Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Sunday, 8 October, 2006

     
       

رواية

سـيـرة بني غـازي (2)

أحمد الفيتوري

عـمر المختار .. ميدان الحوت

أقبل نهار أنحرف عن جمال عبد الناصر إلى عمر المختار تاركا عن يميني ميدان الملح ؛ حديقة المجاهد التي تعج بالعصافير الطليقة ، وبنفر من البشر المكبلين بالهموم والتعب من أثر مراجعة المجمع الإداري ما يقع في الجانب الأيمن للحديقة مجانبا لمبنى صحنه قبة وطرزه تتشابك بين معمار اسلامي وإيطالي . هذا المبنى شاخ رغم أنه بنى في مطلع خمسينات القرن الماضى كمجلس تشريعي ، هذا المبنى شاخ ؛ شباب الجامعة حاد عنه لما لم يعد مكتبة جامعة بنغازي لسان حالهم أعمى المعري : أبني بجهلي دارا ، لست مالكها ، / أقيم فيها قليلا ، ثم أنصرف .
يوم ولدت افتتحت الجامعة الليبية في بنغازي ، فكانت كلية الآداب أول كلية وذلك في العام الخامس والخمسين من القرن العشريني ، في مبنى قصر المنار قصر الملك الذي كان قصر الوالى الايطالي ، بذا كانت بنغازي جامعة ليبيا وكان مبنى المجلس التشريعي مكتبة هذه الجامعة حيث تلتقي بطلاب العلم من كل ليبيا وباساتذة من أقطاب الدنيا . لم يكن المبنى كما هو الآن ، هدمت طائرات الحلفاء الكثير من المباني وأزال الليبيون غيرها ومنها ما شيد في مكانه مبنى المجلس التشريعي لولاية برقة : palazzo del tribunale هكذا كان اسم المبنى ذى الواجهة التي يتوسطها أقواس ثلاث مزخرفة تشكل المدخل ما في مقدمته درج ، على يسار المدخل أقواس ثلاث أيضا ومثلها في اليمين لكنها أقواس أقصر وهي تشكل مقدمة " روف " المبنى حيث تطل ست نوافذ ، في الاعلى تتبين قبة صغيرة وعلى الجانبين صومعتان صغيرتان ، أمام هذا حديقة صغيرة وارفة ، في الصورة هذا في الذاكرة أن فيه جرت محاكمة عمر المختار .
في الناصية رجل يمشى تعبا يشاكس ظله ، مشدود القامة يمشى لكن هذه القامة تؤمى بأنها قابلة الترهل ، الرأس حاسر يخفي علامات الطربوش والنظارة ظاهرة ، هذا الرجل طافح بما فيه ، تخيلته يقطع قلب الحديقة قطعة قطعة فيما سلف ، من خلتنى خلفه غير الصالح ، الأطراف تطوحت ، الرجل عن أختها ، اليد تنازع شمالها يمينها ، العيون زائغة ، في فضاء الحديقة ؛ قبعة الشجر المرصعة بالعصافير واليمام البرتقالي تشغلنى عن أن أرقب الرجل المشتبك في جسده والمتخبل في فكره يكتب في الذهن مسرحيته : عمر المختار ؛ خيال يطل كأن عبد الله القويري وهو عائد من المهجر المصرى حط هنا دون قصد أو روية ليسوح كخيال في مدينة مخياله ، أو هي كانت راقدة تنتظر : بنغازي شوارع تعيش آثار الحرب . كل ركن مهدم ، كل شارع فيه ما يدل على أثار القنابل والانفجارات ، المباني نصفها قائم والنصف الآخر خراب ؛ عمارات رمم بعضها وترك البعض الآخر . وأخذني ما أشاهد إلى أن استنكه النفوس ، فهي حتما مازالت تحمل بقايا الحرب واثارها في جوانبها . إنها تبدو ظاهرة الحركة ، نشيطة ، ولكن الشظايا في العيون ، مثلما الحطام في الصدور ، والعناء في القلوب . والصغار حملوا العبء من أجل لقمة الخبز . بنغازي مدينة في وطني ، وتظل قدماي تحملني وأدور في الشوارع عبر أزقة ، وحذائي يرتطم بالحصا ، وكثيرا ما تنهبع قدماي في حفرة ، لأعود واقفا أمام فندق النجمي .. مطيلا الوقوف قدر ما أستطيع ، فالريح باردة ، وما علي من لباس لا يكفي فصل الخريف . جئت لا أحمل شيئا غير ما تحمله كتفاي ، وكانت حلة من قماش قطني ، تدلت جوانبها ، وكان علي أن احتمل حتى استطيع استبدالها . واحتملت والشتاء يقترب فالشهر الأخير من عام 1957م ، تركت أحلامي منذ زمن بعيد ، وما ينتابني وقد أطبق على مدينة بنغازي غير ضيق يأخذ كل نفس ، فما أكثر ما يردد الفرد منهم كلمة : طايرة له ، تسمعها منه وهو يلقيها في وجهك دون اعتبار ، وربما لا تسمعها ولكنك تدركها على ملامحه أو تتلقى نتائجها دون أن تدري ..
يطل وجه عبدالله القويري من النص على المدينة برما وقد تلحفه البرد ، وفي عينيه أرى الميناء على شمالي فاصلا بيني وبينه شارع أحمد رفيق المهدوي ، جبانة السفن الميناء ومحيطها ، والمدينة ملاعب أوربية ترتع فيها قنابل و متفجرات ، تركة الحرب الثانية ما سوف تكون سوق التركة الذي في مطلع السبعينات من القرن العشرين أكلته النيران .
أنشغل عن وقدات القويري بشغب رجال الشرطة أمام مركز المدينة ، شمال الحديقة وقد هممت بـ عمر المختار الشارع الذي أتغي ، هذا المركز ملتصق بالخاصرة اليمينية لسينما البرنتشي سينما بنغازي ، التي بنيت كما بنى فندق برينتشي قصر الجزيرة حاليا ، عند زيارة الدوتشي موسوليني في مطلع العقد الثالث من القرن الغارب ، سميت السينما على اسم بنغازي الاغريقي برنيكي الذي ينطق بالايطالية برينتشي وعرب ببرنيق ، كذا يذكر مؤرخ المدينة محمد بازامه . في مطلع السينما مسرح مفتوح كمقدمة لواجهة الدور الأول بخلفية أقواس رومانية تتخللها نوافذ مستطيلة رأسية ، ركح هذا المسرح الخارجي تزدوج مهمته بين أن يكون مقاعد أصحاب الشرب كمتداد للمقهي ، وبين أن يكون خشبة مسرح الهواء الطلق ؛ في حالة تقديم عرض مفتوح على الشارع فإن قلبه مفتوح لذلك ونفسه مشروحة ، المدخل المرمري يتسع كالمسرح الداخلى صاحب الادوار الثلاثة : يتسع اللمة الكبيرة والزحمة . وان كان الركح ، كما الصحن والبلكونات تتسع جميعها حتى يعد مسرح برينتشي هو استعادة للمسارح الرومانية في فخامتها ، فإن الكواليس يمكن أن تدخلها سيارة بجرار وتخرج دون حرج ، لكن الحرج حقا أن هذا المسرح الشامخ طاله حريق شوهه وخسفه عن المدينة حتى الساعة دون صيانة ولا يحزنون ؛ فلا تبكي كما يبكي المكان طلة يوسف وهبي في الثلاثينات ، ولا نزار القباني في السبعينات أو أسابيع السينما الجزائرية والفرنسية منها .
