Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Tuesday, 5 September, 2006

   
   

رواية

سـريب (1)

أحمد الفيتوري

  • سريب
  • رواية
  • أحمد الفيتوري - كاتب من ليبيا
  • الطبعة الأولى .
  • كمية الطبع :
  • أعمال الصف والتوضيب الفنى والغلاف لـ أحمد الفيتوري.
  • الناشر :
  • جميع حقوق الطبع والاقتباس والترجمة محفوظة
  • رقم الإيداع المحلي :
  • رقم الإيداع الدولي :
*   *   *

الإهـداء

إلى
جدتى الزائرة بريبش
و
إلى من راودته جدة الحكي فكان رائد القصة الليبية
إلى وهبـي الـبوري القاص.

*   *   *

سيرة ذاتية

ما استطاع أن يكون،
ذلك الذي كان.
لأن الذي كان، ميت.
- أ كتافيو باث -

تـتـكيء جدتي عند الضحى قرب باب البيت ، تطلق خيط الكلام ، مع أي أحد ولا أحد . وقتذاك أطلق خيط الطائرة الورقية ،التى تنساب فى الهواء كما كلام جدتي ، لم يكن لكلينا هدف ، أو بالأحرى هدف مشروط بذاته ، حرية تبتكر نفسها . لم أكن ولا جدتي مشغولة بالدلالة قدر شغلنا بالفعل ، كلانا يلعب ؛ كأن الطفولة فى والشيخوخة عندها غفلة الزمن ، فما يعنى عندها الجذوة يعنى عند كلينا الرمق . كلانا يحتفي بالكانون وشهر ديسمبر يبدو أنه اله الزمهرير الذى يخيف الطفولة ويرعب الشيخوخة ، لهذا فإن الكانون الرقية وإن الفراش المشترك تعويذة قسمة العمر الجميل بحيث أنى أظن و جدتي فى بداية الزمان؛ زمن الطفولة دائري أو كما هى دون أدراك ترسم بالمعول دوائر النار أطلق فى الهواء دوائر الماء . والغريب أن سريرنا يبدو دون حواف لهذا فهو كالرحم ، يحضن جسدينا ونحضن بدورنا الفراش ، و لأنه فراش وحيد فإني أجد الفراش يتآخى مع الغرفة الوحيدة فى البيت ؛ هذا البيت الوحيد في " العلوة " ربوة الزريريعية مرتعي وجدتي . لم أشعر بالوحدة وإن كنت الطفل الوحيد في هذا البيت ولا هي تشعر بذلك ؛ الوحدة تنبع من الفراغ وقد عشت معها دون أي إحساس بذلك ؛ بين المدرسة ، اللعب ومشاغل جدتي لم يكن ثمة مكان للفراغ الذى أحيانا أباغته يحاول التسلل من حولي ، فأخرج له لساني جاعلا منه لعبة أتسلى بها ؛ أرسم له كلمات وأشكالا غريبة ثم أطلقها فى وجهه فيولى الفرار . كم هو رعديد ، حتى أنه فى لحظات خوفي – الذى كثيرا ما يتسرب من شقوق البيت وفجواته ، الفراغ يحاول أن يدخلني تحت عباءة الخوف لكن ردائها سرعان ما يؤوينى . كثيرا ما ألاحظ أن الخوف يخافها وأن الفراغ لا يقبلها ؛ تتدثر الليلة الظلماء برداء أسود حفيفه زمهرير ، فأدخل في سواد رداء جدتي لحاف نهارها وغطاء ليلها الذى تكون رائحته الطيبة - وإن كنت فى عراك مع النوم - منوما سريع المفعول لكن صوتها يغلب حفيف رداء الليلة الظلماء وردائها المنوم ؛ كان يا ما كان : كان هناك رجل قد تزوج سبع نساء .. كن جميعهن قد حملن منه ذات يوم أحضر الزوج سبع تفاحات ست من نسائه أكلن تفاحاتهن ، أما السابعة فقد أكلت نصفا ، وتركت نصفا . قالت : سوف آكل النصف الآخر فيما بعد . حينما طرق بابها أحذ الشحاذين ، لم تجد ما تعطيه ، فأعطته ذلك النصف من التفاحة ، وعندما آن أوان المخاض ، أنجبت ست من نساء الزوج ستة أطفال ، أما تلك المرأة السابعة .. فقد رزقت بنصف طفل . احتار الناس ، قالوا ماذا نسميه ؟ فاتفقوا على أن يسموه ( نص انصيص ) .
كبر أولئك الأطفال ، فابتاع والدهم لكل واحد منهم حصانا، أما نصف الآدمي ذاك .. فقد احتقره ، لم يعامله أسوة بأخوته . ذات صباح ، ذهب الأطفال على صهوات جيادهم ، إلى مكان ما . فرجع نص انصيص إلى أمه باكيا شاكيا ، حينما سألته عما يبكيه ؟ قال لها : لقد ابتاع أبى لأخوتي خيلا .. أما أنا .. فقد احتقرني .
