Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Friday, 18 August, 2006

ثمانون المصراتي؛ الميلاد الأبدي

أحمد الفيتوري

سيكون يوم الجمعة الموافق 18 أغسطس 06م، العيد الثمانين من العمر المديد للكاتب الليبي الأستاذ علي مصطفي المصراتي ، ويقيم بعض الشباب من الكتاب الليبيين باحتفائية بالمناسبة وذلك في مقر دار الفنون والصنائع بطرابلس . وهذه مشاركة مني ومن دروب كتحية لهذا الكاتب الجليل ، وكل عام وهو بخير.(*)

ولتكن الحكمة رفيقتي : فما أثمنها في الشباب
وما أثمنها في الشيخوخة ، وما أسماها على الثراء !
إن الحكمة بابتسامها تيسر احتمال الفقر ، وتجنب
هموم الحياة المريرة .
ويا ليتني أملك ما يكفيني كي لا أسأل في كوخ الجار ،
وأنحني ، في المحنة ، تحت وطأة الهموم القاسية .
فيا هذه الأرواح السعيدة
اشتركت معي في دعواتي والآمي العديدة ،
لم تكن الحياة آنذاك حلوة ،
لأن الأرض التي كانت وطني أصابها الاضطراب .
احفظي أيتها السعيدة
لليبيين كل ما حصلوا عليه ،
احفظي لمدة طويلة من الزمان ،
مراعاة لذكر إحسانك ،
ومراعاة للآلام القاسية التى عانتها نفسي ! .
( سونسيوس القورينائي ـ تاريخ الفلسفة في ليبيا
  تأليف عبد الرحمن بدوى ـ منشورات الجامعة الليبية )


1. عـلي مصطفى المصراتي أو التسامح

إلى السيد الجليل والأستاذ المحترم
شيخ الكتاب والأدباء الليبيين
على مصطفى المصراتي
تحية طيبة وبعد