في الخاصرة اليسارية لبرينتشي ثمة مبنى من نفس الطرز الايطالية للسينما حتى يبدو مولودها فواجهته / البراندة تصلح كمشرب أو كمسرح خطابي وكذا كانت عند بنائها ؛ هذا المبنى مقر الحزب الفاشي الذي تحول لمقر لنادى الأهلي وحاليا المصرف الأهلي ، وما غريب في ذلك فالمبنى صغير وحافل بالمسرات لكل بخيل ولا يحب جديدا .
أخال عبدالله القويري في المقهي ، وقد فاتني أن اسفل المبنى قد كان مقهي بازامه صاحب كراكوز بازامه الاشهر في خمسينات بنغازي وهو غير بازامه المؤرخ وان كان من عائلته ، وأن عبدالله القويري : تدثر بالظلام وطاف وحده بالمدينة فيما النوافذ تتلصص عليه وهو يحوم حول هذه البنايات الكئيبة كطائر فقد عشه .. أنفض المقهي وبدأ النادل يلملم كراسيه المبعثرة على الرصيف تمهيدا لقفله ، ودون ان ينظر اليه :
- استاذ .. تعاقب الليل ، ارجوك لملم كتبك أريد ان أجمع هذه الكراسى والمناضد داخل المقهى .. ، تفرس فيه .. حتى هذا يريد أن يتخلص منه . أنتفض على صوت سيارة تمرق وسط الشارع .. كان صوت موج البحر واضحا في صمت الليل ، ممزوجا بصوت حفيف الاشجار يسقط على الاسفلت مع وقع أقدامه . دخل الفندق وبالدور الرابع حيث حجرته الباردة ، تمدد على سريره بكامل ملابسه .. عقد يديه خلف رأسه محدقا إلى فوق .. إلى عنقود الضؤ المعلق بالسقف .. تحسس وجهه وبقفا يده اليسرى مسح دمعة كان يحس انها تسيل على خده من غير صوت ولكن بقهر .. ؛ رمضان عبد الله بوخيط مسرتسلا يكتب قصته : حكايات الماضي القريب في ركينة المقهي دون أن ينتبه أحد غير البحر الهائج ، ما يحوط من أركان ثلاث بنغازي شبه الجزيرة الليبية .
بين هذه الاركان الثلاث أمشي وحيدا مسورا بالبحر ، وفي البال خاطر ينسرب من خاطر على يميني مصرف الأمة ؛ روما سابقا وقبالته شارع يسده البحر عند ثلاجة الميناء ، في ركن الشارع ، شارع عمر المختار ؛ المصرف التجاري الوطني ، في منتصفه المصرف العقاري يحاذيه مصرف الوحدة فرع المختار ، ما أكثر المال ما أقل الجمال في هذا الخيط الرفيع من هذا الشارع الذي في طرفه شرطة السياحة حيث كان البنك العربي ، وفي نهايته في ميدان البلدية فرع للمصرف التجاري الوطني ؛ غص عمر المختار مالا كما رشق على الاوراق المالية ورشح هذا المال قبحا في هذا الشارع المغمور بالورق والمغفور بأوساخها . أمشي الهوينا مسورا بمبنى مصرف الأمة الحديث ، مبنى وظيفي ملطخ بالورق تستمد البشاعة منه ملامحها فيخرج علي مدرس سيارات ليوكد هذه الملامح ويصبغها بالعبث ، محاذيا المصرف الوطني ما يتمخطر في طراز ايطالي يصبغ حلة شارع عمر المختار ، و لاشئ يقطع خيط الوصل بين ما يجوس النفس من خواطر وأحلام يقظة شرسة تنبش العقل الباطن والبراني .
الرتابة تندس في المكان وفيروس الوحدة القرين ، مدركا أن ليس بمقدورنا أن نفهم من نحن ، نحن اللغز الذي لا يحرزه أحد ، مدشنا الخاطر بطلعة بهية مسافرا منفردا في الشارع و لا أحد يرانا أو يسمعنا ، نحن فقط نرى أنفسنا : هو يحث الخطى وأمشي الهوينا ، أقرب من الوجيب ولكن على خطوات مني ، أرقبه وقد تخطى الشارع المندس بين مدرس السيارات والبحر في طرفه الاول المصرف الوطني وفي الثاني كانت مكتبة عامة في الخوالى من الايام ، كنت من روادها أطالع مجلات الاطفال سندباد والليبي الصغير وسمير وأسرق ما أقدر من كتب الكيلاني ملخصات شكسبير وديكنز .. ، وكنت تركت خلفي المركز الثقافي الليبي في تقاطع عمر المختار وجمال عبد الناصر وكان هذا : مركز مرتع الصبا ومطلع الشباب .
الآن فقط بلغ الممر بدايته وبقيت في مكاني لا أتزحزح ، على يميني مبنى بريد بنغازي أسير تباريح الندم وهول الخواء ما طاله بعد أن كان فنار الشارع وحداثته تطوقه صناديق وألواح مطروحة محولة رقبة المبنى لعقد قمامة الباعة المتجولة الذين يطرحون : كتب عتيقة ومجلات قديمة وأقدم ، ملابس داخلية وخارجية ، بويات وما شابه ذلك ... ، في شمالي قبالة البريد العمارة ذات الأقواس الطويلة الممر و بين ما كانا سابقا المكتبة العامة ومصوراتي عوض عبيدة ؛ من هو من رواد الفن التشكيلي في البلاد ، من هو صاحب أول معرض دائم لفنان تشكيلي في البلاد ، بين هذه وهذه مكتبة قورينا : مقاعد أصحاب العقل ، في المكتبة طول وفيها عمق ظاهر ، في فترينتها على جانبي ممرها / مدخلها للكتب الليبية أساسا ، وغيرها من الكتب ، وفي الواجهة لوحات ونحاسيات شرقية زاهية بقدمها .
قبيل أن أندلف أسمع زائير أسد يقطع الطريق ولا أحد يستطيع مواصلة الرحلة ، قاطع طريق مميز بعد أن تمكن الجمع من تدبير أمر قطاع الطرق البشر ، اقترح أحد التجار أن يشترك الجمع في جمع ثمن جمل هزيل فدية لذا الأسد كى يخلى الطريق للسير للقافلة ، لكن عمر المختار لم يقبل ؛ فلم يلزم ذلك كما لم يلزم دفع الاتاوات للبشر ، وعدها علامة الذل والهوان ، اقتربت القافلة باصرار المختار من ممر الأسد ومربضه وانبر عمر المختار للأسد فأرداه قتيلا وسلخ جلده ليراه من لم ير . ذكر الطيب الاشهب أنه اجتمع مرة في خيمة المجاهد محمد الفائدي في دور المغاربة بالمختار ، وذكره بالاحدوثة فرد عليه عمر المختار : تريدني يا ولدي أن أفتخر بقتل صيد . تناهى الحكى من مكتب المكتبة لمسامعى وقد تخطيت الممر وولجت المكان ، يسيطر على التحفز والاثارة ، و متيقنا أن ثمة منارة يلوذ بها الأفراد المتوحدون ، وأن اليقظة زوال الحلم من الوجود : يا ويحهم نصبوا منارا من دم .

