Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Tuesday, 7 November, 2006

     
       

رواية

سـيـرة بني غـازي (6)

أحمد الفيتوري

وين حوش بوسعـدية؟

وين حوش بوسعدية .. مازال لقدام شوية ؛ " بوسعدية " الافريقي المدجج بالعظام وعلب الصفيح الفارغة الممسك بعصاة يرقص هنا ويقفز هناك ، يقطع خيوط فكرها ويخبلها فتلاحقه مع الصغار مرددة : وين حوش بوسعدية .. مازال لقدام شوية ، تنتبه فجأة دون الصغار مكبلة بالخوف من هذا العفريت الأسود الحى . أختي تمسك بقميصي غارسة أظافرها الصغيرة ؛ لأول مرة تتحق من ما تم تخويفنا بإنه سيطلع لنا ان فعلنا ما نهينا عنه ، أمها وأمى يدعيان أن العظام ما يكون العقد الذي على رقبته والناصع البياض على جلده الفحمى العارى هي عظام أطفال أغضبوا امهاتهم . الأخت تخرج للشارع أقل من أخيها ، خاصة المنتصف الثاني للنهار، لهذا لم تر بوسعدية إلا هذه المرة وكنت رأيته في العام الماضى ؛ يرقص ، يقفز شاهرا رمحه وتجلجل بايقاعات مختلفة علب الصفيح التي يسور بها قدميه ، يدق طبله ، يصرخ ويعيد الرقص ، يخرج من زرائب العبيد وهناك يختفي . كل عام يخرج في موكب من أهله السود من نساء ورجال وأطفال يجللهم الورع مطبيلن مزمرين ضاربين الدفوف حتى وليهم سيدى داوود ، يباتون في مقبرة وليهم الصالح يقيمون مزارهم السنوى في طقس أفريقي استثنائي لا تراه المدينة في غير هذا اليوم . لو لم يكن مسقط رأسي حى الصابري لما تمكنت طفولتي أن تجد في بوسعدية مملكة للدهشة تخصب مخيالى بسر آخر : من هو بوسعدية ، من أين يجئ إلى أين يذهب وهذه الهيئة حيثية بوسعدية لما لا يمكن لنا أن نستعيرها ؟ ، كل عام تمطرنا هذه الأسئلة لننام فاغرى الأفواه منتظرين أن يجيب بوسعدية في العام القادم .لأن البنات قارات أكثر منا كنت أشاهد أختى وصويحباتها تنحنى الواحدة منهن وتضع الثانية يديها على كتفي المنحنية متمشية في المكان فيما التي خلفها تتسأل : وين حوش بوسعدية ؟ ، تجيب القائدة المبصرة مازال لا قدام شوية . منذ أجيال تبحث البنات عن حوش بوسعدية ، فيما كنا نكتفي بانتظار ظهوره السنوى في موسم الربيع يطلع علينا من ثنايات الوداع كنبتة سحرية .
حين لا تمطر كنا نخاف ويسربل الهلع فراشنا كما توسم وجوه الكبار بالعطش وتتيبس شفاهم ، من ثنايا التوجس والترقب يطلع الودع عروس المطر : أم قطمبوا يالصغار / جاية تشحت في لمطار / أم قطمبو بصخيبها / تطلب ، ربي ما يخيبها / الزريعة تحت الطوب / حن عليها يا مطلوب / الزريعة بددناها / حن عليها يا مولاها / حس جدي قال ما / يريد نقيطه م السما . نحمل عروستنا في جولة نردد لحنا فنمطر من كل بيت أو جمع نمر به بالماء أو ماء الزهر أي طيب ، كل مرة يسرق المطر نستعير أجمل ملابس لأجمل وأطيب نساء الحى كى نلبس أم قطمبو التي كثيرا ما كانت بحق جالبة المطر . لكن أختى وكل البنات – من درسنا كثيرا أنهن زريعة ابليس - لم يرضينا بهذه اجابة لهذا يعدن السؤال دون كلل : وين حوش بوسعدية ؟ . البنات زريعة ابليس حقا فجأة يطلع للواحدة منهن في صدرها كرتان ، لم نتمكن مرة من جس هاتين الكرتين في حين كثيرا ما تسنى للواحدة منهن في لعبة العريس والعروس أن تجس الثمرة الزائدة التي بين أفخاذنا ، فجأة تختفي هذه الواحدة منهن . حجبت في البيت : اندسسنا نتكشف ما يحدث ، وان طوردنا نحن الصبيان من المكان ؛ جذبتنا الوشمة الخط الرفيع الأخضر المزرق الممتد من داخل الشفة السفلى إلى ما تحت الذقن وتلك النقطة بين الحاجبين تعلوهما قليلا ، ثم نقطة على الجانب الأيمن من الأنف ، ونقطة على الجهة اليسرى من الشفة العليا . جهزت أمي لوشم أختي دعت نساء الحى وآهلها واقيمت لأجل ذلك ليلة الحناء ، أكل وغناء ، ثم جئ بالوشامة التي أخذت في جرح أختي بمبضعها الحاد ، كلما سال الدم تضع غنج الفتيلة الاسود على الجرح بعد أن تمسح الدم بالماء المملح ،الجميع فرح إلا أختي التي تبكي بحرقة وخالتي تتغنج بفرح ممسكة بيدى ابنت أختها وهي تردد : تقول راقده بالنوم / البنت عاده عيون خالها . خالتي هذه متزوجة رجل بدوي وتعيش في البوادى ، خلتها تعامل أختي كما تتعامل مع الماعز والخرفان ؛ كثيرا ما شاهدتها تحلب وتمخض وتمسك التيس حتى يركب العنزة ، عند زيارتنا لهم في بادية بلدة قمينس . في هذا البلد المعتم بالعجاج حينما تنضج الفتيات الصغيرات فإنهن يحجبن عن النور ، ويلقى بهن في حجرة مظلمة ، وهن لا يهربن من هذه القيود ، انهن فحسب يلتاعن كحيوان في انتظار ...