احتفلت بلادنا بكم ممثلة في بعض مؤسساتها ؛ وقد أصدرتم أكثر من أربعين كتابا وتجاوز عمركم المديد السبعين . ولم يكن هذا حد لكم بقدر ما هو حساب الفعل المادي الملموس المتمثل في عطائكم الثقافي الوطني ، حيث قدمتم جهدكم وعلمكم من أجل جمع وتوثيق وتحقيق وكتابة وتحليل الشغل الثقافي في بلادنا . وإن هذا الجهد المسكون بالعقلانية : ( ولكن الأرض تدور ) ، يجعل منكم وأنتم أحد تلاميذ الأزهر أحد التنويريين في الثقافة الإنسانية وكرستم العمر لذلك .
وقرنتم هذا الشغل الذهني بالعمل الدوؤب من أجل تكريس قيم التنوير العقلانية التى تتسم بالفهم المتبادل ، وبالانفتاح على الثقافات الأخرى ، وحق الاختلاف من أجل اتجاه للتسامح يعترف بتعقد قضايا العصر مما يستلزم تناولا معقدا ودقيقا لحلها .
وكنتم لأجل ذلك وبحق قد أسهمتم في وضع اللبنة الأولى في بلادنا لقيم التسامح هذه . وكنتم معلم التسامح الذي هو أكثر من ( القبول بالغير ) ، انه الاعتراف بالحق في الاختلاف ، بل قبول الحق في الخطأ كحق من حقوق الإنسان ، ذلك أن الخطأ لازم من لزوم البحث عن الحقيقة ، وأن كل شيء نسبى . أو كما يقال في عبارة بسيطة بأن مفهوم التسامح يعنى : أن تحيا أنت والآخرين . وكنت الداعية لذلك بالحكمة والسبل الحسنة ، حيث التسامح لم يكن يعنى عندكم اللامبالاة بل يعنى البحث عن الأفضل ، أو كما قال الباحث السويسري : أندريه مرسييه " أن ممارسة التسامح تفضي بالضرورة إلى استبعاد الادعاء بامتلاك( الحقيقة ) الوحيدة ، أي ( الأيدولوجيا ) . أن العدالة الفلسفية تستلزم إتاحة الحرية الكاملة لكل مواطن في مقارنة الآراء التى تنشاء عنها التقاليد والعادات الموروثة بغض النظر عن الأيدولوجيا ، وإني أوثر أن أطلق على العدالة الفلسفية الحق في التفلسف . " .
ومن هذا أثرتم العمل الثقافي ، وكرستم أنفسكم من أجل تنوير العقل والنفس بالمعرفة ، والمجتمع بالوعي ، وكان ديدنكم في ذلك التسامح حديقة التباين والتباين ضروري حتى يمكن للهوية أن تكون هي أول معنى للوجود ، وهو أي التباين ضروري ومساهم في انفتاح الآخرين .
وكان ويبقى عملكم ونظرتكم أن للثقافة بيت دون أي إحساس بالانعزال ( حيث المعزول يفرز مأساته ، فهو يكرر ، في حياته ، هذا العزل والتجزئة والانقسام ) ، بل الثقافة المنفتحة على نفسها وفى نفسها والمنفتحة دون شروط على الآخرين أي دون مصادرة على المطلوب ؛ فالتسامح حق الاختلاف للنفس وقبول للآخر . وباعتبار أن الثقافة " تمهد لدراسة قوانين الفكر وأفعال الإنسان ، ولكنها تظل قائمة حتى بعد موت الأفراد . فليس لها مدة زمنية محددة ، ومن الصعب إزالتها ، لأنها تحي مع الإنسان نفسه لو واجهت عنفا أو إساءة . " لذا انصب نشاطكم على البحث عن ثقافة بلادنا ؛ بتدوين الشفهي فيها ، وتحقيق مخطوطاتها ، والتنقيب عن المجهول فيها، وبتقديم المعلوم منها.
وبهذا قدمتم ما يتيسر للإنسانية وثقافتها وأنتم تخدمون بلادنا ، وتكرس بجهدك نفسك كشيخ للمعرفة والعلم ، في هذه البلاد الصغيرة والمترامية الأطراف التى يحفها البحر وتموج بها الصحارى الكبرى : إمبراطورية الرمل ، حيث نهر النسيان الليثوس ـ أو الجخ حسب التسمية المحلية ـ الشره لدفن كل شيء في جوفه ، وهو الذي ينبع في حضن ثاني مدن بلادنا بنى غازي .
في كل ذلك ومن أجله كان التسامح المنهج الذي " عقلانيته ليست وقفا على قدرته على تحقيق المهام المنوطة به ، بل رهن بقدرته ـ أكثر من غيره ـ على تصعيد احتمال تحقيق تلك المهام . " . وكان النهج : حيث كنت صاحب فعل ، ولم تكن تهجس بالسلامة ، لم تكن تخشى البلل أو كما يقول المثل الليبي لم تريدها : " حمرا وجراية وما تأكلش الشعير " فأنت من " حمل قلمه كالرمح يغرزه في صدر الطامعين في البلاد ، وكنت هذا الإنسان الكاتب المخلص لفنه ، الصريح الساخر الذي يعصر ذهنه ويرهق نفسه ويتحمل ألوان التهجمات في سبيل قلمه وفنه . وقد تتجاوز صراحتك وسخريتك العرف والتقاليد والحدود . وقد تؤذى سخريتك الناس وقد تؤذيك أنت ! ، ولكنك على الطريق سائر .. فقد يثمر الفن الكتابي في ظلال السخرية وقد تبلور الحقيقة في إطار من الفكاهة .. قد يكون ذلك مرتعا لمشرطك .. " أو كما قلت في كتابك : ( كفاح صحفي ـ أبى قشة وجريدته في طرابلس الغرب ـ ليبيا ، الطبعة الأولى أكتوبر 1961م ) .
" ذاق سراديب السجن والآم النفي ومشاق الغربة ، وطالب بالإصلاح في القرن التاسع عشر.. قاد حركة من حركات التحرر ، وطالب بحق المواطن الليبي في تلك الفترة البعيدة التى كانت تعتبر فيها مثل هذه المطالب وتلك المناداة نوعا من الخروج عن المألوف وضربا من ضروب التمرد . وكانت صرخة (غومة) في القرن التاسع عشر تعتبر نشازا في جوقة النفاق ودنيا التزلف .. وعند أرباب الخوف .. ) أو كما جاء في كتابك (غومة ـ فارس الصحراء ـ صفحة من تاريخ ليبيا، الطبعة الأولى أغسطس 1960م) . فلم ( تكن ليبيا بلادنا، كما تبدو في الصورة من بعيد في المجال العلمي والكتابي جفافا وقحطا ، بل بلادنا رغم الظروف القاسية .. والعوامل والملابسات المتعددة ، على هذا الشاطئ الإسلامي العربي وفى الجبل والواحات أسهمت بقدر غير يسير.. ) كما في مقدمة كتابك ( مؤرخون من ليبيا ـ مؤلفاتهم ومناهجهم ، الطبعة الأولى 1977م ) .
ولم يكن هذا الحفر في تضاريس النسيان وصحارى الشفهي وتصاوير السراب ضيق أفق ، بقدر ما هو فتح آفاق وبهذا " لا تشارك فحسب في خلق نبيذ المعرفة ، بل تشارك ـ فضلا عن ذلك ـ في خلق حبات العنب ، وعنب نبيذ المعرفة لا يقدم للبشر على طبق من ذهب ، ولا يصبح بطريقة سحرية نبيذا " .

