار .. ومن أطيب الطعام ، انك لتمرين باللسان أحلى مذاقا من الخمر الجديد المنعش . بهذه المناسبة قدم بوسيدون لقورينا القوس الذى صحبها أبدا مصحوبا بهذه الكلمات : انظرى يا قورينا ، أتقدم اليك بهذا البوق وهذه الجعبة ، وأما السهام فيملكها أهل هيسبيرس . وكذا ولدت أختى قورينة العذراء ( الفتاة ذات الأيدى الناعمة التى كانت لا تميل إلى الغزل ووداعة البيت ، ولا إلى المآدب والحفلات التى تشارك فيها أترابها من بنات القصور ، ولكنها بأسلحتها وسيفها البرونزى تقتل الوحوش الضارية وهى تصارعها حتى توفر لماشية أبيها الدعة والسلام ) كذا قال فيها الشاعر بنداروس ولذا لم تحب الرجال ، شغفها سبع البر ، هى صائدة السبع . ولما لم تكن تحب الرجال أحبت أن أشبهها : من شبه أخاه فما ظلم ، قالت ذلك وهى غضبة منى لما شعرت بميلى لأله البحر سبيدون الذى تربع على عرش الماء وسيد أقوام البحر الاخضر العظيم ، سلطت حب أبى لها على فغضب منى ودسنى بساطا تحت جبل مما زاد غرامى الذى كان زوادتى فى محنتى فأخذت أتسلل كبساط الريح ، سهلا للبحر ضمنى حبيبى اليه وإن لم أستطع الفكاك من المخبأ الذى دسنى أبى فيه ؛ كنت في البحر وليس فيه وكنت من البر ولست منه . ثم قالت بنغازى : انى ابنت خصلة الشعر المقدسة ؛ عجينةغريبة تتشكل بالمد والجزر وآخاني القمر ، هل شاهدت مرة فى صورة القمر تلك المرأة تلك هى صورتى ، ثقبت قورينا السماء ومن تحت أقدامها نبع أبولو ، استقر بها المقام فى الجبل الاخضر وازاحتنى بعيدا عنها محاطة بعرائس الزعتر صارت مدينة السلفيوم النبتة التى هى دواء كل داء؛ ولذا هى مدينة الجسد فيما كنت بيت الروح التى تجلت فى الخفاء كما أراد زيوس ، لكن السلفيوم الذى يشبه التوت وفى حلاوة تمر النخيل ينسى شاربه حب وطنه وبنيه ؛ لهذا جعلت بساطى مثوى كل تائه عن نفسه وغريب عن أهله ، فكنت المدينة الوحيدة التى تعرف كيف تشفق . لم أطق صبرا فأشفقت على فضولى وأخذتنى فى ردنها ثم سبحت بى فى أعالى الزرقة ووجدتنى فى نهر الليثون – الجخ – الجوفى ، هناك فى كهف عميق تحفه المياه يمتد فى باطن الأرض مئات الفراسخ ويتسع فى أماكن عشرات الفراسخ ، به ثلاث حجرات متصلة الأولى درج ترتقيه صعودا والثانية هضبة مسترخية فى نعومة الرخام والثالته قمة . هناك أشارت لى بأن هذا هو مصب نهر النسيان وهناك التقينا أحد الرجال يهيم فى ذهول عن كل شئ ؛ حتى عن نفسه ، لكنه لما رأى بنغازى بدأ وكأنه فى رؤيا ، أخذه شطح رجال الحضرة ثم سمعت الدفوف ، ورأيت الهسبيريدات حارسات بستان هيرا – أو كما قالت لى بأنهن سيدات المساء الذى لايأتى دون اذنهن بعد أن تتوارى التفاحة الكبيرة لتظهر خصلة برنيقى خصلتى ، فى هذا الآن أخذ الرجل الصرع والهذيان فقال مما قال : يا سيدتنا برنيس إنى الشاعر المجنون ؛ مجنون قورينا التى جعلتنى فى نهر النسيان أنسى نفسى ولا أنساها .