ان لبد أحد الذكور في البيت ؛ ممنوعا من الشارع لأى سبب كأن لم يدرس جيدا أو لم يعد أمس للبيت إلا متأخرا ، يتلقى وابلا من العزار ، من أمام بيته أو خلفه في الشارع نردد جمعا : حارنين ع القنان / مابوا / يطلعوا .. يلعبوا / في الزنقة / خوافين من اليهود : / لباسين / طواقي سود / ضرابين / بلا بارود . أمسك بي عنتر نزلتا يداه مثل ليل من خلف ظهرى ، واوو ، واوو ، واوو ، فصل فخذي بعنوة شخب دم ، زغاريد – شياطين تصرخ في وجهي – زغاريد ، صخت ولم أعد أتبين شيئا ، آلم يمزقني من بين فخذي : هل صاحبتي في لعبة العروس والعريس نزعت الثمرة ، أم الفاعل شيطان أخرس ، ما طولبنا كثيرا أن نحفظها من ألآعيبه ؟ . راقبت المشهد بدهشة في اليوم الأول ؛ الليلة كبيرة تتدافعت قريبات وصاحبات وجارات أمى من خرم الباب ما يشبه فتحة قفل ، منذ العشية يدور همس حول تجهيز حنة ، مجئ الدرباكة ، اعداد وليمة الليلة من لحم الخروف الذي ذبح في الصباح ، غناء يصدح والدرباكة تضرب على آلتها بعنف وحبور وفي ردنها تضم قروش تمنح لها كلما أجادت ضبط الايقاع ، فيما البنات ترقص والسيدات يصفقن ويغنن ، أخر الليل حنت يداى دون زخرف . اليوم الثاني فاغرا الفاه راقبت عن بعد بوجل وحيطة تدافع رجال من صحب ومعارف أبي اضافة للجيران و الاقارب ، أعد غذاء باذخ ، رجل يحمل بين يديه شنطة قيل شنطة الطهار الذي أعرفه ! ، هو من صحبي وكثيرا ما حك خده المشعر كالشوك على خدى الناعم ، يخافه الصبية الأكبر منى دون أن أتبين السبب . البست قميص أبيض واسع دون سروال ؛ خيط كما يبدو بالمناسبة التي لم أتبين كنهها ، رسم على القميص بالزعفران ختمة سيدنا سليمان ؛ النجمة السداسية وكتبت عبارة ماشاء الله ، البست على الرأس طاقية حمراء صغيرة بشنوارة وفي مقدمة الطاقية خيط سمكة صغيرة وقرن وخميسة من الذهب . وضع على الأرض نطع خروف مقلوب وعليه رمل ، انتزعت من طفولتي : ربط الثمر بخيط جذبت القلفة التي تغطى الحشفة حتى برزت للأمام واستئصل السكين قطعة من الروح : اللهم صلى على سيدنا محمد ، ماشاء الله . زغردت النسوة وغنت جارتنا البدوية : ان شاء الله بعد تطهير / يبقى ركن ويشيل طايحه ، غنت صديقة لأمى : يشقيك في نظيفة الناب / بعد طهار يا مينة الولد ، ردت عليها خالتي : ان شاء الله بعد تطهير / تجيب عقدها في هيكلك . أخذ خالي طاقيتي ودار بها على الجمع الذين كانوا يباركون ويضعون بعض المال ، ادخلت للبيت – بعد أن وضع على الجرح شيء من نسج العنكبوت وعقاقير الطهار وعلق لى حجاب ، في الداخل كانت أمي صم بكم وفي ذهول واضعين قدمها اليمنة على سوار من ذهب في ليان به ماء ، كانت أمى قد تحصلت بالمناسبة من أبي على رداء جديد غطيت به ، توالت الزغاريد والتهاليل . في اليوم السابع أخذت للبحر وغسلت الروح المذبوحة من ماء سبع موجات متتالية . بعدها بأيام قفزت على ابنت الجيران التي عيرتني باننى قد أصبحت مخروما مثلها ، فيما ألسنة أخواتي الأصغر أخذت تردد : وين حوش بوسعدية ؟ .

