Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Tuesday, 12 December, 2006

بورتريه اطرابلس

أحمد الفيتوري


بعد غياب / تذكرت وجهه./ وجه نديمي الذي /
ببراعة لص محترف يفتح / أقفال اللغة / ويحطم الأسماء.
/ كان واثقا من براءة يده / حين أشار إليّ،
وقال: أنا ديكُ الجن الطرابلسي.
- كن شجاعا
أزوجك مخيلتي الوحيدة.
- مفتاح العـماري

ما بال طرابلس إذا ذكرت حفت بالغرب وان اقترنت سميتها بالشام؟ ، كأنها من الغرب جملة اسمية وليست من الشرق فعلا، فهل أنها اطرابلس جنوبية الهوى والهواء أم أنها شمالية الرغبات وقد حرقت شغافها من ولع؟ أم لغير هذا كنيت بالغربية ؟ .

هذه المدينة الثالوث : أويا الجزيرة بين بحرين ؛ بحر متوسط من الماء الأجاج والبحر الأكبر من الرمل مما جعلها إمبراطورية الرمال، هي المدينة الفينيقية التي جناحاها صبراته ولبدة ولكليهما قصة ليس أقلها أن منهما : ابوليوس دفاع صبراته وسبتموس الإمبراطور وعابد الشمس سبارتكوس ، قصة غصت بالرمل وان لم تندثر، فيما اطرابلس غص بها الرمل حين مدت من عروقها مسارب بين بحرين ؛ فكانت قلب طريق ابل وما أدراك ..اطرابلس في القدم كالقدم؛ ان ذهب في الزمان، ان لم يذكر، لا ينسى.


تبدو في تآخيها والشام قدر؛ فهي ثاني أقدم مدينتين، في حضن حوض المتوسط ، ففي هذا تؤم دمشق كما أن طرابلس الشام تؤمها.
الزمان صير الاسكندارية مصيف وقرطاج الأشهر تندحر/ فيما اطرابلس تذيب فيها غازيها ، / فما بال طرابلس / إذا ذكرت حفت بالغرب / وهي التي الشروق فيها. / السراي الحمراء / عروس المتوسط / البيضاء/ أقراطها الأخضر المزرق / نخيل عراجينها نجوم سماء ملبدة بصفاء قان.
حفلت بالزمان حتى روضته،/ صار الزمان حارسها / وان عبث بها غيره من حارسيها / أحبها الزمان وان لم تحبه حينا/ فما بال اطرابلس إذا ذكرت نسي الزمان حينا؟ / كأن الزمان واطرابلس ليلي والمجنون/ ان لم يذكر القرين لا يذكر قرين. كل المدن في جزر عن المتوسط عدا اطرابلس فمن ولع تمتد فيه، ومن ولعه يغمرها بمائه شتاء وصائفة وما بينهما كثير المد فيها.

كنت قد غدوت في الثامنة عشر حين تلقيت دعوة من اطرابلس في نهاية العام الثالث والسبعين بعد التسع مئة وألف ميلادية، كانت الدعوة موقعة من شغفي بزيارتها ، ركبت والصديقين المرحوم عثمان منصور السلامي وأحمد السوداني حافلة وغذينا السير.
في ميدان الرشيد حيث طوحتنا الحافلة وجدنا من يطاردنا في الساحة من بوليس، كنا قد سلمنا دون مقاومة فنحن على أرض نحبها لكن لا نعرفها، أتضح أن البوليس لا يبحث عنا و لكن يبتغي رؤوسنا كي تحلق شعورنا؛ وقتها الشعر طويل بتلز يعنى ولم يكن ذلك مستحبا، هكذا كان لنا استقبال رسمي على كل حال.
بدأ لي أني من أحببتها لابد أن أعرفها لذا في السنة الثانية جئتها مقيما ، كنت وقتها أعمل متعاونا مع جريدة الجهاد أخر جريدة تصدر في بنغازي ويرأس تحريرها الأستاذ محمد على الشويهدي، نقلت الجريدة تلكم إلى اطرابلس لم يكن ثمة هيئة تحرير بعد لهذا أخذني الشويهدي معه ، شاب عازب يسكن الفنادق في شارع الرشيد الذي بينه وبين مقر الجريدة بشارع طارق خطوات ليس إلا ، هكذا وجدتني في نهاية العقد الثاني من العمر طرابلسي السكن والعمل بعد أن كنت طرابلسي الهوى وحسب. في أزقتها ومدينتها القديمة ، في شوارعها ومقهى زرياب وصاحبه صديقي محسن وفي بيوت الأصدقاء ترعرعت ، وكان المرحومان سالم بوخشيم الفنان المسرحي وصديقه سليمان المبروك الكاتب المسرحي وجماعة المسرح الحر أول من وجدت فيهم نفسي ؛ حيث بينهم نمت ليبيا وشب الفن في وجداني.