ثم صلى بين يدى بنغازى فقالت الهسبيريدات : هذا كاليماخوس القورينى العاشق قورينا وأخواتها ومن تغنى بخصلة شعرك يا برنيس الاحلى مذاقا من رحيق الازهار ومن أطيب الطعام ، والتى تمر باللسان أحلى مذاقا من الخمر الجديد المنعش . ثم وقف كاليماخوس هذا وقفة ضاقت فيها العبارة وهو يهذى : وبعد أن رنا كونون ببصره يتفحص أجرام السماء ، والنجوم السابحات كل فى فلكها ، عثر على ، أنا خصلة برنيقى ، التى وهبتها للآلهة جميعا ، وها أنذا أتحرك فى الفضاء .. لقد أقسمت برأسك وحياتك .. وارتفع سليل ثيا إلى ملأ أعلى خفاقا لامعا مثل مسلة والدتك أرسينوى [ تيوكيرا ] ، وأبحرت سفن الميديين المدمرة متوغلة وسط جبل آثوس الذى سيسمى فى قادم الايام الباكور. ما حيلتنا وما عسانا نفعل نحن خصلات الشعر ، إذا كانت مثل هذه الجبال تذعن لجبروت الحديد ؟ . يالغيظى ! من كشف عن ثمرة الأرض الشريرة هذه ، وعلم الناس فن الحدادة . وبمجرد أن جززت أنا خصلة برنيقى حزنت على شقيقاتى . وحرك النسيم الرقيق ، زفير شقيق ميمنون الأثيوبى وابن الفجر ، أجنحته فى الحال فى حركة دائرية ؛ فاندفع حصان أرسينوى ، ذات النطاق القرمزى . وأمسك بى بأنفاسه ، ثم حملنى عبر الهواء الرطب ووضعنى بين أحضان دارنيس . لقد اختارته أرسينوى ( أفروديت زيفوريتس ) التى تسكن على شاطئ برسس ، بنفسها لهذه المهمة .وهكذا لم تعد العروس المينوية ؛ من أحبها ديونيسوس وأقام لها تاجا من النجوم تبعث بنورها على العالمين وحدها، بل أننى أيضا أنا : خصلة برنيقى الجميلة ، قد أصبحت إحدى النجوم العديدة .
وبعد أن اغتسلت فى مياه أوقيانوس ، وارتفعت على مقربة من الخالدين ..
وضعتنى دارنس نجما حديثا بين النجوم القديمة ..
بعد أن تقدمت إلى أوقيانوس فى فترة متأخرة من الخريف .
ولكن ما كانت متعتى بهذه التكريمات تفوق الحزن الذى يجثم على صدرى لحرمانى من ملامسة ذلك الرأس الذى رشفت منه عطورا كثيرة عبقة عندما كانت برنيقى لا تزال بكرا ولكنى لم أمتع بعطر المر ، العطر القوى فى شعر المرأة المتزوجة .
دست جدتى يدها فى صدرى وهى تمسح العرق عن وجهى ورأسى : لقد تأخرت هذا اليوم أيضا عن المدرسة ، وإن لم تفق مسرعا فسوف تجلد من المعلم مرة أخرى ،كنت أسمعها لكن الذهول شل جسدى عن الحراك وأحس أن ليس لى جسد ؛ لم أعرف كنه نفسى هل أنى حى وبإمكانى أن أفيق وأذهب للمدرسة أم أنى روح تهيم وأن جدتى روح تداعبنى ، لم أفق من ذهولى فى الفصل فقد سرحت فى مراعى المخيلة ، جست أعشاب الأحلام وسمعت ثغاء الاوتار ثم نفخ بوق الروح لما هزنى معلمنا السحاتى هزا ، وهو يواصل حديثه الذى لم أفقه منه غير جملته الأخيرة : كما قلنا فإن الجخ الكبير يقع فى بوعطنى ، ويقال أنه مجرى جوفى من نهر النيل ، مش هكى يا تلميذنا النائم ؛ قال ذلك صافعا رأسى بباطن يده ثم أمرنى أن أقف بجانب السبورة وأن أرفع يدى وأقف على رجل واحدة حتى إنتهاء الحصة ، جلدنى بعيد ذلك خمس جلدات بعصا الزيتون على باطن يدى ، لم أبك لكنى أخذت أنفخ يدى من الألم . فى فترة الإفطار علمت من زميلى محمود العرفى أنى قد سئلت المعلم عن الجخ ثم سرحت