الصول بوليفة..

تكتض المدينة في أحيائها ، تكتض الاحياء في أزقتها ، تكتض الأزقة بأطفالها ، أما الساحات الضيقة فتكتض بالصبيان ، الذين يتخذونها مسكنا طيلت النهار وشيئا من الليل .
ليبرة اللعبة المفضلة ؛ نرسم على أرض الساحة الترابية دائرة بعد أن ننقسم لفريقين ، الدائرة سجن ، فريق منا بوليس والفريق الآخر مطاردين من يقع منهم في يد البوليس يوضع في السجن وان تمكن فرد من فريقه أن يدخل الدائرة دون علم البوليس فإنه يفك أسر رفاقه بان يصرخ : ليبرة ، ليبرة ، ثم يلوذون بالفرار ... وهكذا .
كذا هي بنغازي مرتع اللصوص والبوليس في أحيائها الفقيرة وهي كل أحياء المدينة بستثناء حى البلاد وحى الفويهات ، عقب الحرب قبل النفط كثيرا ما شاهدنا على ذلك والاكثر سمعنا ، لهذا حلمنا جميعا أن نكون في سلك البوليس : عدنى الجميع رجل الحوش كلما غاب أبي وان لم اتعد العاشرة . عند هزيع الليل ، والحى ينام ساعة أن يتغطى بالظلام ، نزعتنى أمى من سبات وخلفها زوجة أبي ترجب على بصوت مرتعش : سلم راجلها .. نوض . السبات يلحفنى متقدما نحو السقيفة ، حيث يخزن أبي بضاعة الدكان ودقيق المخبز ، دفعتنى يد بقوة وشدة للسقيفة التي لحظة توسطتها تدافعت أقدام خبطها على الأرض أفزعنى هنيهة ، لم أتفطن للجلبة التي واكبت فزعى ، وفي هذا مس طرف أذني جملة لم أتبين معناها إلا في اليوم التالى عندما عدني الجميع بطلا : هربوا السراقة سلم راجلها .
في اليوم التالى عرف كنه ما حدث وما كثيرا ما يحدث ؛ بعض شباب حى غير حينا بترتيب مع الشباب الافقر في حينا ، سرقوا من جيراننا : الدلال شمعون اليهودى بغلته ، الحمال على الغرباوى عربته / كروسته التي ينقل عليها البضائع ويجرها بقوة ذراعيه ، أما البردعة فمن المنكوب المرجاوي ، الذي عقب زلزال المرج وفقده كل أهله ، سكن في دكانة تسع جسده لهذا يعلق البردعة ويطبخ ويأكل قدام الدكان ، فيما يترك حماره في فندق الحيوانات . كل هذا وجد سالما أمام بيتنا . لكن ذلك آثار حنق الصول بوليفة ؛ عده مسا بشرفه المهنى واعتداء على مملكته ، استجوبني ، في حضرة والدى صديقه الحميم ، في جلستهم الليلية وساعة خمرهم في الكوشة ، كثيرا ما خفته كما يخافه آهل الحى من رجال ونساء ، ما بالك الصبيان من يهبونه ويمثلون شخصيته في كل لعبة ليبرة يلعبونها . فارع القامة بشوارب طويلة يقف عليها الصقر كما تذكره النساء ، يمشى كديك ؛ كثيرا ما قارنا مشيته ومشية ديوك الحى السارحة في كل مكب زبالة وما أكثرها في الحى ، عيناه كهفان في سواد ليل دون عشاء كما وصفهما أحد الرفاق ممن يزعمون كتابة الشعر ، بدلة كاكى ذات أزرار نحاسية – في يقيننا من ذهب - لامعة وخطوط أربع على ذراعه وحذاء دائم اللمعان . عاشق النساء معشوق الصبيان من يخافونه ، حاكم دار الحى عشق زوجة جميلة فطلب من الزوج : أن يعمل عساسا في عمل اختاره له وعينه فيه ، حذره ان عاد للحى ليلة فسوف يبيته في دار خالته أى عنده في مركز البوليس ، كذا طمائنه على زوجته وبانها في حمايته كل ليل . تحت نظره وحمايته ينطلق فقراء زرايب العبيد السود ، في الليالي الشتوية التي تمتزج فيها الظلمة الحالكة بالمطر الكثيف ، مندسين على جنبات الطريق غائصين في السبخة المحيطة ، عراة يدهنون أجسادهم بالزيت ، متسلحين بمسحوق الفلفل الاحمر الحار ، متربصين لسيارات الجيش الانجليزى المحملة بالتموين ، كجيش من عنترة بن شداد والليل ؛ فريق يكمن في مكانه ، أخرون ينزلون في داخل السيارات راشين الحراس بسلاحهم الحار الخارق ، يرمون كلما وقع في أياديهم ، صناديق ، أشولة ، علب ، في السبخة مصدر قوتهم من الملح صيفا ومكمنهم الشتوى .
