Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Monday, 11 September, 2006

   
   

رواية

سـريب (3)

أحمد الفيتوري

عثرت الصبية على تلك العجوز ، فبادرتها على الفور :
- أيتها العجوز .. أعطنى سطلا لكى أجلب الماء من البئر .
ردت عليها العجوز :
- حتى تنظفى من شعر رأسى ؛ حفنة من الصئبان وحفنة من القمل .
فقالت الصبية :
- انزع منك سعدك وبختك أيتها الشمطاء . !
ثم قامت وطرحتها أرضا ، ونزعت منها السطل . حين بدأت فى استخراج الماء وقف بمحاذاتها موسى وعيسى بخيولهما المطهمة ، فقالا لها :
- اسقنا واسق خيلنا ..
ردت الصبية :
- سأسقى سوء طالعكما ..
وأضافت الصبية متهكمة :
- هل أطعمتنى أمى صاعين من الملح لكى أسقيكما ؟ .
ثم جاءت التفاحة فقالت :
- اسقيني .
أجابتها الصبية :
- سأسقى خيبتك ..
ثم جاءت البرتقالة فقالت :
- اسقيني ..
- سأسقى طالعك النحس !
شربت الصبية وطوحت السطل بعيدا ، وهمت بالرجوع فقام عيسى فقال :
- جعلك الله تمشين والسخط والجليد يتساقط ، وتبكين وبولك يتقاطر ..
ثم قامت التفاحة فقالت :
- كونى مثل تفاحة صائصة .
ورددت البرتقالة نفس الدعاء .
هرعت أم الصبية لأستقبال إبنتها فوجدتها قد جاءت لها بالشر : الثعابين ملتفة على ساقيها والسخط يتساقط حولها ، فلم تجد ما تخبر به الناس . فبقيت زمنا طويلا تفكر ؛ وفى يوم من الأيام جاء السلطان خاطبا يد عائشة لأبنه ، فقامت زوجة الأب وأعطته إبنتها ، وحجبت الطلب عن عائشة .حملت الصبية من ابن السلطان ، وذهبت عائشة لتزورها ، وحين آوان المخاض : ولدت ثعبانا ! .قامت عائشة بإخفاء الثعبان فى جزة صوف ، ثم ذهبت إلى بيتها . فيما بدأ الناس يوشوشون :
زوجة ابن السلطان ولدت ثعبانا ، زوجة ابن السلطان ولدت ثعبانا.
فى يوم من الأيام كبر الثعبان نما وترعرع ، ثم نطق فتكلم فقال :
-على ؛ إبنكم يريد الختان ، خاتنته قابلته عائشة بنت الحوات ! .
أسرع الناس يبعثون لعائشة أن تأتى .. وأن تختن الثعبان ، فقالت بأنها سوف تفكر فى الأمر .
بدأت عائشة تفكر ؛ فكرت كثيرا ، وأخيرا قامت وألقت إحدى تلك الزعانف فى النار فجأت لها السمكة فبادرتها عائشة بأن ( فكرى لى أيتها السمكة ، إننى خائفة من الثعبان ) .
أجابتها السمكة :
- اذهبى و لا تخافى البتة ، قولى لهم أن يأتوتك ببلطة ، ما أن تبصرى ذيله .. اقطعيه ، ثم رديه فى جزة الصوف .
ذهبت عائشة ونفذت ما قالته السمكة .
مرت أيام وكرت شهور وانسابت أعوام ؛ فازداد الثعبان نموا ، غلظ عظمه ، اكتظ لحمه وشحمه ، فنطق مرة أخرى وتكلم للناس فقال فيما قال :
- على ؛ ابنكم يحتاج إلى إمرأة ، قابلته خاتنته عائشة بنت الحوات .أسرعوا مرة أخرى يبحثون عن عائشة ، يخطبون يدها ، فطلبت أن يمنحوها فرصة للتدبر فى الأمر . فكرت عائشة فى الأمر المذهل قليلا ، ثم ما لبثت أن ألقت زعنفة أخرى من زعانف تلك السمكة فى النار ، فجاءتها السمكة مسرعة كى تبادرها عائشة :
- أنجدينى أيتها السمكة العزيزة ؛ كيف لى أن أتزوج ثعبانا ؟ .
