Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Tuesday, 14 November, 2006

     
       

رواية

سـيـرة بني غـازي (7)

أحمد الفيتوري

رسائل متبادلة بين صديقين

من صادق النيهوم إلى رشاد الهوني

عزيزي رشاد
لعلها المرة الأولى التي أكتب فيها لك منذ غادرت الوطن . ولعلها ـ أيضا ـ المرة الأولى التي أكتب فيها لإنسان في بلدي الذي أحن إليه ، وأتعطش إلى رؤياه ، ولكن تمنعني من العودة إليه أمور كثيرة . إنني هنا في مدينة فرانكفورت ، في ضجيج شوارعها وهدير آلاتها ومصانعها ، ووحشية موسيقاها وصخبها .
أحس شوقا عارما يهز كياني ، وحنينا جارفا إلى لمحة خاطفة لمدخل مدينتنا الصغيرة . رغم أكواخها ، طرقها المهدمة ، ومستنقعاتها الكثيرة الموزعة حولها ، أشتاق إلى ناموسة ، من سبخة الصابري تلدغ وجهي ، وأحن إلى سهرات الدردشة التي لا نمل خلالها من الحديث الفارغ ، وأشتاق ، أشتاق إلى رائحة الملل التي تعبق في بنغازي .
ورغم كل ما حولي هذه اللحظة ، فإنني يا صديقي أحس بفراغ هائل ، وأحس بوحدة لا يقدر على اقتحامها ضجيج الدنيا وهديرها ، لأنني غريب .. ولأن الذين حولي لا يرتبطون بي ذلك الارتباط الغبي الذي نتعصب له .
ولكن ، هل أنكر سعادتي بهذه الغربة ؟ كلا .. إنني في الواقع سعيد بغربتي ؛ لأنها أقل تأثيرا في نفسي من غربتي في بلدي . و ما أسوأ أن يحس الإنسان بالغربة في بلده . أنت تعلم متى افترقنا .. لقد تركتك في بنغازي تحترف الجلوس على كراسي المقاهي ، وتقطع المسافة ما بين بنغازي والبركة على قدميك لأنك لا تملك قرشا يوصلك إلى هدفك . وتدور دورة واسعة حول المدينة هربا من الشوارع الملغمة؛ التي يوجد بها دائنون ، في تلك الفترة يا صديقي ، كان الإنسان في بنغازي يلتقي بوجه صديقه مئات المرات كل يوم . وكان يكفي أن يكتب على الرسالة المرسلة إليك اسمك فقط لتصلك ، وكان من الممكن العثور عليك حين أسأل عابر عن مكانك. ولكننا رغم كل هذا ؛ كنا نصرخ ، ونضحك من أعماقنا ، ونفرش نفوسنا حرة في الشارع ، المقهى والمنتدى . ولم يحس أي منا ـ في يوم من الأيام ـ حاجة إلى المال ، أو ضرورته ؛ فقد كان طموحنا عظيما رائعا ، ولكن المادة لم تكن كل الهدف ، بل كانت علاقتنا روحية خالصة ، فلم يعنفنا دائن في أي وقت ، ولم يمتنع أي إنسان عن المساعدة حين كنا نطلب المساعدة .
كنا بكلمات قليلة ؛ مجتمع أخوة وأحباء ، وصداقة متينة وكانت لنا حريتنا ، أمننا وتعاطفنا . كنا مجتمع رجل واحد رغم التفاهات الصغيرة التي كانت تحدث بيننا .لقد أصبح هذا ذكريات قديمة جدا .
فبعد أن تركتك وخرجت إلى العالم الآخر ، تصورت أنني تخلصت من عمر قديم ، لأستقبل عمرا جديدا لامعا . عرفت الأصدقاء الجدد والصديقات اللآتي لم أعرفهن طيلة عمري الذي مضى ، وتعلمت الرقص، وحصلت على عدة دبلومات ، ثم حصلت على الماجستير . وبعد سنوات طويلة من الشبع ؛ هزمني شوقي إلى بلدي ، إلى شوارعها الخالية ، والأصدقاء الذين تقابلهم في اليوم مئة مرة ..
ولقد حدث وعدت. ورغم أننا لم نلتق خلال زيارتي ، رغم هذا فقد كنت هناك ، حيث لم أجد شيئا مما تركت ، وحيث صدمتني دلائل القرف التي ارتسمت على ملامح الناس .
أين الأصدقاء ؟ ، أين مجتمع الرجل الواحد ؟ ، أين أنت يا صديقي بصراخك الذي لم يكن يكف ، بالنوادر التي كنا نقوم بها، أين مقهي شتوان ؟ ، سنما الهلال ، مطعم الفيكتوريا ، والامبريالي ، أين كل هذا ؟ ألم تكن المدينة تجتمع في هذه الأماكن ؟ ، ألم نكن نتبادل الود ، المحبة ، التعاطف ، الأخوة ، التلاحم ، الترابط ، الفرحة ، المواساة ، الشكوى ، والصراخ . ألم نكن مجموعة رائعة تستحق القبل ؟ ، ألم نكن مجتمعا عظيما رائدا ؟ . إذن .. أين كل هذا . أأصبح مجرد ذكريات قديمة ! ، لقد أصاب الناس الذهول ، وعبروا السنوات الماضية بقفزات شيطان أعمى .