*   *   *

بنغازي في 19 أكتوبر 1911م

مدينة برتقالة عفنة عطرها البارود ومنارة سيدي خربيش تشى بها لفلك تندس في بحر الظلمات ، رعود وبروق تفلق ليل المدينة فتتبدى لبرهة صبحا فاجعا في غير حينه ، كل مسالكها خيوط عنكبوت ، كل فسحة فخ . القيامة الآن والصراط سكين يشق البرتقالة التي سيول دمائها تشق مجاريها ؛ خلائط من فرث بطون مبقورة ولحم مهروس وعظام مدقوقة وحديد وبارود ، قطط حائرة من فئران هاربة نحوها : أين المفر ؟ .
الأرض زلزل زلزالها وشعر السماء الحالك السواد اشتعل شيبا حنته نار موقدة .
ظن أن حزب الخوف كما استولى على حسه خبل فكره وأنه غائص دون قرار : أين المفر ؟ . أخذ يتخبط كقط مقطوع الرأس حيث هو غائص تشق كيانه سمفونية الرعب من ولولة وعويل وفرقعات وانفجارات ، تسائله نفسه كيف حدث هذا ؟ ، يجيبه صمت مباغت: ونحن غافلون . غافل غفلته وهيأ نفسه لرقود الأبدية حين مزقت الأفق المتلفع بالظلم رعود مرسولة من البحر ، جمع مزقه هاجس مرضعته متهكما مرددا : ما جاء من الغرب .. ما يفرح قلب .
تبين أنه الغريق في مفره ؛ طعم الملح الممزوج بالطين مس شفته السفلي التي عظها متشبثا بيقين ما ، شك في وجوده لولا دفء الدم ولوذعته ، قلع جذعه من مخالب سبخة فيما بعد تبين أن مفره هذا كان أول سبخة سيدي حسين على بعد خطوات من مهربه ، هج عن بيتهم قرب الميناء غاظه أن يكون مأسورا لأهوال اندست تحت معطف الظلمة الحالكة ، ومذرار مطر يدكه دكا كما تدك المدينة ساعتها دكا . توكد أكثر من كل مرة أن جسده بيوت وشوارع مقصودة بهذا القصف ومن توكده هذا تلمس حصاره .
لم يكن صاحب سفن كي يحرقها ومن سفن يأتي ما يحرقه ؛ كما باغتته الغفلة باغتته الوحدة وهما مجدافاه حيث مركبه : لعلعة رصاص من البر وانفجارات قنابل من البحر وكل هذا مستتر ؛ آخر بما يعرفه لا يعرفه ، حطاب ليل ونفسه حمالته ، تبا من نفس في جيدها حبل حيرتها ، تلمس حصاره مرة ومرة مفرا مدبرا معا لعل في المحصر فك العقال .
هج داسا وجله في هجة آهل المدينة إلى أطرافها عله يتبين الخيط ، ظنه أن ليس كل منسحب مهزوم ذلكم ما وكد لذاته ؛ أليس جسده بيتا إن اغلقت أبوابه فساحاته مفتوحة على الأفق ؟ .
لم يعط ظهره لأفق النار حيث شاهد الأشجار تطير والطيور تتخبل مصطدمة برؤوس بشرية مقطوعة تزاحمها الفضاء ، اختلط المطر بالفرقعات وجذوع نخل سابحة ، في انسحابه هذا مع الهاجين تكشف أنهم تهيؤا لقوس مرمى المدافع ، حيث يتمزق أجساد الأمهات ويتطاير من أيديهم التي وهنت لفائف رضعائهم، قفز حينا متلقفا لفة وكبا حينا كي لا تطاله شظية ، من هول ما سمع عد ما رأى نسج مخيال مريض كذا من هول ما رأى عد ما سمع وجيب قلب جبان .
قطع حيرته من دابرها بأن خرج عن حزب الخوف ففي كل مطرح تقابلا معا هو في فراره وعزرائيل في مطاردته ، منذ ساعات الليل الأولى والطرادات السبعة الراسية قبالة الشاطئ تطلق مدفعيتها وتسلط كشفاتها ، رصاص يلعلع في الأجواء لا يعرف من يطال ، لكن حزم أمره على أن عزرائيل قد يطاله من الظهر أيضا ، لذا توخى الحذر المشوب بتهور الخائف . تخطى السباخ سالما وتعدى حي البركة الذي تطاله مدفعية البواخر الحربية ، هنا اختلط الهاجون بجنود مرتبيكين وأهالي يحملون بنادق قديمة ، وكما رأى شرر الشظايا يتعقبه توجس شررالعيون ؛ تخفي مندسا بين النسوة متخذا سمة خادم يساعدهن في فرارهن .
تاه متخبلا في خيوط الفجر التي تسللت كثعابين من شقوق السحب الركامية . في قرية القوا رشة ، على بعد مسافة قطعها بشق الأنفس ساعد في حشد الأطفال تحت خيمة ركزت على عجل من أردية النسوة اللاتي صرن شبه عاريات . لم تسكت المدافع ، لم تسكت هواجسه ، لم يسكت الأطفال الصارخين والنسوة المولولات ، لم تسكت رعود السماء وسكت جوعه ؛ لم يذق الطعام مثل غيره منذ ظهرت الطرادات السبع وناقلات الجنود العشرين على الشاطئ فجر يوم أمس . في لحظته تلك التي لملم فيها كيانه سمع من يصرخ أن جنود النصارى ينزلون من قوارب في الجزيرة التي يفصلها عن المدينة سبخة، عرف أن ليس ثمة مطرح دون توكد من سبيل فاندفع في ذلك اللا سبيل لعل جبلا يؤويه . عند شجيرة بطوم حط رحاله حين تجسد الفجر كاشفا شتاته فيما تبين عن بعد المدينة تشتعل النيران في شمالها وغربها؛ هو من لم يغادرها البتة هاربا منها الآن أو هاربا عنها ؟ ، تاركا أختيه لما شاءت الأقدار وبيتهم لمدكات سفن غازية ، من بنى غازي إلى أين ؟ ، نهض متكئا على حيرته متوكدا من ضياعه ؛ من لا يعرف السبل . تسللت خيوط شمس ذهبية مندغمة في خيوط شعره ، وعند بركة ماء في الطين وقف ليشهد زرقة عينيه وحمرة بشرته كما لم يشهد قبل في مرآة ، وان شهد وسامته في عيون نسوة الجيران خاطفة أو في عين رجل مرتبكة . اغتسل وفك بالماء الشديد البرودة نفسه من شباك الوهن ، سجين هذه البطاح كما كنت سجين بيتك حدتثه النفس اللوامة ، استراب في أنه ضيع الطريق وتيقن من جوع وخوف، حشرت النفس في البيت من شهور عقب قتل أبيك ثم دفنتها دون موت بعيد قتل أمك هذا الهاجس الذي يطارده كما لو كان شيطانه المعلق في عرقوبه . رشفات من غدير عقبها قرقرة البطن ، لو لم تمطر لمت من عطش حدث نفسه بصوت اجتاز أذنيه وهزه في خلاء تملأه شجيرات بطوم والفراغ الذي يدفعه دفعا للتقدم نحو اللاشىء .