السيد الجليل والأستاذ المحترم
إن شغفكم بالمعرفة ـ وكجيتو هذه المعرفة : تكلم كي أراك ـ كان سبيلا للتسامح ، فالدفع بالذات وتقديمها على عللها مكاشفة للآخر من أجل معرفته . والدفاع بالعمل الدؤب عن الثقافة دفاع عن الإنسان أينما كان ؛ فالثقافة نهج للحوار ، وأنتم كنتم في بلادنا المحاورة ، كنتم سيلا من الحوار الذي لا يناء على التوكيد على أن سبل النهوض من مشاكلنا ، وتحقيق ذاتنا ودفع الضيم عنا ، لا يكون دون التمترس بالحوار الدائم والدؤب ، الشجاع والمسئول والذي لا يكل ولا يمل .
هكذا كان شغفكم بالحرية دون ستر ولا مواربة ولهذا كان ديدنكم التسامح الذي جعلكم محامى الحق في الاختلاف . وإذا عد أحدهم لكم كبوة في ذلك فلكل فارس كبوة ، بل كبوات أو كما يقال .
وإنني هنا لا أعدد مناقبكم فأنتم في هذا أيضا عرفناكم من المتسامحين الذين لم يبحثوا عن جزاء ، وإن كنتم عن حقكم تذودون ، ولكن ما وكدتموه خلال مسيرتك التى تجاوزت النصف قرن ـ من قرننا العشرين العجول المغادرة ـ من نهج التسامح هو الذي يدفعني إلى الافتخار بهذه القيمة الحضارية من قيم المنهج الإنساني منهج التنويريين العظام مثل فولتير الذي يقال عنه أنه المولد للتنوير ، وأنه أول من آمن بمفهوم التسامح في الفكر الأوربي ليشمل السياسة والفلسفة وليس فقط الدين وأيضا ما يراه كارل بوبر من أن هذا المفهوم الموسع للتسامح وارد عند كانط آخر ممثل غربي عظيم للتنوير .
إذا أوكد ليس في الأمر بحثا عن مناقب أو كيلا لمديح أنتم لستم بحاجة له ، لكنه قراءة في ـ منهج التسامح ـ منهجكم الذي تتضح الآن أكثر أهميته ، وتستدعى وقفة قرن من الثقافة الليبية مراجعته والاستنارة به ؛ وقد بين نهجكم هذا الانتماء للعصر وقيمه حيث دائبكم على الإنصات للجديد الأصيل فيه يبين أن التسامح عندكم من مقولات العصر الأصيلة . مستخلصين من ذلك أن تحول أي مقولات إلى وثن يفضي إلى انحرافات ، ويدفعها إلى تبرير هذه الانحرافات بطرق شتى ، وأن الكسل عن النقد يؤدى إلى استبعاد العقل الناقد ؛ وذلك بأن نترك أنفسنا للعادة فنتصور ما هو ثقافي هو طبيعي ، وما هو تاريخي نسبى على أنه مطلق ، فنتحيز لتبريراتنا والتحيز ضد لمبدأ التسامح .
فـ " اتفاق ممارسي آي نشاط على منهج بعينه لا يكفى البرهنة على ملأمته ولا يثبت مشروعيته " . كما أن " اكتشاف الجديد ، والارتحال إلى كون أرحب ، ورؤية ما لم يكن بالمقدور استشرافه لا يتم عبر ترسيخ النتائج وطرح الحلول النهائية ، بل بإثارة الأسئلة وأستثار الشكوك ، بتقليب التَرب التى تربت فيها المفاهيم السائدة ، وبالريبة فيما تم تقديسه دون وجه حق " كما يقول الدكتور نجيب الحصادى .
أي أنه مرة أخرى ( علينا أن نخترع أنفسنا وأن نقبض على حرية أن نكون خلاقين ) .
من هذا نخلص : أن استبعاد الآخر والتحيز للذات قتل للنفس أولا وأخيرا . ولعل هذا ما جعل من ( الشعلة ) : الاستطراد في التوكيد على أن التسامح هو أبرز ما فيكم ، والذخر للثقافة الليبية وما قدمتموه باقتدار لليبيين خلال النصف قرن المنصرم ، ولم يعد أمام الليبيين غير هذا المسار ؛ فعلينا أن " نناضل في الفترة الوجيزة المنوطة بنا بفاعلية بكل ما أوتينا من قوة . فليس في امكاننا أن نلوم أحدا أو نعظ أحدا ، ولكن علينا أن نستجيب ايجابيا لأن نكون أنفسنا في جزء من العالم لا ينتمي إليه أحد سوانا " ، وهو يوكد على أنه شعلة القرن الحادي والعشرين القادم .

