Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

الثلاثاء 12 مايو 2009

نجم النجوم الصادق النيهوم

أحمد الفيتوري

الصادق النيهوم النجم الذي ظهر علي صحيفة جريدة الحقيقة، ليكتب من هلسنكي عاصمة فنلندا عن الليبيين مقالات ساخرة ومثيرة ،ولينشر مقالات صحفية مترجمة أعاد صياغتها ،هذه المقالات التي تتناول مواضيع الساعة في تلك المرحلة وتمس القضايا الساخنة من العالم ، وفي أسلوب ساخر وتهكمي وطازج ومثير جذب القراء، وتحول صاحب هذا الأسلوب إلي كاتب الصحيفة الأول والمبرز؛ علي يد صحفي قدير هو رشاد الهوني رئيس تحرير صحيفة الحقيقة التي تنشر هذه المقالات مسلطة الضوء علي كاتبها في شكل صحفي جديد وجذاب .
وحين حققت الجريدة ذلك كان النيهوم قد أمدها بروح جديدة، بأسلوبه المميز من حيث تركيب الجملة التي تغترف من الأساليب الصحفية العربية البيروتية ومن الأساليب الكتابية في الصحف الانجليزية اللغة، ومن الأدب الأمريكي في مرحلة ما بعد الحرب كما تمثل في كتابة أرنست همنجواي وترجماته العربية علي يد منير البعلبكي كما في رواية الشيخ والبحر التي كانت إنجيل جيل النيهوم ، لقد عجن هذا الكاتب ذلك في تحولات جعلت أسلوبه متميزا ومعجونا بروحه التهكمية كابن لمدينة متوسطية صغيرة تبدو كما لو كانت ميناء لقراصنة غدو أشباحا .
كان النيهوم يرسم شخصية مقالاته السردية في شكل رجل عاطل، ليس لديه ما يفعل سوى أن يتكئ في ركينة شارع ليرمي المارة بنضرة ساخطة ولسان لاذع ، وفي مقالاته الفكرية يبدو كمتفرج استعار باروكة فلسفة العبث السائدة آنذاك التي تكرس مفاهيم اللامنتمي الحصيف .
لقد أشارت – حينها - صحيفة الصن البريطانية إلي الصادق النيهوم - في مقالة صحافية عن ليبيا - بأنه يبدو كفيلسوف هيبي ، وكان الكاتب علي فهمي خشيم قد كتب مقالة عن الظاهرة النيهومية.
النيهوم في سيرته غير الموثقة وغير الموثوق فيها – لأنها مليئة بالثغرات ولأن صاحبها نجم تحول الي رمز لهذا حشاها محبوه بما يحبون أن يكون عليه نجمهم الساطع - أنه حين تخرج من الجامعة الليبية قد ذهب للقاهرة كي يعد رسالة الماجستير ومن ثم الدكتوراه في مقارنة الأديان وأنه اصطدم هناك بالدكتورة عائشة بنت الشاطئ ؛الشخصية المعروفة حينها بكتاباتها في الفكر الإسلامي وأستاذة الجامعة المبرزة ، التي كما يشيعون كانت أقل مقدرة من أن تستوعب الأفكار الطازجة والمميزة للصادق النيهوم الذي قفل راجعا ، متخطيا البحر المتوسط إلي أصقاع أوربا إلي فنلندا حيث أعد رسالته المفترضة في مقارنة الأديان، التي لا توجد آية معلومات عنها حتى معلومات صحفية ولا أي إشارة من الكاتب الي حصوله علي هذه الشهادة العلمية .
هذه الشخصية ستترادف مع الكاتب وتمتزج عند المتلقي مع كتاباته التي ستصير أكثر إثارة ، والتي جعلت من النيهوم ظاهرة يتزاحم الناس للحصول علي عدد الصحيفة الأسبوعي الذي ينشر مقالته ، وحتى الأمي سيتأبط نسخة من هذا العدد ، عند هذا الحد سيقفز الصادق النيهوم قفزة مميزة في كتاباته؛ حيث سينحاء للكتابة في الفكر الديني، وقدم أطروحات صادمة في حينها باسلوبه ككاتب صحفي من طراز رفيع يعرف أصول كتابة كهذه، من سماتها التكثيف المبسط الاختزالي ما يتخذ من الجملة كحامل للفكرة، فيبدو كما لو كان يكتب حكمة في ثوب مانشيت صحفي يدير الرؤوس ويبث التاؤيل ونقيضه في ذات الجملة، ويزيغ النظر بتحريكه لسطح الظاهرة التي يتناولها ، كمن يرمي حجارة في بركة راكدة، التي هي في الحقيقة سبخة مائها تبخر ولكن سطحها اللامع يوهم بوجود الماء .
إن النيهوم لاعب في بركة الوحل التي أراد أن يرسم علي سطحها علامته المميزة كنجم يعطي بظهره للكرة ويعطي وجهه وعينيه للجمهور . لكن ما يميز هذا النجم أنه لا يستهين بجمهوره و لا بوسائل جذب هذا الجمهور التي هي القضايا المثيرة التي في الظل ما يسلط عليه ضوئه الخاص الجذاب بتعدد ألوانه.
لقد كان النيهوم من القلة الذين أثاروا قضايا دينية واجتماعية تبدو كما لو كانت قضايا ميتة مثل قضية المرأة ، ولعل أهمها محاولته – في سبق صحفي – تفسير القرآن تفسيرا عصريا في دراسته المطولة : الرمز في القرآن .
قبل أن نفصل ما أثرته هذه الدراسة من ردود أفعال لا يفوتني أن أنوه بأن النيهوم ،القابع آلاف الأميال عن من يكتب عنهم ولهم وعن الصحيفة التي يكتب فيها، قد كرس نفسه لشكل من أشكال الغموض حول شخصه وسيرته، وأن الصحيفة التي كرسته ككاتب أول لها، كرست هذا الغموض الذي نبعه ليس القضايا التي يتماس معها ،أو المفاهيم التي يتخذها طريقة لأطروحاته الإشكالية فحسب، ولكن قبل ذلك الأسلوب الذي اتخذه، هذا الأسلوب المازج بين الكتابة الأدبية والكتابة الصحفية المطعمة بأساليب الترجمة في حينها، مع مزيج من الرمزية والسريالية والفنتازيا أحيانا، في دأب وجهد لإدهاش القارئ في الجملة قبل الفقرة وفي التراكيب المتجددة دائما ، وفي هذا المضمار بذل النيهوم جهدا خارقا استنزف طاقته الفكرية والإبداعية الأهم .