تعثر في ظله ساقطا في حضن بطومة عند تناصف النهار من لم يذق طعم النوم غرق في لجاجته ، ضمته البطومة عن وابل مطر ودفئه أنفاسها ، دون حس انحشر فيها وجذب دفء جسده حشرات ، لسعاتها أيقظته كما أيقظ الحك فكره ؛ وان لم تغادر مدينتك لكنها مدينة شبه الصحراء ، فطن أنه في طفولته كثيرا ما أشعل نارا بحجري صوان وأمسك باليرابيع وشوى القنافذ ، وآكل الفطر وفي أكتوبر مطالعه حفر مرات الأرض العفنة وغنم مد سوسها ، بل أيضا صاد الطير برمية حجر . نام قليلا كما أكل أقل لكن جسده نهض عن وهنه فغدي يستنهض همته الخروج من متاهته ، رقب عن بعد ذئب يرقبه ؛ تبادلا النظرات شده زرقة عينيه أو كما تخيل أن فيهما حيرة تنشد : أن منذ خمسة عشر يوما ؛ والرياح تفح محملة بتراب الصحارى ، الشبابيك مغلقة والستائر مسدلة ؛ ومصابيحنا انطفأت والصهاريج قد غيبتها الرمال ، العصافير قد هربت لشقوق الجبال والغصون تئن مع الريح ، ثم تهوى مجندلة في التراب ، السماء رمادية غير أن المياه ؛ هاجرت لضفاف البحيرات ، نحن نبكى ولكننا ، نتقاسم كل هذى المساواة . لم يتكلما لكنهما ترادفا وان عن بعد ، وان اختلفا في النوع استمد كل منهما وجوده من الآخر ؛ الذئب في مرقب وهو في خطوه يحث الخطى ، قائلا : إن لم يكن ثمة هدف الطريق هدفا، آنذاك خربشت الأظافر التراب وطارد كل منهما حجلا حط ، حجل في ربكته يختلس مسربا مأمونا ، مثلها طريدة إلى الفخ كالفراشة تحترق : شوى واقتطع نصيب الرفيق ، قبل رمى به إليه . الشبع ضاعف ضياعه ؛ عند المغيب قدر انه يحرث ما حرث ففك بطومة من اشتباكها ومهد مستراحا أنس من عوى الذئب الذي اعتبره حارسه، زاده نار تتقد ونفس مرجل ، دكن الظلام في عينيه ، دفع بالحطب ، توهج الضوء ، استعاد مشاهد ليلة البارحة من خيالات ناره ؛ السفن بانت عند الفجر لكن لم تعج المدينة بفوضى المباغتة إلا في الظهيرة ، لغط اللاغطون أن الطليان وجهوا إنذارا للحامية التركية بالتسليم ، لكن لا يتسنى ذلك بين دولتين أعلنتا حربا ضروسا بينهما . أخرجه من خاطره عواء ذئبة ونباح كلاب، نهض يستطلع الأمر لكن ما رهف سمعه يبدو بعيدا ، صباح اليوم التالي تكشف أن راعيا مر بالجوار فغضب من قلة المعرفة وكسل المحتار . نام من شدة الغيظ ؛ لقد طوحه جبنه في مهلكة دونها ما فر منه ، استل سكينا من المطبخ وهام في الشوارع يبقر بطون جند ترك ويقطع رؤوس جند طليان ثم مرق باتجاه قارب ينزلهم أشعل فيه النيران ، اشتعلت نار في بيتهم وانفجر من أثر طلقة مدفع ، طلعت أخته الصغرى حامل كما لم تكن والكبرى تمسك بين يديها مسخا ، سقط في حفرة لم ينتبه لها كانت قد صنعتها طلقة مدفع . جهد أن يخرج كلما حاول ازدادت الحفرة عمقا وامتلأت روتا ودما وقيحا وأطفالا غرقى يستصرخونه ، في هلعه امتدت يد تنتشله عند خروجه أخذت يد تقشع هلعه ؛ أمه بابتسامتها المعهودة وخلفها أباه يحرسها ويتجلى مع وهج الانفجارات كعبد أسود ، مسحت الأم رعدته ومراء الأب لمه وفي جموح اللحظة لام أبيه أن يتركهم ليقاتل مع الترك ضد الطليان ، وان كان مسلما ، وان أنقذه الترك من أهله في جزيرة كريت ساعة انسحبوا فارين وفر معهم ؛ جامعا بينه وبينهم الدين فاصلا بينه وبين أهله ، ما الذي حدث منذ شهور قتلك الدين في جزيرة رودس ؛ جزيرة من جزر أهلك . حضن أمه باكيا من لوعة : قتلك أبي ، ذلك الجندي الأهوج تركي يقتل عدوا ؛ إيطالية نصرانية ، القتل صراط جنته والحرب مبرره والانتقام سبيله . اختفيا كما لو لم يوجدا فنهض من سجدته مرتعشا ، انطفأت ناره بانهمار المطر الذي تحول سيلا جرفه عن مكمنه ، شهد الذئب من عينين باقستين تحت شجيرة البطوم المقابلة ، هلع من تربص الذئب ومن عدم تمرسه وقلة خبرته ، صرعلى نفسه أن تنام النهار تستيقظ ليلا ، لم يتمكن مرة من تحديد الاتجاهات وان أشرقت الشمس . لماذا لم يفكر في العودة إلى المدينة لا بد أن أمر انجلاء ؟ ، أجاب حسما أن الحرب لا تعترف بمسالم أو حياد لهذا توكأ عود بطوم ؛ عصاه سلاحه ولأغراض آخر وطوح جسده في ستر الليل لا بد أن ثمة مسلكا تسلكه الحير فيكون الفاتحة ، قد تعلم من أمه وأبيه أن للكربة منفرجة . قطع مسافة ليكتشف شجيرة بطوم آوته من منسكب المطر أشعل النار وجفف بالاقتراب منها بلله . صح الفجر فرقبه وعن بعد ثعلب يتسلل ، جفل النوم وهدته اليقظة لكن خربشة وثبته ليقفز جنبه أرنب مطارد اتخذ سلاحه حجرا وجندله ، الثعلب هرب ساعة عوى الذئب ، لذة الشواء سرت فيه ، نبض القلب . في اليوم الخامس من التغريبة حكى أن الذئب الذي لم يغادره لم يغدر به لكن الأرض ضاقت بما رحبت ، الطين الأحمر زاد ليونة والمسالك زادت صلابة وأنه ضائع لا محالة فأعطى الشمس ظهره متأملا العودة . في اليوم السادس شح المطر ، في اليوم السابع فقد الرفيق كما فقد الطريق و في اليوم الثامن لم يجد نفسه .
