Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Wednesday, 2 January, 2007

جيل 57 بدايات الواقعـية الليبية
مقاربة تاريخية

أحمد الفيتوري

تطورت القصة الليبية – كما أعتقد ومن خلال الدراسات والبحث – كما تطورت القصة العربية عموما ؛ فالقصة الليبية الحديثة ظهرت أولا مع نهايات القرن التاسع عشر اثر الصدام الحضاري الذي نتج في فترة الاستعمار الغربي القديم ، وقد ساعد على ظهورها انتشار الصحف وتعقد وتطور الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية . وتطورت القصة القصيرة في البدء كشكل من الصورة القلمية والخاطرة الأدبية ، وساهم في تطويرها ما ترجم من أدب قصصي غربي خاصة الروسي منه مثل تشيكوف والفرنسي مثل موباسان ، وأيضا لا يمكن إغفال القصة الايطالية – خاصة في الفترة الاستعمارية التي بدأت مع أول القرن العشريني – وذلك لأن بعض كتاب القصة الليبية الأوائل يجيدون هذه اللغة كالأستاذ وهبي البوري والأستاذ راسم فكرى أو قدري وغيرهما ، وقد ترجمت مبكرا قصص لويجى بيراندللو والبيرتو مورافيا ، كما تمت ترجمة مختصرة للكوميديا الإلهية وغير ذلك من قصص وأعمال مسرحية قد تكون عرفت في العربية لأول مرة في ليبيا .
وقد يكون في الذاكرة ثمة تراث من الحكى الشعبي والقصص العربي الكلاسيكي مثل مقامات الحريري وكذا القصص القرآني ، لكن ذاك كان مدفونا في وجدان المبدعين ؛ ويمكن أن يعلل هذا أن الحكاية كبنية سردية استمرت في نتاج السردية الليبية حتى اليوم وهي في هذا تتميز عن غيرها من البلدان العربية .ولأشير لأهم كتاب الحكاية في ليبيا : خليفة الفاخري ، الصادق النيهوم ، محمد المسلاتي ، خليفة حسين مصطفي .
وتلك العوامل الثقافية والتقنية تواكبت مع حركة إصلاح دينية شهيرة وهي الحركة السنوسية التي أعادت الاعتبار للمعرفة وللآداب الكلاسيكية العربية الدينية والشعرية والقصصية والنقدية ، وقد درست في زواياها ، مدارسها الدينية بعض من أمهات الكتب الأدبية تلك . وقد أخذت في هذه الفترة المدينة الدور المهيمن على الحياة الاجتماعية ، ومثل ذلك أن مدينة بنغازي برزت في جغرافيا ليبيا مع مطلع القرن التاسع عشر.
وأحاول هنا وضع خطاطة عامة للمواضيع التي وسمت القصة الليبية في بواكيرها؛ التي يبدو لي أنها في البدء قد كانت كالتالي :
أولا : اهتمت القصص في مرحلة التكوين بنوع من تقليد للقص المترجم وبعض القصص العربية مثل الكاتب محمود تيمور المصري المعروف .
ثانيا : ركزت القصص الأولى على إعادة صياغة لبعض قصص التراث العربي الكلاسيكي المعروفة .
ثالثا : كتبت بعض القصص عن مشاهد ولقطات عن الكفاح الوطني مثلما كتبت السيدة زعيمة الباروني في مجموعتها الصادرة في مطلع خمسينات القرن العشريني وأعنى مجموعة : " القصص القومي " . ويمكن أن يحيلنا العنوان إلى المحتوى دون عناء يذكر، وهناك أكثر من دراسة عن هذه المجموعة.
رابعا : كانت المرحلة الأولى الهيمنة للرومانتيكية لأسباب معروفة تخص حركة التحرر الوطني والنهضة الحضارية ؛ لهذا فإننا نجد النقد وخاصة عند الناقد الليبي خليفة التليسي قد ركز اهتمامه على النظرة الرومانتيكية التي توكد على الذات والخصوصية وعشق الأصول، ومن ثم على أهمية الكتابة النثرية وخاصة السردية منها .