اطرابلس جعلت لبنغازي مسقط راسي مذاقا أسطوريا كما كتبت حينها ، كنت أسوح في الشوارع ومع الأصدقاء نغوص في خضم ما نعرف وما لا نعرف ، وتولى مصطفي المجعوك وكذا أخيه فتحي ، في مكتبته دار الكتاب العربي تزويدنا بالمعرفة حتى لو كانت الجيوب خاوية هناك سألتقي جيلاني طريبشان وإبراهيم الكوني .
عنواني ان لم أكن في مقر الجريدة مكتبة الكتاب العربي أو مقهى زرياب، لعامين كانت اطرابلس التي أعرف هذا هو أضلع مثلثي فيها .
كأن بنغازي طفولة و اطرابلس شبابي، اطرابلس التي جئتها صحفيا غذتني من روحها: اطرابلس إذا ذكرت نسي الزمان حينا / كأن الزمان و اطرابلس ليلي والمجنون/ ان لم يذكر القرين لا يذكر قرين.
ذبت فيها ووسع صدرها لي كما لم يسع غيري حتى أن أمي لم تقل آه و لا ساورها غيابي، كنت ان شاقني زمن الطفولة أتخذ من بيت الطلبة بزاوية الدهماني مرتعا فيه ألتقي بعض أصدقاء الطفولة منهم محمود العرفي الذي كان يدرس بكلية الزراعة بجامعة طرابلس ويكتب الشعر ومنهم سعيد الفراوي ومفتاح الخشمي وغيرهم.
جلس عند انقشاع الشمس وطلوع الليل من مرقده، في مقهى زرياب متفكرا في أمره. دخل يوسف القويرى مشتت الشعر والشعور متذمرا ؛ لم يتسن له الحصول على علبة روثمان في المحل المقابل لم يجد إلا السيجارة الوطنية رياضي.
ذاح في شوارع من فندق لفندق لم يحصل على غرفة ، كان عائدا من مدينته في زيارة بمناسبة عيد الأضحى. خجل أن يحكى لأحد ملمته؛ أين ينام الليلة؟. فكر مليا ؛ مذكرا نفسه أن اطرابلس كثيرا ما تسد أبوابها في وجه زائريها الذين منذ سالف الأزمان كانوا غزاة ، وأن الحبيبة هذا اليوم أغلقت تلفونها وهو يكلمها لأنها زعلانة. هكذا تجئ المصائب معا ؛ لكن شغله يتم ليلا يستطيع الذهاب للمطبعة وينضم للعاملين : أبانا أبانا الذي في الصحافة العجوز الفلسطيني قاسم حماد يشرف على التحرير ويصحح الصحيفة؛ هناك تكون سهرة مترعة بالحياة حتى الصباح. وان الجو بارد تكفل ورق الصحف بالدفء. اطرابلس دافئة وعارية ، سافرة لا تعرف الحجب، صباحها سفنز وبريوش ومسائها بيتي، لهذا كثيرا ما أخذنا الليل نحضر الأرواح في مقر المسرح الحر ورايس اللعبة الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه. وكانت المدينة التي ليلها قصير يتسرب من اليدين المتشبثين كما الخيال ونهارها طويل أطول من نهار دون غذاء ، لهذا لا غيره كنت كثيرا ما أجئ مع الشمس لمقر جريدة البلاغ سابقا بشارع الوادي، حيث أعمل بجريدة الجهاد لألتقي الزملاء كي نقضم من النهار الطويل جزاء كبيرا فيما ندعي أنه عمل وما هو كذلك. هناك أدخل في جدل كروي حول التحدي والإتحاد مع منصور صبرة الصحفي الرياضي المعروف، وجدل لغوي مع قاسم حماد وسياسي أيضا .