حين حل جند الطليان بالمدينة وهج أهلها إلى أطرافها ، انسحب جند الترك من حامياتهم إلى تلة بنينة وأقيم هناك معسكرا ضم كل المقاتلين من ترك وأهل المدينة وقبائلها المحيطة ، ظهر للعيان أن الرصاص خذلهم في صد الأعداء المتمترسين بالبحر ومدافع السفن ، الذين نزلوا في قوارب تحت حماية مدفعية ثقيلة تتقدمهم رشاشات كاسحة . في الأيام الأولى لم يعد أحد من أطفال ونساء قادرين على التشرد في قرية القوارشة وغيرها من القرى ، في الأيام التالية لم يعد لأهل القرى مقدرة على استضافتهم لم يعد ثمة زاد ، آلاف الأفواه والبطون خاوية . في الأيام الثامنة فطن بعض الجوعي أن الموت كامن في ملاذهم ، وأن منهم من ترك زادا من قمح وشعير في بيوتهم في مدينتهم المسلوبة ، فكر بعض البعض في التسلل والعودة . في الأطراف الأولى للمدينة ، بالتحديد في الأحياء المتطرفة وجدوا مدافن جماعية ؛ خلائط من جثثت أهلهم وجند ترك وجند طليان ومن هؤلاء الكثير ، عاد المتسللون على أعقابهم تفشت إشاعة : تفشت الكوليرا ، جلبها الطليان كما جلبوا المدافع الثقيلة والرشاشات الحديثة ، وكد ذلك أن ما قتل من رصاص المدافعين عن المدينة أقل بكثير مما دفن من جثت الطليان .
كما فقد الرفيق والطريق في اليوم الثامن لم يجد نفسه ؛ وجد جسده مريضا . حفر حفرة وجمع فيها الشيح وأشعل النار واستنشق ؛ كما شاهد جارتهم البدوية تفعل وكما داوته بالزعتر لما اكتسحته حمى ، التهم الزعتر الفائح ما حصد عن جنب ، جسده ناري وناره متقدة والبرد يلفح داخله فتصتك أسنانه يندس من غضب في داخله ويوقظ الجدوى .
نار الحطب والشيح والزعتر ، نار جسده ، نار الجدوى ؛ ثالوث ضوء فك أسره ، صاد أرنبا وحشاه بالفطر وتبله بالزعتر والشيح ، التهم ما شواء تنبه لشح الماء فاتخذ من آثار مخالب الذئب دربه . تلونت السماء بزرقة مخضرة وتشكلت لوحتها بسحب ثالجة زالت ريبته : في الأفق عواء ذئبة .
شاهد معلمته تركض مع الذئاب ؛ هذه الراهبة الإنجليزية ذئبة كما قومها هكذا كانت أمه تحذره فيما أبوه يوكد عليه أن يدرس على يديها اللغة الإنجليزية والطب وان يثابر أن يطلب العلم دين العصر الحق ، بكل قوة واندفاع ركض .. ركض نحوها حتى تلاشي في القطيع ؛ الشمس في حماها توجه ضرباتها وفي غمرت تشبثه بيقين ما ، صرعته . تجنب كثيرا الشمس ؛ نام النهار وجال بالليل لكن فقد مصدر للماء جانبه الصواب فتبين أنه حمار وابن حمار وحمارة أصيلين لهذا حفر طريقه بحافرين نحو كهف ضبع وعندئذ توكد أنه ولد في مدينة الحصار الأبدي ، مدينة جزيرة يلفها بحران بحر الماء الأزرق وبحر الرمال الأشهب . في يوم قد يكون بعد أصابع قدميه ويديه اختلط كل شيء ولول وصرخ في وجه الفيافي وعد النجوم اللامعة في ظلمة نفسه ، لم يستغرب شيئا منذ خاف القطيع وهام مفردا كالبعير الأجرب متعقبا آثر خطوه ، مربيته البدوية حذرته من سراب الصحارى وأطعمته لحوس العقرب ودست في عنقه حجابا يحفظه من الهوام ، لم تعرف أن الهامة التي ستعيقه الظل ، ظله الذي قسمه إلى اثنين في تلك المفازة كثيرا ما غرس أظافره فيه عله يوقفه ويستظل تحته : الوجود في الظل خلود . اتخذ من قميصه الممزق مظلة وحشر رأسه تحتها فلاذت عقرب به ، مد لها عصاه فتشعلقت بها ولأنها مثله تتشبث بالحياة جعلها عزوته في وحدته مواجها اله الموت الذي يمتد ويتمدد في الأفق ، الرمال جسد الصحراء الناعم تداعب خيباته وبلطف تستدرجه كي يتخذها سريره المخدر ، لو لم تطوح العقرب نفسها عن العصا لتقع على صدره لسلبته لذة الخدر إرادته ، طوح بالتعب عن صدره رفع العقرب سلاحه وقال في وجودك أرى فنائي . كان الفناء يحيطه حيث ما ولى وجهه وأشاعته روح الصحراء ؛ ريح القبلي في الأجواء ، تذكر أن هذه الريح تحول البلح لرطب فترطبت روحه واتخذها دليله إلى الشمال حيث البحر ، حيث مصب النار الذي فر منه بحرارة الروح ، لا بد أن مدينته تخيم الآن تحت الدخان بعد أن هجرتها الحياة ، مثل تلك المدافع والقنابل والرشاشات والرصاص لها وجه واحد هو وجه الموت ليس كهذا القبلي وهذه الصحراء ، قد يتقنع الجمال بالقبح في هذا الخلاء المترامي : ولولت الريح الجنوبية خلفية لعواء الذئبة وفحيح الأفاعي ؛ هذا الانبثاق في سكون الكون يجعل الحياة بالإمكان .
