Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Saturday, 6 January, 2007

بورتريه زلة

أحمد الفيتوري


لوحة التشكيلي الليبي محمد الأمين

اذكروني،
كلما لاح لكم، وجه جميل
اذكروني،
حينما يجمعكم في الكيف ليل
أنا، مازلت على عهدكمو ذاك الخليل
كيف ! والقلب لديكم، ماله عنكم بديل
فاذكروني، كلما لاح لكم،
وجه جميل.
                  أحمد رفيق المهدوي

رمل في المدى والمدى رمل وزلة حقل الرمل، العاشق غائص في القلب عن المدى عن الرمل؛ عن زلة التي تنغرس كالنخلة ؛ ظل العشق ، ظل التائهين في فيافي الصحراء الكبرى . هنا بساط وجرعة من زلال ماء، هنا زمزم كل عاشق، فكنت من التائهين هؤلاء.
في العام الثامن والسبعين من القرن المنصرم رفقة الشاعر أحمد الحريري ؛ كنا في مهمة صحفية نهاية ذلكم العام ، تاه سائق الكروزر العسكري العنيد عن زلة بعد أن تخلى عنا آل الفقها: واحة أحفاد الرسول كما يقولون ؛ تصوروا أننا سندعو لتنفيذ قرارات الدولة الخاصة بترحيلهم لمنطقة أخرى تتمكن فيها الدولة من توفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ، لكن كيف لهم ترك موطن أجدادهم من آل البيت الذين هجوا من مذبحة الدولة الأموية ، هم من نجا من الفتنة الكبرى ؛ مقتلتي المسلمين الأشهر .
هكذا لم يرافقنا دليل صحراوي.
في جبل الهروج البركاني الأسود الذي سطحه أشجار متحجرة، وفي وديانه صدف بحري وهياكل عظمية سمكية، بين غابات حجرية وبحيرة تيبسن عروقها ضعنا، بعد إغواء قطيع غزلان لنا بمطاردته. لم يوقف سائقنا العنيد عن المطاردة، غير مشهد هيكل جمل في حالة قعود رقبته ممدودة؛ يستنشق الموت من جفاف التراب. غير بعيد من المشهد الأول طلع علينا من ثنايا الهروج المشهد التالي : جثة سيارة رنج روفل أكلها الجفاف دون داء ، عرفنا أنها سيارة زملاء لنا كانوا قد غرقوا في بحر الرمال هذا مطلع الستينات من القرن العشريني.
أرهبتنا مشاهد متتالية ففقدنا الرشد .
بالمصادفة المحض، بحب الحياة، بتاريخ أجدادنا في حربهم ضد قبيلة القبلي ربة الجفاف تمكنا من زلة. زلة التي غادرها كل ذكر قادر في قافلة البحث عن الضائعين نحن، لم نجد غير عجوز أسود بقس مضحكه في الظلمة كدليل ساطع عن النجاة.
هذا من ربع قرن أو أكثر.
في الرحلة التالية في الشهر التاسع من العام الرابع من الألفية الثالثة ثلة اتخذت من حافلة مكيفة سفينة صحراء، تاركة الساحل والشمال حتى زلة، من بنغازي في حضن الليل نخرنا عباب الطريق؛ من النسوة الشابات خمس ومن الرجال دسته، في خلدهم زلة الشعر والقصة مهرجان في دورته الرابعة وهو الوحيد في تاريخ البلاد من يعنا بهذين التوأمين اليتيمين في البلاد اليتيمة.
لم يكن للعاشق غير السفر ، لم يكن للسفر غير العاشقين ، التائه عن نفسه توقه لنفس محبه ، الصحراء محراب هذا التوق السرمدي لملاقاة النفس التواقة من تتوضاء لركعتين في العشق بماء الروح ، هكذا زلة ، التي تقنا لملاقاتها ، مرتع العاشقين هؤلاء.
اتخذ هليل من حافظته وحنجرته سبيلا لقطع خيط الطريق الذي كلما قطعه التحم وزاد ؛ وجد غيره في الألف كيلو متر من الرمال مسافة للتأمل فغدره تأويله هذا وأخرجت له الطريق لسانها ، عفاف أخرجت لسانها متهكمة ساخرة متخذة النكتة وسيلة خاب مسعاها فالطريق كوميديا سوداء لا محالة غالبة .
هكذا الطريق.
الصحراء الليبية الصراط اللاشيء، مترع ومبدد دون أفق، تلملم بنت الحافلة هذا ألا أفق في كترها معتبرة أن من لا هدف له لا بدأ له وأنها بين البينين، تطول الطريق وتضيق وليس لزلة أفق: هل لعاشق يقين؛ المتوكد ليس بعاشق.
تغدرك اجدابيا وتشرهب سرت؛ قاذفة بك لبوابة جهنم طريق الودان: الداخل مفقود والخارج مولود؛ طريق مسفلت تحسد مدن البلاد الصحارى عليه، طريق محاطة بمتاهة الرمل ومضيع الأرواح، لذا يتسنى للبنت الخوف وللنفس اللوامة أن تعتبر رحلة كهذه هدر لطاقة الروح وشفافة الجسد.
انتقت الصحراء زلة من خبائها بعد أن أجهدتنا، ذابت الروح وجفت حلوق هليل وكورسه ورئيسه دكتورالأدب. في ظهيرة اليوم التالي بعد اثني عشر ساعة ضاقت البنت من ثوانيها؛ حتى النخل المنتصب بهامة الروح لم يجذبها بعد أن كلت روحها. سحب الماء بفعل حفاري البترول فجدبت الواحة، الواحة المندسة في حوض نهري شربت مائه الشمس المحروقة الحلق، نخيلات عجفاء، طريق حطمت سلاسته العوادي والإهمال، منازل مبعثرة، واحة عرفها التاريخ لكن لم تعرفها الحداثة، واحة منسية غدر بها الزمان الرديء فتغضنت، تشققت ملامحها بعد أن سرطنها الإسمنت والعبث المعماري.
لزلة إيقاعها تقطع الفضاء الأغبر بتصفيقة مميزة تعيد ترتيبه ، بهذا أعادتنا من شتات الطريق ولمتنا في لمة، روت عطشنا بالعذب المسمر جسدها الريان بالصبر والحكمة؛ فإن لكل طريق منتهاه . في زلة ربيبة الريبة ينام العاشق لتيقنه من ريبته، في غيرها لا ينام، زلة قليل من رطب الحياة مدسوس في حوض الرمل الذي لم يعرف البلل منذ الآلاف السنين ‘ حيث تجفل الغزالة تجفوا المعشوقة.