وهويجيبنى مما أغاظه، فى الأثناء جأ زميل آخر يشحت قطعة من سندوتشاتنا ؛ وهو ولد فقير يأتى بإفطاره من البيت ، هذا الأفطار عبارة عن قطعة بائته من خبز التنور محشوة بما تبقى من عشاء الليلة الفائته الذى قد يكون بازين؛ عصيدة ، حين رفضنا أن نعطيه ما يطلب قال سوف تظهر فيكما الشوفة ! ، لم أكن أعرف ما هى هذه الشوفة ، لكن الغيظ الذى يسكننى من ضرب المعلم لى جعلنى أدخل معه فى عراك إنتهى بإن حصلت على [ طريحة فلقة ] من المشرف حمد ازواوه بعد أن أذن له الناظر فتحى الجدى بذلك ، كانت تلك أول وأخر فلقة لى فى المدرسة ، وقد هربت من الجامع خوفا من هذه الفلقة ؛ لهذا وجدتنى فى غضب وغيظ شديدين من المدرسة ومن بنغازى ومن جدتى ، حتى فكرت فى الانتحار أو أن أدخل الجخ لكى أنسى كل شئ ؛ أكون روحا هائمة دون جسد وألم وخزى . عدت للبيت أفتش فى بعض المجلات التى حصلت عليها من ابن الجيران الذى يكبرنى ؛ مقابل كورة البلاستيك ، وقد أحضرها لى خالى الوسطى وهو كثيرا ما يحضر لى الهدايا ، أخذت أفتش الصور فى مجلة سمير و تاتان و سندباد عن طريقة يمكن لى من خلالها الذهاب إلى الجخ ؛ نهر النسيان ، ثم انغمست فى تخريج الحروف وقراءة ما هو مكتوب علنى أحصل على ضالتى ، نسيت نفسى فى نهر الأحرف الذى غمرنى حتى لم ألب دعوة جدتى لى بأن أترك الكاغط وأقوم للغذاء ، كنت أحس بالشبع ومع كل صفحة أقلبها أجدنى فى حبور فلقد اكتشفت طريق الجخ ، وجذبنى حديث مسهب مع الرسومات . رحلت مع سندباد حتى أخذنى سلطان النوم إلى أقانيمه ؛ وبعد أن عاش يوديموس على الملح عيشة الشظف ، ونجا من عواصف الديون الهوجاء ؛ أهدى إلى آلهة ساموطراقيا حماة البحارة مخزن ملح ؛ وقال : " أيها الناس ، إنى أتقدم بهذا بعد أن نجوت من حياة الملح فهكذا نذرت وها أنا ذا أوفى النذر " . هذا ما قصته بنغازى على وهى تخرج بى من نهر النسيان فإنتابنى جوع شديد عندما أفقت شممت رائحة الخبز كانت جدتى ترمى الخبز فى التنور لما انتبهت وقد مددت يدى فى فوهة التنور الذى ناره تضئ بقوة وجهى ، أخرجت الرغيف وقد شل الذهول جدتى : الخبزة حامية تأكل لهاتك ، لكن لم أعر تحذيراتها اهتماما فقد التهمت الرغيف فى لمح البصر قالت : الجوع كافر وهى تغمس نصف رغيف فى زيت الزيتون وتعطيه لى ، وعدت بعيد ذلك على عجل إلى بحر الحروف ، سبحت فى ملكوت الرسومات وفى مركب سندباد أبحرت . البحر هائج والأمواج تخرج ألسنتها وترفع هامتها فتطول الغيوم التى تتراكم كحصير أسود يسحبه البر نحوه ، الرذاذ يثير شهوة الارض إلى سيلان الغيم التى يطير المركب على أجنحتها وتمتد أجنحتها فيغطى ظلها بحيرة تريتنوس ؛ بحيرة تريتون المعبود البحرى ابن بوسيدون من حبيبته وملكة البحر برنيكى ؛ برنيقى . كان تريتون يمد نصفه الاعلى الذى على شكل انسان فى السحب التى غطت بحيرة السلمانى لما كان نصفه الدلفينى يضرب شواطئ جزيرة جليانة حيث حدائق الهسبريدس : اللوتس ، الرمان ، العنب ، اللوز ، المشمش ، الزيتون ، والتفاح الذهبى