Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Friday, 8 September, 2006

   
   

رواية

سـريب (2)

أحمد الفيتوري

لا أنام الظهيرة ، فالليل يتسرب مع ظلي يحتوى يومنا وإن جاء ، جاء النوم ، فالظلام قاهري وجدتي ، وليس من سلاح غير فتيلة تنوس فى حفرتها بجدار الدار المواجه لمدخلها، لما ينوس الفتيل تنبثق ظلال وظلال ، فى هذه الظلال يكمن الوجود ؛ فيها أول الليل أطفال و عصافير ورجال وطيور ونساء وحمام وحملان وغدران ، فى آخر الليل أشباح وغيلان ومساخيط وكل ما ( دب وهب ) . فى أول الليل يسيل اللعاب فى آخر الليل يجف اللعاب ، فى أول الليل ينساب الكلام فى آخر الليل يسيل الخيال . وما أكثر الليالي التى يجب أن نباتها جوعي ولأن بطن الجائع عدوه فإني أشتبك فى معارك طاحنة والجدران التى تدر الأشباح درا ، وتسيح المساخيط والغيلان فى الخيال سيلا ، والحق على الدار لا الخيال . كأني أقاتل الجوع بالخوف ، أو أن الخوف زوج الجوع وأنى ربيبهما . ولأن الجوع رجل فإنه يقصى الدفء ؛ الأنثى عنى ويجفل النوم ؛ الطفل البريء . وإذا فى ليلة ليس ثمة برمة أو كسكاس كيف للنوم من سبيل ، ما أكثر ما تدثرت بمثل هذه الليلة فأصبحت عاريا .ومابى مرض لتنشغل جدتي بى ، وحيد وفى الدار وحتى فى الفراش كل عدو ، والعدو لا يخون ، فكيف لى أن لا أعطيه بظهري وأتمترس بالهامة التى تسمى الشمس فآخر الليل أول النهار أوكما يقال .
النوم أخذ جدتي منى حين كنت محاصرا بين جدار الغرفة وبحر الغيلان ، لم أفاجأ مثلما فوجئت بذلك الصبح الذى تفتق بغتة ، ووجدتني أحضنه وهى تحضنني ، اجتاحتني غبطة النجاة بل غبطة المنتصر ؛ فقد ولت جيوش الليل مدحورة كما اندحرت غيلانه . لما منحتني كوب الشاى الساخن كنت ساعتها أطير مع عصافير الصبح ، خرجت إلى المدرسة فرحا باليوم الجديد . وبدأت مهامها بالمكنسة التى هى عرجون بلح أنزل من عليائه لما ثقل بالتمر لمهمة جديدة ؛ أن يكون سلاحها فى مطاردة الرمال والوقت ، لما تنتهى هذه المهمة يكون وقت غسيل أي قطعة قماش ، ثم آواني الشاى فالمطبخ ؛ فإن مهمة النظافة مهمة يومية من ضرورات الحياة وإثبات الوجود. وكثيرا ما وجدتها فى حوار ساخن مع آنية طعام أو قطعة ملبس حول ضرورة النظافة ، ولم يكن هذا الحوار يختلف عن محاورتها لى وهى تقوم بتحميمى فحتى القطة تنظف أولادها فكيف بابن آدم ؟ . حين تبدأ فى إعداد طعام الغذاء يكون الوقت أزف للخروج من البيت لزيارة جار أو لشراء حاجة ؛ فنحن أبناء للوقت يفعل بنا ما يشاء ، لما يملنا يأخذ أمانته الروح ، ويترك أجسادنا لصاحبها ؛ للتراب . حين تضرب جدتي التراب بالعرجون تبدو وكأنها تتوجع ، ويظهر عليها الخوف ، أما عندما تنظف الكنيف فإنها تتمتم بالقليل الذى تعرف من القرآن مخافة أن تدوس فرخ جن يلعب ، أو جنية تداعب وليدها أو جن يغط فى نومه ؛ فالكنيف بيت الجن ، ولا يحق اللعب فى هكذا مكان . كثيرا ما أوقدت فحم الكانون ورمت فى النار بالبخور أو الفاسوخ والجاوى ثم تبخر بيت الجن لتهدئ من روعهم وتنعش أرواحهم ، وكثيرا ما اختنقت من البخور فى الدار . ولخوفها هذا فإنها لا تزيل الحجاب المعلق برقبتي أثناء تحميمى حيطة من فرخ جن يرغب فى ملاعبتي ، لقد أرعبتها كثيرا وهى تحممنى لما أخذ فى تحريك