لم يكن للشاعرالشعر لكنه انتزعه من جفول زلة عن الخلق ونأيها عن الماء، لم يكن الشاعر للشعر لكن الفصيحة تغتال العامية، فأرادها عركة للذود عن مملكة زلة العامية؛ بهذا وجدنا في زلة متراسا نعارك قبيلة القبلي بجند لا يعلمها غير الله من الشعراء.
الشعر خجول والبنت الخجل وزلة ظله وان اشتد الضوء اشتد الظل؛ لكن الشعر الزلاوي ليس له في الضوء مبتغي؛ يبتغي الشعر دون نقوده، غاب العقل فتعقدت خصلات الشعر وتاه الشعراء عنه.
زلة ترسم بقلم الشفاه على الفضاء شعرها وترسله محملة قوافل الريح خيوطه الحريرية، تاركة الصوفية منها تبدد في حواش من فياف؛ الشاعريدون بأبجدية العرب كلام الريح وكثير منا لم ينصت لغيره، ولغير نتف تمكنت من الفرار من جهنم زلة الواحة التي انفردت بخيباتها.
ولأن زلة مكان يعول عليه فقد تأنث بشعرية ليس لها من الشعر غير أهمه التأنث، لم نسمع الشعر من الأصوات النسائية الليبية التي حفلت بها زلة ، وان سمعنا شعرية الأنوثة ذاتها، مكابدة الطريق الذكوري الجاف، وكان باعث ذلك روح زلة الرطبة الريانة فينا.
تأنثت أسطورتها حين كان لنانا مليحة سطوة على السادة، كانت ملكة العبيد الذين تحررهم كل عام أيام ثلاث هي أيام مزارها؛ في أيامها هذه يصير كل عبد حر ويستبدل به ابن سيده. يطلق العبد بسطوة نانا مليحة الجسد من عقوله والروح لتوقها، ويرد كرم نانا هذا بهرج الطبول، " الدنقة " التي ترقص فيها الجسوم مجسدة التوق للحرية، تطلق الطبول عنانها ليوم الحرية هذه ، وإن غلط سيد في عبده فلا فكاك لحبل من مسد تربطه به، حتى أنه لا يتسنى له السفر دون إذنها، وما لمسافر لم يستأذنها فكاك من عقاب. تاقت نانا مليحة الخالدة أن تتسمى زلة بسمها لكن ذاكرة الناس مثقوبة، هذا جعلها تحرج من خاطرها، حتى أن مخيالها لم يتمكن من مخاتلتها مرة في هذا.
دستْ نسوة زلة عنا وان جئنا بصحبة نساء الشعر.
شاقني مبسمها والصحراء شعتاء، تجفل مبعثرة في الفضاء ضحتكها فتترطب الجفوة.
أنوثة زلة في نخلها ورطبها الذي حجب عنا بعلب من الكرتون؛ أنوثة زلة حقا في ضيافتها، المضيفة هذه يدها حنة تحن على ضيفها بتطريزها مقامه بالدقة والرقة معا، مشغولها ضيفها فراشه نن عينها وغطائه رموشها. يوسف يعابث الدنيا ثم يعود إليها لينغرس كشجرة صبار، فيما الشريف يشوي جديانها بتؤدة وتمهل المحترف المتيقن مما يفعل.
لم نزر زلة وحشرنا عنها بين جدران المدن الاسمنتيه ، لم نتظلل بنخلها وان تغطينا بغبارها في مهرجان الريح في عليِها ؛ قلعة أكلها الزمان وإجحاف الهجران فسكنها غول العجاج ، في قلب زلة كما في قلب النخلة الجمار ، الأرض مجمرة لكن زلة رطبة بفعلها ليس بتمر نخلها ، البشر رطبها مرطب حلوقنا الجافة ، وأذاننا التي دكها يباس الشعر .
في زلة حصن، في الوسط، رشيق ناعم ومتين، في الشارع الأول منها حصن لم يفعل فيه الزمان ما تمكن من فعله بقلعتها، حصن خير مكان للفنون والثقافة للشعر والرقص، فبما يشغل هذا الحصن المتشكل كمشكاة لتاريخ زلة هذه؛ حصنها دار بوليس.
ظننت؛ وبعض الظن آثم، إن السياسة أصابتها حكمة فلم تعد تنشغل بالشعر والكلام في الكلام، خابت السياسة وخاب ظني، فإذا بوتر الربيعي واهن وبنياته أصابهن كلل وكذا قصيد زلة، من أثر دفوف السياسة وطبولها: كلمات وكلمات مدائح ومدائح، السياسة مثل اكو تردد كلمتها الأولى فهي نرجس كل شيء. السياسة أكلت المفتتح كما التهمت الختام .تبار بعض المتكلمين وزنا ومنهم عراقي ، لا يجيد غير بيع بضاعة فاسدة ، جال وصال علينا وذبح ونكل جثة الشعر دون رحمة، كثير غيره فعل ذلك ولكن بسكين ناعم، لا أحد من الشعراء في زلة - حتى الزلاوي منهم - يحب نانا مليحة لكن الجمع يحب نانا قبيحة وقد رن ذهبها، شيء من فتاتها.
تقول حكمة خرساء إذا دخلت السياسة من الباب خرج الشعر من النافذة، وان رن الذهب رقص المداح ورخص العرض، تزاحم المتشاعرون في سوق نخاسة الشعر، بعضهم زاحم دور مذيع حلقة الدراويش هذه. في انتظار نقل تلفزيوني مباشر أو رضاء هذا المسئول أو ذاك يتغير كل شيء ونتحول جميعنا كديكور لزوم المشهد. حياء زلة من الحاصل ترك للعجاج العبث بمملكتها، حتى أن نانا مليحة غضبة لهذا لن يتسنى لنا السفر دون مراضاتها؛ دفع دية العوج هذا.
عيونك ليله تعب فيهاالعاشق من عجيج، زلة لم تتعب من عشاقها الكثر، تعبت فرقة زلة وارتكن فنهاالزلاوي الأصيل ركنا قصيا كي لاتغضب نانا مليحة، زلة لم تتعب كرعت أكسيرالحياة؛ دم النخلة، حليب الجمار،"اللاقبي"، لم تبق ثمالة لمتعطش وله مثلي، زلة ثملة بنا فثملت من عيون"حزينة، بس مش حزينة".