أجابت السمكة ، غير عابئة بالأمر :
- لا بأس .
أفزعت السمكة عائشة من هذه الإجابة الغريبة ، فقاطعتها قائلة :
- لا بأس ؟ كيف ؟ ألا يبتلعنى ؟ ..
قالت السمكة بكل هدؤ السمك :
- كلا ، سوف لن يأكلك . وها أنذا أهديك إلى حيلة ؛ إشترطى عليهم أن يأتوك بحمار محمل بالحطب ، سبعة قمصان لك ، وسبعة أخرى للثعبان . واشترطى عليهم أن يسكنوك فى مسكن خاص . بعد أن يدخلوك إلى دار العرس ، اصنعى لهيبا كبيرا ،ثم احرقى فيه تلك القمصان : انت ترمين إلى اللهيب بقميص من قمصانك ويفعل الثعبان بقميصه نفس الصنيع . هكذا قميص تلو قميص حتى تاتى النار عل كل القمصان .. فى اثناء ذلك رددى هذه الكلمات :
- ارم ثوبا وسأرمى بثوب
استسلم ياولد السلطان ..
رددى ذلك سبع مرات ، وما أن تأتى النار عل كل تلك القمصان حتى يتحول ذلك الثعبان إلى رجل ..إنسان .
حين رجع الناس إلى عائشة ليستقصوها عن رأيها أجابت إنها قد قبلت ، واشترطت عليهم عين شروط السمكه ، فقالوا لها : حسنا .
بعدئذ أخذوها إلى بيت الزوجيه وصنعت ذلك اللهيب وتقابلت عليه هى والثعبان ؛ بدآ يحرقان تلك القمصان ، فيما اخذت عائشه تردد :
ارم ثوبا وسأرمى ثوبا.. اسستسلم يا ولد السلطان .
ما أن أتت النار على كل الأثواب حتى أسلم أو استسلم الثعبان ؛ لقد لاح شابا وسيما كأنه ظبى من الظباء .
تلك الليله بقى افراد اسرة الثعبان ساهرين ، لم تذق جفونهم طعما للنوم ، وعلى طول تلك الليله كانوا يقولون : ويلنا أيكون قد أكلها ؟
. لكن ما أن لاحت الخيوط الأولى من الفجر حتى خرج عليهم رجل كأنه غزال ؛ الأمر الذى أفرحهم ، وأدخل الغبطه فى نفوسهم ، ثم قاموا وأولموا الوليمه الكبرى ، أقاموا عرسا لمدة سبعة ايام وسبع ليال ، واكرموا كل الأحباب.
ذات يوم جاءت زوجة الأب إلى عائشه وقالت لها:
- عائشه يا إبنتى هيا بنا لنأتى بالحطب .
وافقت عائشه على اقتراح زوجة أبيها ، ثم أخذتا حمالات الحطب وذهبتا لتحتطبا ، بعد أن ملأتا تلك الحمالات قالت زوجة الأب لعائشه :
- عائشه يا إبنتى تعالى أسوى لك شعرك
استحسنت عائشه هذه الدعوه من زوجة ابيها ،وتركت المرأه تعبث بشعرها اذ سرعان ما استسلمت هى للنعاس . ما أن احست بأن عائشه نامت حتى نهضت ، وقفلت راجعه تاركه عائشه نائمه وحدها فى الخلاء الخالى . حين استيقظت عائشه لم تجد فى جانبها احدا ، تلفتت فلم تلحظ على مقربة منها انسانا ، نادت باعلى صوتها فلم يجبها سوى صدى صوتها ؛ حينذاك أدركت عائشه المصير الذى آلت إليه فطفقت تبكى حظها .