قالت له أمه : اذهب إلى حظيرة أخوالك ، خذ منها كبشا ، اربط الكبش بحبل ، اجعل الحبل بمثابة لجام ، ثم امتط صهوة الكبش ، والحق بهم ، أى بهؤلإ .. ذهب بونفيص ، ففعل مثل ما نصحته أمه : أخذ كبشا ، ربط الكبش بحبل ( بمثابة لجام ) ، ثم امتطى ( صهوته ) ، وذهب فى أثر اخوته ، وهو يغنى :
هيا .. فلتركض أيها الكبش ، فلتركض .
الحق بهم ، لا بد أن تلحق بهم .
تجاوزهم ..تجاوزهم ، هيا فلتركض أيها الكبش ! .
استمر يعدو فوق صهوة الكبش ، حتى لحق بأخوته ، فصاحوا جميعا :
- ها هو ذا بو نفيص قد وصل .
واصل جميع الأخوة مسيرهم ، بما فيهم بونفيص ، استمروا يسيرون عبر البراري ، حتى صادفوا نخلة مثقلة عراجينها بالرطب ، علا هرجهم ومرجهم ، ثم قالوا :
- من منا يستطيع أن يتسلق النخلة ، فيزودنا بالرطب ؟ .
فقال لهم بونفيص : أنا الذى سوف أتسلق ! .
ساعد الأخوة بونفيص على الإمساك بجذع النخلة ، فوصل بسرعة إلى قمتها ، وأخذ يزدرد الرطب الجني الجيد ، أما الرديء فكان يلقى به إلى الأرض ، ليأكله هؤلاء الكسالى .
أكل هؤلاء الأخوة الكسالى الكثير ، حتى انتفخت بطونهم ، ثم انصرفوا ، ولوا الأدبار لبونفيص ، رافضين أن يساعدوا أخاهم على النزول من على النخلة .
أطبق الأمر على بونفيص ، فخذله حسه وتفكيره ، إذ أنى له أن يهبط ، حينذاك ، تكلم الكبش فقال : ابصق على فإن وقع بصاقك على ظهري اقفز من على النخلة ، فإنك لا محالة واقع على ظهري. بصق بونفيص ، ثم قفز فجاء على ظهر الكبش ، وعمل هكذا ، فامتطى صهوة الكبش ، مرددا أغنيته القديمة :
هيا فلتركض أيها الكبش ، فلتركض .
الحق بهم .. بهم ، لا بد أن تلحق بهم .
تجاوزهم .. تجاوزهم ، هيا فلتركض أيها الكبش .
استمر يركض ويغنى ، حتى لحق بأخوته ، فوجدهم على حافة بئر .. اكتشف أنهم أرادوا أن يحصلوا على الماء من البئر فلم يستطيعوا ، وحينما رأوه ، صاحوا :
- ها هو ذا بونفيص ، قد جاء لكي يسقينا بعض الماء من قاع البئر . أنزل الأخوة بونفيص إلى جوف البئر ، فأخذ نصف الآدمي يشرب الماء الزلال ، ويمدهم بالماء المتسخ الآسن . فهم الاخوة صنيع بونفيص ، فنهضوا وقالوا :
- هيا ، دعونا نتركه فى قاع البئر ما دام قد أساء الأدب ، امتطوا صهوات جيادهم ، رفضوا أن ينقذوا أخاهم من قاع البئر .. تكلم الكبش مرة أخرى وقال مخاطبا بونفيص :
- أنا الذى سأنقذك .
مد الكبش إلى بونفيص حبلا ، ثم جذبه بعد أن تعلق به بونفيص ، فنجا من قاع البئر ، امتطى ظهر الكبش وهو نشوان ، يترنم بأغنيته المفضلة :
هيا فلتركض أيها الكبش ، فلتركض .
الحق بهم ، لا بد أن تلحق بهم .
تجاوزهم .. تجاوزهم ، هيا .. فلتركض أيها الكبش .
ركض الكبش ، وهو يحمل على ظهره بونفيص ، حتى أدرك هؤلاء الأخوة . جدهم يسيرون ، فسار معهم . وبينما هم يسيرون جميعا صادفتهم ( غولة ) ، فرحت الغولة بهؤلاء الأخوة كثيرا ، وقالت : - أنا .. بمثابة خالتكم .
كانت الغولة هى الأخرى لها سبع بنات . حينما التقت بهؤلاء الآدميين دعتهم إلى وليمة فى بيتها ، فجهزت لهم وجبة العشاء ، ثم سألت كل واحد عن العلف الذى يطعمه لحصانه فقالوا لها : - الشعير .
ثم قالت : - وأنت يا بونفيص ، ماذا تطعم كبشك ؟
فأجاب بونفيص بأنه ( الفول ) .