2. منازل سارق النار

وتمنيت كثيرا
أن أراك
نجمة يسبح في قنديلك الأخضر حب
ومواويل مضيئة
وتمنيت كثيرا
عندما دفأت في قلبي يديك
لو تصير الكلمة
دمعة في غمرة الشوق إليك
وطني ..
يا رجفة الموال في ليل القرى
يا حبيبي الأسود العينين لو أن الثرى
أحرفا ، كنت القصيدة ..
محمد الشلطامي

حين نحتفل بالسنة الخامسة والسبعين من عمر على مصطفي المصراتي المديد نكون كمن جمع من شتات؛ فمنجل ملك الموت يجتث مبدعينا ويشتت مثقفينا، حتى غدونا في منزلة من لا يعول عليهم، وبتنا نتساءل هل عندنا مثقفون بعد أن تحولنا من السخط العقيم إلى النديب والعويل نسف العوين ونزفر غبار الخائفين، وفي بيت العزلة نكمن في انتظار ملاك الموت أخر الاصدقاء المخلصين والمنقذ: لقد رفع الطفل سبابته مشيرا إلى عرى الملك.
وكأن غودوا قد غدر بنا رغم أن العدو لا يخون ، وأننا في الغياب نكون وأن ذواتنا تشف عن اللاجدوى ؛ فما جدوى أن نكتب أن لا جدوى من الكتابة ! .
هكذا شعلة الرجل تبين الظلال المرتعشة وظل الوجل من الحياة ، وهذا المتسول لقمة البقاء بجمع ما تبقي من فتات مائدة العزاء ، وحيث لا يليق الحداد بالشعراء تمتد الايدى الخئونة : ( طب سيجارة ) ، فمن مات قد مات والعاقبة عندكم في سفرة الرمق الأخير .
وفي الكادر الذى يجلله السواد تبدو الشعلة بياض النفس النفيسة بأن تكون أنت أنت رغم قتامة المشهد فالحداد لا يليق بالشعراء ، وأسوأ سجن " يمكن أن يعيش فيه المرء هو سجن الأسف ، إن الخوف من الخطأ عقبة كبيرة ، حين تخاف تتوقف ، ولا يجب أن ننتظر الوضع الأمثل ولا اللحظة المثلي ، فإذا كان لا بد من الخطأ فارتكابه في الفعل خير من ارتكابه في اللافعل " .
هكذا يتجلى على مصطفي المصراتي باعتباره المختلف عن أحادية اللون وشيخ الطريق إذا عز الضوء في مسارب الزمن الذي يسف العمر سفا ويكشف ـ دون عطالة ـ عن تعطلنا وتبطلنا ، كما يكشف عن الكسل سلاطة اليوم وملح الأحلام والمستقبل الذي نخاف .
وحين تتجلى الخامسة والسبعون لهذا الرجل فإنها تكون قطرة الماء وقد عز ليل الصحارى مواشير الضوء، وقطرة الضوء هذه ميزاب للمتلهفين، المتعطشين، الشغالين، الذائدين عن حياض، المتلفعين بالصدق، أحبار الإبداع، الشعراء الذين لا يليق الحداد بهم، الذين يليق بهم البحث عن المعاني وأن نضع معنى لوجودنا كما وكد المصراتي معنى الوجود .
هذا الكائن الفراشة الضوء الذي يجب أن نحترق به وانتفاضة المعنى ، فلم يعد ثمة وقت لنعدده كما لم يعد ثمة حجج لنبددها ، والعالم ـ كما فلسطين ـ يحرق ما تبقى ويفتح أبواب المجهول على مصارعها . أو كما وكدت سيرة الرجل الضارب في المجهول بجدارة الإرادة والمريد ، بإرادة الشغل والمشغول ، بإرادة الباحث عن الحقيقة ، الذي عنده الوهم في منزلة الحياة حيث أن أجمل ما في الحياة أن تكون أوهامنا معنا .
وحين جاء الرجل يسعى ؛ جاء ليبيا ، كان الشتات يجمع البلاد والشمل يبدد القوى ومن الأهل المحتار والمختار ومنهم من في غيهم يعمهون ، وفي نزاع يتازعهم هذا وذاك ، يضربون في كل مجهول ، لم يكن في الأفق شيء غير هذا المجهول الذي في دربه سار وعلى صراطه ، حادي القافلة التى بأسرها تسير وحيدة التى من حقائقها أن : "أول مرة يسمع فيها الناس في ليبيا باسم المصراتي كان من خلال نشاطه السياسي الرائد في حزب المؤتمر الوطني ، فقد كان شيخنا الشاب الذي عاد لتوه من مصر ، جاء ومعه شيئان ، ثقافته الأزهرية وطموحه القوى المتأجج لأن يرى انبعاث حركة وطنية في ليبيا أسوة بما كان يراه في مصر، ولابد أن المصراتي قد اطلع على جوانب كثيرة من جوانب ذلك الصراع الحزبي الدائر فيها بين مختلف تياراتها السياسية والوطنية ، وقد كان هذا بالنسبة اليه يشبه الحافز الذي دفعه بعد ذلك ليلقى بنفسه في خضم حزبي مماثل، وفي صورة أخرى من صور النضال السياسي، فكان أحد المخلصين الأوفياء لمبادئ حزب