فى تلك اللحظَه حطت إلى جانبها عصفورتان كانت العصفورتان قد دخلتا فى عراك مرير ، وكانت احداهما قد اوشكت على الموت فأخذت تلفظ انفاسها الأخيره . لاحظت عائشه ذلك ؛ فأسرعت وقطفت وردة وبدأت تشممها للعصفورة المسكينه التى سرعان ما استعادت حيويتها ولم تمت . إحتفظت عائشه بتلك الورده ، ووضعتها فى حزامها ثم استأنفت بكاءها وعويلها . فى لحظه من تلك اللحظات حركت جفونها ، فأبصرت خياما من خيام البدو ؛ فاتجهت صوب تلك الخيام ؛ كانت تلك الخيام تعيش مأتما ـ مأتم شاب اختطفه الموت مخلفا سبع اخوات ، كان جثمان الشاب لم يوار التراب بعد ؛ لأن اخواته كن قد استغرقن فى البكاء . حين وصلت عائشه وجدت جثمان الشاب مطروحا فوق الأرض فتذكرت تلك الوردة ، فأخرجتها من حزامها وقربتها من أنف الشاب الذى سرعان ما شهق وزفر ، دبت الحياة فى أعظائه مرة اخرى لكى يرى اخواته ما زلن يبكين فصرخ فيهن قائلا :
- اسكتن ، كفى صراخا ..
ابصرت الأخوات أخاهن وقد عاد حيا ، فأسرعن يعانقنه ويقبلنه ؛ لكنه قال :
- بل قبلن وأشكرن هذه التى بعثتنى حيا ..
التفتت الأخوات إلى عائشه وأسرعن يعانقنها ، ثم أقام الجميع الولائم والتكريمات ، فيما بادر الشاب إلى عائشه فتزوجها . الآن إحتاج زوج عائشه الأول إلى عائشه ؛ فلم يجدها، أخذ معه غرابا وطفق يبحث عنها حتى عثر عليها ،عرف أنها زوجته، ما أن علم بأمر زواج عائشه حتى دخل فى خصام مع زوج عائشه الجديد : هذا يقول انها زوجتى ؛ وذلك يدعى الادعاء نفسه ، سمع الغراب بموضوع الخصام ، فنطق قائلا :
-يا عائشه كونى عائشتين ، ويا ايها الهودج كن هودجين ..
انقسمت عائشه إلى إثنين ، وأخذ كل زوج عائشته وهودجه .
ولدت حكاية وألف بعد أن خاط الصمت فم جدتى ، أخذت تسرد لنفسها . عادت جدتى الى ووجدتنى أرقص مخبولا بها ومخمورا بحكيها . مرارا وتكرارا ترحل عنى لكن هذه المرة طال الرحيل وتوج الوجوم وجهها طوال المدة الطويلة . هل كانت تحج إلى نفسها ، وأنها نذرت أن تكف عن مخاطبة البشر ، أم كانت تريد أن تغيظنى وأن أكره البقاء معها ؛ فقد عاد أبى يأخذنى بين الحين والحين غصبا وقهرا عند الفجر إلى دكانه الذى يبيع فيه كل شئ ؛ من حبة الأسبرين حتى المحراث والمخائط ، السكر والشاى ، الملابس العربية المصنعة فى البيوت ، العسل والسمن ، الشحم الملفوف فى ورق ردئ وقد صبر بالملح . انه دكان فحم وقاز ، فتيل وفنارات قاز ، سواك وبخور ، رز وشعير وقمح ، خبز وزيت ؛ زيت زيتون وزيت تريبيه أو البقايا من فتات الزيتون . دكان لوز وكاكاوية ، ابر وبابور قاز ، طماطم صلصة تباع بنصف قرش الملعقة ، خضار وفاكهة ، فحم وحطب فاسوخ وجاوى ، جير وملح ومعلبات متنوعة . هو دكان حلوى ديك صناعة محلية وحلوى مصنع كانون : حلوة بر الترك وحلوى ملبسة ، فلفل أحمر وأسود ، كركم وبهارات ، تمباك ومضغة . وله بجانب هذا الدكان مطحن لطحن الحبوب والملح والحلبة ، فى الخلف يوجد مخبز