أعطتهم شعيرا ، وأعطت بونفيص فولا . بعدئذ أعدت لهم الفراش ، لكي يناموا بعد أن فكرت فى تمييزهم عن بناتها ، غطت بناتها بعباءة بيضاء ، بينما غطتهم بعباءة حمراء .. كان ذلك لكي تأكلهم. وكانت الغولة تغلى لهم بعض القطران ، بينما بونفيص لا يزال مستيقظا ، لم ينم لأنه كان يتسلى بالفول ، وحينما تسأله الغولة :
- أنت يا بونفيص ، يا ابن خالتي لماذا لم تنم بعد ؟
يجيبها بونفيص :
- إنها البراغيث ، البراغيث كثيرة فى دارك يا خالتي ! .
بينما هو فى الحقيقة يتجسس على حركاتها ، ثم إنه غافلها من حيث لا تدرى ونهض فأبدل تلك الأغطية : العباءة الحمراء غطى بها بنات الغولة ، والعباءة البيضاء غطى بها أخوته ، ثم تظاهر أخيرا بأنه استغرق فى النوم .
حينما ذهبت الغولة لكي تأتى بالقطران ، نهض بونفيص وكلم أخوته قال لهم :
- انهضوا إن الغولة سوف تقتلكم .
خمد الأخوة قليلا ، انتظروها حتى أحضرت القطران ، وصبته على بناتها ، بعدئذ نهضوا ولاذوا بالفرار . ماتت جميع بنات الغولة ، لم يبق منهن سوى واحدة اسمها " عائشة " ، قالت الغولة :
- آه .. يا أبناء الكلب ! لقد فعلتموها إذن ؟ .
ثم أسرعت تجرى ، تقتفى أثرهم ، وهى تدعو ساخطة فى ما يشبه الغناء :
- يا حليب كب كب واجمد فى الركب ..
استمرت خلفهم تجرى وتنشد خلفهم ، وهى تقتفى أثرهم ، حتى لحقت بهم فأكلتهم ؛ لم يبقى منهم سوى بونفيص . عندما همت الغولة أن تفترس بونفيص قال لها :
- لا تأكلينى يا خالتي ، دعيني أفكر لك فى الأمور ، إنني عبارة عن بونفيص ، أى نصف آدمي ، ولا يوجد فى لحمى وأعصابي ما يشبع لك نهمك ، ما الذى ستجدينه فى جسدي حتى تأكلينى ؟ ، وتابع بونفيص كلامه :
- ضعيني فى قفيز ، وأعلفينى الأكل الجيد : لحم الغزلان ، أفخاذ الخرفان .. الخ ، حتى أصبح سمينا ، مكتنزا ، ثم اكسري القفيز وكليني .
راقت للغولة فكرة بونفيص كثيرا ، أعجبت بها أيما إعجاب ، فما أن سمعت ذلك حتى أخذته ووضعته فى قفيز ، حملته فوق ظهرها ومشت . لكن الغولة أرهقها الحمل ، عندما وصلت إلى منتصف الطريق المؤدى إلى بيتها ، أرادت أن ترتاح فوضعت القفيز جانبا ، ومن حيث لا تدرى الغولة اختار بونفيص حجرا وضعه فى القفيز ثم لاذ بالفرار .
كانت الغولة لا تزال تظن أن فريستها فى باطن ذلك القفيز ، ثم أخذت تكلمه بشماتة :
- لقد حصلت عليك يا ابن الكلبة .
كررت الغولة شماتتها وسخريتها ، لم تسمع صوت بونفيص ، ثم عادت فشتمت أبناء آدم أجمعين ، وانتظرت ردا فلم يجبها إلا الصدى ، حينئذ سألت بونفيص :
- أتراك نمت يا بونفيص ؟ .
للمرة الأخيرة لم يصلها أى رد على سؤالها ، اضطرت الغولة أن تنزل ذلك القفيز من على ظهرها لكن لدهشتها لم تجد فيه سوى ذلك الحجر ! ، ولم تجد بونفيص . قالت الغولة وقد جن جنونها :
- لقد فعلها ابن سبع كلبات ..
ركضت الغولة تبحث عن بونفيص وهى تدمدم : يا حليب الثديين .. فلتجمد فى الركبتين ..
أدركت الغولة بونفيص ، فقبضت عليه وحملته معها إلى البيت .
حينما وصلت الغولة إلى بيتها قالت لعائشة ابنتها :
- ها أنا ذا حصلت عليه ابن السبعة ..
ثم أخذته ووضعته فى قفيز ، وبدأت تؤكله لحم الغزلان وأفخاذ الخرفان ، حتى اكتنز لحما وشحما . وذات يوم بادر خاطب الغولة ، قائلا :
- ها أنا ذا قد أصبحت سمينا مكتنزا .