الذى أحاطه حارس الحديقة أطلس - المشغول بسند الارض - بسور من الماء ما يصعب اجتيازه . لكن بفضل حذق سندباد وبحارته من الجن ومركبه هيكل حوت سيدنا يونس اجتزنا السور وكثبان الماء ، من اليم أقمنا جسرا كان كتف تريتون ، بحبال الأفق استعنا ، خلف جذوة تشعل فوق الماء نارا توارينا ، و بعربة الهسبييريدات الثلاثه قفزنا هواء ؛ سوانى عصمان . من قلب جليانة خطفنا التفاحات الذهبية ، فإلى البحر ولينا بالمركب وفيه خضنا ، والصعاب الاثنتا عشر إجتزنا لما جعلنا الملح ؛ ملح كوية الملح : بنغازى حصننا وتعويذتنا ولبيسيدون قدمنا القرابين فحمانا من غضبه وعلى الشاطئ الشفقى شاطئ تريتونس حطنا وهو يتغنى : يوما ما يا تيتانوس ستتعرى شجرتك هذه من تفاحها الذهبى ، بيد أحد أبناء برنيس . هكذا تنباء اله النبوءات نيريوس ، وهكذا كان فإبن الغدران المنبثق عن سباخ كوية الملح قد حاز على التفاحات الذهبية فى الرحلة الثامنة التى لم يدونها أحد ؛ لأن ريح القبلى قد أخرس القلم لما انتصر فى حربه على قبائل الليبو ومحاهم من الوجود ، كما غمر نهر النسيان البلاد فغدا كل شئ له بداية جديدة .كذا قالت جدتى وهى تحاول أن تخرجنى من يم الورق وبحر الرسومات وأمواج الأحرف : أن بنغازى نهضت من جديد وكأنها لم تكن قبل – غب الحرب وجدت المدينة تنهض على أكتافنا ؛ لقد غزلنا شوارعها على نول التعب اليومى ونسجناها بالكدح ومن صوف البحر ألبسناها ثوب العرس ، غدت بنغازى فى كل صبح تنهض على مبنى جديد ، وفى الميناء وجد الكثير من أبنائنا الشغل فبعنا الملح ، واشترينا الخبز الذى شيدت له الكثير من أفران القش والحطب والافران الحديثة ،كان أبوك أول من فتح مخبزا حديثا فى المدينة ، وكأنى بها ، وهى المدينة الحديثة وكذا أهلها ، حبت كل جديد بالقبول والحبور . ساعتها كنت أشعر بالملل من حكاياتها المكررة وأنها لا تعرف ما عرفت ؛ بدأ أننا على طرفى نقيض فلقد أخذت أفك الرموز ومن الحروف إلى الكلمات ، وهذه الرسومات تستعصى على جدتى التى لا تستطيع ما أستطيع ؛ ذاكرتها من الرمل الذى يسفه القبلى سفا وذاكرتى بين يدى خطوط وأشكال مطبوعة على ورق هو فى قبضتى ، أخذتنى العزة بنفسى وأشفقت على هذه العجوز التى تهزها الريح والتى كثيرا ما تنسى فتعيد الحكى مرارا وتكرارا ، لهذا لم أذكر لها ما ذكر لى خالى الصغير بأنها عجوز خارفة ! لم أكن أعرف يقينا ما الذى يعنيه ذلك ، لكن ما بدأ لى أنى أكتشفه فى عالم الورق وخرائط الحرف ودنيا الكلم فيه جدة ، ملئ بأسرار لا تعرفها ولا تستطيع أن تعرفها العجوز الخارفة ! . هكذا بعدت بيننا المسافات ، هكذا وجدتنى أحب أن أكون فى دكانة أبى ؛ لا لشئ إلا لأتمكن من اختلاس بعض القروش لكى أشترى من إبن الجار الصفرانى مجلات ميكى وسمير وسندباد وغيرها ، وأدعيت أمام مراقبة أمى ومحاسبتها لى على مصدر النقود التى فى جيوبى ، بأنى أبيع للأولاد ما أحصل عليه من خالى من ألعاب وحلوى ومستكة السبع التى يحضرها لى بكميات زائدة عن حاجتى ، ولأنى أمنحها ما يزيد عن هذه الحاجة من النقود صدقتنى ، فيما كانت جدتى تجد فى هذه المجلات مضيعة للوقت لأنها تشغلنى عن دروسى ؛ لأن ما ليس من دروس المدرسة هو مفسدة مما زاد من عنادى ومن بعد المسافة بيننا ، فيما حسنت علاقتى بمعلمنا السحاتى الذى أخذ فى تشجيعى على قراءة تلك المجلات ، وفى الإجابة عن أسئلتى التى انهمرت عليه دون كلل . فى هذا الحال جلب أبى لبيتهم غزالة وضعت خلف سياج ، قيل أن صديقه على الحصان اصطادها من البر أو الصحراء ، طار عقلى وجننت بهذه الغزالة ولم أرد ولا أرغب فراقها ، أخذت أحش لها الحشيش : العشب من الجبانة ، ومن نقودى الصفصفة ؛ البرسيم وكل وقتى وجهدى مكرس للعناية المركزة بالغزالة ،لم أفطن حين عدت لبيتنا قبل أن ينتهى اليوم الدراسى كعادتى منذ جيئ بالغزالة ، لم أفطن لأبى وأمى وحنى ؛ زوجة أبى وهم يألونى عناية لم أعرف من قبل ، ثم لحم الشواء الكثير الذى كانوا يلحون على أن أكله ؛ حتى أكتشف أنه لحم غزالتى التى قيل لى ولم أقتنع أبدا : نطحها الكبش ؛ كبش العيد اللعين الذى جيئ به قبل عيد اللحم بكثير لكى يمقرسوه ؛ يسمن فى البيت . ووقعت من هول ما عرفت ؛ تقيأت ما أكلت وإنى أكلت لحمى /كبدى ومزقت روحى ، سرت الغزالة فى العروق فأخذنى ثغاء ثم بعبعة وحمى دم الغزالة ، نبحت على كلاب السبخة وعضنى كلب السوق وقد فررت لصحارى جففت ريق السموات والارض ؛ شمسها . الملح فى سفح بنغازى يبس الدم وجلط الحلق وبنغازى سبخة ولود للكلاب الضالة ، ليلها سكاكين ونهاراتها قائظة ، لما فررت منها غصت بى سبخة السلمانى جبانة ما نفق من حيوناتها والطريح من حملانها وفرث ودم مجزرتها زوادة ملحها الذى لا يشبع ، كشرت بنغازى عن أنيابها وضاقت بى فلم أجد غير صحاريها بسلوق ملاذا أو مثوا ، كنت أعدو والزغب بين أنيابها و الكلاب تنهشنى ، وماؤها الملح الأجاج الذى كنت شربته فيما خلى من الايام يخض فى ركبى ويثقلنى ، لم تكن مدينة ولكن سور يعقبه سور ؛ من فم السور وجامع الموتى تملصت ، من بين براثن حلاليق الصابرى والسبالة والكيش قفزت ، عن جبابين سيدى عبيد وسيدى داوود والنصارى واليهود حذت ، ومن الخوف اجتزت حقف الماجورى التى منها يخرجون الطوب وحفرا لعابرى السبيل وعششا للفقراء الضالين والقزازين ؛ اليتامى الجائعين ، والشاذين وسارقى الاطفال والمقطوعين من شجرة الذين لا مأوى ولا أهل لهم ، حيث يذبح الرجال بعد سلبهم مالهم والنساء اللواتى سلب شرفهن ؛ فضت بكارتهن دون زواج على سنة رسول الله وآله ، كنت أعدو من حفرة ومن سبخة ومن سور ومن من ضل السبيل وكانت بنغازى العجوز بالمرصاد . لم تنفع ابر بنسلين سى محمد الطيب التى جعلتنى أتردد فى اليوم مرتين على مستوصف بوخيط ، لا الحجاب الذى كتبه فقى الجامع الشركسى ، لا أوراد الشيخ البهلول ، لا ماء الفجعة الذى ترك فى مواجهة السماء سبعة أيام ، لم ينفع كل ذلك فى اقتلاع حمى الغزالة التى جعلتنى المحموم النهار والليل ، حتى اقتلعتنى جدتى من بيت المذبحة ؛ بيت الدم الذى كنت أغوص فيه كل الوقت ، أعوم فى عرقى وأبلل فراشى ببولى ، ومن فمى الاصفر الكركمى المائل للأخضر أحيانا المشوب تارة بالاحمر وتارة بالاحمر القانى : دم الغزال .