المؤتمر، كما كان خطيبه المبشر بآرائه قولا وعملا. " أو كما جاء في كتاب على مصطفي المصراتي الباحث والأديب للكاتب المرحوم نجم الدين الكيب ـ الطبعة الأولي ـ كتاب الشهر ـ العدد السابع 1973م ـ وزارة الإعلام والثقافة ـ وحدة التأليف والترجمة والنشر ـ طرابلس الغرب. وكما جاء فيه و لا ريب "أن مرحلة النضال الحزبي والسياسي كانت من المراحل الهامة في تكوين شخصية أديبنا على مصطفى المصراتي، بل أجد من المناسب أن أقول بأنها كانت مقدمات لا بد منها لحياته ككاتب وصحفي وأديب، فما من شك في أن موقعه من حزب المؤتمر قد وضعه في قلب النشاط الوطني الذي كانت تصطخب فيه البلاد كما مكنه من مخالطة فئات كثيرة من الناس، وفضلا عن ذلك كله فقد أمدته فرصة تمكن فيها من التجوال بين مختلف المناطق الليبية مع هيئة التحرير، والحق فقد عوضته مثل هذه الجولات الكثير مما كان ينقصه من معلومات عن واقع الحياة في ليبيا بجميع نواحيها بحكم نشأته في المهجر ـ فبدت فكرة الوطن والوطنية أشد رسوخا في نفسه بعد أن التحمت تصوراته بواقع الحال وامتزجت بروحه واختلطت بدمه".
حين عاد السكندري المولد ، هذا الأزهري التعليم ، هذا المستنير الثقافة ، هذا الليبي النخاع إلى ليبيا توطن في نفسه أن هذه بلاد شتى لا يجمعها الا لون الطيف ، بلاد متعدده ، بلاد كالبلاد ، أطرافها لا يحده حد ولا يضمها طرف ولا بصر ، وأن لا وسيلة لهذا اللامتنهاى غير البصيرة ، وأنه لا يعقلها غير عقل مستنير ينير الدروب المدلهمة ، الذى يرى في كل ضوء وان شح ضوء طريق وطريقة ضوء . من هنا بدا أن النهج السليم نهج حق الاختلاف ، فنهج هذا النهج بمطية البحث والمحاورة وسطع بأن سؤال من نحن هو سؤال من أنا ؟ .
حينها لم يحتر كما هو غير محتار في الخامسة والسبعين من عمره ؛ فالمجهول درب البحاث وآل العلم الذين يعلمون أنهم لم يأتوا من العلمي إلا القليل ، وأن ثمن المعرفة العمر دون تردد ووجل وغش في كيل والكيل بكيلين .
لهذا رسم أمثال هذا الرائد خارطة البلاد بالمشي في دروبها ، وبالحرث في بحر رمالها وبحرها وسمدوا حرثهم بدمائهم وعرقهم دون كلل ، دون توجع ودون مماطلة و دون بخس ألاثمان ودون تكتيك يقنع هدفا شخصيا رخيصا ومبتذلا ..
لهذا حين نحتفل بهكذا مناسبة نتخذ من الدال سبيل المدلول ، وأننا نؤسس لعرف ما اعترفنا عليه قبل ؛ حيث من أعرافنا غير الميمونة : أن نقيم خيام الغياب ، نرجز في نديب ونحيب ننفر العيون ونسيل الدموع والأحبار السود ، نغنى أوجاعنا من رحيل مبكر نباركه ؛ فالحياة بيت الصعاب والموت بيت الراحة ولهذا عندنا الختام مسك والبدء ختان ؛ قربان الدم ما نخاف وما ننزف دون جدوى ، ونكتب ـ لهذا ـ ما جدوى الكتابة : فما أقصر النفس وما أرخص النفيس .
بهذا يوكد احتفالنا بالخمسة والسبعين لهذا الرجل استعادة المعنى بالبحث عنه ، والتوكيد على أن بلادنا البلد لون الطيف الذي التعدد فيه طبيعة : كما تعدد الوهاد والوديان والجبال الرواسى والجبال الرمال والبحار المائية والبحار الرملية والسهول الهضاب والهضاب السهول والواحات المتجلية والواحات الخفية والصحارى الورعة والصحارى الخليعة والمدن الخجولة والمدن المتبرجة كذا رأى الرائي على مصطفى المصراتي البلاد أتون شعاب لشعب محارب القبلى وان ذهب في نهر النسيان ، الجدير بالحياة بيت الصعاب .
ولهذا حق الاحتفال بالميلاد الخامس والسبعين لعلى مصطفى المصراتي الذى لن يكف على أن يولد من جديد طالما ثمة ليبي يولد ، ثمة مبدع يبدع ، ثمة مفكر يفكر ، ثمة مدون يدون وسارد يسرد وأنه لا يليق الحداد بالشعراء ، لا يليق الحداد بـ جيلانى طريبشان بـ خليفة الفاخرى بـ سليمان كشلاف .. لأنه ما يليق بهم ويليق بنا حقا الاحتفال بالميلاد الخامس والسبعين لعلى مصطفى المصراتي الذى يعنى مما يعنى أنه : علينا أن نخترع أنفسنا وأن نقبض على حرية أن نكون خلاقين .