وكان نوري قد أسكره غياب الخمر، فيما اتخذ الشاعر الهوني من الافتتاح معلنة حضور وغاب؛ همه إعلاني محض.
تقول حكمة طرشاء من يكسر قواعد العربية كسر ظهر العرب، لهذا كسر المهدي ظهر العرب دون أن يزعل الزاعلون؛ المهم لغة العرب. لكن بعض من أمثالي يرون الفصحى تكسح العامية فكانوا الشامتين؛ ثمة مذبحة للعربية فرسانها من هم شعراء العربية !! . ترجمان الأشواق الزلاوية من يتخذ من الإنجليزية مركبه – كذا زميله من يتخذ الفرنسية – غاضه ذلك وهو يحكي لنا قصة فقيهه الأعمى من بمقدرته أن يراك تختلس من كتاب أو تقرأ سماعي.
لكن زلة ليست هذا أو هذا؛ زلة الشعر كانت غضبة، مخافة غضب نانا مليحة سيدة الحرية الغائبة، فيما نزوة العاشق تبددت طائشة والغزالة شاردة، تتقافز في عيون الجمع وتختال ضاحكة، كنرجس كل عين مرآته.
زلة في عين المعشوقة مرآة الروح لهذا تسني لي قطر روح زلة ؛ خمر الشعر التي أودعتها سرى فأودعتني وهي تودعني سرها.

تصوير : أحمد الفيتوري
afaitouri_55@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home