كل هذا وكد شخصيته؛ الصول بوليفة من بمكنته قفل الحى في وجه من لا يحب ؛ حيث لم يعرف عنه كراهيته لأى أحد من حيه ، خاصة المجرمين والسكارى المدمنين من يحبسهم دون أن يحيلهم للنيابة ، عقابه لهم ، لأجلهم . جمع كل من لايحب وطلب منهم مغادرة الحى حتى يعودون له باللصوص ، الذين أفزعوا فرخ صديقه - وتطاولوا على سلطته .
ان لم يعثر عليهم حارس الليل فإن الوردية / الحرس البلدى حذيفة لهم بالمرصاد ، ما من بضاعة تمرق من تحت نظره . على دراجته النارية معتمرا بدلته الرسمية كل نهار يجوب شوارع وأسواق الحى ، لا تتجراء امرأة برمى ماء غسيلها في الشارع المترب ، ما من بائع متجول يسرح دون مراعاة اصول النظافة والنظام ، فهل يتمكن تاجر من الخروج عن القانون والاصول ؟ ؛ هذا هو رئيس الحرس البلدى يتلصص على القاصية والصغيرة فكيف لمرؤسيه أن يفعلوا غير ذلك ؟ . مشهد اعتيادى أن نرى الوردية يجوب شوارعنا مزهوا ببدلته الرسمية ، رافعا أنفه في السماء وعيونه تنقب الارض ، عند التعب يجلس ، بمحاذات محل والدى صحبة أصدقائه ، على كرسي الموتو ويخرج رواية أرسين لوبين متابعا جريمة جديدة في هذه السلسلة ، قليلا ما قطع استرساله في متابعة بطله المفضل وشارك في أحاديث الجماعة ، هذا اليوم استثنائي ؛ فقد سخر من والدى مدعيا أن اللصوص لم يستهدفوا إلا البضاعة الحية فليس من العدل في شيء أن يكون للمرء عنزاتان وللأخر تيسا بين أفخاذه يقلق نومه بصياحه . كالعادة وجد الصول بوليفة فرصته فعلق : يبقي انت التيس . رد حذيفة الوردية : التيس اللى يلعبوا في حوشه التيوس ، فانفعل الصول منسحبا : ورأسك اللى يعتدى على حوش صاحبي ما يشوف الفجر الا مكلبش . أما والدى فصعق لما انتبه لوجودى فصرخ في وجهى : امشى لأمك ، قاطعه الوردية مقهقها : امشى يا حامى الحمى وخليك منهم .
ازدهت شوارعها كالعادة بالعجاج فارتاب كل أحد في كل أحد ، صيفها يعجن بشرها في طين سباخها ؛ كل أحد سبخ . عند فم السور من المصلى المحاذى للسبيتار الكبير، تنسكب الجنائز ، قاطعة الخيط الأسود المكلل على يمينه بفسحة بيضاء بعد سلبت شمس صيف من السباخ مائها ، جمع متدفق تجره أرجل مثقل بحمل صندوق مغطى بجرد أبيض أو رداء ملون أيقونة جنس الميت ، يردد اللحن الرتيب : لا اله إلا الله .. محمد رسول الله ، وعلى يسار الخيط الاسود يقف آل الصابري كل يوم في مهابة الحزن المفتعل والتبرم المكتوم : كتب علينا ؛ في مغرب حينا جامع الموت وفي الشرق جبانته . بوابة سيدى اعبيد تجمع صبية الحى ، الفقير منهم والفضولى في انتظار وجبة الميت التي يقوم عليها أحد أهل الميت : طنجرة مملؤة بزيت زيتون وأرغفة خبز ساخنة ؛ يغطس نصف الرغيف في الزيت عند التشبع يمنح صدقة للصبية والجائعين للزيت من الكبار ، يلتهمون الرغيف وما يتبقى من الزيت على أيديهم يدهن به الرأس والمداس . في جلباب التراب يطلع من جبانته ، حفار القبور من انتهى من مهمته صائحا في الجمع طاردا الصبية ؛ بهذا كأنه يستعيد أنفاسه من قبر ، فيما يقوم الحارس البلدى بحراسة الموكب ؛ حيث أن كل أحد تمنحه البلدية صفة المغادرة كما تمنحه صفة الوجود . حارس الجبانة أعمى وزوجته مقعدة التي لها عشيق ، يتسلل كل ليلة إلى مضجعها وكثيرا ما أخاف الصبية الفضوليين والأكثر