شفتي دون أن أنبس بكلمة ويدى فى إشارات مبهمة ، ثم أهز رأسي علامة على الموافقة أو الرفض دون سبب . ولشد ما خافت لما أنفلت منها عاريا أجرى فى الدار أو الحوش وهى تطاردني تريد الإمساك بى ، وإرجاعي إلى ( الليان ) الصفيح ؛ حوض التحميم الذى يصدر أنينا ، وأنا أتحرك فيه مسرورا أو غير راغب فى التحمم ، الغريب أنها لم تكن تطلب منى أن أكف عن الحركة ، بل تطلب ذلك من ( الليان ) الذى ينصاع لأوامرها حين أكون قد توقفت عن الحركة منصتا ومنتبها لرد فعله . لما أنتهي من الحمام أكف عن اللعب والحركة وأتحول إلى تمثال ؛ أسكن ركن الدار لكي أبقى نظيفا ، تهاجمني طيور النوم فتغطيني ؛ وتسرح فى الدنيا وحيدة ، يأخذها السرد والنسج . لما أفيق أجدها مأخوذة بنسيج ما سردت فتواصل الحكى للا أحد ، وإن كنت موجودا فإنها مشغولة عنى ، لهذا أنصت للغتها البربرية التى لا أفقه منها شيئا ، و التى لم تحاول مرة أن تعلمني منها كلمة ؛ كأنها لغة طقسية محرمة لا تستخدمها إلا حين تكون وحيدة أو مكلومة أو فى وجد من الفرح . كنت فقط أعرف أنها لغة أهلها ، لغة أخوال أمي الذين لا تعرفهم ، و الذين يسكنون الجبل الغربى من حيث قدمت جدتي ؛ هكذا حدثتني أمي ذات مرة ، فالبربر قالت أمي : لا يحبون جدتك ، لأنها أحبت وتزوجت جدك البشير وتركتهم ، شد ما آلمني ذلك فمن يستطيع أن لا يحب جدتي ؟ .
الطيور أشكال وألوان تحط وسط البيت ولا تفزع ؛ فالطعام من فتات الخبز أو شئ من الشعير أو القمح الذى تجمعه أثناء تجوالها فى محيط البيت وتعزقه فى وسط الحوش ؛ هو ما يجمع الزرازير والخليش ، أم بسيسى ( الخطيف ) ، غراب الليل ، والقطقاط والنيسى واليمام . أندس فى الركن ؛ فى حديقة جدتي من العصافير الطليقة والحمام البرى التى تحط وتطير دون وجل أو خوف ؛ ففي باحة هذا الحوش يسكن الهدؤ والطمأنينة والأمان ، واسكن وجدتي التى تروح وتجئ دون أن يفزع الطير . فمن يستطيع أن لا يحب من تعرف منطق الطير ، و التى تترك الخرفان راعيها ساعة الذهاب إلى المرعى وساعة المرواح ، لتقف أمام باب البيت فى انتظارها حتى تطل عليهم تناغيهم ، تداعبهم وتمنحهم تارة ماء ، تارة عشبا ، وتارة لاشيء غير أن تحضن صغيرهم وتقربه من وجهى ، فيما يكون الراعي قد بعد عن المكان ، وبعدت الخرفان عن جزره وعصاه .
جلست وسط الحوش ، أخذت ترتب المسامير التى جمعتها مما تساقط من الأوجلى أسطي البناء الذى يبنى بيتنا الثاني ، تضع المسامير حسب الحجم فى الصندوق ؛ صندوق العجائب الذى جمع كل شئ وعدده مرتبا فى مكانه : خيوط الحديد ، القدوم ، المخائط ، الحبال ، المفك وغيره الكثير . وكعادتها أخذت تحكى : غريب أمر هذا الأوجلى أسطي حقيقي ؛ يعمل كل شئ لوحده ، لا عامل معه ، يرتب الأشياء بمهارة ؛ الحجر فى مكانه ، مونة الأسمنت كل شئ بدقة ، هذا كله يتم وهو - أستغفر الله - سكران ؛ زجاجة النبيذ والكأس بجانبه ، وهو لا يقبل العمل إلا إذا احضر له يوميا زاده من الخمر ، ولا يبدأ وضع الأساس إلا بعد أن يسكب زجاجة من الخمر فى ( التمالى ) أساس البيت الذى يبنى ، وقد قال ذات مرة أنه تعلم ذلك فى صغره من اسطي البناء ( الرقريقى ) ؛ اليونانى الذى تعلم على يديه مهنته ، وهو يحب الرقريق النصارى – استغفر الله – أكثر من المسلمين . لقد استمعت إلى هذه الحكاية أكثر من مرة من سى محمد الأوجلى وهو يسكب لى القليل من العصير الأحمر ، ثم يملأ الكوب بالماء مصرا على أن أشربه لأن فيه الصحة والعافية ؛ فهو عرق المسيح سيدنا عيسى عليه السلام ومحرم على السفهاء فقط ! . تنتهي من ترتيب صندوقها وحكاياها والبيت ؛ عندها تأخذ فى ترتيب هندامها حيث لم أرها إلا أنيقة نظيفة متطيبة سمحة ولايتم ذلك إلا بعد أن تطمئن إلى هندامي ونظافتي الواجب اليومي الذى توليه كل عناية . فالإنسان أجمل المخلوقات ، إذا كان مرتبا مهندما أمكن له أن يطرد الموت الذى يسكن الأوساخ ، ورسله الذباب ، الناموس ، القمل والبرغوث ، والجن الذين تطردهم بالبخور والفاسوخ والجاوى . تطيب النفس والمكان ثم تروح النفس بالدندنة وتنغيم الكلام ، وكثيرا ما تضحك حتى عندما يقع منها شئ ، أو تتعثر فى ردائها أو عندما يصعب علي لباس سروالي ، أو ينسكب الماء الذى أحمله على ملابسي فأصير مثل الديك على الحبل كما يحلو لها أن تشبهني ، تأخذها نوبة من الضحك وهى تقول : إنشاء الله خير ؛ خوفا من أن ينقلب الفرح إلى حزن أو تحوطا ، فهي تحتاط لكل شئ ؛ فالعمر نهبه ، لهذا لابد أن يكون الحرص عليه ديدننا . بذا لم يجد الهم فجوة أو مسرب لبيتنا ، وإن تسردب من تحت عتبة البيت فإنها له بالمرصاد فتلهيه عنها بى وتلهيه عن إفساد جذل طفولتي بها، وبالحرص على قتل الفراغ - رديف الهم أو كما تقول - بالشغل . شد ما أعجبها النمل وهى المرأة النملة ، شد ما حرصت على منعي من أذاه ؛ فالنمل مبارك ، لهذا ذكره المولى سبحانه وتعالى فى قرآنه ؛ النمل ينظف البيت من رسل الموت ، منهمكا فى شغله عن كل شئ ؛ بالشغل يقوى بدنه ويحصن حياته ويكفل استمرار ذريته ، وهو لا يؤذى أحدا لا يؤذيه . فأخذت أجمع فتات الخبز وأضعها بجانب بيت النمل أتأمله فى غدوه ومرواحه ، شد ما أدهشتني مقدرته على حمل الأثقال ومعرفته ، معرفته لما يحمل ، ومسارب المكان وبيته الذى لا يضيع عنه أبدا . أجلس الوقت اليسير من دهشة لدهشة أمام هذا الكائن الصغير الذى تحبه مثلما تحبني ، وتحب كل صغير ، حتى أنى مرة عدت إلى البيت فلم أجدها بحثت حتى تعبت ، وفجأة شاهدت نملة تنظر إلى ثم تحركت فى إتجاه بيت النمل فتبعتها فلا شك أن جدتي ضيفة على النمل ؛ لهذا وقفت محتارا كيف لى أن أدخل البيت والباب يضيق بى ، ثم وجدتني أهمس : جتي ، جتي ، الزائرة ، الزائرة وسمعتها تجيبني ، التفت فوجدتها وسط الحوش ، وهى تتمتم :كنت فى زيارة جيراننا ويسلمو عليك .
وجهها مدور لكن ذقنها الصغير فيه بروز والفم أصغر من أن يرى أما الشفتان فهما رقيقتان والجبين ناصع غير بارز ، العينان ضيقتان والتجاعيد هى تضاريس وجه القمر ؛ هذا الوجه غير الآدمي . أرسم دائرة فتقوم بوضع تفاصيل وجه للدائرة ، هذا الوجه هو عندى وجهها أما قامتها القصيرة ورجلاها الصغيرتان ، فإنهما يجعلانني أردد ما يقوله خالي من أن جدتي صينية ! ، وهذا الوصف عندى يعنى أنها مسطحة ، ولما شاهدتها وسط الحوش بدأ لى أنها صينية أفردت طولها . وصوتها حاد مثل زقزقة عصفور ؛ كثيرا ما قلدت صوتها هكذا : زيو زيو زيو.. وهى تطاردني فى البيت ، وحتى خارجه وتردد : أنا عصفورة وأنت بومة ، بهذا تهجو كبر عيني ، عندئذ يأخذنا اللعب ملح اليوم .