3. الشيخ.. شيخ حق الاختلاف

لنا في هذا الوطن شجرة
في الشجرة عصفور
ربما تشبهه العصافير
له رئة ولسان وجناحان
من أحواله أن يغنى
باتساع الشمس
والمطر
وأن يطير
بلون الرغبة المطلقة
لنا في هذا الوطن شجرة
في الشجرة عصفور
وان يكون ثمة فخاخ
وبنادق صيد .
فللعصفور أغنية وجناحان
وللعصفور إن سقط
دم يرحل قويا في الشجرة .
( شعـر : مفتاح العـماري
  ديوان : رجل بأسره يمشى وحيدا
)

(1)

يتم الكاتب الليبي المعروف الأستاذ على مصطفي المصراتي في أغسطس 2001م(*) عامه الخامس والسبعين ـ كما تتم رابطة الأدباء والكتاب الليبيين ، وهو أحد مؤسسيها ، عامها الخامس والعشرين ـ ، ولأنه يشكل مع آخرين الدال في الثقافة الوطنية فإن الحياة الثقافية ممثلة في أفرادها وأفرادها / المؤسسة وفي مؤسساتها المفردة تدرس هذا الدال لتتبين المدلول لهذه الثقافة الخلاقة و الفاعلة من خلال رموزها المثابرين باقتدار .
إن الأستاذ على المصراتي ، الذي بدأ مؤخرا يحضى بالاحتفال تلو الاحتفال وبالتكريم تلو التكريم، ساهم بعمله الدوؤب على أن تعي هذه الثقافة ذاتها كنمنمة صاغها الكتاب والمثقفون عموما بتؤدة وتأمل وصبر، حتى صارت ساطعة من خلال النصوص الإبداعية المتميزة التى انشغلت بتجديد الرؤية والرؤيا، والدأب دون كلل على التميز الموضوعي الذي لا يكرر المقولات بل يعيد دهشة الموقف البدهى اتجاه الأسئلة الأولى.
واستحداث هذه الوقفة دون ادعاء ولا تملق هو الذي جعل مثل على مصطفى المصراتى بعيدا عن معترك الضوء، فهو من من يشدد الظلال لكي تسطع الحقائق؛ في تواضع يستمده من المحيط ، هذه الصحارى اللامتناهيه نافورة الضوء اللاغى.
وهو الباحث عن الظل حيث تكون الحقيقة الحقة التى كنهها في أن عظمة الإنسان في أثيره، تأثيره وأثره الموشوم في الزمان الكلى ؛ الزمان الذي قد تخفيه اللحظة اللحوحة، النفس غير المطمئنة، والروح المتجلية في الاعتداد الفارغ بالذات ؛ السماوية أو التى تضرب في الأحقاب المدلهمة .
هكذا تغيت صوفية الرجل .
أن تكون في الزمان الذي يكون بالمكان، ولهذا كان عنده التدوين رسم للمكان، فخروج عن بوابة الزمان؛ الزمان الذي يحضى فيه القانعون بما لذ وطاب على نار إهدار ماء الوجه في صحراء فيها الماء كل شيء. ولم تتعفف هذه الصوفية عن أن تقتات بالشغل الدءوب على زمانها، وعن البحث عن علاماته البسيطة والهامشية والآخذة في النسيان؛ لكي تكون جسورة في مواجهة مثالب هذا الزمان. والجسارة من أفعال الكينونة ـ كما الشجاعة تأتى وتغيب ، والنفس المطمئنة بقلقها الشغوفة بتوجسها يأخذها ولع الصيرورة عن ولع تحقيق المكسب الآني. ولكل نفس ما كسبت، فمن يغوص الصحارى كمن يغوص البحار لا يخاف الشطط؛ فالشطآن مائدة الوجل.
وينبه مثل هذا الرجل: أن الشغل عن النفس والنفيس بالآخرين وبالبساطة التى يتحلى بها هؤلاء الآخرون هي من معاني المعنى، وأن في هذا الثواب آن، لأنه قرين الفعل قرين النفس. فما الذي يجعل من رجل رمزا وهو الموسوم كإنسان بالقصر والتقصير، وبضيق ذات اليد والنفس، غير الشغل بالآخر بأن يكون، بأن يأمن من جوع ومن خوف، بأن يسكن، بأن يتوطن، بأن يكون حرا، بأن يكون هو هو دون عسف يهدر ماء وجهه؛ وهو الكائن الصحراوي الذى حاجته للماء فوق كل حاجة، وكذا حاجته لوجهه الذي لا يظهر غير عينيه هويته وسبيله وسيلته وغايته، وما له من الماء غير ماء الوجه ماء العينين ماء الحياة.
على مصطفي المصراتي ذاكرة موشومة بالذاكرة!؛ حيث الذاكرة ليست ما استوى على العرش وليست ما انتهى و لا سدرة المنتهى؛ الذاكرة هنا والآن، ما يخط على الرمل وما يمحو الرمل ، الذاكرة الشغل.