جراءة ، عند اقترابهم من السور لجس مكمن العفاريت يخرج عليهم بملابس امرأة . الصول بوليفة مطلع على كل شىء لكن يعتبر وجود العاشق ضمانة عدم العبث بالموتي ، وبالنقود التي توضع في صندوق الولى سيدى اعبيد من قبل المرضى والنساء المهجورات و العقيمات والرجال المنحوسين ، هؤلإ قبل غيرهم شارك في الجنازة الكبرى لتاجر الشعب ، جنازة الحى من حمل الصبية قبل العواجيز والشباب قبل الكهول التابوت كمحمل الحج ، تداعكوا وتراصوا مثلما كانوا يفعلون كل صباح وكل عشية : دكانة تاجر الشعب تقع وسط الحى عند صنبور الماء العام من حيث يوردون حاجتهم ، الباب الخشبي المطلى باللون الأخضر الغامق يتكون من أبواب أربع تشرع جميعا في الصباح الباكر ، في الظهيرة يبقى مفتوحا منها بابان عند المغرب باب واحد ما يدخل فرد ، الدكانة مستطيلة ومحشوة بالبضائع ما يحتاجه الزبائن من كل شيء ، تاجر الشعب كما يسمى نفسه ويحب أن يسميه الناس محشورا بين أشولة وصناديق وعلب وبراميل ، في أخر الدكانة ثمة باب صغير تدخل منه زوجتاه كى يمداه بيد العون وبغذائه . لكل زبون قدر محدد ومعروف ؛ للإفطار والغذاء والعشاء ، كما لو كان رشن أفراد جيش ، وثمن ذلك مبلغ في مقدرة الزبون .
ان مات الرجل يعول تاجر الشعب عائلته حتى تفتك نفسها من مسغبتها ، ان مرض كذلك وان ليس لديه ثمن الدواء فيد تاجر الشعب ممدوة وجاهزة دائما للدفع ، كل زبون يجلب ابن عمه أو زميله ممن يجدون على الحى إلى الدكانة فيتحصل على مبتغاه حتى يعمل أو يحصل أجره ، حتى من يخرج من السجن يجره الصول بوليفة للدكانة ليستدين حاجته ، أما حذيفة رئيس الوردية فيمنع عن تاجر الشعب رجاله وعيونه عما يجد من صناديق الكراتين الفارغة وما شابه في غير مكانها .
- امشى لدكان الشيخ ، أنا مانبيعش لرقاد الريح ..
كثيرا ما زجر سبيريا الزبون الذي لا يعجبه ، دكانته للخاصة لهذا يبعث الزبائن ممن يراهم متطفلين عليه إلى تاجر الشعب . عنده بضاعة متميزة من خضار وفاكهة وعلب لم تر في غير محله ، أسعاره مضاعفة ، زبائنه ممن يلبسون البدل الزاهية ويركبون السيارات الفارهة وهم من سكان البلاد عادة وبعض من ضيوفهم من الاجانب .
- ياحاجة وحده بوخطوة واثنين بوخة وصندوق بيرة .
من كوة في الدكان تطل على البيت تمد زوجته يدها بما طلب ملفوفا ، وان منع بيع الخمر في شرق البلاد فإن الصول بوليفة يجعله مسموحا . و لا يكتفى سى سبيريا بتمرده على قوانين الدولة وأعراف المهنة ، هو السكران طول النهار يخرج في عشيات الصيف من دكانته عاريا ومجدفا شاتما الدين والدنيا زاهيا مختالا فيما الجميع يعبث معه ، وكثيرا ما طال لسانه بنات جاره اللآتي يدرن محل والدهن . في عشيته هذه يوزع ما تبقي من فاكهته والخضار المتميز على أي رجل أو صبي يمر على دكانته ومجانا . ثم في المساء عند الثامنة في أقصى حد يقفل الدكانة حيث يجتمع في داخله مع أصدقائه ؛ أبي والصول بوليفة ، وموظف ليبي في السفارة الامريكية يوقف سياراته الرسمية بجانب المحل لتبدأ السهرة .

بورتريه قصر البركة!

الجو ساخن لهذا أفتح أزرار القميص وفي النفس مرجل يضطرم ، أرطب النفس بالذكريات يوم كنت صبيا أتقدم الوالد مندفعا نحو بير الكلبة في بحر الصابري ، وعن هذا و عن ما بي أنشغل بالشارع وحيويته.