كسرت الغولة ذلك القفيز ، فخرج بونفيص وقال :
- الآن أريد أن أسألك : لماذا تريدين أن تأكلينى وحدك ؟ اذهبي ، ونادى اخوتك وخالاتك ، لكي يأكلننى معك . فقالت الغولة :
- دعني أذبحك ، قبل أن يأتى بنو جلدتي .
استدركها بونفيص قائلا : - لا .. لماذا تقلقين نفسك هكذا ؟ ها هى عائشة ابنتك سوف أشحذ لها حد السكين ، فأجعله حادا ، وسأعطيه لها كي تذبحني ، وحينما ترجعين ، أنت واخوتك وخالاتك سوف أكون لحما ناضجا فوق الكسكسى .
قالت الغولة : باهى . ثم ذهبت لكي تنادى أخواتها وخالاتها فيما أخذ بونفيص يشحذ حد السكين ، وقال لعائشة بنت الغولة :
- دعيني أجرب السكين فى عقدك ، لكي يتسنى لك أن تذبحيني بشكل جيد .
مدت عائشة إليه العقد ، فيما أمضى بونفيص السكين فى عنقها فذبحها ، ثم قام بطبخ وليمة ، فأعد بلحمها وجبة الكسكسى ، وفى النهاية ، تنكر فى لباس عائشة ، متظاهرا بأنه ابنة الغولة ، وأخذ بونفيص ينتظر الغولة وخالاتها وأخواتها .
وصلت الغولات ، وهن يملأن الدنيا ضجيجا ، ما أن أبصرن المائدة حتى تهافتن عليها ، وعلى ذلك اللحم يزدردنه ، كأنهن لم يذقن فى حياتهن لحما من قبل ، حتى أوشكن أن يبتلعن العظام أيضا . لكن الغولة الأم كانت تأكل وتقول :
- هذا حساء ، كأنه حساء عائشة ابنتي .
فى حين كان بونفيص ، يتأوه ويتظاهر بالبكاء : ايهئ ، ايهئ ، ايهئ ايهئ ..
فتقول له الغولة ، كأنها تخاطب ابنتها :
- كفى ، كفى بكاء يا عائشة .
استمر الأمر كذلك ، حتى أتت الغولات على ذلك الطعام ، فنهض بونفيص خارجا ، وصعد إلى قصبة مبنية بالزجاج ، نزع عنه ملابس الغولة ، وأنشد يصيح :
- ملابس من هذه ؟ .. ملابس عائشة العوراء !
سمعته الغولة ، فخرجت لتجده فى قمة القصبة يلوح بيده ملابس عائشة ، صاحت به الغولة :
- عملتها فى يا ابن الكلبة مرة أخرى ؟ ، كيف لى الوصول إليك ؟ ..
قال بونفيص من على قمة القصبة :
- أتريدين أن أدبر عليك ياخالتى ؟
قالت الغولة : - دبر .
قال بونفيص : - اذهبي أنت وأخواتك وخالاتك ، اجلبن حطبا ، ضعن الحطب تحت القصبة ، ثم أشعلن النار فى الحطب .
ذهبت الغولات ، وفعلن مثلما قال لهن بونفيص ، لكن حينما هممن أن يشعلن النار فى القصبة قال لهن بونفيص : - أمسكن فى أسفل القصبة جيدا ، وعندئذ لا محالة إني هابط إليكن .
ما أن مسسن القصبة حتى ماتت خالات الغولة وأخواتها ، لم تبق سوى الغولة ؛ أم عيشة ، النار تشتعل فيها وهى لم تمت بعد ، حينئذ صاح بها بونفيص من على قمة القصبة :
- شدي إليك بطرف هذا الحبل ، فسوف أرفعك عاليا إلى قمة هذه القصبة .
مد إليها الحبل، فتعلقت بطرفه لكن سرعان ما يردها إلى أسفل ليصليها جحيم النار. وبينما هو يكرر ذلك ، كانت هى الأخرى تغنى من فرط الرعب :
ارفعني عاليا
أو اخفضنى إلى أسفل ..
إن حوصلتي .. لا محالة ستحترق .
تكررت العملية على هذا المنوال حتى أصبحت الغولة شيئا مشويا ، انكمشت كأنها جرادة . وأطلق بونفيص الحبل لكي تسقط الغولة فى الجمر ، فأصبحت رمادا . بقى بونفيص فى قمة القصبة حتى خمدت النيران وانطفاء الجمر ، عندئذ نزل بونفيص من على قمة القصبة وعاد إلى أهله . حقا .. لقد كان نصف آدمي لــــكـ نه …
… ساعتها لم أعد فى حضن صوتها ، أما كان يا ما كان فقد أخذني عنها سلطان لم أستطع مقاومته مرة ؛ لهذا فإن جدتي تتحول إلى " نص نصيص " فلا أذكر لها كلمة فى حفيف تلك الليالي إلا وهى نصف كلمة فأغمغم : جد .. ولا أكمل شيئا ؛ يصير وجهها أيضا نصف وجه فى تلك الليالي وفى النهارات ، ثم فى الذاكرة المثقوبة ، إني كالغربال الأعمى لا أحتفظ إلا بالكبيرة ، كما أنى صغير كما كانت كل الأشياء .