فما الواجب إذا اتجاه الرجل وقد تبين الخيط الأسود من الأبيض غير أن نبين : أن الحق في أن يكون لكل مقام مقال وأن مقام الحق أن نكون أنفسنا كما كان ويكون ، أي أن نختلف عنه ومعه بهذا الاقتراب من ناره الهادئة وجمره الوقاد .
فالرجل وقدة من وقداتنا كما هو عبدالله القويري في ( وقداتـ ) ـه ، الجمر يتقد في موقده ، وفحمه هو فحم شجر الأباء والإبآ ، شجر البطوم الذى يمد الجذور لجلب الماء وما عساه الانتظار . المبدع يتجلى في الرسوخ دون عجل و كلل ، والابداع ليس ظهورا أو طلوعا أو سطوع القمر في الليلة الظلماء ، أو كما يقول ويفعل قد يكون ظلا يمتد ليرطب القيض ويزيل الجفاف ، والضروس في ضديته للزوال .
هكذا تجلى المعنى وسر الخفاء .
وما كان وما يكون هو شغل الروح الروح المصراتيه وسر أغوارها؛ فأن تبدع أن تدون، أن تلملم تعب الآخرين وقطرات العرق، أن تتجلى كما العنقاء.
لكل نفس رمادها ولكل شعب شعابه التى تشعب فيها حتى الدم ؛ دم الاوشاز المعلقة حيث تسكن الروح ووكر النسر ، وحرب الجوع والخوف والجيوش من جن وانس التى بالمرصاد لكل حلم شط عن الاستكانة والارتهان ، ولكل خارج عن ثوب الوهن وممتط لصهوة الأمل .
فكان على مصطفي المصراتي لهذا يطارد الأرواح ليرسم ملامحها ، وكجوال عنيد جمع الكثير من أتراح وأفراح روح الشعب الليبي .
ولهذا نحتفي به بنفوسنا المشرئبة والوثابة بالجبل ـ جبل نفوسة كما الجبل الاخضر ـ سدة الدهر ، نهج اللذة وطريق التأمل ، مسارب المختلف والمقاوم لكل سالب لوجه الروح بأى سبل . وقد بين أن الصحراء الليبية العرى بالرمل تصيرت غطاء للتخفى عن الاعداء والتجلى لكل نفس وما تهوى وعقل وما عقل وروح وما اتمنت وبما سلمت .
هذه الخارطة التى جالها روح الوطن على المصراتى يوما يوما ، شهرا شهرا ، سنة سنة حافيا خالى الجوف متشعبا في وهادها ووديانها ومفازاتها كوله عطش يخط بيده ما محى الدهر ويرسم خطوطه في الكهوف التى غلبت هذا الدهروالحقب في تاسيلى وغيرها من الحقف ، يلتقط الثمر وما تساقط عن النخل المنسي في واحات هي بساط الخائفين ، هذه الخارطة التى لم يحدها حد كان حاديها لقافلة بأسرها تسير وحيدة .
وما بيده غير مخطوط ـ تلو مخطوط - مهترئ بفعل نهش أفاع وحيات تتغذى على مخ الروح هذا المخطوط هو ما انتشله من جيوش القبلى ، ما سلبه محارب القبلى هذا ، وما تبقى عهدة ولنا في ذلك مثلا .
وهذه الورقة وقفة عند وقفة محمود البوسيفي وقد صغى وأنصت لحادى القافلة التى بأسرها تسير وحيدة وما دونه مفتاح العمارى ـ كما غيره من المنصتين لهذه القافلة التى بأسرها تسير وحيدة ـ من شعرها ، والساردين سرها ، والمشائين مشيها ، والساطعين بما تأمر ، والعازفين على أوتارها ، والمتشكلين بلون قوس قزحها الراكبين ما خطر ببال وكل خطر وهم الحيارى السكارى من قيضها وقضيضها ، وقد جالوا فيها كواحة للظل وللضالين ، ممسكين بالخيط قابضين على الجمر ، ديدنهم على مصطفي المصراتي بكل ما عنده وما ليس عنده ، بكل ما له وما عليه وهو المفرد المفرد بصيغة الجمع .
من كانت الحكمة رفيقته والحب دم الطريق وحق الآخرين في أن يكونوا غيره سؤدده ، ومن كان يهفو لكل نأمة ولكل خط ، من بارك للشفوى انصياعه للتدوين ، من عنده كل متواضع كبير، من عنده الاسترخاء من ضعف الوجود ، من عنده ضعف النفس يولد الوهن ، وأن بين الوهن والموت تؤمة لا يثنيها الدهر وإنما تفصدها الروح المتوثبة والشغل الحار والفعل القارص لسلاطة الكسل ، الذى عنده حق الاختلاف حق الوجود ، هو الناقد دون هوادة المنقود برحابة الصدر .