للخبز الابيض يجلب له الجيران الخبز من بيوتهم لاجل طهيها وطواجين من لحم وسمك ومحشيات ؛ كل هذا يتم بالمقايضة فالدكان محل للبدو . البدو الذين يجلبون لوالدى محاصيلهم من سمن وزبدة وخرفان ، من بيض ودجاج ؛ وهو يوفر لهم كل شئ حتى مكان استراحتهم يوم قدومهم المدينة ؛ يوم ايحدروا ، والمال الذى سوف يقضون به فسحتهم فى البلاد : السينما وشوارع المتعة الرخيصة والقمار الشعبى : الحمراء تكسب السوداء تخسر ، ويوفر أيضا استراحة دوابهم فى فندق الحمير ، البغال والخيل بدكاكين حميد المسمى الدار البيضاء . كان البدو يأتون كل فجر يوم جمعة ، أما فى بقية الافجار فكان يمر العمال كل يوم ـ إلا يوم الجمعة ـ حيث يجهز لهم أبى : 100 جرام سكر ، 50 جرام شاى أحمر مسكوف ، 50 جرام طماطم صلصة ، 50 جرام زيت تريبيه ، يلف كل نوع فى ورق أصفر خشن ، أما الزيت ففى زجاجة مشروب غازى فارغة ، إلى جانب ثلاثة أو أربعة أرغفة وأحيانا قليلة رغفين . كان عدد العمال الذين يستدينون من والدى فطورهم وغذاءهم يتجاوز ال 200 عامل ، يدخل كل عامل ممسكا بيده ورقة صفراء باهته من نفس الورق الذى تلف فيه حاجاتهم ، وعلى أن أكتب ثمن ما أخذ هذا العامل على الورقة ، وهو رقم ثابث لا يتجاوز بأى حال العشرة قروش . أكتب 10 أو 8 فقط فهذا هو المطلوب منى ، وقد طلب منى المستطاع لولا الشقاء والتعب ، يتم هذا من الفجر حتى موعد مدرستى ، طوال هذا الوقت أكون واقفا على كرسى حتى أطول الطاولة التى أكتب عليها دين العمال لذاك اليوم . أما البدو فلم يكن والدى يسجل لهم ما يأخذون من بضائع بل كانوا هم يعرفون ذلك شفويا ، يتحاسبون مع والدى ساعة يزورهم فى بيوتهم بالكويفية أو دريانة ، أو يزورنا أحدهم فى بيتنا الذى كان مضافة لكل زبائن أبى من البدو . ولوالدى فرن جير يجلبون له الحطب الذى يهربونه عن حرس الغابات ؛ هذا الحرس الذى كثيرا ما زار دكاننا - مثلما كان يزوره الورديه أي الحرس البلدى ـ ؛ لغرض الحصول على سجائر وكبريت وأشياء أخرى يسمونها ميزة . لقد بدأ لى أن فى صمت جدتى مؤامرة يحيكها أبى من أجل الاستحواذ على ، وإخراجى من جنتها كما أخرجت أمنا حواء سيدنا أدم .
لم يستهوني دكان الدنيا هذا ، ولا الأطفال الذين بدأوا يستميلوننى بعد أن ظهرت كابن لصاحب هذا الدكان . لم آخذ بمكر الطفولة هذا ولا بمداعبات رواده وخاصة البلهاء منهم الذين يحاولون استمالتى ارضاء لأبى ، وكان أثقلهم من يتركه أبى فى الدكان ويذهب لقضاء حاجته . مرة تبعت أبى وهو يحمل فى يده ما خمنت أنه علبة حلوى ولبان وعسل وسكر وشاى أعنى ما شاهدته قبل وهو يعده ، كنت أجر الخطى خلفه لالحق به ؛ الحت أمى على ثم زوجة أبى أن أطلب لهم الأذن لزيارة جارة رزقت بمولود ، وأن أحضر سكر وشاى وكاكاوية لكى يأخذونها كهدية لتلك الجارة . لهذا ألاحقه وهو لا يدرى حتى دخل براكة كوخ صفيح الرجل الذى لا أحبه ولا أذكر أسمه ، لكن هذا