خرج الغول" السخط " السائح فى مخيلتي الجبانة طول النهار ، من تحت السرير الذى لم يكن سريرا فهو ليس إلا لوح على مسند من الحجارة ، وأخذ السخط يسوح فى الدار الوحيدة فى البيت الذى يتوسط مقبرتين ؛ مقبرة المسلمين - مقبرتنا كما تقول جدتي - فى الجنوب وفى الشمال مقبرة اليهود التى هى حديقة من الفواكه : التين والتين الشوكى والعنب والرمان ؛ ما كنت فى أحيان أحاول سرقته لأدخل الجنة، وما فى مقبرتنا إلا الحجر والشوك وإني سعيد بذلك لأنه كما تقول - أيضا - حديقتنا فى السماء .سمعت سخطه لما شاهدت جثثه ؛ له رجلان رجل فى السقف ورجل فى المدى ؛ حيث يختفى البابور " الباخرة " فى البحر ، له عين واحدة ، نصف أنف ، نصف كهف هو الفم الذى فيه سن واحدة أكبر من قنطرة سقف الحجرة الوحيدة مثلى فى تلك اللحظات ، أخذ السخط يجوس الغرفة التى أخذها دوار فبدأت كسفينة نوح أو كخالي حين يرجع إلى البيت سكرانا فى بدلة البوليس من " قرنادة " فى إجازته الموسمية ، ثم أخذت السخط قهقهة شهر ديسمبر وميزاب الدار ، فى لحظة اشتعال الدار بنار سماء ديسمبر هرول الغول منسحبا وهو يقرقع كما صوت سريرنا وغطيط جدتي : أفق الشمس فى وسط الدار أيها الكسلان . أفاقت مع الفجر تتنصت للمؤذن البعيد ، أيقظت الكانون ووضعت إبريق الشاى وبجانبه فردة خبز التنور زوادة المدرسة ، أخرجت حقيبة الكتب المدرسية التى خاطتها لى من ردائها القديم . فيما السماء لم تكف عن ذرف دموعها بل زادت عن ليلة البارحة ، بدأ لى أن الزمهرير رفيق رحلة كل يوم إلى مدرستي التى أحبها جدا لأن مدرس فصلنا أولى أول ؛ يحكى لنا كل يوم حكاية قال مدرسنا الأستاذ السحاتى : كان هناك تاجر أمين ، يتاجر بمال الناس الآخرين مع البلاد البعيدة، ومرة وضع كل ما يملك وما أخذه من الآخرين في تجارة تأتى عبر البحار ، ولكن السفن غرقت هكذا قيل له ، كان أخذ مالا وعدده عليه يهودي – أبن عم للذين ينامون في الجبانة البحرية لبيتنا، كان شرط هذا اليهودي أن يرجع له المال أو كيلو من لحمه من لحم التاجر . وأنا أحكي لجدتي حكايا مدرسي قالت : يهودي ماذا تريد من الله أن يزيده ، ودائما التعليق يجعلني أخرج مسرعا إلى أمام باب البيت لألعب فتنهض خلفي تطالبني أن أكمل الحكاية .. لم يحدث أن أكملت حكاية كما تريد ، لكن بالنسبة لى الحكاية تكتمل حيث أتوقف لذلك لم أستغرب فى مرة إلحاحها ولا فى مرة تابعت حكاياتها إلى أن تنهى الكلام ، فخيط الكلام طويل مثل خيط الحكومة ؛ قالت ذلك ذات مرة وهى تغزل كلامها على مغزل التمهل ومغالبة الزمن بالتؤدة ، المخادعة ، والألغاز التى كثيرا ما وقعت فى شباكها حيث أحتار فى الحل وهى تطلب بلادا لكي تمنحني الحل فأرفض أن أعطيها بلادا ؛ العناد ديدنى منذ عرفت نفسي فى مرآة الآخرين و الغدران والسباخ المحيطة بالبيت من كل مكان ، وفى مرآة جدتي المتغضنة مثل وجهها والتى تدسها فى صندوقها الذى يحب النوم تحت السرير كالأطفال الخوافين . هذا الصندوق الذى كم أحبه وكم أغار منه لأنه يحصل على اهتمامها فيقاسمني جدتي ، لكنى اغفر له ذلك خاصة عندما تفتحه ، فيصدر قفله لما يلجه المفتاح رنينا كموسيقى سماوية أو مثل أنغام الملائكة كما تسمى ضحك الطفل الوليد . وكثيرا ما جلست إلى جانبها على ركبتي أتأمل الأشكال الجميلة المصنوعة من صفيح العلب التى تزين الصندوق ، فأخرج لساني ، أحرك ملامح وجهى الذى ينعكس فى أشكال مذهلة لا توجد حتى فى السماء السحبة التى أشاهدها وأنا مستلق على ظهري . وزينة الصندوق هذه على شكل أهلة ، شموس ، زهور ، وحدوة حصان تتوسطهم مرآة صغيرة مدورة ؛ مثل خد سعاد بنت جيراننا الذين يسكنون سفح " العلوة " من دائما أحضنها ، واقبل خدها أو أحك خدي على خدها فيصير فى لون الرمان .