رسم القبلي على الرمل تشكيلات مضطردة فبانت للوحة مسارب ، تسربلت منها عشيبات متشبته بالأرض من موج الرمال تمد روحها للسماء ، مات القبلي فنام من وهن أفاق عند الفجر وقد جرفته سيول، تشبث بعشيبة طلعت عليه من ثنيات ربوة ، غريق الرمل بت أفقت غريق الماء : ليس ثمة فرق بين البحر والصحراء والدنيا في كل تعيش غريقا ؛ تذكر ما رددته عليه مرضعته البدوية وهو يغتسل في الغدير، بالماء تأنث المكان فأمكن أن يعول عليه . صاد ضبا أشعل نارا بصعوبة بعد أن رطب الماء الأغصان اليابسة وكذا الجذور ، فاحت رائحة الحطب المبتل وشاعت فيه رائحة الشواء فأطلق العنان لحنجرته : ان طال غيابي يالللا ..ما يطول سنين ، يا عين يا عين .. انت هنا والغالى وين ، يا عين يا عين .. الحوش العالى بو تركينه ، يا عين ياعين .. فيه زويل الريم بعينه .. يا عين يا عين ان طال غيابي يا لللا ما يطول سنين ، صمت ثم صرخ بقوة كيانه : ووووووه يا مولى الجنحان الطاير .. خبر لولاف بما ساير . في ندى الصباح الباكر لمح غزالة شاردة وجلة أطلقت عنقها ومسحت الفضاء بأنفها ، في قفزة كانت خارج المشهد ، وثب من مكمنه راكضا خلف سرابها ؛ ريم بنت الجيران شاركت أخته في الأيام الأولى التردد على المدرسة ثم مراجعة الدروس في بيتهم ، ريم تلكم حجبت في البيت كعادة آهل البلد العرب ، لكن تطلع بين الحين والآخر عليه في البيت لزيارة أخته أو شاهدها مرة خلف باب بيتهم أو من الشباك ، إن غابت عنه لم يبحث عنها إن طلعت عليه انبثق شوقه إليها ، في ركضه هذا كانت ريم هذه سراب الغزالة الشاردة . تبع ريم مرة طالعة من بيت الجيران ، متلحفة بجرد أبيض بدأت حمامة ، محاجر عينيها السوداوين يخرجان عن الجرد يكشفان الطريق ويتلصصان عليه ، في شروده لم يفطن لأخيها الذي بعلو الصوت : امشي بعيد يا ولد النصرانية ، شرد اليوم نهاره وليله وضاعت نفسه . تعب من الركض متنبها أنه أضاع آثار الغزالة الشاردة وأضاع الطريق ، حين ينهك ويفقد إمكان تحديد مكانها يقرر فسخ عقد المطاردة ؛ أن يتركها طريدة دون مطارد كحاله ، حينها يجدها محاذاة ربوة تركن ، بطنها تمتد وتنكمش وأنفاسها لاهثة وزبد لعابها يحوط خنفريها وفمها ، يستعيد دوره بعد هنيهة من التردد ، تعود ريم لزيارة أخته حين زيارتها ووالده بالبيت يغدق عليها محبته فهي ابنة أعز أصدقائه ، العقد الفيروزي الذي بجيدها هدية أبيه ، شده خيط والغزالة التي خفاها الأفق بعد أن شقته سهما واثقا ؛ الغزالة شاردة راكضة في حيرة كما هو . لم ينتبه البتة لدوافع هذه المطاردة خيط يغزل بكتمان بينهما ، حين أفاق من وثبته فسقطته وجد بين أصابعه الزغب ، لكن الطريق لم تعد الطريق .
تكدس البنيان ، عمارة على عمارة التي تعد على الأصابع في المدينة ، البيوت دكت ، فطست الشوارع من هول ما حدث ، جاب الجنود الطليان الخرائب بحثا عن حي ، لم يتمكنوا من معرفة جثت الموتى ، في تقريره لم يشر قائد الجيش الغازي للمدينة لأية تفاصيل تذكر غير أن جنوده طاردوا غزالة شاردة قيل أنها لجنرال الجيش التركي الميت .
أدرك بعد فوات الأوان أنه وقع في فخ الطريدة ؛ أينما ولى نظره وقع على تلال الرمل الناعمة محوط بكثبان النار التي تكونها الشمس في كل الماحة ، عاد القهقرى ومن القهر الذي انتابه غرس جسده كوتد ورفع يديه ؛ ما لم يفعل في بحر مدينته المتلاطم بأمواج النيران ساعتها ، الآن فعل في بحرها الجنوبي الساكن حد التلاشي ، هجس أو لمح أو حلم أنه في مقبرة الثعابين هذه نهض صل ونشله من غيه ، شاهد الغزالة في قطيعها ترشده الطريق ، الذئب حارسه يسحب الظل منزلة الخلود لجسده المكتوي بلوعة وحسرة التو هان ، وروح الصحراء ريح القبلي يغطيه بمعطفه نسج الرمل ، من هذا النسج تكون الجن والغيلان ، سمع لغطا لم يتبين معناه لكن فهم أن ثمة عراك بين قبيل العفرته و قبائل الجنون حول من أحق به ، قال الجن أنهم آل الوطى وحاجة الوطى ما تنعطى ، قال العفاريت أنهم آل السما وانهم أحق به لأنه يرفع أيديه للسماء مستغيثا ، خرج خصيم آخر ؛ دبيب الأرض قائلا : لنا اللحم ، للجن العظم وللعفاريت الروح ، بهذا اشتد نزاع وعراك وفي خضم معركة ووطيسها بدأ أنه يخرج أخر نفس .
ما لم يشاهد أن هذا العراك في المدينة دفع بالمدافعين إلى أن يتحصنوا بتلالها المحيطة ، ما لم يشاهد أن الجيش التركي المنسحب المتخذ من التلال وكرا قد زاد عددا وعدة بعد أن التحمت به القبائل القريبة بالمدينة ، وأن بعضا من جند هذه القبائل قد تطوع في حملة تجنيد لأبناء القبائل الأخر ، كان سيموت دون معرفة أن أختيه اغتصبتا ، فاطمة الكبرى هربت أثر سقوط قنبلة على بيت الله / الكنيسة الذي تعيش فيه الراهبة الإنجليزية من آوتهم من الطلقة الأولى التي استهدفت المدينة ، فاطمة في هربها وقعت في يد جندي إيطالي سيشلياني ، سمع من قس يوناني أن الترك قتلوا منذ أيام امرأة سيشليانية ؛ اغتصبها بلذة المنتقم ، أخته الصغرى مريم اغتصبها أحد أبناء المدينة من العرب ، بعد أن شاهدها تجبد الماء من بئر البيت الكنيسة ، ظنها نصرانية فاغتصبها انتقاما لاغتصاب جندي إيطالي لبنت مسلمة تدعى فاطمة ، لم يشاهد ميلودراما الحرب هذه لكنه سمع عنها فيما بعد . لم يشاهد وهو يكاد يطلق النفس الأخير جسده وتدا في الأرض ويديه مرفوعتين لأعلى ؛ جناحان ، ضارعتان ، مستسلمتان ، تلوحان ؛ كل فيما بعد أؤول ذلك لما يحب ، مسرحه ربوة عالية مغروسة حولها ربوات أصغر ، سياط الشمس الذهبية يعكسها بياض بدنه ، في الصفار الذي يلون اللوحة ظهر كنقطة بيضاء يمكن تلامحها من خلال التباين غير الظاهر للعيان ، لكن يمكن حسه ، من بعيد في اللوحة تشكل أسود كظلين يزحفا في الفضاء ، دنا الظلان من الوتد وانتشلا الجسد قبيل النفس الأخير : لا اله إلا الله محمد رسول الله ، بلسما الشفتين المتيبستين بعطر الماء فتنمل واقشعر في ، نفضه واحدة ، شهقة واحدة ، نفس واحد ، غمرته الحياة وارتسمت على شفتيه بسمة الراحة .