بعد الغذاء في حمأة الصيف أتمشى ، في مدينتي بنغازي ، من حى البركة ، حيث أسكن ، مخترقا شارع جمال عبد الناصر ؛ الاستقلال سابقا ، حتى الكيش أتظلل بالبيوت مراقبا على يميني قصر البركة : لا بد أن جنود الترك قد وجدوا فيه مظلة تكفهم حرارة بنغازي المبالغ فيها أما هذه النوافذ ما تبدو كأبواب، فإن الهواء ينسكب فيها على عجل مزيحا في طريقه الرطوبة ما تنفث المدينة بغزارة؛ حتى يبدو الفضاء كبحر يغرق الاجساد ويجعل منها كومة من لزوجة حامية الوطيس . منذ تجرأت في مقتبل العمر وخالفت الوالد وزحفت من حى الصابري نحو قلب المدينة النابض المتلألئ . تحيرت ما العلاقة بين العلم والأسطورة ، حتى رأيت قصر البركة بغرفه الثلاثة مئة وخمسين؛ هل أتم الترك في نهاية القرن التاسع عشر هذا البناء بهذا العدد من الغرف كي يشيروا لأيام السنة ، أم كي يتركوا أسطورة تومض للإفول، وكهرم لامبراطورية ولدت ميتة ، ولم تترك في مدينة مثل بنغازي غير اليتم كهذا البناء الذي لا شريك له . كل نافذة نافذة على غرفة لضابط عثمنلي سطوته على تحته ، تحته اسطبل وجند في غرف سفلية أسفلها زنازين التي هي نوافذ كل سلطة تركية . أنذاك كانت سلطة الحكومة تطال من تحتها فحسب ومن خرج عنها وأمكنها اصطياده تدكه في حاضنتها المدسوسة تحت الأرض ، أرض القصر / المعسكر . وهذه السلطة لم تغير من أساليبها باعتبارها سلطة الله ؛ السلطة التي لا تاريخ لها فهي تعيد إنتاج ذاتها من هذا الإعتبار ؛ سلطة مطلقة لا حد و لا حدود لها، وقصر البركة بنوافذه الثلاثة مئة وخمسين مقرها الذي بقي مقرا لها منذ أفول القرن التاسع عشر حتى مطلع الإيطاليين .
تهت في سراديب تركية من العطن والرطوبة وتاريخ الهواء الراكد ؛ كأن خمس مئة من الأعوام تفوح الآن ، لقد جعل الحكام الترك من البلاد مبولة ومن الحكم سوطا ومن السكان عبيدا للملح ومن ظهورهم دوابا ، لقد حلبوا كل شيء واتخذوا عن الرقاب أتاوة؛ حتى أن شبح عزرائيل أمسى الصديق المراد.
الإخوة : القيظ ،العجاج ، الأغبرة وبنادق معسكر البركة مشهرة في ظهر المدينة التي يحيط البحر جانبيها ووجهها .
كثيرا ما جست جبانة سيدي اعبيد أو جبانة اليهود في الزريريعية حيث بيتنا وحيد العلوة ، لكن قصر البركة يبدو لي وكأنه شبح يلد الأشباح وليس مأوي الاشباح وحسب. كذلك مجمل ما هو تركي ، مدعاة للخوف وكأن التركية من معاني الوجل ؛ كثيرا ما وصلت هدية من حاكم تركي لشيخ قبيلة متمرد ودخل في صلح وانصاع لدفع الأتاوات ، هذه الهدية شوال ضخم من الملح ، عند استهلاك المنتصف مثلا ، يظهر رأس ابنه أو أخيه وقد دسه ذلك الحاكم كدرس لن نتمكن نحن ألاحفاد من نسيانه.
لكن بنغازي، وهي حاضرة برقة الاقليم الشرقي للبلاد ، كثيرا ما تمردت عن اليد الحاكمة في طرابلس العاصمة مقر السرايا الحمراء قصر الحاكم المطلق اليد .