أخذت جدتي تسوح كل يوم بحثا عن لا شئ منذ سكنت العلوة ، وكأن النمل الذى هو أيضا يسوح يومه فى أركان البيت يسكن جسدها الصغير . تارة تجمع بقايا المسامير الملقاة على الأرض ، تارة تجمع ما تيسر من بقايا الخشب زاد التنور ، وتارة تسوح عكس عقارب الساعة ، ملسوعة بهذه العقارب فتبدو بأنها تختم العمر بهذه السياحة . فى مثل هذه الحالات تصوم عن الكلام ، ويأخذها سرد صامت لأيام العمر و تلهو عن كل شئ ، حتى الطعام لا تزرده ؛ إن الطعام يشغلنا عن أنفسنا فنلهث من أجله العمر دون أن ننتبه للزوال ، فالمعدة ليست بيت الداء وحسب لكنها بيت الضياع أيضا ؛ تشغلنا عن بقية الجسد . لما تركت غريان أيام الحرب حرب الانقليز والطليان ،كنت وصغاري نلوذ من الجوع ، كانت هذه البطن الملعونة تجرنا جرا لأي مكان ، لم أعرف أين نذهب فقط نريد طعاما ، فى الشرق صابة كما بدأ لنا . لقد أكلت الحرب الأخضر واليابس ، ولم أعرف لما يتحارب هؤلاء النصارى فلم يكن الهم يعطينا الفرصة لنعرف ، المعرفة شغل الشبعان . حافية أحفر الفيافي ، وفى الطريق كل شئ ما عدا الأكل ؛ النصارى وحربهم أكلوا أي شئ حتى الحديد والرصاص وبنى آدم طبعا . لاشيء فى الأفق غير الموت الذى لا يشبع ، فكيف لى أن أحمى صغاري ولا يأكلهم الموت ، لا يأكلهم الجوع ؛ الجوع الذى يسكن أحشائي وهذا الدمار الذى يلاحقنا من غريان حتى قمينس القرية التى حططنا بها الرحال . فى الطريق ومثل كل مكان مررنا به ، لبد الموت تحت لغم وبجانب قنبلة ، كان يطاردنا برفقة الظل ، وفى عين الشمس التى سياطها من صحراء سرت حتى تراب قمينس تلسعنا ، وهذه البطن اللعينة تلهث بنا ؛ عربة للموت كانت والصغار يلهثون حفاة ، على الأقدام نقطع الأرض ، أياما وليالي ولا نهار فالشمس ليل أقسى من كل ليل ، شمس الجائع والخائف والعاري ظلم وظلام . فى غريان حصدت الحلفا وفى الطريق حصدت الهول ، فى غريان طاردت الطير وعلمت صغاري الصيد وفى الطريق من غريان إلى قمينس طاردت السراب ، ما أعذب سراب العطشان . السراب يقاتل الخيبة ويعارك الأهوال والشرق أفق لغربة ، كنت أقطع الصحارى وصغاري بسكين هذا الأفق . صغاري الستة ؛ ثلاثة أولاد وثلاث بنات ، مات أبوهم بغتة هكذا دون أن يترك زادا أو ينتظر قليلا حتى تنتهي هذه الحرب الملعونة ، حتى ينتهي النصارى من شجارهم ، إن البشير رجل لا يستحق الرحمة فلقد مات وحملني فى بطني مسدس الجوع هذا الكافر ، لكن الميت لا يستحق شيئا غير الرحمة والحى يستحق الجوع . أعوام وغريان تسف الرمل والسماء تحبس المطر ، أعوام لا طير غير طير النصارى وأزيز الرصاص وآذان المدفع ، أعوام كم فى العمر عام ، عام الرمادة وعام البمبم وعام لا نهار فيه ، أعوام : لا زيت ، لا زيتون ، لا زميته ، لا ايدام ، لا حصيدة ، لا قلية ، لا فواح ؛ عام البارود ، عام الحريقة وعام وعام . بين غريان وقمينس أيام مثل أعوام وفى قمينس جوع ، لكن حططنا الرحال ، والحق دفنا الأقدام لما لقينا الترحاب من بدو عراة ، وأفواه تلتقم الصبر: تعدى في الأيام بلقم الريح . بنى كبير الصغار العشة من سعف النخل الجاف ، وأعواد الحطب التي لم تشعل فيها النيران لغياب الحبيب الطعام ، وأخذت الصغار نحصد أسمال ؛ عيدان القمح العجفا ، نسد على الجربوع الحفر ونفخخ للقبرة ونقتات ، قنفذ ولا الجوع . آه عمر أم مسبحة تسبح بسم الموت الذى يسكن الجسد ولم نذق طعم للحياة ؛ لم نذق طعم للحياة فيك يا عمر والبحر جارنا ؛ فهو جار لقمينس حيث حطت الأقدام وأقيمت العشة فهل نأكل آخر الزمان الدود ؛ دود البحر الذى يسمونه حوت : سمك . إنه كما دود الأرض الذى ينخر أجسادنا التى من تراب ، نسف هذا التراب ولا نقرب البحر ونأكل من دوده ، يأكلنا الجوع ولا نكون من أهل البحر نحن الذين كرمنا الله بأن نكون من أهل البر . وصرت