(2)

أخذه الانشاء وقد بدأ خطيبا في قضايا استقلال الوطن ، ومسهبا في تقدمة الفكرة وجامعا لشتات الورق من الشتات ، فكان موثقا على عجل من أمره ضاربا في كل فج ، فج عميق وفي غيره فكان يخيب ويصيب .
وأخذه الشغل عن الاشتغال على شغله لهذا كان السارد والجامع والمحقق والناثر والصحفي ، ولم تتركه الخطابة كما لم يترك كل مناسبة وطنية وثقافية واجتماعية .
وكما هو المشاء يجوب الوطن منشغلا عن اشغال الفكر في شغله هوالمحاورة ، يحاور الجماعة ويجادل الفرد ، قلمه أذنه ودواته وسفره ورفيق سفره حين يجمع الكلام من شطط الريح وعنده ما تنطقه الشفاه سريره وسريرته القلم .
وأخذته السخرية فهو حطابها وفأسه اللاذع يأخذ كل هزيل وعتل زنيم بقوة ، وعنده أن الجرح الذى لا يقتل يقوى أو كما قال شيخ المجاهدين عمر المختار ؛ لهذا لم يغر في أغوار النفس فقد كان يقرأ الجواب من عنوانه أو كما يقال ولهذا هو على عجل من أمره فليس في الوقت من متسع والأطراف مترامية .
وأخذه موقف الخطابة، لهذا فخطه مثل خربشة طفولية تستهدف الإشارة لا المعنى؛ فإنه ثمة من سوف يجئ ويرتب الأوراق ويستقرؤها ويستنبط ما يرى ويتمعن المعنى، فما معنى الكيان والكيان على كف عفريت الشفهي المتحلى بشطط الريح ووباء النسيان.
فأخذه التوثيق عن الدراسة والتمعن، فالرجال في الظلمة والضوء شحيح.
فتش عن كل علم خفاه الزمن عن الأعين، وارتحل على حسابه الشخصي، وجمع وحقق عبرات وعبر الليبيين من أمثال وحكم ومن أشعار، كتب عن رجال في الظل؛ جمع ديوان البهلول وكتب عن الاسطى عمر لما كان لا أحد يعير كلام الشعراء والعامة! أهمية.
ولأن الحكمة ضالته لم تأخذه الأضواء عن الظلال ولا النظريات عن الوقائع، لم يهجس بأن يكون من الكبار لهذا لم يأخذه الكبار عن نفسه الكبيرة.
وحيدا وبأسره كان جامع الظلال وبأسره وحيدا كان الجامع.
ولهذا يحق لنا ويحق علينا أن نحتفي بالخمسة والسبعين عاما من عمر هذا الرجل ، الرجل الذي أعطى عمره لنا وأي عمر.. الذي يبقى لنا ومعنا.. :
( سأبقى هنا / فوق هذه الأرض الوعرة / أضرب فأس خيالي قويا / أقتلع الأشعار من عروق حجارتها / أمنحها من روحي وهج الروح / ومن قلبي / أهبها أجنحة الجدوى / هنا سأعتق خمرة حدسي / وأشرب كأسي / فيسكر قمري / وحين تسهو أذن الليل / أسبر غور جدراني / وأغافل غفوة حراسي / وأدق أوتادي عميقا في كبد المعنى / فتهتز عروش الكواكب ، وتسقط قبعات النجوم / وتطلق الشمس في حقول قصائدي / قطعان خيولها المرحة..) ..
أو كما قال الشاعر مفتاح العماري.

(*) أحمد الفيتوري
بنغازي في 6 ـ 6 ـ 2001م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home