اقيم قبل خمسة أيام من مغادرتنا طرابلس التي ودعناها صباح يوم 11 فبراير 1817م ، احتفال لم يزد عن كونه اعلان حالة الحرب ضد الإبن الخارج عن طاعة والده ، وفي نفس الوقت كان الاعداد لتجهيز الحملة يسير حثيثا والبي أحمد منهمك في زيارة جميع المرابطية في المدينة طالبا منهم الصلاة والدعوة لتوفيقه. هكذا بدأ الدكتور دي لاتشيلا تسجيل مذكرات رحلته لقطع الصحراء الليبية بروح مغامرة وتعصب يشده لأثر الاجداد الرومان والمسيحيين الأول: لو تأملت خريطة أفريقيا التي نشرها أرو سميث ، والتي بين عليها الدروب التي سلكها الرحالة في هذا الجزء من العالم ، فستلاحظ أن بعضهم اتخذ طريق فزان في الوصول إلى طرابلس من مصر ، كما أن المغامرين قد سلكوا طريق الصحراء الكبرى ما بين طرابلس وتمبكتوا ، أو عرجوا عبر الصحراء في الوصول إلى ضفاف النيل . وستلاحظ أن أحدا لم يغامر في الدخول إلى اقليم البنتابولس؛ أرض قورينة وبرقة القديمتين، إذ يظهر أن طريق الوصول إلى هذه الجهات قد ترك من أجلي . وسأكون في حماية جيش من عشرة الآف جندي ، وطابور طويل من الابل مما يقلل الخوف من نقص التموين، وزعيم لهذا شغوف لتصفية أخيه الأقسى .
لا يوجد من بين الوحوش التي عرفتهم أساطير أفريقيا القديمة من هو أفضع و لا أقسى منه ؛ البي محمد الأبن الأكبر لباشا طرابلس ؛ بارد وعنيد ، صغير في تفكيره ، متوحش وبربري المزاج ، يطلق العنان لنفسه دون تفكير ، ليست هناك حماقة لم يرتكبها ، أهم هواياته مشاهدة خدمه وعبيده يموتون ألما بعد اسقائهم جرعات الزرنيخ. لكن أخيه البي قائد حملة تصفية الوحش طبعه كان على خلاف الكثير من المسلمين ، على جانب كبير من الحذر ، مما جعله يفضل وجود طبيب يصاحبه، ولحسن الحظ كان الباشا يعرف عن مهنتي وطلب بالتالي مرافقتي لأبنه.
انشغل الدكتور دي لاتشيلا عن الحملة بتفاصيل المكان وتسجيل ما يرى وما يريد أن يرى وما لا يرى أيضا، وقد وصلوا في اليوم الخامس من مارس إلى المنطقة الفاصلة بين طرابلس وبرقة، وعلى الرغم من تعب الجميع وقلة المياه إلا أنها مناسبة أسرت الجميع. ازدادت الفوضى وقل امتثال الأوامرمع استمرار ازدياد عدد الجيش مما حمل البي على التدخل . وبوصولهم مركز مارات / اجدابيا ، يوجد طريقان يتجه الأول بحذاء الساحل إلى بنغازي ، ويتجه الثاني نحو الداخل مخترقا اقليم البنتابولس ومنتهيا إلى البحر عند درنة .
نحن الآن في منطقة بنغازي ؛ المنطقة السهلية الواسعة التي تسكنها بعض القبائل التي أسرعت لمقابلة البي وتقديم برنوص الولاء والامدادات من جند ومؤونة . قضينا يومين قبل وصولنا إلى الأبيار ، التي جمع البي رؤساء قبائلها طالبا منهم العمل على مساعدته في تعزيز جيشه ، تأييده الكامل فيما جاء من أجله . جاءت أخبار البي محمد بأنه غادر درنه متجها نحو الحدود المصرية ؛ لإعتقاده أن باشا مصر محمد على سيقدم له العون ان تتبعه جيش أخيه .
تأخر وصولنا قورينة لأن هم البي جمع القدر الأكبر من الأتاوات ؛ وصلنا في شهر مايو. وقد حدثت بعد قليل من مغادرتنا سلنطة ظاهرة خطيرة، أقلقت بال الجميع إذ ماتت أكثر ابلنا رغم الأحجبة العديدة. و لا أخالني فخورا إذا قلت أنني قد اكتشفت، بطريق الصدفة أحدى النباتات السامة التي تنطبق عليها جميع الأوصاف التي ذكرت حول نبات السلفيوم ؛ ما كان سكان برقة قاموا باستخراج عصير من جذوره لتصديره إلى الخارج . وقد وصف المؤرخ بليني ذلك النبات؛ الذي يحمل الغنم على النوم ويجعل الماعز يعطس إن أكله. وعلى ما أذكر أني قرأت في أحدى المناسبات، أن هذا النبات قد وجد في عهد نيرون الامبرطور، وأرسل له كنبات نادر الوجود، وأخبرنا كثير من الكتاب الثقاة أن نبات السلفيوم نبات يقتصر وجوده على برقة ، حتى أنها عرفت باسمه في بعض الأحيان.