راعية لصغاري من عروس البحر التى لا صغار لها ؛ لهذا تخرج لصغار أهل البر بالناي تغنى وتسحرههم ، ثم فى غور اليم تأخذهم . بين عروس البحر وبين ذئاب البر ، وكنت صغيرة جميلة شقراء وعيون خضر ، امرأة من غريان يشتهيها رجال البدو ، بين حرب النصارى وبين حبس السماء المطر ؛ بين هذا وهذا بددت عمر الجوع ، وتلحفت سني البرد وجمعت الخيبات ، كان الفقر رجلا وأنا امرأة وحيدة ومسدس صغار . ثم أرخت الحرب سدولها هزم الطليان وخيم الانقليز فى البلاد ، وصار نجع العرب بنغازى التى عاد رجل منها يصيح فى العباد : قالك قمينس بلاد . تزوجت وزوجت البنات مثلما تزوج الرسول عائشة ؛كانت الصغرى تلعب النقيزة مع ثلة من الصغيرات لما زفت لعريسها ، لكن كيف لامرأة بثلاثة صغار بزوج ، فكان الطلاق بالثلاثة الذين ثقل حملهم . غب الحرب نزل على الوطن ضيفا عزيزا ؛ عز وقت الضيق ، درت السماء بحليبها وأطلق المحبوس بعد أن بقيت الأرض فى غصة زمن وأي زمن . وجاء أمير يسعى قيل لخير البلاد ، وأنه السنوسى شيخ الطريقة وشيخ الشيخ عمر المختار الذى حارب النصارى حتى شنق . لم أفهم ، ولم أرد أن أفهم ؛ الشيخ حارب النصارى ( الطليان ) ، وشيخ الشيخ إدريس السنوسى جأ مع الإنقليز ، أليس الإنقليز نصارى ؟ .
لما حل المطر لم يرحل الجوع ، لما حل الانقليز لم يرحل الطليان ، لما حل الزوج لم ترحل الوحدة ؛ فقد بقى صغاري جوعي وأرادني الزوج وحيدة ، ولا غيري . كثر الصغار الذين يسرحون دون عائل فقد غادر الدنيا من فرض عليهم المجيء لهذه الدنيا ، بعد الحرب نزل المطر ونبت اليتامى والمتسكعون والشحاذون والسارقون والمجانين والمعرصين من كل فج ولكل سبيل ، كأن الأرض ولدتهم . بعد الحرب تطلع الغولة التى لا تحب أن يكون لغيرها صغار ؛ بعد من حلاوة الروح أكلت صغارها ، لهذا ترصد عتبة كل بيت وكنيف وجبانة ، وفى أفواه الغابة تسكن تطلق أياديها وتنخ شعرها الأسود ، يطول الليل ويحلك ظلامه ثم تختلس من بنات حواء صغارهم . ومن حلاوة الروح : عذوبة الأمومة طلقت الفراش وتركت الدفء ، وزحفت لصغاري على الركب حتى دميت ، بالدم رصدتهم وبحجاب الأم حصنتهم وكانت بنغازى تناديني فلبيت مسرعة النداء .
لكن لماذا كان على أن أغادر غريان أتلبية لنداء البطن ، يارب نحن من دابة أم منك ، كنت فى غريان أسد الرمق بالزاحف من الدواب والماشى ، وفى صحراء سرت ما من دابة ، فإذا كنت يارب أنا وصغارى منك فلم أحتاج هذه الدواب ، لماذا لكى أحيا على أن أكل الحياة التى تجعلنى ألبى نداء السفر فى الفيافى تطاردنى بطنى وأطارد كل ذى بطن ، وإذا لم أكن منك لم لا أكن قطة ؛ آكل صغارى أسد الرمق وأرتاح ، لماذا هربت من غول غريان الذى ينهش البطون إلى سلال القلوب : قاطعة صحراء سرت موطن عزرائيل إلى حيث لا أعلم . فى الطريق من تغسات قلب غريان الجائعة انحدرت مع الجبل لم يكن ثمة أحد غير أثرياء اطرابلس الفارين من جهنم الحرب إلى دواميس غريان بيوتنا التى حفرها الاجداد تحت الارض ؛ مساكنهم الخاصة التى كأنها القبور ، الدافئة شتاء والباردة صيفا ، إنها قبر الدنيا كما يقولون ، من هذا القبر فررنا واليه يفر الطرابلسيون ، الداموس بيتنا الذى لم يآمننا من جوع آمنهم من خوف .كانوا قوافل يعطون ظهرهم للحرب وللشمس ، وكنت وحيدة وصغارى نحث الخطى للبوتقة ؛ ندخل ميدان الحرب ونواجه الشمس المحرقة . تظللت حية بشجرة رتم كنت قد جعلت منها بيت القيلولة لصغارى فاصطاد كبيرهم الحية بأن أمسك رأسها باصبعيه ، ثم سلمها لى بعد أن داعب اخوته الذين هرولوا بعيدا ، جمعوا الحطب أوقدت النار من محرقة الشمس ثم فى وسطها رميت الحية. قلت : هذه نار الله الموقدة ، فقالت سوف اسيح جلدى وجلد أحد صغارك ألبس ، من النار كنت وأنت من طين ، قلت بعد حين فى اطرابلس أدخل وانت تدخلين البطن