غريب يتسكع وحيدا دون أي إحساس بالوحدة هائما في هذه المدينة التي تقضم البحر، اطرابلس تتسربل شمسها القائضة تذوب قطرة قطرة والرطوبة بلسمها، تعلم غريبها أن يسكن نفسه وأن يودعها النفس، لا عائلة له لكن أبناء اطرابلس أصدقائه يعولون أمره كل اهتمام .
غضب يسوح ليلها حتى فندق طرابلس الحديث في ميدان الرشيد، في غرفة بينها وبين الزنزانة وشائج، في هذه الغريفة تحوطه صروح الكتب، حيث يدخل في عراك حينا، وفي جدل حينا وفي حالة جذلانة يجد نفسه حينا.
كي تطفئ غضبه تطلق اطرابلس سراحه كطوير، ليجوب الدنيا ليعود إليها بعد أن يسكن غضبه من أثر الغربة التي يعانيها في روما ، فينا ، أثينا ، القاهرة ، تونس ، الخرطوم ، بغداد ، الكويت. وليتوكد أن اطرابلس تحب من يحبها، قد تجعله عاشقها ولا تبادله هياما : من يدخل اطرابلس لا يخشى من الخشية ويعشق أن يغرق، أن يغرق في عشقها؛ هذه المدينة لا تتبرج لا تنعم وسادتها لا تكحل العين لا تتغنج، لكنها الحبيبة التي تهمس اسمه التي تبوس العينين وتمسد القلب .
مألوفها المالوف، ضرب طار موشح بالصاجات وعودها رهيف، ليس لها في الأوتار فإيقاعها طبل خافت، تعزف لحنها نجمة الصباح الموشاة بالحنة، ورنتها صفراء في لون شمس الضحى كما لم يرسمها أحمد الحريري؛ شاعرها الذي ما تغزل فيها مرة، هذا الغاوي حتى النخاع لخصالها المتقلبة، التي جعلت موسيقاها تبلبل حسن عريبي فحج عنها وهج لبنغازي ضرتها الصغيرة، وهي المدينة المغيارة، التي من لفح غيرتها جعلت الأعمى نوري كمال؛ يتوقى وهج زول من أشقته، بتميمة يرددها وهو يمسك بريشة ليرسم مبسمها الغضب.
كان بيت الحريري العامر بحب اطرابلس ملاذي حين تلفحني شراسة شمسها، وكانت اطرابلس تحرم التصوير؛ لهذا لم يأخذ أي فنان دعوة نوري كمال بجدية، لهذا ليس اطرابلس في عيني لوحة وان كانت في أذني كذلك.
باب للبحر اطرابلس؛ باب للحرية وباب أخضر و بعدهما باب الجديد، وفي مدينتها القديمة تتعدد الطرق والألوان حتى السراي الحمراء، وفي عجينها هذا اختلطت وكنت، وكانت مشموم الفل؛ المرأة التي اسمها جميلة والتي لوحتها المتميزة في مرآة البيت الوحيدة، أو حواء الحكاية الأولي التي يمسها كل منا في أمه، الحكاية التي كلما ازدادت علاقتي بها كلما ازدادت أسرارا.
ويتشعب سردها إما في يد الحوكي؛ من يسردها في غزل الحرير الذي لا يشبه غيره، وإما في يد القزار سي محمد الفقيه صالح؛ من سرده منقوشا على نحاس، هو معدن ثمين عند من يدرون وعند من لا يدرون قصعة كسكسى مخلوط بالزهر.
اطرابلس عند محمد الفقيه صالح الابن قصيدة فيها: أينعت المطارق في الأكف، فأزهر الإيقاع / أشعلني .. / وكان النبض موصولا بمن رفع السقوف/ وموغلا بالصبح في جسد المدينة وهي ترفل في الأيادي/ يا أبي/ واستغرقتني في جنون الطرق حمى القارعة.
تهت في الأزقة في المدينة القديمة : حين تفتقت في زنقة العربي شمس طفلة من بين رعود وبروق " البرق؛ البرق قد يأتي من الحناء"، تلاطمت في نفسي أمواج و " فتحت صدري عند باب البحر للريح و للـ " الأقواس والدور العتيقة، تحتويني في المساء نقاوة المشموم "، عندئذ " آوي إلى مقهى بباب البحر: سيدتي تطل الآن من شباكها وتذوب في ريقي ، حليب صوتها ورموشها تنساب في لغتي.. " وعند بيت بن موسي أنعرج لسينما النصر، لم أصل بعد بيت الفقيه صالح لأني ساعتها كنت أتداعى من أثر حليب صوتها ، اطرابلس لا تكف عن إذابتي في حليبها.