واعتبر الناقد أن الكتابة القصصية هي كتابة شعرية . ومن ذا فإن الموضوعات العاطفية والوجدانية وموضوعة تحرر المرأة هي تيمات أساسية في كتابة مرحلة طويلة من الكتابة القصصية الليبية، كما في قصص راسم فكرى ووهبى البوري ومن ثم صدور أول مجموعة قصصية ليبية في كتاب عام 1957 م تحت عنوان يلخص هذه التيمة الكتابية : " نفوس حائرة " .
وقبل ذلك هناك إجماع عمومي الصبغة أن أهم من كتب القصة القصيرة الحديثة كما تعارف عليها النقاد ؛ وأعنى القصة الموباسينية التشيكوفية أو قصة الطلقة كما عرفت لحين في النقد أي القصة ذات المقدمة والعقدة والحل ؛ كاتب هذه القصة هو وهبي البوري الذي كتب قصصه في فترة الثلاثينات من القرن الماضي .
لكن هذه الكاتبة الأولى لم تخلق تيارا قصصيا رائدا كما تخلق ذلك على يد من أسميتهم جيل 57 هذا الجيل الذي بدا النشر مع نهاية الخمسينات واضعا القصة القصيرة على رأس الحالة الإبداعية الليبية ، وهذا في الحقيقية حصل في مجمل المنطقة العربية كذلك . وبالتالي فإن الريادة بمعنى إدخال هذا الجنس الأدبي في متن الثقافة الليبية كان الدور البارز فيه للفرد الذي هو هنا وهبي البوري ، لكن من جعل من هذا الجنس الأدبي متن في هذه الثقافة هو جيل 57 من عبد القادر بوهروس ، زعيمة الباروني ، عبدالله القويري خليفة التليسي ، كامل المقهور ، رمضان عبد الله بوخيط ، أحمد العنيزي ، طالب الرويعي ، يوسف الشريف ، يوسف الدلنسي .. وغيرهم ، وكان الأبرز في هذا الجيل هو التيار الواقعي الذي عد القصة انقطاعا عن التقاليد الثقافية السائدة وتواصلا مع قارئ فك الخط لتوه وجماهير مضطهدة بالفقر والجهل والمرض ، وأن القصة القصيرة بيان الحداثة في أدبيات التحرير والتحديث .
وقد بدأت هذه القصة بالقطيعة ؛ لقد طلع جيل يكتب القصة الواقعية وكأنه كان على اتفاق و هو الذي يمكن أن نسميه متن [جيل 57] فلقد بدأ نتاجه مع نهاية الخمسينات ، وكان من أبرزهم : كامل المقهور / خليفة التكبالى / رمضان عبدالله بوخيط / احمد إبراهيم الفقيه / ويوسف الشريف الذي يعلل هذا المنحى الجديد للقصة الليبية بأن : " الاختلاف في المعالجة والاختلاف في التناول والاختلاف في الشكل ، أدى بالمحاولات غير الناضجة والأعمال التي أطلق عليها أصحابها عنوة قصصا قصيرة ذات يوم من الأيام إلى أن تشطب من القصة وتنسحب من تلقاء نفسها من الميدان فاختفت وأصبحت كأن لم تكن ، أما الأمر بالنسبة للكتاب الشباب الذين بدؤوا بعد سنة [ 1957 م ] فيختلف عن سابقيهم غاية الاختلاف ، إن القصة عند هؤلاء جاءت واقفة على قدميها منذ البداية وجاءت ظلال المنهجية تفوح من معظم أعمالهم الأدبية ، فاكتسبوا نصيبا وافرا من الجدية وحظا لا يستهان به من الموقف وقسطا من المعاناة الصادقة " .
إن هؤلاء الكتاب بدؤوا الكتابة مع تحول هام طرأ على هذا المجتمع البدوي الذي شكل دولة أسميت ليبيا وبدأ النفط ملمحها ، في الوقت الذي درس هؤلاء الكتاب أكاديميا في الجامعات وأطلعوا على النتاجات الإبداعية المترجمة وغير المترجمة والعربية ،وحيث كان الطرح القومي التحرري يكشف عن الأشكال القائم بين الحلم والواقع ،وكانت القصة القصيرة قد حققت نقلة نوعية تكنيكيا وتنوعا زاخرا وتأثرا بالغا بعلم الاجتماع والتحليل النفسي والسينما والفنون التشكيلية … الخ ؛ كان هؤلاء الكتاب في علاقة ذات حساسية عالية مع ما طرأ ولهذا أخذ كل واحد منهم ينظر للقصة القصيرة ويطرح رؤيته لتغيير الواقع ، وفى الوقت الذي يبدعون فيه أعمالهم القصصية يكتبون النقد ؛ نقد أعمالهم ،كل يكتب حول الآخر .