فى الحين ، فقالت اطرابلس بركة الدم قالها سيدى عبدالسلام الاسمر . حينها أدركت أى إثم إقترفت لكن الجوع كافر وما لعودة من سبيل . اندسست وصغارى تحت رداء الليل ، برفقة قنديل السماء وبشحم الحية الذى سرى فى الدماء كنا نقطع الطريق فى صمت مريب ؛ موسيقاه عواء ذئب جائع خائر القوى مما كان يؤنس وحدتنا . حين أطلت اطرابلس كان عواء الفارين من طيور النصارى يملأ الافق والنيران تسورها ، وقد حاول بعض الفارين سلبنا ففرننا من السلب شرقا ، لم نر غير البيوت الشامخة تصرع بمدماك ينزل من السماء ؛ طير سجيل ، ونصارى يتقاتلون وأهل المدينة عنها يفرون وليس للنجاة من سبيل ؛ فقلت فى نفسى صدق سيدى عبد السلام .أما الخمس فشاحبة وعلى جبلها الطليان يتشاتمون ، وهم يرقبون من ( المرقب ) أعلى جبالها الانقليز الذين يزحفون على البلدة تحت غطاء من النيران ، ولم يكن للمقام من سبل فتسربت بين جثث الجرمان وعواء الطليان ونيران الانقليز شرقا . فى مقام سيدى عبدالسلام نعست على قرقعة البطن وأنين صغارى صحوت ، لم يكن فى زليتن قتال لكن مقام سيدى عبد السلام ضاق بما رحب فالناس جوعى وبهم طمع ، فشددنا الرحال بعد أن مصصنا كرناف النخل وشربنا مر الماء . يبس الحلق وتشققت الارجل ، لكن لا راحة ، الراحة فى القبر ، أما الدنيا فمقام للفارين أبدا ، وأبدا كان على أن أبعد عن المساكن ؛ لأن الناس تطرد من جوع وخوف كل عابر سبيل . ولأن بعض جنود النصارى بهم مس ؛ جنون الحرب هم لذلك يغتصبون كل حية ! ، ولأنى - زيادة على ذلك - عزلة كنت أحتمى بالعزلة من الناس مسلمين ونصارى الذين جميعا يحملون أسلحتهم وبطشهم وديدنهم الخوف ، فى مصراته كان ميدان الحرب يشتعل بالعدوان النصارى بدبباتهم يعتدون على كل دابة ، يقتتلون ، ويقتل الطليان وهم ينسحبون أهالى مصراته إنتقاما لترحيبهم بالانقليز الذين بدورهم يقتلون الاهالى لأنهم تعاونوا مع الطليان ، والاهالى يقتلون بعضهم من الخوف ، كان البعض يقتله الجوع وأنا أفر من ميدان الموت هذا إلى صحراء سرت . يممت الوجه شرقا وصليت صلاة الغائب ؛ حيث هج الجمع عن الصحارى التى منها جعل كل شئ غير حى ، ودس بين كثبانها ما أتقنه النصارى من سبل جديدة للموت ؛ ألغام ألوان وأشكال . النصارى الذين اتخذوا من مدن البلاد ميادين عراكهم لم يطب لهم المقام بسرت ، وإن تركوا آثارهم مدسوسة تحت كثبان وأحجار النار الموقدة من شمس لا تكف سياطها عن تسويط هذه الصحراء ، التى لا تنتهى وهى التى لا بدء لها . كنت وصغارى كمن يلعب نشد بعضنا البعض اتقدمهم وفى كل خطوة النهاية ، وفى كل خطوة النجاة ؛ في النجاة نلمح دائرة الموت التي تضم جملا أو ناقة دخلت الدائرة هربا من مدى مدفع ، أو قناص يلبد في كل فج ومن كل فج ، كان الطعام على مرمى اليد ، لكن ما باليد حيلة فالمرمى ملغم بفعل طليانى لا يريد لدابة حياة ، لذا سور بجن معدنى يلتهم كل من يدوس أرض الخلاء ؛ سرت التى كان سيدنا سليمان قد نفى فيها الجنون الحمر الذين تمردوا عليه . هكذا غلب سلطان النوم وتغلب السراب بجناته الموعودة على جهنم القائمة حيث حللنا بهذا الخلاء ؛ خلاء بونجيم الذى يتبعنا حيث نكون ، وقد أكلنا الرعب نامت شياطين الجوع فى البطن هامدة ، بدأت وصغارى كأننا نقتات من الخوف بما يعدنا به السراب من مستقبل جنات فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت . قال لى الفقيه فى غريان لما عزمت على الترحال ؛ أن الله لا ينسى عباده الصالحين حتى أنه أنزل على اليهود لما تاهوا فى صحراء سيناء المن والسلوى ؛ وقد رأيت السلوى فى صحراء سرت ؛السلوى كان هو الرعب الذي أنسانا بطوننا فبدأ أننا نجرى بها خفيفة على أكف بساط الريح والزمهرير ليل نهار ، بنا مس الهول وعظائم الأمور ولنا السراب اليد الحنون ؛ وقد كان المن .