الرجل بالذات ـ دائما كان أبى يفضله على الآخرين ويتركه فى غيابه بديلا له ؛ الحارس الأمين للدكان . دخل أبى الكوخ ولم أتمكن من اللحاق به ، حاولت أن أتلصص عليه من ثقب الكوخ ـ وما أكثر ثقوبه ـ فشاهدت أبى يتأبط امرأة ذلك الرجل والتى تدعى جميلة ، إرتديت مهرولا مثل ملسوع ؛ بدأ لى المشهد غريبا مما يعنى أنه لا يجب على مشاهدته ، ولا الحديث عنه . لكن صمت جدتى بدون مبرر طال ، وغيابى عنها أيضا يطول بين المدرسة والدكان صرت فى حيرة وتلبسنى ذهول طائش ؛ كأنى لم أعد أنا صرت أكبر ، هذا ما أزعجنى فأبى يصر ويلح على أنى رجل ، وما بى مرض لتأخذنى جدتى من هول ما يرتب لى . أين المفر؟ بزغ الملاذ الجامع ، ففى الكتاتيب الشئ العجيب : ثمة فلقة وثمة عصا غليظة لكن ثمة صبيان؛ اندسست فى وسطهم كالهارب متسربلا بذهولى طائشا مما يحاك لى ، وبين عصا الفقيه وحفظ السورة برزخ هو سراطى المستقيم الذى ما فلحت فى اجتيازه ، الصبيان يرددون : سلم سيدى سرحنا حط اعظامه فى الجنة ، وقدماى فى وجه السماء تطلبان الرحمة من سيدنا الذى حطنى مطمئن البال ـ فى جهنم قبل أن ترتاح عظامه فى الجنة . من غياهب الخلوة ومن هول الدكان لم يكن ثمة ملاذ فصرعت بالمرض ملاذى ، عندما لم يكن ثمة مفر ( النمنم ) الحصبة كانت النجاة والمأوى حضن جدتى . أخرج جدتى من غيابها ؛ غيابى ، لفتنى فى بطانية حمراء وذادت عنى ؛ تقاتل المرض متمترسة بالعناية المركزة وبالحكى :
- ياعائشه كونى عائشتين ، ويا ايها الهودج كن هودجين ..
هل كانت بهذا تريدنى نص انصيص ، نص للمرض ونص للجدة ، وهل تقبل بالقسمة ؟.
انقسمت : بقيت اليد التى تحتى لى ، والعين التى خارج البطانية والقدم السفلى وجنبى ما فوق يدى ، لم يكن لى فم ولا أذن ، لهذا لم أقدر على تناول الحساء ولم أحس ما حولى ولا صوت سمعت ، دخلت فى دهاليز كنت ألعب مع نص المرض ( حلت وتحل ) لما وجدتنى فى دنيا النمل والنحل فى طنين ودبيب وكانت الشمس حمراء والسماء والأرض .
قالت لأمى : كل شئ حلو إلا المرض ، وكانت العافية تسرى فى بدنى ، الشقاء نقدر عليه بالعافية ، العذاب بالصبر ، الفقر بالمكابدة والدهر بالمغالبة لكن المرض أمر من المر ، غلاب والله غالب .
ما تعافيت إلا وأنى مخلوق جديد فالشيطان سرى فى جسدى ودم حار يمور فى شرايينى ، كأن المرض أخذ روحى ورزقنى البدن الذى لا روح فيه فهو عطش للإنفلات والتحطيم والنسيان . نسيت من كنت وتحطمت علامات الارشاد التى تعبت جدتى فى نقشها برأسى : اشتريت بخمس ملاليم فخا مصنوعا من خيط حديدى ( تل ) وتربصت بكل طائر ، وبخمس ملاليم مقلاعا كانت حجارته تطال كل كائن متحرك ، ما من دابة تدب على الارض إلا وصارت طريدتى . بخرتنى جدتى وعلقت حجابا جديدا بعنقى فالجن الأحمر لعب فى فراش المرض وسلبنى روحى أو كما قالت ، حينها كان خالى الصغير فرحا بى وبذا وجدتنى لعبته المفضلة .
- أنت ستكون أرجل واحد فى العلوة.