وصلتنا يوم 20 يونيو أخبار مطمئنة فأصدر البي أمره بوجوب التحرك السريع لملاحقة أخيه . الطريق إلى درنة صعب ، الرحلة شاقة أضاعت الكثير من خيولنا . تأكد لنا لدى وصولنا إلى درنة ، المدينة الخلابة ذات الامكانيات الهائلة، مدى وحشية وقسوة البي محمد ؛ كانت أرضية القلعة لا تزال مغطاءة بدماء وجثث من القتلى الذين في مقدمتهم جواريه ؛ لأنه على ما يظهر ، لم يكن يسمح لغيره بامتلاكهن كما أنهن يثقلنا انسحابه، كما أن من ضحاياه العديد من أفراد القبائل الموالية له ، الذين تخلوا عنه بعد أن عرفوا بوصولنا .
الدكتور دي لاتشيلا الذي غادر طرابلس في رفقة حملة عسكرية لم يكن يظن أنه سيصل نهاية الرحلة سالما : وصلت حملتنا إلى نهايتها السعيدة لأننا لم نلق أية مقاومة ، قرر البي سرعة العودة عن طريق الأبيار إلى بنغازي ؛ حيث كان في شوق وعلى أتم الاستعداد للاحتفال بشهر رمضان .
كل شيء في بنغازي على مايرام ؛ خاتصة أن المدينة بدأت تحتفل بمطلع شهر الصوم ، ما يضفي عليها مظهرا أهم مميزاته قلب مسيرة الحياة العادية فيها . لكن بنغازي شهدت في شهر المحبة والسلام هذا ، شهدت واحدة من أبشع المذابح. فعلى الرغم من عدم سفك قطرة دم واحدة من لحظة مغادرتنا طرابلس إلا أن حدوث ما سيعكر صفو الجو الآمن الذي عشناه قد أصبح وشيك الحدوث .
قبيلة الجوازي لم يغتفر لها انضمامها إلى البي محمد ؛ رغم ارسالها بعثة من كبار قومها طلبا لصفح وغفران يوسف باشا على ما ارتكبت من حماقة ضده . وقد طلب الأب من أبنه أحمد فيما طلب ، أن يظهر تسامحه معها لكن بعد أن ينتهز الفرصة الملائمة لانزال ضربة تفصم ظهرها وإلى الأبد .
الدكتور لاتشيلا في مسرح الحدث وكواليسه لهذا شاهد الحدث وشهد تأليفه وعلى سبل اخراجه ؛ حيث اقتنع الجوازي بتودد البي ومساعديه ، أصبح رؤوس القبيلة من أولى ذوي الحضوة في مجلسه ، لبى المشائخ دعوة لتكريم قبيلته : في صباح الخامس من سبتمبر سنة 1817م كان خمسة وأربعون من أجل أفرادها قد وصلوا في موكب كبير إلى القصر . البي البشوش في استقبالهم ، قدمت القهوة وخطب الترحيب ، أظهر البى شعورا يبدو صادقا لأنهاء الخلاف . هنا بدون مقدمات تدفق الحرس وسيوفه شاهرة لينفذوا الأوامر التي كانت قد صدرت لهم . في الحال الكثير مات ، من قاوم دفع إلى غرفة قريبة حيث ذبحوا ، أما من سنحت له الفرصة وهرب فقد لوحق بالرصاص هذا أيضا ما كان مصير من تسلق جدران القلعة ، في الحديقة تم غرس كتيبة اعدام .
شاهدت منظرا بشعا ورهيبا . الجثث في كل مكان والدماء تسيل منها بينما البي المضطرب في حالة هيجان وقد جن لا لشيء سوى لأن جنوده لم يتجمعوا بالسرعة اللازمة التي يبتغيها : انطلق عاجلا يتقدم فرسانه ليباغث من لم يتصل بالخبر من أفراد القبيلة : قتل من تبقي من الرجال ، ذبح الأطفال كي لا يتيتموا ، أما النساء فضربن وعذبن واغتصبن وسبين وقتل منهن العواجيز فقط . انتهى خلال ساعات ما حدث وما لم يحدث وجنى البى من جنايته : أربعة الآف جمل ، عشرة الآف رأس من الغنم ، ستة الآف من البقر ، كميات من النقود لم تحصى بعد وبعيض الأسرى فقط للفرجة .
أما مبعوثي القبيلة إلى الباشا ؛ من أجل الصفح والغفران ، فلم يلقوا نفس المصير وحسب ، بل ألقيت جثثهم للبحر لتسمين السمك الذي سيصطاده الصيادون لمطبخ الباشا خصيصا.
لم يعرف الدكتور لاتشيلا أن السمك الذي التهم الوليمة البشرية ما التهمه أبناء الباشا قد جعلهم شريهين أكثر لهذا التهم الواحد منهم الآخر بنهم فيما انطفأت عينا الباشا الذي حبس في حبوسه أعمى ، فقير ، لا حول ولا قوة انتشلته سفينة عثمانية من محبسه ليموت مثل كلابه الضامرة الضامئة التي أكلها الجرب .


     
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home