اطرابلس العراقة وبينها والعرق وشائج وللعرق والخمر أصل واحد. توقف عند قوس ماركوس اوريليوس حيث من طريق الإمبراطور يجر العبيد عربة الخيل لتنطلق حتى صبراته، الماضي لم يمض بعد: من نافذته الشرقية ماركوس اوريليوس / يراقب ليدا تدخل حمامها الزيتي/ لقد دخلت مبكرا اليوم، صاحباتها يدلكن/ الجسد الناعم أعينهن تلمع مثل برق فجر الشتاء،/ رائحة عشب الكليل تملأ شط صبراته/ يشعر بالسعادة، يمد رجليه على حرير إيراني تتصارع فيه الثيران اللعوب،/ هزها برفق كي تهدأ، كي لا تزعج ليدا في حمامها الزيتي، /البحر يتثاءب بهدير يحاذي قلب اوريليوس الفرحان.
واطرابلس : شوارعها تتنفس بالأبخرة والفلفل/ وجلود حيوانات الغابات البعيدة/ شفتها تقدمت لتفترش قبلتها/ وراء خمارها الأزرق/ على وداعة الظل/ حراسها فوق النخيل/ عيونهم تمسح/ سقوف البيوت الطينية البيضاء/ الريح تفتح أبوابها تقفل أبوابها.
هكذا تصور عاشور الطويبي المشهد في نهر الموسيقي الذي ينساب سريا من تحت كوادي المجينين الذي كثيرا ما هدرت موسيقاه في شوارعها التي تتنفس بالأبخرة والفلفل هذه المدينة الحارة اطرابلس : طرابلس الغرب، طرابلس الشروق.
شرقت أو غربت تلاقيك البيوت ذوات السقوف الواطئة بيضاء ساطعة، أبوابها أبواب بوخوخة خضراء يانعة، واسعة لكنها قصيرة القامة، امشي فيها حتى الظهرة قبل حي فشلوم، هناك تهيم الطرق الصوفية، دعك من بيوت أصدقائك المثقفين وابحث عن شذي الشيخ قنيص واشرب خمر الدفوف. لن تنام هناك الحضرة، الصاجات الساعة والإنشاد الصدى، حيث تنهض روح القيامة. اذهب في المكان دون أن تتغي، حيث اللا أين ، حيث ملامحك من البخور تتكون وأنت في ألا وجود توجد، اطرابلس وجد وجاوى تتلاشي فيها، كلما جستها لا تجدها؛ فهي هناك في الزمان، أليس الزمان هو معنى من وضعنا وضعناه واصطلحنا عليه لما لا معنى له، لما هو لا موجود.
كنت من أول من عرفت في اطرابلس المرحوم أحمد كاجيجي متصوف الصورة، في شوارع المدينة الطرابلسية ترصدنا كيف أن الضوء كلما اشتد اشتدت الظلال، لهذا كان الباحث عن الضوء في العتمة؛ في أزقة طرابلسية القديمة تمكن من تصوير عطن القدامة، لكن اطرابلس نساية لهذا في فشلوم حيث يسكن أخذني معه كي يصور الإنشاد والأبخرة ولنرصد ما لا يرصد. ومثل كل هوني كثيرا ما نبهني إلى أن الظل في اطرابلس جنوبي أليس الظل نخلة وأن حلوها جنوبي أليس الحلو ثمرة وكذا السكر. لكن أتذكر حين أردت أن تكون لي صورة أولى في اطرابلس كانت بعدسة أحمد إسماعيل! .
يخطو في أزقة بالخير بعيد الفجر، مسرعا نحو ميدان الشجرة، فهو على سفر وبحاجة للوقت؛


موعد طائرته قرب، عند زاوية زقاق طلعت في وجهه تحية الصباح، وحمامة بيضاء هفت أمامه، وجه من بياض الفرشية أطل كي يفلق الصباح، كي يودعه ويتمني له الخير في هذا الصباح في هذه السفر، هكذا كانت بداية صبحه ذات يوم كان ذهب فيه في رحلة صحفية من رحلاته آنذاك.
هكذا اطرابلس حمامة بيضاء لا تعرف الطيران لكنها تعرف كيف تطلق تحية الصباح؛ اطرابلس؛ طرابلس الغرب مدينة الشروق.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home