ولما تفتح الصندوق تدخل جدتي فى دنيا أخرى ، وتنسى وجودي بجانبها ، وكثيرا ما تتحدث مع الصندوق ، أوتغنى ، أو تبكى الأمر الذى يخيفني ويستهويني . ثم أسمع حكايات غريبة منها ؛ وكيف نزحت من جبل غريان إلى ريف بنغازى ، كيف مشت هى وأطفالها الصغار على الأرجل النهارات والليالي الطوال ، والحرب والنصارى فى كل مكان ، والجوع يقرصهم . ورغم أنى لا أدرك الكثير مما تحكى لكن صوتها المتهدج وسردها السلس يجعلاني أرى قافلة من الأطفال تقودها جدتي ، وكأنها فرس يتقدم قطيع الأغنام هذا المشهد الذى كثيرا ما رأيته لما أستيقظ مبكرا معها ونخرج أمام البيت لغرض ما ، حيث يمر هذا القطيع من الأغنام أمامه فرس ، بعد وقت يمر رجل قالت لى أنه راعى الأغنام يذهب بها لتسرح فى سيدي يونس ؛ هناك توجد الحشائش ، و توجد مقبرة فوق ربوة على مدى البصر قيل أنها قبر سيدي يونس المرابط المبارك الذى كثيرا ما توجهت اتجاه القبلة حيث قبره رافعة يدها وهى تقول : بجاهك ياسيدى يونس نجح وليدي حمد .لم أعط جدتي بلادا لكي أحل أحاجيها لكنها تعطيني حلوى لما أحل عقدة أحجية ، فالبلاد التى تريدها مقابل حل أحجية ما ؛ هى بلاد تأخذ منى جهدا وأنا ألملمها ، هذه البلاد البعيدة كثيرا ما غيرتها فى لمح بصر فصارت لا تشبه البلاد إنها عجينة رغائبى وصلصال استرسال كدي ؛ بلاد فيها النقود ورق أغلفة الحلوى ، فيها الحجارة تتكلم وتفصح عما تريد ، الكبار يلعبون والصغار يضحكون ، وفيها جدتي أميرة الحكايات ، فيها الكثير من الأشجار، الكثير من الأزهار ، والحلوى كما الرمل أو هى الرمل . هذه البلاد لن أعطيها لجدتي مقابل فك أحجية ، رغم هذا أقدح زناد الذهن ، كثيرا ما أفلح فى الحل : حزاركم يا حزاركم شنو تعشى البارح حماركم ؟.
- تعشى حلوة بر الترك .
- تركوكم تراكين لبزو عيونكم بالطين .. هكذا ينساب الحزار ، هكذا أحزر ، فالحلوى هى الجائزة أو قنان التنور . ثم ألهو عنها بكتابة الواجب المدرسي ، أو ألعاب بلا حدود التى أصنعها فى اللحظة ، و تلهو عنى بإعداد الطعام ، أو رتق ملابسي ، أو بصندوق حوائجها ؛ أجدني فى الصندوق ، أو ادخل الخيط فى الإبرة فى كل مرة تضع خيطا جديدا للإبرة ، أو تسألني عن خربشة الدجاج التى أقوم بها على الورق ؛ ترى الأحرف التى اكتب كائنات حية ؛ فحرف دجاجة ، حرف يمامة ، حرف عجل ، حرف خروف ، حرف ثعبان ، فكلمة سحابة وكلمة حرباء . وفى ألعابي أجدها توثق مقلاعي ، تهندم كراكوزى ، تشاركني كتابة الشيشبانى ، نص الليلة الذى نؤلفه معا، أعرضه ومشاهدي الوحيد جدتي التى لم تكن يوما تكبرني - رغم أنى ساعة أخاف اهرع لحضنها - ولا أنا أصغرها ؛ فكثيرا ما نامت على رجلي ساعة أمثل دور من يفلى شعرها ويأخذها سلطان منى ؛ سلطان النوم الخبيث الذى يظهر ساعتها لسانه لى ثم ينظر لى بعين المنتصر . لا أفلح فى إيقاظها ، واستردادها من هذا السلطان الخبيث الذى يأخذني أنا أيضا فلا أعرف من ينام فى حضن من ، من هي ومن أنا .