حين خرجنا من هذا البلاء مولودين ، أنا المرأة الشابة الوحيدة وصغارى الستة ؛ كانت اجدابيا تتلقانا صرعى من معتقل العقيلة الذى حدثنى عنه الناس بعد ذلك بوقت ؛ قيل لنا أن الطليانى غرسيانى حاكم برقة قد رص فيه القبائل البرقاوية رصا ، جمعهم من طبرق حتى الابيار هم وإبلهم وأغنامهم ، سورهم فى العقيلة بـ( الشبردق ) حيث لا ماء ولا زرع ، غطائهم سياط شمس مجنونة ، زمهرير ليل به مس . وجند عرب منهم وطليان وأحباش يلقمونهم العذاب ، وأهل برقة يقتاتون الفجائع كل وجبة بموت أحدهم أو اغتصاب امرأة منهم ، ينامون ليلهم على عويل جديد فى كل ليلة ، كل هذا ليحاصر ثلة من المحافظية المجاهدين فى الجبل الأخضر يقودهم شيخ جاوز السبعين يدعى عمر المختار . لما سمعت ذلك توكدت أنى وصغارى ولدنا مرة ثانية : عويل فى كل مكان ، رجل دون رأس يطلب رشفة ماء ، امرأة عارية تدثر طفلها بيديها ونصفها التحتى لا وجود له ، قهقهة وأحاديث هامسة ، طليانى يصرخ مبقور البطن ودون سروال يجرى ، فيما إمرأة لها رأس دون جثة تجرى خلفه وهو ينادى : ماما ميو ماما ميو . رجل ملتح أسنانه تنزل من فمه حتى الارض يمسك بأحد صغارى ويقتلع يده ثم يلتهمها ، آخر يدحرج رأس ابنتى الصغرى ويلعب به مثل كرة .كل شئ يشتعل بالنيران ، وكل ما يظهر لى من الرمال ؛ الرجال الذين لا رؤوس لهم ، النساء اللواتى لا نصف تحتى لهم ، الاطفال المبقورين ، فى الرمال يغوص . وكنت أغوص فى الرمل ثم أنهض ، لكن للسراب يد حنونة فكل ما ظهر لى كان فى أفقه جنة موعودة ، تبدو أقرب من الوريد .
لم تكن تغريبة وحسب لكن أينما حللنا كنا نرقب ازدهار الخراب ؛ لقد تصحرت الدنيا وفى اجدابيا رميت نفسى بين يدى السراب . لأول مرة يصرعنى التعب فى هذه التغريبة ويبدو لى الموت منقذا ؛ لقد هجرنى النوم فيما عافت البطن الطعام والماء زعاف ، فى بيت شعر حبست عن الشمس عدوى الذى ماتعب وقد ظللنى التعب . ظلت روحى تهيم عنى بعزرائيل الذى عافها ، لم أعد أريد شيئا حتى اللبن العزيز عن مشايخ النجع ولا الزبدة ولا المثرودة التى لم يرها النجع منذ وقت إلا فى أضغات أحلامه . فى يوم بدأ أنى على وشك المغادرة الأبدية ؛ حتى أن أهل النجع رجالا ونساء أخذوا يتوافدون ، كل أرض قبر كما أن كل أرض معاش همس شيخ فى أذن جاره فتعافيت . قالت نفسى لا قبر ولم نطل المعاش بعد ، أزاحت روحى عنها غبار السفر فانتعش جسدى لما بللته الروح بالمغالبة ؛ بدأ أنه لا بد من قمينس وإن طال السفر . رفرفت أرواح الصغار الستة فى سماء أحشائى لما همس الشيخ لجاره ، عندما فتحت عينى رأيت فى عين الشيخ شهوة فتاقت نفسى وأنتشلت من غياهب مدلهمة ؛ تنملت أوراكى أولا ثم شفتى وبلل الريق الرائب حلقى فتنفست الصعداء ، صرخت الصرخة الأولى أو صرخة العذارى فتعافيت . إن كل ما مر حكى كذوب وسرد سكارى ، فالموت ليس رديف الحياة و الشهوة بين الفخذين ؛ الموت هو الحياة وكل نفس تواقة لغيبوبة ، لأن تسرق لهنيهة ، لأن تخرج من الميت حية ؛ هى الحية التى شويتها لجوع أطفالى فندست فى مكنونى مشهاب نار . أين ذهب أخوكم الصغير ، هذه السباخ ليونة