الرمز في القرآن ...

الدراسة البوتقة التي دخل منها النيهوم الفكر والفكر الديني علي الخصوص ، كانت بمثابة مرحلة ثانية في كتاباته ونقلة نوعية حيث سيظهر أن النيهوم يعتمد علي نقلات مفارقة في سلم إيقاعه إثارة القارئ الذي هو الشغل الشاغل المشروع عند هكذا كتاب ، ولهذا المرسل إليه هو محمول المرسلة وأسلوبها .
توخي بهذه الدراسة إلي إثارة قضايا دينية شائكة ؛ اعتبر القرآن نصا رمزيا تؤول رموزه بمعطيات لغوية سيميائية ، فالنص القرآني نص لغوي واللغة تجريد لصورة واقعية لذا فإن مريم – مثلا – حملت طفلها من خطيبها يوسف النجار ... الخ وكونها حبلت كما هو شائع دون اتصال جنسي فهذا ترميز علي طهارة العلاقة المقدسة . هذه مجرد إشارة مقتضبة لموضوع الدراسة ، لكن المهم كان آنذاك ما إثارته من ردود أفعال وسيجنح الكاتب منذ هذه الردود أفعال إلي الانشغال بها في الكثير من المواضيع التي نشرها .
ولأن عامة الناس يغذون التناقض ويعشقون التضاد فقد ظهر النيهوم باعتباره الغامض السهل ، وفي هذه الدراسة بدأ وكأنه لا يعني ما يقول ويقول ما لا يعني لهذا جنح قرائه إلي تزكية آرائه في مواجهة خصومه .
ومن هذه اللحظة المفارقة سيضع النيهوم رجله علي عتبة الباب الذي يحب ، فقد كان خصومه هم رجال الدين المحافظون ومن في حكمهم ، والنظام الملكي الليبي آنذاك أسسه هؤلاء أو أنهم علي الأقل أهله بحكم أن للدولة الليبية علاقة بالحركة السنوسية الدينية الإصلاحية بالتبعية وأن ملك البلاد مؤسس الدولة هو وريث لزعامة هذه الحركة ، لكن الملك إدريس السنوسي كما تشير شخصيته يميل إلي جناح التحديث في نظامه وإن بشكل خفي ؛ فتكوينه في قصره في مصر فترة شبابه وتواجده وسط النخبة المصرية المستنيرة وعلاقته المبكرة بالانجليز ساهم في هذا التكوين .
لهذا يذكر البعض أنه حين طالب علماء الجامعة الإسلامية بمحاكمة – أو ما يشبه ذلك – الصادق النيهوم ، كان حينها الشاب عبد الحميد البكوش وزير العدل ثم رئيس الوزارة فيم بعد يطالب أساتذة الجامعة والطلبة والنخبة المتنورة أن تعاضد النيهوم في كتاباته هذه ؛ حيث أن الدولة لا تستطيع ذلك لأسباب معروفة ، ولهذا أوقف نشر هذه الدراسة فقط وأعاد النيهوم نشرها تحت اسم أخر وفي صياغة مموهة وتحت عنوان : العودة المحزنة للبحر .
النيهوم الذي يظهر أنه كاتب غير سياسي ستكون علاقته بالسلطة السياسية مشتبكة وشائكة ، سيكون هذا الكاتب كما لو كان الجافل عن القطيع ، القطيع هذه المفردة التي سيرددها النيهوم في مداخلاته كثيرا ، وسيظهر نفسه كمتمرد يلبس ( الجينز والتي شرت ) ، وينظر بغضب لقطيع السلطان وسيضع في نفس السلة كل النخبة الليبية – وحتى العربية - دون تمييز مستثنيا بطبيعة الحال مريديه من الشباب وعامة الناس .
لقد تبؤ مبكرا مركزا مميزا في السلطة حين نالته الشهرة فغدا بسلطة الفكر رأسا حاسرا ينال مراده بجمهوره الكثير ، ولهذا أفصح عن عداء لأعداء افترضهم ومنحهم هذا الدور؛ هم النخبة خاصة السياسية منها وكان رأس شيطانها اليسار بالمعني العام من قوميين ناصريين وبعثيين ووطنيين وشباب يشده الأدب العالمي الذي كان بحكم المرحلة يساري الطابع .
كما لو كان ملخصا للعلاقة التاريخية بين المثقف والسلطة كان فعل النيهوم ككاتب منذ ظهور هذه الدراسة ، كذلك العلاقة بين الكتابة والقارئ الذي يستمد منه الكاتب سلطته خاصة متى تحول إلي نجم غاية غايات أغلب الكتاب لكن النيهوم علي الخصوص منهم كان النجم.

يتبع ...


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home