ما يحيرني هو المكان الذى تذهب إليه جدتي ساعة تنام، مرة قالت لى : أنها تذهب إلى الموت وتعود ، وأنها قد تذهب ولا تعود ، لهذا منعتها من أن تنام وأكون مستيقظا. لما تريدني معها، وخاصة فى الليلة الغضبة التى تكشر عن أنيابها؛ الليلة الزمهرير ، تخيفني من أن يسرقني النوم ، ولا أعود إليها فأكون في المكان البعيد وحيدا ، ولشد ما منعني هذا من النوم. لكن حقا أين يذهب النائم؟، لست ملحاحا لكنى صاحب سؤال، هل حبي لجدتي لن يدعها تذهب فى ذلك المكان الذى لا عودة منه؟، هل ذلك المكان بعيد؟، هل حقا هناك مكان مشترك يجتمع فيه النيام، وبالتالي يلتقي فيه أولئك الذين يذهبون ولا يعودون؟، لكن حقا لماذا لا يريدون العودة؟، هل يشبه ذلك المكان بيتنا العاري من كل شئ ما عدا الرمل والنمل؟!، لماذا علينا ان نذهب ولا نعود؟. لم تجبنى على أي سؤال من أسئلتي، بل إنها تطلب منى أن أدعها تستريح ، وأن اذهب للعب بذا أفهمتنى أن كل شئ لعب فى لعب، فلكي أكون إنسانا على أن العب، والعب لأنني إنسان. ما من مرة وجدتني بعيدا عنها حتى لو كنت مندمجا فى لعبي هى مرتع مخيلتي ، خاصة ردائها الذى استهلكه الزمن ؛ هذا الرداء المخطط مثل حمار الوحش كما أراه ساعة تحملني على ظهرها ، أو تحمل الأيام على ظهرها كما تقول ، في هذا شد ما يضايقني صندلى البلاستيكي لأنه يسقط من رجلي ؛ هو عندى أعز من أن تحملني على ظهرها ، إني أقضي وقتي فى الاعتناء به وتنظيفه من الرمل ؛ أرضية الحوش من تراب وعراكي دائم مع هذا التراب ، وأنا ألعب به ، يتسخ الصندل أو ملابسي ، نكاية بى يعمل على الالتصاق بالملابس ، والصندل أيضا ، وقد شكوته مرارا إلى جدتي التى تأخذ مكنستها ثم تبدأ فى مطاردته لتخرجه من الحوش ، لكنه كمراوغ أصيل سرعان ما يفلت منها فهو حصيرة الدار وغطاء الوسعاية التى تمتد أمام الحوش إلى المدرسة ، لم تقدر عليه وإن قدر أبى الذى جعل أرضية بيتهم من الأسمنت الصلد . هكذا بدأ لى أنى وجدتي نحب المعارك اليومية مع أشياء الحوش ، وفى ما بيننا ؛ حيث كثيرا ما وجدتها فى عراك ومحاورة ساخنة مع الكانون الذى ابتل بالمطر مثل طفل صغير تبول على نفسه ، هذا الكانون الذى لا يريد أن تشتعل ناره ، أما السفرة سفرة الشاي وسخانه، فيحلو لها اتهامي بأني سبب أي مشكلة بينها وبينهما لهذا تغنى جذلة أو غاضبة : يا حميدة كنك شيطان قلبت السفرة عالسخان .
والحق انى لست شيطانا بالمرة ؛ فإنى طفل وديع هكذا يقول الجميع غير جدتي ، بل كثيرا ما نعتني أبى بالذلذول الذى لا يحب اللعب الا بالورق كالبنيات ،كثيرا ما صفعني على ذلك بمناسبة وبدونها ، لم يغضني بصفعاته وإن يبكيني وأشتعل فى انزوائي ؛ تأخذني عزة فأصير تاجرا كبيرا يملك أكثر مما يملك أبى فى متجره ؛ خبازا يصنع من الرمال خبزا لكل الناس من لديه نقود ومن لا تعرفه النقود ؛ لكي يبور خبز مخبز أبى ، وفى مرة أصير الضابط الذى يعلق أبى صورته فى المربوعة ؛ المضيفة ويسميه ناصر؛ لكي يعتز أبى بى ويخافني . مرة ألفت مع الصغار الذين يسكنون بعيدا ليلة كراكوزية ضده ، بهذا أشدهم الى ، وبالكرة البلاستيكية التى جلبها لى خالي ؛ آنذاك لا أحد منهم يعرف البلاستيك ، بالكرة ملكت الفريق ولا ألعب معه فالأمر برمته سرعان ما أنساه . ليس لدى وقت إني مشغول بجدتي التى تريد حطبا للتنور وقشا لنار تسخين الماء ، فحما للكانون لتدفئ الدار وتطبخ الشاي ، تريد الرمل لتنظف المواعين وعدة الشاى ، تريد لهذا كله الماء وأنا وراده وما أجلبه للغسيل ، أما ماء الشرب فأجمعه وجدتي فى مواعين من عيون السماء الماطرة : يا