صحارى سرت مثل جلد الحية التى أكلتم ، وفيما وراء السبخة سبخة فسبخة بل رمال متحركة أو كما يقولون ، تهنا عنه أم تاه فى جبروت هذا البساط الأبيض ؛ ملح الطعام حارق اللحم الذى يعمى البصر ، والقبل هول أعمى البصيرة ، لم أبحث عنه فقد خارت القوى والراى والتدبير أنى وقد صرت قاب قوسين أو أدنى من الشرق فإن الغرب يسترد منى أولاده ؛ البشير نهض من سبات وهو يسلبنى ما دس فى أحشائى وأن الرب يأخذ أمانته . لما تاه عنى صغير صغارى تاهت نفسى ؛ لأول مرة يصرعنى التعب فى هذه التغريبة ويبدو لى الموت منقذا ؛ لقد هجرنى النوم فيما عافت البطن الطعام والماء وفى بطنى تحركت الحية ، أخذنى نفاس ومن فمى ولدت . عائشة صبية ماتت أمها، تزوج أبوها امرأة أخرى ، أنجبت تلك المرأة بنتا .. كانت إمرأة الأب لا تحب الصبية . ذات يوم أحضر الوالد سمكا ، وفيما كانت الصبية تنظف السمك ، كلمتها سمكة فقالت :
- أطلقى سراحى يا عائشة ، فسوف أرد لك الجميل ذات يوم .
أطلقت عائشة سراح السمكة ، وحينئذ أعطت السمكة لعائشة سبع زعانف ، ثم قالت لها :
- حينما تحتاجين ، وتكونين فى ضائقة ، أحرقى زعنفة لكى أتى اليك ، وأدبر لك الخلاص .
كانت زوجة الأب تفكر فى مكيدة للتخلص من عائشة ؛ صنعت لها خبزا ، ووضعت فى الخبز صاعين من الملح ، ثم أوصت الجيران ألا يعطوا لها ماء حين تظمأ .
لم يبق من الجيران غير عجوز لم توصها زوجة الأب ، عثرت عليها عائشة وسائلتها قائلة :
- أعطنى يا جدتى ماء .
ردت العجوز وقالت :
- .. .. .. لن أسقيك حتى تنظفى من شعر رأسى حفنة من الصئبان ، وحفنة من القمل .
رضخت عائشة للأمر ، وبعد أن فعلت ما طلبت منها العجوز ، أعطت لعائشة سطلا كى تستخرج به الماء من البئر .فى تلك الأثناء .. جاء موسى وعيسى ، فوق خيولهما المطهمة وقالا لعائشة :
- واسقنا ، واسق خيلنا !
سقتهما عائشة ، سقت خيلهما قبل أن تسقى نفسها . ثم جاءت تفاحة وقالت لعائشة :
- اسقيني .
فسقتها . ثم جاءت برتقالة قالت :
- اسقيني .
سقتها ، وأخيرا شربت عائشة ، وفيما كانت تهم بالذهاب قام عيسى فقال :
- ادع يا موسى .
بادر موسى بالدعاء لعائشة قائلا :
- جعلك الله تمشين والحرير يتهدل بين رجليك .
بعدئذ ، قام موسى فقال :
- أكمل ياعيسى .
أكمل عيسى الدعاء فقال :
- جعلك الله تضحكين ؛و المطر يهطل ، وتبكين والتبر يتناثر .
ثم قامت التفاحة فقالت :
- فلتكونى مثلى فائحة .
قالت البرتقالة :
- كونى مثلى براقة .
كانت زوجة الأب تنتظر أن يأتوا إليها بخبر موت عائشة ، لكنها لدهشتها ، لم تلبث أن دخلت عليها والحرير يحف بين رجليها ، المطر يهطل والتبر يتناثر ، فائحة مثل تافحة براقة مثل برتقالة .
ما أن لاحظت زوجة الأب ذلك ، حتى قالت لنفسها :
- آه .. آه يا أماه ! مادام الأمر هكذا ؛ مادامت ابنة الكلبة قد رجعت بكل هذا الخير فإننى سأقوم بنفس الصنيع مع إبنتى .
إثر ذلك ؛ قامت المرأة ووضعت صاعين من الملح فى خبز ابنتها ، وأوصت أهل الجيرة ألا يعطوا إبنتها ماء كى تشرب ، ماعدا تلك العجوز فلم توصها .


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home