فى البدء طاش عقلى ، أخذنى الزهو وطرت مع كل شيطان رجيم ولم يكن لخالى مكان ولا مطرح فكنت ظله أشاركه فى نصب الفخاخ ؛ نجمع دود الأرض فى الصباح بعد أن أخذت أترك المدرسة لأكون الرفيق : رجل العلوة . عند أول سانية نحط حيث تحط الطيور فرحانة بالغلة ، بعد أن نطمئن على الفخاخ أزحف خلف خالى على الرمل مثل جندى صغير مثابر وندخل من فتحة من سياج السانية ؛ المزرعة الصغيرة المكون من سعف النخيل . نسرق كل ماتيسر من طماطم ، فلفل ، بصل ، معدنوس وفجل أو ماتيسر من غيره من الخضار ، السانية لا تزيد مساحتها عن مساحة بيت جدتى أربع أو خمس مرات لهذا يمكننا أن ننتهى منها فى أقل وقت . ثم نرجع لنعد سلطة ؛ شرمولة كفطور مع خبز التنور ؛ قنان جدتى فطور المدرسة ، اضافة إلى ما يستطيع خالى نهبه من مخبز أبى وهذا كاف وبزيادة ، لكن الحصول على شرمونة لا يتوفر دائما فأحيانا يكتشفنا صاحب السانية ويطاردنا . وهكذا لما نتم اصطياد مانتمكن من طير نعود للبيت مستعدين لفترة العصر للذهاب إلى السوق وبيع محصول اليوم ، هناك فى سوق احداش دكان الحاج فرج الملقب بتاجر الشعب ، الذى يبيع للفقراء زوادة يومهم منتظرا أن يدفعوا ثمن مديونيتهم متى ماتوفرت النقود ، وأحيانا يتبنى اسرة مات معيلها فيمنحها الزاد على حسابه . خالى وجد فى هذا الرجل الطيب الذى يرعى الزاوية الأسمرية كصوفى عتيد ، ضالته فجعله زبون محصوله من الطير؛ يبيعه الطيرين الصغيرين بنصف قرش ، الكبير بنصف قرش أيضا، أما أم بسيسى فبقرش فهو طير مبارك يحج كل عام لقبر الرسول . لما يستلم خالى ثمن الحرية نقودا يطلق الحاج فرج الطير فى الهواء . لكن العصافير الطليقة ـ لا يعرف الرجل الطيب ـ قد قصفت أجنحتها ، وأنها له ستعاد ثانية ليقبض خالى الثمن ؛ مرة أنه فالح فقد اصطادها ومرة أنه صاحب حيلة . بثمن الحرية هذا نحصل على تذكرة للسينما إن تيسرت ، أو لمباراة كرة إن أمكن ، أو حتى لكاركوز بازامة ، ولخالى سجارتين ولى زجاجة مشروب برتيللو باردة مثل ماء زمزم . عندما يأتى المساء ألتصق به مخافة أن يتركنى بين يدى الظلام ، ويسرح عنى مع أترابه فى سهرياته المعتادة ، كثيرا ما صفعنى عقابا على خوفى من الظلمة . و مرة أصر على أن أدخل جبانة سيدى اعبيد حينها سربلنى الرعب بطمأنينة المهزوم فدخلت أقانيم الليل مبحرا فى قارب مجدافه ؛ أن لا مخافة فى البحر من البلل ، ومجدافه الآخر أن لا امكانية للتراجع فالسفن قد أحرقها خالى عندما حذف بى من على سور الجبانة إلى داخلها ، وليس بالإمكان تسلق السور الذى بناته عماليق الجان ، والضلع الثالث الخجل الذى أخذ يلكزنى بيده على ظهرى لكى أتقدم فالبول فاح والعار لاح . لكنى كلما تقدمت فى ساحة الجبانة انتابنى هدوء مريب واجتاحتنى أصواتها ؛ شعرت باختلال فى السمع حيث ليس بإمكان المرء أن يرى يده : ثمة موسيقى فى الجبانة قلت فى نفسى أو نى .. ، لم أكمل فالمشهد إكتمل بفجيعة أن تجسد أمامى شخصان ؛ أحدهما يمسك بآلة موسيقية يدعونها عود إن صح ذلك ، والآخر ينصت إليه ، ثم فجأة : آآآآآآآآآآآآآآهـ فوجدتنى على الأرض : ووووووك .