*   *   *

بنغـازي في 24 ديسمبر 1911م

طير أبابيل تطلق رعدا يعقبها دخان أطلق البعض هذا على ما يخترق السماء ويجوب فيها ، حار الكثير من العسكر في ماهية هذه الطيور القريبة منهم ، تجرأ غيرهم مطلقا رصاصا في مواجهتها ، لكن الجميع لم يدرك ما يرى و لا قبل ببعض التفاسير التي يروجها قادتهم . أشار قائد منهم أن الطائرات تستخدم لأول مرة في استطلاعات حربية ، وأنه رآها في باريس في رحلات جوية استعراضية . ذهول الاكتشاف جعل جميع من في المعسكر يستهين بالأمر خاصة أن الطائرات لم تطلق غير ضراط الحمير كما تهكم أحد الجنود .
اتخذ الجيش الإيطالي من المدينة حصنا كما اتخذ الجند الترك ومن التحق بهم من آهل المدينة والقبائل من ربوة قرية بنينا ملاذا ، لم تنفع الإيطاليين محاولتهم خرق الحصار كما لم تنفع الترك مناوشات الأهالي في استرداد المدينة ، هكذا تحولت الحرب إلى ساحة تربص .
الإيطاليون يحفرون الخنادق التي خرجوا منها أكثر من مرة لكنهم ردوا على أعقابهم ، الأتراك غص معسكرهم بفوضى أبناء القبائل المحيطة بالمدينة وغيرها ، جميعهم يلح على القتال ، أغلبهم لا يملك حتى خرطوشة ؛ بهذا بدا الجنرال عزيز بك المصري قائدا للأماني الطيبة ، فيما كان الجنرال الإيطالي بريكولا قائدا للتوجس .
تبين هذا بعد أن انتشل من نهر النسيان الذي كاد أن يلتهمه . جلبت بدوية عجوز هي بمثابة طبيبة شعبية في المعسكر ، وجدت جثمانا كالشمع الممسوس بالنار مسجا على عباءة سوداء ، بعض المقاتلين الفضوليين يحوطونه .
- تهضا لمن .. ؟
- ممكن من البناغزة .. مصراتي !
- ممكن نصراني .
- النصراني ما يخش صحراء .
- والمسلم ما يريح فيها .!
لم تنبس العجوز لكنها دفعتهم بتبرمها إلى الخروج من الخيمة ، دهنت الجسد المسجى الذي خشبته حروق الشمس بزيت الزيتون الدافئ ، قامت بطبخ بعض الأعشاب وأخذت تسقي مريضها قطرات من سائل ما طبخت . لم يفطن أحد للعجوز التي تركت المعسكر واتخذت من مريضها الذي لم تتركه البتة ، حجة للغياب .
صارت العجوز ترقبه في جولانه وترعاه في توهانه ، جمع روث الإبل وأوقد النار كثيرا ، مرة فاق مبكرا وخرج عاريا يجول ، أعاده رجال برمون من تصرفاته التي أقلقت بعضهم ، مرة حلب ناقة ثم دلق حليبها في فمه فأصيب بإسهال أعاده للفراش ، هكذا جلبت العجوز فقيها قراء بعض الأوردة على طست فيه ماء جعلته يشربه غصبا ، ثم جلبت حجابا ربطته بخيط في عنقه . في غيابه عثر على طفولته سابحا في الغدران ، يحلب عنزة مرضعته ويشرب لبنها ، مطاردا العصافير بمقلاع وحجارة في جبانة سيدي خريبيش ، تائها وراء بوسعدية المهرج الأسود الذي يضحك الأطفال ويجمع من الكبار الصدقات ، مادحا في المولد النبوي في الزاوية المدنية . غرق فيما عثر عليه والعجوز تقوته من طبخها ؛ خلاصة لحم ديك سمين متبل بأعشاب أفواه الغابة ، بين هاتين اليدين الحانيتين وجد أن الغيبة مراده فلم يريد أن يفيق لو لم يمس سمعه طشيش نار وحديد يصهد ؛ عدة الكي فطن لذلك فتجسد واقفا باتجاه مخرج الخيمة ، جال المعسكر فطن الكثيرون لوجوده دون أن ينتبه لأحد .
كاد الغريق في نهر النسيان أن يذهب في النسيان لكن العجوز افتقدته ، صرحت للشيخ السنوسي من شيوخ المعسكر أن المفقود ابنها بالرضاعة ، أمر بالبحث عنه في الساعة .
لم يصدق أحد عينيه جمع من المقاتلين المحليين ؛ المجاهدين عادوا من غارة على قوات العدو المتحصنة في المدينة بأسير إيطالي جريح ، جميعهم متوكد من أن الأسير هو نفس الشخص المفقود الذي تدعى العجوز بنوته ، بكتهم ملبسه ؛ بزة ضابط طلياني ، رطينه الطلياني .
حالت العجوز بينهم وبينه واستعانت بسيدي عمر أن أسيرهم جريح فحق مداواته ، خلاه لها اختلت به محاولة أن تستنكه سره لكن حال دون ذلك رطينه ، داوته ببعض مراهم أعشابها ، حاط حرس من البدو بخيمة العجوز منذ سلمت الأسير ودام لغط في المعسكر أقلق قادته ، طلبوا صباح اليوم التالي الأسير ؛ العجوز ومساعداتها من بنات البدو ذكرن أن حاله زاد سوءا بهذا خف اللغط لكن الحيرة تفاقمت . في خلدها أن للجرح الكي ، لكن آخر الدواء الكي ، شكمت نفسها عن العجلة ولم تكن يوما عجولة لكن رجال آمن المعسكر كانوا بحاجة لأبعاد الالتباس وتقديم تقريرهم لرئيسهم .
ما اسمك ؟ .
أحمد .
بالكامل ؟ .
أحمد حسين حراكس .
كم عمرك ؟ .
18 سنة .
أين ولدت ؟ .
في مدينة بنغازي
ما جنسك ؟
أوراقي عثمانية
ما دينك ؟
مسلم .
ما معنى اللباس الإيطالي الذي تلبسه ؟
لا أعرف .
كيف تم أسرك ؟
لا أعرف .
تقول العجوز
أمي رحمة
تقول إنها مرضعتك وأنها تعرفك ؟
هي تعرفني قبل أن أعرف نفسي .
نقل تقرير مبتسر حسبما علق عليه رجل الاستخبارات التركي الذي أضاف : من جمع المعلومات تبين أن المدعو أحمد حراكس قريتلي من الجالية الكريتية المسلمة ، التي نقلت من قبل السلطة التركية حوالي عام 1883م إلى برقة من جزيرة كريت عقب انسحابنا من هناك ، وان والده حسين قد تطوع مؤخرا في قواتنا التي اشتبكت مع الجيش الإيطالي حيث قتل ، وأن أمه تدعى ماريا ابنة إيطالي من الجالية المقيمة في بنغازي عرف بكنية السشيلياني نسبة لجزيرة صقلية حيث موطنه الأصلي واسمه آلبيرتوا . وقد قام بأسر المدعو أحمد حراكس مجموعة مقاتلة كلفت بمهمة مناوشة مع العدو ، حيث وجد منفردا وجريحا في منطقة تبعد كثيرا عن مواقع جيش العدو .
جمعت هذه المعلومات من بعض أهالي المدينة كذلك بعض جنودنا تذكر صلة به حيث درس في المدرسة التركية بالمدينة ، علما بأنه يجيد ، إلى جانب التركية والعربية ، اليونانية والإيطالية ، وشيئا من الإنجليزية .