مطر ديري تبرورى طيحي حوش الفيتورى .. يا مطر صبى .. صبى طيحي حوش القبى .. يا مطر صبي صبي .. طيحي حوش الربى.. والربى ما عنده شي امفيت قطيطسه تعوي.. يا مطر يا بشباشة طيحي حوش الباشا . وبيت الباشا على بعد رمية حجر ؛ وهو بيت عال يسكنه الباشا ؛ رجل له شنبان كثان ، عبوس فيه من السخط الكثير، له عربة ( كاليس ) يجرها حصان، وله خادم دائم التنظيف لهذا الحصان ، وكثيرا ما ضرب الباشا الخادم وضرب الحصان وشخط فى ، قيل لى أن هذا الرجل / الباشا رجل حكومة ولم أفهم. أما الربى فجار بيت أبى، والذي قيل مرة واحدة أذكرها أنه يهودي؛ وذلك بعد أن منعنا أبى من الكلام حين كنا نزورهم فى بيته أنا وجدتي، لم يكن سكرانا على غير العادة، وينصت باهتمام شديد للراديو الذى منه ينبعث صوت رجل يصرخ مكررا كلامه ، وأبى يهز رأسه كلما قال الراديو : أيها الشعب ، ويصفع يدا بيد كلما قال اليهود ، ويتمتم اليهودي ذاكرا اسم جارهم الذى يتاجر على حماره الأشهب أو الشائب كما أسميته . هذا اليهودي كما عرفت من أبى فى تلك الحالة؛ يبيع على حماره بضاعة نسوية مثل المحارم والسواك واللبان فتشترى جدتي منه ما تريد، أحصل منه على الحلوى، ومداعبة لحيته على خدي التى تؤلمني ؛ يسمونه الدلال، وأبى يسميني الذلال، لم أعرف الفرق لأنه لم يكن يعنيني، وفى مثل هذه الحالات تأخذني سنة من خيال خصيب فيه كل ما أريد وما لا أريد . ثم إذا بجدتي تسحبني من يدى وهى غضبة - هيا ياوليدى نروح .
بين بيتنا وبيت أبى أمتار تطول فى الليلة الظلماء التى تنساب فيها مخيلتي كما ينساب بولي ، ويبدو وكأن شياطين وعفاريت الدنيا ليس لديها شغل غيري ؛ فتخرج من كل فج ، من جبانة اليهود ومقبرة المسلمين لكي تشاكسني وتخيفني . تتحول الطريق بين البيتين إلى شاشة تعرض أفلام الرعب ، ولما نندلف إلى البيت أندس بالسرير ؛ من هول ما رأيت أدخل أقانيم النوم دون أحلام و كوابيس ، ثم أفيق فى الصباح الباكر خفيفا فرحا أتلمس أطرافي سعيدا بنجاتي مرة أخرى من قبائل الليل ؛ بطون الظلام ومقاتليها الشرسين . وأذهب حتى دون إفطار الى المدرسة لاستمع لحكاية جديدة من المعلم ، لأعود مسرعا للبيت لأسرد ما تيسر من الحكاية لجدتي متباهيا فى داخلي بأني أيضا لدى زوادتى من الحكايا .
أندلف إلى البيت مسرعا ومهرولا ، منبطحا وقافزا فرائحة طعامها يجرجرني من أنفى ؛ عند الضحى توقد كانون الفحم ؛ نار هادئة تنوس فى الكانون فى رقص ناعم ، وببطء تتنقل مداعبة " البرمة " طنجرة الفخار التى تضعها جدتي بتؤدة على الكانون ، بعد أن تقلى البصلة فى قليل من القديد ، تضع " الدمعة " صلصة الطماطم والفلفل الأحمر، وشيئا من البطاطا أو الفول اليابس إن وجدا . ثم تغادر المكان تسرح فى غيره ؛ تبدد بقية الوقت ، وحين تكون عائدة من المكان أو اللامكان الذى أودعت فيه ساعة زمان أو ساعتين ، عندها طزاجة الطعام تكون قد أخذت تبعث مراسيلها فى مسارب ومسارب ، ومن مساربها أنفى ولساني الذى يلحس الهواء ، فيأكلنى الجوع مندلفا إلى البيت لما تدلق البرمة فى صحن الفخار الذى يضم ما جأه كحاضنة ، ولا أعرف هل آكل الطعام أم أنه يأكلنى ؛ فجدتي لا تطهى طعاما بل تؤلف بين طبيعة وأخرى أو أنها تحتفل ؛ اللون الأحمر والنغمة الحارة ، تنغم الكركم وتوزع الدهن وتمنطق الأخلاط ، وتلاعب بالملعقة هذا فى هذا فتطيب المذاق ، تذوب الريق وتعسل القيلولة .
- الغذا اليوم مقطع ؛ رشدة برمة .. كول يا جعان
- البرمة مليانة والكسكاس فرغان .. كول ياجعان.


   
   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home