هكذا انتبه لى الأثنان ، وهرولا نحوى يطمئنانى : ما تخافش ياحميدة أنا جاركم بوشوال وهضا صاحبى الحنش .
فقلت كمن طفا على السطح بعد أن شرب كثيرا من الماء : شنو اديروا هنا ؟! .
عمل بوشوال على تهدئتى فيما حاول الحنش أن يداعبنى بأوتار العود ، أفهمانى أنهما لم يجدا خارج سور الجبانة من يسمعهما فاستأنسا بالراقدين فيها . لم أفهم لكنى استأنست ، ثم أوصلانى إلى جدتى ، لم أنم أو نمت فى حفرة عفريت أغبر وسادتى ثعبان أرقط فقد أفقت أحس الوجع فى أطرافى ورأسى ، لكن جدتى أصرت على دلعى وأنها محاولة سمجة وغير متقنة للتنصل من المدرسة . طبعا تلقفنى خالى وذهبنا سويا لمدرسته ولتعاليمه فبدأنا يومنا المعتاد : الفخ ، الطير، السانية ، الخبز والشيخ فرج والثمن ؛ ساندوتش : نصف خبز ، تن ، هريسة وطنية ( فلفل أحمر مجفف بالشمس + كروية + ثوم ) ، زجاجة البرتيللو ، ولقد كان سخيا معى خالى الصغير هذا . بهذا سرعان ما أنسى صفعات الخال الذى يفضل الليل على النهار ، الليل ستار مغامراته ؛ هذا الستار هو عندى شريط رعب طويل وممل ، لكن ليس باليد حيلة فقد أطبق الخال وأغلق كل مسرب . إنى طير متخبل فى حبائله لهذا كنت أقف بعيدا كحارس ـ وهو وصاحبته خديجة يجلسان فى حقفة العلوة ؛ الكهف الصغير الذى قال أنه مربط مدفعية الطليان الذى يخافه الناس حتى فى النهار فهو مقتلة شهيرة أيام الحرب والسلم ، صاحبته هذه وغيرها من كنت مرساله لها : بعد المغرب فى الحقفة الليلة ! .
لم يثن خالى عن اصطحابى معه تهديد جدتى ووعيدها ففى الأمر فوائد جمة .
سرق الخال حوائج أمى من ذهب ورداء الحرير وقمجة وأشياء أخر لا أعرفها ، فى اليوم التالى سمعت جدتى ثم أمى ثم زوجة عمى وجاراتنا ، ثم من يترددون على الدكان وفى المدرسة أن عفريتة امرأة تلبس الذهب والحرير ؛ كانت قتلت ظلما من أخيها ليلة عرسها بسب أن فضت بكارتها قبل الزواج ، هذه العفريته ظهرت عروسا تحجل على مسرح أو ربوة الحقفة . لم أصدق ما سمعت لكن لم أعرف لما يصدق الناس ما لا يعرفون . وخالى لم يفطن أنى بهذه اللعبة لم أعد لعبته ؛ نفذت جدتى وعيدها فإذا بأبى يمسك بخالى وبيده سوط سودانى ؛ خالى الذى يخاف أبى قبل السوط :
- جاك بوسوط ونهارك .. قالت ذلك بشماته لخالى الذى أخذ ينقل أكياس الدقيق من بيتنا إلى المخبز ، فى البياض اختفى الخال واستعادتنى الجدة .
فى البدء كان السجن ، تحول البيت لسجن وضاقت بى الدنيا . هدمت بيت النمل ، تربصت بالعصافير والحمام الذى يحط فى وسط الحوش ثم قلبت ترابه ، بالفحم خربشت الحائط وحاولت تكسير قفل باب بوخوخة ؛ الباب الخارجى للبيت ، وجدتى ترمقنى بصبر وتعاملنى بتؤدة مما زاد حنقى . ثم تسلقت الحائط لغرض الهروب لأجدها بالمرصاد ممسكة بعصا زيتون ، فى عينيها شرر لم أره من قبل ، لم أخفها ولكنى شعرت وكأنها ـ أيضا ـ
امرأة لم أراه من قبل ، ولأنى أحبها وأريدها وجدتنى فى حضنها أبكى ، ثم فى سبات عميق أرحل ، عندما استيقظت كنت استعدتها .