قالت جدتى أنى مصاب بعين وأنها سوف تقتلع تلك العين . فى عين زيانة فى القدر أى وسط البحيرة ؛ انزلت سبع مرات عاريا عند خروج الخيط الابيض من الخيط الاسود ليغمرنى الماء والزمهرير عبث بجلدى حتى لبستنى الزرقة ، ثم فى ليلة دون قمر ؛ كذا سبع مرات غمرنى ماء بحيرة بودزيرة ، لفحنى البرد وتلحفنى الصقيع ، لم تقتلع العين وإن قلع جلدى فسكنت الحمى جسدى تستيقظ كلما هبت ريح الشمال أوغص فى حلقى كلام .فى الايام التالية سكننى التعب ولبس الجزع جدتى وقطع خيط الكلام وتوسد أهلى الترقب ، لم ينفع معى النبيذ والخبز واللحم كما نصح البسونى مربى الخيول أبى للقضاء على الهزال الذى جعلنى هيكل عظم موحش ،كأن ملح بنغازى يأكل لحمى وينخر عظامى ، لم تنفع حلوى بر الترك التى يحشونى بها خالى خليفة حشوا . نسانى الجميع يأسا فى تغير أحوالى بعد أن تردد على بيتنا الدكتور بردوشومو عديد المرات ، لم أقو على الوقوف وغص حلقى بالكلام كما غصت جدتى بالحكايا ، لم يكن فى الافق غير طير الموت يحوم قرب سقف البيت الذى فيه المرة تلو الأخرى ، قرأ مشايخ الطريقة العيساوية والعروسية أوردتهم ثم اقيمت حظرة وذبح تحت قدمى قعود ، وفرق لحم الجمل الصغير على الفقراء والمساكين وكان جل سكان المدينة كذلك ! . وقت يأس أهلى من يأسهم اختلفوا حول سبل علاجى : منهم من يرى أن السفر لمصر وعرضى على الاطباء ؛ حيث الطب فى مصر متطور نتيجة لمجهودات الزعيم ناصر ، منهم من يرى أن السفر يكون لمقام سيدى عبد السلام الاسمر فى زليتن ؛ جدى الاول الذى جلب عسيلة المسلمة من خاطفيها فى بلاد الكفر/ النصارى ( روما )، وقد جلبها على كفه بقصرها وهى نائمة ولما كنت أحد أحفاده فإنه لن يقبل بغيره طبيبا . كانت الكوليرا قد دقت الابواب فى البلاد وازدحم الناس على المستوصفات والمستشفيات لأجل التلقيح ضد هذا الزائر الغير مرغوب ، لهذا حشدت كل المجهودات لرد كيده ، أخذت لألقح مثل كل العباد ونسي هزالى فالهلع المسمى هذه المرة الكوليرا عم البلاد الفقيرة وجعلها فى هزال ؛ وكانت قد هلعت من الجدرى الذى أخذ فى زيارته أثناء الحرب الكثير من الاطفال قبل أن يرضى بالمغادرة ، وجدتنى أنهض مع الناهضين وحس من التحدى سيطر على وروح المغامرة انبثت فى جسدى ، سحت بين الناس حيث وقفوا طوابير ، فى زحام وعراك لدك كيد المرض الذى جاءت من كل الدنيا ؛ فرق طبية : انجليز ومصريون وطليان للمساعدة فى التلقيح ضده والمعالجة منه ، فى وسط الحشود والجزع والمرض استعدت عافيتى . عمت فى بحر ظلمات وشربت عرقى ، أكثر من مرة جرفتنى أمواجه حتى انتشلتنى يد ناعمة مخملية ؛ كان ربى الذى يشبه صورة الملك ادريس المعلقة فى مكتب ناظر المدرسة ؛ وهو ذو لحية بيضاء كثة لها ملمس رداء جدتى الحريرى الذى تلبسه حين تنوى المشاركة فى