على اثر ذلك استدعاه آمر المعسكر عزيز المصري الذي أحاطه بعنايته طلب منه العمل مع إدارة المعسكر وأن ينضم إلى المتدربين على السلاح ، غير أنه لاحظ مراقبة من قبل بعض الجند وكذلك تبرما من قبل الكثير من رجال القبائل المقاتلين وغيرهم ، لاحظ في عيونهم الريبة وتناهى إلى سمعه همسهم كلما مر بهم . باغته عزيز مرة بسؤال عما رأي في معسكر المدينة ؛ لما أجاب بأنه لا يذكر لم يلح عليه ، فقط طلب منه أن يحاول وفي مرة أخرى يقدم ما يتذكر مكتوبا ، ألح على من أصر على دعوتها بأمي رحمة أن تستذكر معه حاله وما ردده في غيبوبته . طلب لخيمة عزيز المصري كي يترجم بعض المستندات الإيطالية منذ ذاك صار كثير التردد على خيمة القيادة ، ساوره قلق من حاله وذاكرته الرائبة فدس رأسه في تبن اليومي من تدريب ومهام يكلف بها حتى لفت نظر الجميع بنشاط وفاعلية متميزتين ، طلب أكثر من مرة المشاركة في مناوشات المقاتلين للجيش الإيطالي وإقلال راحتهم ، واستدراج جنوده إلى خارج الخطوط ، أو القيام بعمليات تسلل ومباغته للمدينة لجمع معلومات ، ومعرفة وضع الإيطاليين المحاصرين داخل المدينة . لاحظ اهتمام دائم بتدربه وعمله من قبل قائد المعسكر الذي فجاءه مرة يكتب فطلب معرفة ما يخطه ، وقف محييا القائد تحية عسكرية ثم تقدم وسلمه أوراقه ، دس عزيز المصري رأسه في الأوراق ثم أمره بالانصراف ، لم ترجع كما لم يطلبها هو أيضا حتى استدعاه بعد ما يقرب الأسبوع حيث أعاد إليه أوراقه ، ربت على رأسه مقترحا أن يستمر في الكتابة على نفس المنوال . ساس الخيل زيادة على التدريب والعمل الإداري الروتيني حتى في يوم اقتلع من فراشه آخر ليل 24 ديسمبر ليجد نفسه في معمعة المعركة ، في هجوم شامل على القوات الإيطالية تركزت بصفة خاصة في منطقة الهواري على مبعدة كيلومترات من المدينة . في الأيام التي خلت اختلى مع عزيز حيث ترجم وكتب بعض التقارير ، ساعات طويلة قضياها منفردين ، وتحدثا في مواضيع تخص المدينة وأهلها وأهله ، كذلك طلب منه القائد أن يعلمه اللغة الإيطالية مقابل أن يعلمه هو الألمانية ، وهاله كثيرا ما يعرف عنه من معلومات . في مرة فاتحه بسؤال أدهشه حول أين يجد نفسه ؟ ، لما غرق في المسألة ذكر عزيز أنه بهذا السؤال كما لو كان يسأل نفسه هو المصري ذو الأصل الشركسي الذي يعمل كضابط بالجيش التركي - تعلم وتدرب من قبل ألمان - من الجماعة العربية في عاصمة الخلافة الإسلامية ؛ الآستانة وهو يقود هذا الجيش المكون من قلة من جند الترك وأغلبية من قبائل بدوية عربية في برقة بشمال أفريقية .
في الأيام التالية لم يترك خيمة القائد الذي كلفه بخدمات خاصة ، ثم جلب ضابط من الاستخبارات كي يدربه وأحد أتباع الشيخ السنوسي الذي في مهمة قاما بها معا خلف خطوط الإيطاليين صارحه : لقد قمت طوال الوقت بمراقبتك وتابعتك حتى داخل المدينة حيث عدت لبيتكم المهدم جزء منه ، دون أن تعقل ذلك نمت في سريرك ، خرجت بعدها تهيم في الشوارع المقفرة الغريب حين انتبه جندي إيطالي لوجودك أخذت تتكلم وكأنك واحد منهم ، لكن لما غار المجاهدون على المدينة تلك اللحظة ضعت منى ، حتى رأيتك ببدلة الطليان مأسورا في معسكرنا ؛ لم يفسر هذا الدافع الذي جعله يعود لبيتهم في تلك الحالة و لا كيف تحصل على بدلة ملازم ، بل زاد الغموض توجسه . شارك في العديد من المناوشات الصغيرة وقدم تقارير خاصة إلى القائد كان يأمره بإعدادها ثم يراجعها معه مدققا في تفاصيلها ، لكن في غير ذلك تعصره وحدة ، تنغرز في ظهره نظرات ريبة وتشكك في سلوكه ؛ عادة ما ينعت بولد النصرانية إذا ما نجح في أية مهمة أيضا إذا ما فشل ، بعض القادة والشيخ السنوسي يشيدون بنجاحاته وأمي رحمة تتكفل بمسح دموع الفؤاد .
انصهر في ، يومياته مدونا ومختزلا ، أحيانا في قراءة وترجمة الصحف الإيطالية التي تتحصل عليها القيادة بطرقها الخاصة ، كذلك قراءة مصحف القرآن الكتاب الوحيد المتوفر في المعسكر الذي لا يتوفر الوقت فيه . تدريبات صباحية يتلقاها من ضباط ترك ويقدمها إلى الشباب العرب من مدينته أو ضواحيها، وإذ لم يكن في القيادة ؛ يساعد أمه رحمة في تطبيب الجرحى ويعلمها بعض من معارفه الطبية الحديثة حيث تقوم بدورها تعليم بنات البدو ، هكذا غاص في يم الحرب ناسيا تفاصيل كثيرة مما ألم به ، كما لم يعد يستفز من نظرات بعض المستريبين . فهل المصادفات هي التي أجبرته على أن يرتدي لباسا لا يكن له حبا خاصا ؟ ، هو المتوحد إلى أبعد حد أخذ يسود دفاتره بما يري ، حاسا أنه يبتر الدمل بمشرط الكتابة التي كثيرا ما رددت عليه : قل لي من تتجنب ، اقل لك من أنت ، لكن أبدا لم يكن شاغله من هو ؟ ؛ حيث شاغله في الصحراء كما في هذا المعسكر الحياة غرفته التي يستظل بها من كل شمس ، حينها قطعت أمه رحمة عليه الطريق بقصعة صغيرة تحتوي على مثرودة من خبز تنور و زبدة ضان وعسل غابة ، تقوته بحرص شديد ودائب ؛ كي تقطع دابر المرض الذي هو حجتها لطعام كهذا يندر أصلا في غير زمن الحرب . في حاله هذا تفاجئه طفولته لاعبا بقدح اللبن الذي يد حنونة ترغمه على شربه ؛ تربي بين يدي مرضعته من يدعوها أمه فيما يسمي أمه بسمها ، فإذا كان في الرحم تقوت من جسد ماريا فإنه خارج الرحم تقوت من جسد البدوية رحمه ، من يستطيب طعامها عن غيره .


     
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home