صديقي رشاد
لم تعد بنغازي هي تلك الحبيبة التي ترضعنا الحنان . وتمدنا بالقوة وتجد فيها عدلك وأمنك ، وطمأنينتك . ولهذا فلقد شعرت فيها بالغربة . شعرت أنني إنسان متطفل لا مكان لي . كان الأصدقاء يلوحون لي على الطريقة الأمريكية وهم ينهبون الشوارع بسياراتهم اللامعة ، وكأنني لم أفترق عنهم كل هذه السنوات . لم يهتم بي الذين أرسلوني للدراسة في الخارج . ولم يسأل أي إنسان عن تحصيلي ، وعن فترة العلم المضنية التي قضيتها بعيدا عن الوطن ، وكأنني مجرد حبة رمل في صحرائنا العظيمة الغامضة .
وكما صدمت بالعالم الآخرحين تركت بنغازي ، صدمت ـ أيضا ـ ببنغازي حين عدت من العالم الآخر .
كتب عليّ أن أنشطر نصفين حزينين يائسين ، غريبين ، وأصبح من الواضح أن أختار ؛ فأنا نكرة في بلدي ، كما في المدينة الصاخبة فرانكفورت ، وأنا غريب في ليبيا كما غريب في هذه الدولة الكبيرة ألمانيا . وأنا في بنغازي أعيش في مجتمع مادي ، غريب الطباع ، قاسي الملامح ، فاقد الأصول ، ولكنني في ألمانيا لا أرتبط بأي مجتمع .. وهنا وطأة من الغربة النفسية وأنت بين أهلك وأصدقائك .
هل أنا مخطئ ؟ ، أتشعرون بالراحة ؟ ، ألا تحسون بالذهول ، الدواخ ، ألا تتذوقون المرارة التي امتلأ بها فمي ؟ . إنني الآن أعد للدكتوراه ، وجامعتي تتمسك بي ، ولقد تزوجت فتاة من الشمال ، وولدي يفتح عينيه بصعوبة ليكتشف الحياة من حوله ، ولازلت أدق أذنيه بلهجتنا الليبية لربما عاد إلى بلده ـ يوما ما ـ فتكون لغته وسيلة لأن يعيش بين أهله في مجتمع آخر ينعم بما يفتقده الناس الآن .
تحياتي لك .. وحبي للجميع .

صادق النيهوم ـ فرانكفورت ـ 7 ـ 8 ـ 1965 م

*   *   *

.. ومن رشاد الهوني إلى صادق النيهوم

عزيزي صادق
كم مضى من الوقت ؟
إنني لازلت أذرع المدينة جيئة وذهاب ؛ محاولا في إلحاح أن أطرد كثيرا من الخفافيش ، والطيور الليلية التي تعشش في صدري ، إن نفسي كمقبرة قديمة مهجورة ، وصدري يشبه إلى حد بعيد مغارة سحيقة ، مهترئة ترددت فيها وشوشات عميقة الزمن . وأنت هناك .
في هلسنكي ؛ تضع أمامك كأس بيرة ، وتحدق في عيني زوجتك الخضراوين ، وتهش على رأس طفلك الذي يحبو ، ثم تأخذ ورقة وقلما وتطلب بكل بساطة أن أكتب لك ! .
ماذا أكتب ، وماذا لي أن أحكي ؟ كل شيء ممل للغاية ، الحكاية مكررة ؛ تقززت منها آذان السامعين ، وأنت رغم ذلك تبحث عن كلمة خشنة أو رائحة قديمة أجمعها وأدسها لك في خطاب أصفر . أنا أعرف حاجتك إلى هذا ، وأنت غارق في نهار ممطر ، رمادي البشرة ، وعلى مرمى البصر تنتشر مساحات واسعة من الورد الأصفر الفاقع .
أنا أعرف حاجتك إلى قصصنا الساذجة ، وأعرف شوقك الذي لا ينضب ، وأعرف كل هذا ولكنني لا أملك أن أطفئ جمرة واحدة صغيرة في سؤالك الحارق . فأنا مطحون مثلك ، أنا ممزق .. وفي حاجة إلى من يضم أطرافي بعضها إلى بعض الآخر ، وكل الذي يخفف الحدة هو وجودي هنا ، وجودي في ساحة المعركة ، وليس شرفة بعيدة .
كم من الوقت مضى ؟ .
سؤالنا الخالد ، وكأن الوقت هو المأساة ، وهو العذاب الذي نذوب فيه ، وطوال الوقت ـ يا عزيزي صادق ـ كنت أذرع المدينة الصغيرة طولا وعرضا تماما كبغل الساقية .
وامتلأت نفسي بآلاف التشنجات ، حين حدث هذا .. رأيت أن أعتزل الشارع ، وأن أدور أيضا كبغل الساقية ، ولكن في مكان واحد .. محدد ، ومحصور. رأيت أن لا داعي مطلقا للبعثرة و لا داعي لكثير من الغضب ، رأيت أن أتهاوى ، أن أسقط عند قدمي القدر ، وأن أفرغ كل شحنات القلق في زجاجة يشربها إخوتي ؛ إخوتي وإخوتك الذين فقدوا لعابهم ، ويبست شفاههم ، وتصلبت شرايينهم ، تجرحت حناجرهم وتخذلت قبضاتهم .
ليس من طريق آخر أجده أمامي سوى هذا الطريق ؛ هو الوسيلة الوحيدة التي يضيع بعدها سؤالنا .
كم مضى من الوقت ؟ .
أنت تعلم أنني أكره المخاض ، أكره لحظات المرض ، أمقت لحظة القلق والانتظار . أنت تعلم أني أريد أن أقفز أي سور يعترضني ، وأختصر المسافة بين الحافة والحافة في لحظة خاطفة حتى لو سقطت – بعد ذلك – في البئر .