فى البدء كانت الحرية لهذا سرحت مع قطعان الغيوم ، سبحت فى السحب التى هى كائنات التحول ، وأخذت أفاجئ الجميع تارة عصفور جنة ، تارة كبش ، غزال وفى أخرى كلب. لم يستهوني أحد فى هذه الفترة غير التجسد والحلول فى كائنات السحب ؛ أستلقى على ظهرى ثم أسرح معها وأغيب حيث تغيب ، فيما جدتى تحيك لى الحكايا ، فانيلة صوف بدأ لى أنها لا تريد أن تنتهى من هذه الحياكه ؛ فهى سرعان ما تفك ما أنجزت ، كأنها فى انتظار شئ يحدث ولا يحدث . ووجدت فى مسعاى للحلول والتحول والانفساح فى كائنات السحب مسعى يبعدها عن نفسها فلشد ما يعذبها : الذاكرة مخزن ما مضى ولا يريد أن يمضى والحلم ؛ كانت أحلامها كوابيس . لقد ولدت ميتة قالت ذات مرة لأمى التى ما فتئت تعذبها لما قررت أن تعود للعمل كخادمة ؛ بعد أن ضاقت بها الدنيا مرة ثانية : شوف ياحميدة الشغل ولا الهم وتقطيع الوجابى .
لم أدر هل جدتى تكلمنى أم تكلم حميدة آخر مدسوسا فى خزين الذاكرة ، لكنى أكثر من يفهمها ويحس بوجعها ؛ من هذا أخذت تصب على حنانها صبا فهى لا تريدنى أن أكبر مبكرا ؛ وذلك لمجرد كونى بكرى أبى [ الأبن الأول ] ، وأول من يفك الخط فى كل عائلتى . تمترست وراء حاجتها لى ووحدتها لكى لا يأخذنى أبى من طفولتى ، لكن رغبتها الملحة وحاجتها للعمل يعيقانها ويحطمان دفاعاتها ، فهيمن الهم عليها وسرحت مع جيوش الفكر تبنى وتهدم مما جعلنى أسمعها تردد : الولد لا يفيد حاجة ، هو ثقل حمل صغيرا وكبيرا ؛ فى الصغر يفتح فاه للقمة ، وفى الكبر يفتح فاه للكلام والأوامر ، الولد حاجة نحتاجها فى كل وقت ، وتحتاجنا فى وقت ؛ قبل الوعى . ثم تسكن إلى نفسها ، وكأنى أمسيت ثقلها الذى لا تستطيع التخفف منه لأنها لا تريد . أخذت السحب تجتمع وتندمج حتى غيبت الأفق ، فيما تصاعد التراب ليمسك بتلابيبها ، أكفهر وجه السماء حتى اندثرت ملامحها ، كانت السباخ المحاذية للبيت قد تشققت بعد أن سحب الناس ـ خاصة عبد الملح ـ بساطها الأبيض ؛ ملحها الذى يتعيشون عليه وتساقط أوراق الشجر القليل بالمقبرتين حتى دفنتا، نامت الشمس عنا ، صارت الدنيا تتدثر بثوبها الأسود مبكرا وكذا تدثرت الجدة وأويت إلى البيت ، وكثرت القطط التى تبحث عن الدفء ، توسط الكانون الدار وزوادة الفحم وأخرج زير القديد من مخبئه . تلبست التجاعيد وجه جدتى وهى المشغولة بإعادة توظيب سطح الدار واغلاق الشقوق بتبن البحر، كانت الحفر تتجلى فى وجهها اشارات غدر الزمان وغبن الانسان أوكما قالت أكثر من مرة ؛ لم تنفع الحناء فى اصلاح ما أفسده الدهر : شاب الشعر ولم تر الشباب مرة ؛ قالت أمى ذلك وهى تحاول التأكيد على بأن أبقى مع جدتى لأنها تحبنى وتحتاجنى ، والحق الذى أعرفه والذى تخفيه عنى : أن أمى تريدنى أن أبقى مع جدتى كى تضطر فلا تعود للعمل .. وخادمة .


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home