عرس ، عيناه سودوان ، يلبس نظارة دائرية صغيرة جدا وكاط ملف زيتى وطاقية دم غزال بشنوارة ، فى يده مسبحة طويلة مسد شعرى وأخذنى معه حيث سيدنا اسماعيل أمسك الكبش الذى استكان له ، وعلى رقبته مر بسكين فذبحه دون أن ينزل منه دم ، ثم رأيت أبى انتابنى جزع لكن ربى هدأ من روعى وهو يمنحنى السكين ؛ فوجدتنى بليونة أذبح أبى الذى مد لى رقبته فى هدوء جعلنى أتم الأمر بسرعة . ثم وجدتنى فى الجنة هناك لقيت أخى بن عيسى الأشقر يبكى وهو يصغرنى بسنتين أوأكثر ، مات على أثر حادث : سيارة كيول حمالة الحطب داهمته فى داخل الدكان؛ كنت ألعب معه حين دخلت السيارة الدكان وصدمت أخى فوجدت فى ردنى دماغه ، ومن هول ما حدث أجبت أبى الذى كان يصرخ من خارج الدكان بأن لم يحدث شيئ ، وفى المسار ؛ أى اجتماع قبيلتنا بقبيلة السائق التى جأت لدفع الدية قيل أن السائق البدوى لا يحمل رخصة وليس بسيارته فرامل ! . كان أخى يبكى فى مأوى الملائكة من الوحدة ؛ أشفقت عليه وأنا أقول بأنى مضطر لتركه حيث سوف أذهب مع خالى إلى البوسكوا : حديقة الحيوانات ، فودعته على عجل . صباح اليوم التالى الجمعة عطلة الاسبوع من المدرسة أفقت مبكرا ، على غير العادة وجهزت نفسى للرحلة لكن خالى رفض أن يستيقظ ؛ الظلام يعم كل شئ رغم الصبح ، العجاج غطى وكسف الشمس وبالتالى ليس بالامكان الخروج من البيت . أخذت فى البكاء أريد أن نذهب لم يستطع خالى الذى صفعنى على وجهى إسكاتى ، فخرج بى رغم إلحاح جدتى علينا بالبقاء ؛ ذلك لأن هذا العجاج يشبه عجاج سيدى المهدى الذى دفن من أثره قوافل فى الصحراء ودفن أطفال ، لم أصدق ما تقوله لكن لما خرجنا لم نستطع رؤية شيئ ؛ الطين الاحمر لبس السماء وغطى الدنيا ويبس الحلق وكأن المدينة لطخت بالدم ، وقد وجدنا صعوبة فى الحركة لكن خالى أصر على متابعة السير رغم أن الرياح تصفع وجوهنا ، وكلما تقدمنا خطوة رجعنا خطوتين ، لم يكن فى الأفق غير القبلى الذى استولى على المدينة بسهولة وارتد الناس عن مشاغلهم إلى بيوتهم ، فأعادتنا الرياح غصبا وألصقتنا بالحائط . صفعنى خالى مرة ثانية : مش قتلك .. انت فرخ حرام . حالما عدت حممتنى جدتى وأدخلتنى الحجرة المغلقة الباب التى اشعلت فتيلتها ؛ لكى نرى ونزيل الظلام الذى عم هذه المرة فى وضح النهار بنغازى ، ظلام القبلى الذى يريد دفنها مرة أخرى . ثم حاولت كعادتها أن تشغلنى بخيط السرد ، الذى تنسجه حولى حتى أتحول إلى شرنقة لاتملك الفكاك بل تتخبل فى نسيج الحكى ؛ وحتى تذهب عن نفسها قالت هل تعرف أن بنى آدم غلب كل شئ فى الدنيا ؟ ، ثم ذهبت عنى حيث مكمن الانس والجان ، حيث الانسان حمل خنجرا ، ومضى يركض خلف الثور ثم لحق به ، ثم إنه أمسكه وطرحه أرضا . ثم إن الانسان هم أن يعمل الخنجر فى عنق الثور ، حينئذ صرخ الثور فى وجه الانسان ، ثم إن الثور تكلم ثم انه قال : - يا ابن آدم .. لقد نسيت كل الخير الذى صنعته لك وها أنت قد أصبحت جلادى ، ثم أنك سوف تأكل لحمى ، زد وتأكل جلدى وحوافرى .