يا صديقي صادق
لكن .. هناك أشياء تكشفت لي ، أشياء جديدة كنت أستهين بها رغم أنني حذرت منها مرات .. ومرات ؛ أشياء جديدة ، تبعث في قلبي الرعب وتثير فيه آلاف المخاوف ، وملايين الرعشات.
مثل صبي يتعلم المشي أخضع لكثير من الخرافات التي كنا نضحك منها سويا ؛ حين تصرع كثيرا من الصحاب .
هواؤنا يا صديقي ملوث بلطعات الدود وإفرازات الحشرات الصغيرة ، وقد كان مقدرا لي أن أهرب سنوات كثيرة ولكنني في النهاية سقطت . ووجدت أصابعي تنغرز في بطن الأرض وتتشبث بالقشات أحيانا .
ووجدتني فجأة ـ أتحول إلى كتلة من الإلحاح أمام آلاف المواقف المحزنة الصغيرة . وحين أخلو بنفسي يتفصد قلبي يالعرق نتيجة لرحلته المجهدة في الطريق المعاكس . والمؤسف أنني ـ بعد هذا كله ـ أتصور بكل بلاهة ، أنني قادر على الإفلات من مشاعري المتناقضة وقادر على التوجه مباشرة إلى نقطة معلومة . غير أن الهدف يضيع والخلجات ترتعش ، الضمأ يطوي كل مسافات الغضب وأحس بأنني قد فشلت كما لم يفشل إنسان من قبل .
كم من الوقت مضى ؟
وهل تراني استطعت أن أنقل إليك ما يجب أن تعرفه خلال هذه الدقائق ؟ ، وهل تتنبأ لي بحاستك المخلصة إن كنت سأعبر فخاخ هذا المجتمع أم أنني سأسقط في الطريق ؟ ، هل يقدر لي مرة أخرى أن أحمل أشيائي في قبضتي أم أنها ستنزلق من بين كفي كالزئبق ؟ ، أف . أف لكل هذه التساؤلات ، أنا أريد فقط أن أسبح في بحيرتي .. وإن كنت أتضايق كثيرا من الأعشاب الخضراء اللزجة المترامية على الضفتين ، إلا أن الموضع لا يستدعي القلق ، لا يتطلب موقفا واحدا للتفكير ، ولهذا .. لا تنتظر كثيرا وحاول معي ولو على البعد ، أن تقدم شيئا لهذا الجيل الذي يولد وفي فمه ملعقة من ذهب ! ، شيئا من المرارة نذيبه له في الملعقة ؛ حتى لا يفقد الطعم الذي امتلأت به أفواهنا وحتى لا ينمو صغارنا بنفوس مائعة ! .
ليس هناك بعد هذا ما يمكن قوله ، سوى أنني من جانب آخر بدأت أسترد شيئا فقدته طول عمري وعثرت عليه بعد طول عناء ومعاندة ، وربما .. ربما يبتسم الطريق ، تتفتح النوافذ المغلقة في وجوهنا وتعود أنت إلينا ؛ إلى الشمس المشرقة ، ودفء القلوب ومدينتنا الصغيرة الحبيبة التي لم تخذل أحد حتى الآن .

رشاد الهوني ـ بنغازي ـ 19 ـ 3 ـ 1966م


     
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home