لذلك اجتمع وحوش الدنيا كلهم وقال بعضهم للبعض الآخر : - من منا يقدر أن يذهب ليرى ابن آدم ، ما شكله ومن يكون ؟ ابن آدم الذى غلب الدنيا كلها بالحيلة .
لم يستطع أن يجرؤ أحد سوى ( صيد الليل ) صغير الحجم المسلح بالاسهم الذى قام وقال :
- أنا من يذهب ويراه ، أنا من يخبركم من يكون ابن آدم هذا ..
ذهب صيد الليل ليتعرف على بن آدم وفى الطريق وجد بعض الحيوانات تنتجع وفى وسطها وجد فحلا ، والفحل يصيح ويلبلب فقال له صيد الليل : هل أنت بن آدم ؟ .
فقال الفحل : كلا وألف كلا ! بن آدم مولاى .
ذهب صيد الليل تاركا الفحل المستمر فى اللبلبة ، فوجد الثور يخور بأعلى الصوت فسأله صيد الليل : أنت بن آدم ؟ فرد الثور من فوره : أستغفر الله ؛ بن آدم مولاى وسيدى و ذهب عنه صيد الليل والثور يخور ويخور فعثر على الحصان ، الحصان يصهل وصيد الليل يكرر السؤال والحصان يصهل : أأنت بن آدم ؟ .
صهل الحصان فقال : بن آدم ؟ بن آدم مولاى ، بن آدم مالكى ، بن آدم ممتطى صهوتى .
والحصان يصهل ويصهل ذهب صيد الليل يحث الخطى ويحث حتى ظهر جمل ، الجمل يرغو ويرغو ويزبد ، ويخبط بخفيه الارض ، فاشتبه صيد الليل فى الجمل وبينه وبين نفسه أيقن أنه أخيرا وجد ضالته ولهذا سأل الجمل مطمئنا : لا بد أن تكون أنت بن آدم؟
وقف الجمل وقفة الرهبة فقال : بن آدم صاحب نعمتى ولست سوى دابة من دوابه ، بن آدم يركب ظهرى فى أسفاره ، بن آدم أحمل أثقاله . ثم وقف وقفة الشكوى فقال : بن آدم إن لم تصدق انظر إلى ظهرى كيف هلك بالثقل وما حملنى من أوزاره . ثم وقف وقفة البكاء ووقف صيد الليل متسائلا ومندهشا : عجائب هذه عجائب ! ، من ترى يكون بن آدم هذا ، هذا الذى فينا وفيكم يتحكم؟ .
وقف الجمل وقفة جمل فقال : اذهب اليه، اذهب لتراه هناك، هناك فى خيمته .
ذهب صيد الليل فى الاتجاه الذى أشار إليه الجمل، لما وصل سأل : هل أنت بن آدم ؟
- نعم !
أكرم بن آدم وفادة صيد الليل وأعطاه حليبا فجبنا، أكل ثم شرب وبعد أن تناول صيد الليل طعامه سأل ابن آدم : من أين لك هذا الخير؛ الحليب والجبن؟
- من العنز !
ثم قام بن آدم وأمسك جديا، ذبح الجدى وصنع منه طعام الضيف، تأمل صيد الليل ما فعل بن آدم، وبعد أن أكل صيد الليل وجبة الغذاء من اللحم قال : من أين أتيت بهذا اللحم؟ .
فقال بن آدم : من لحم الجدى ابن العنز.
فكر صيد الليل مليا فيما لا يتجاوز جمجمته : كيف تعطيه العنز كل هذا الخير، ثم يثنى على ابنها فيذبحه؟ إن بن آدم لا أمان له ، وشخصيا أخاف على رأسى أن يطير، فكيف الخلاص؟.


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home