ويعللون أفضلية هذا الجنس الأدبي ويبررون هيمنته وضرورة تطويره ، ويقول الأستاذ كامل المقهور : " إن تجربتنا في القصة حديثة ، بدأت حينما اكتشفنا إنساننا في ليبيا ، ليس كنموذج ، كشريحة في العمل كعينة من أصناف المواد التي تعبأ في العلب مع المرطبات وصناديق الشاي وقنينات الخمور المغشوشة ، بل حدثناه أول ما عرفناه ونحن نخوض مع تجربته الإنسانية في الوقوف ضد القوى التي حاولت أن تصده كحيوان برى غير مروض ، صنع حياته الحديثة عن عفوية وبغريزة طبيعية ، فصنعنا أشكالنا بعفوية وبموهبة حقيقية ، وبعدنا آنذاك عن أشكال ثابتة وقوالب مصنوعة وتركنا الإنسان يصنع شكل قصته بل أننا تعثرنا في الشكل واللغة والحوار ، لأن إنساننا كان يتعثر آنذاك في مجتمعه وفى لغته ويختلف حتى في حواره " .
لقد بدأ هؤلاء الكتاب يظهرون في خارطة انقلابية تتعقد وتغتني ولكنها تتحول وتتغير بشكل يطرح في وجدانا ورؤية متغيرين ، ولهذا بدأ استشرافهم للواقع الاجتماعي هو الهاجس المهيمن على كتاباتهم وعلى رؤيتهم . إنهم أبناء لمجتمع جديد وبلد يظهر لأول مرة على الخارطة ، لهذا كانوا يرون أعمالهم باعتبارها الواقع الفني وأحيانا هي الواقع لهذا كان الانعكاس عندهم ضرورة قبل أن يكون شرطا فنيا ، وبذا اهتم أغلبهم بالنماذج الشعبية والقضايا الاجتماعية ، وأخذت القصة تتطور بين أيديهم نتاجا لموهبتهم الفاعلة والأكثر حيوية ، هذه الموهبة التي كانت أكثر فاعلية من رؤيتهم ولعل الوتيرة السريعة ( والمتغضنة ) للمتغير الاجتماعي كان الحافز القوى لهذه الموهبة - القدرة الفنية الكامنة - في أن تبدع فنا مفارقا لطرحهم النظري .ّّ
ونلاحظ أن هذا المجتمع المتغير وهذا الكيان الجديد ( مشكل الهوية ) ما جعل كاتب هو ( عبدالله القويري ) يؤخذ بالجانب النظري في ضرورة الإبداع ، وأهميه الكتابة القصصية حتى وهو يكتب هذه القصة التي أثقلت بالأشكال فكانت عملا ذهنيا محملا بقضايا هذا الطرح وهذا المتغير الجديد أكثر منها عملا قصصيا إبداعيا جديدا ، مما ساهم في غموض الطرح النظري وفى إرباك العمل الإبداعي .
وهو يرى أن هذا المجتمع ( لم يكن يهتم بالأدب ) وأن من يهتم ( فهم الفئة الجديدة أو الفئة الصاعدة أو الطامحة إلى التغيير ، هي تراه وتفهمه فهو المعبر عنها ، والممهد لها ، ومكتشف النفوس حولها ) ، إنه يرى الأدب كحاجة ، ولهذا حاول أن يعمل كل جهده على إيجاد هذه الحاجة ، فعمل على تحليل الواقع وكتابة القصة الواقعية ، حاول أن يضع تصورا لهذا الكيان وأن يؤطره وأن يكتب الفن الذي يبين خصوصيته ، وكان في ذلك يدمج بين التجربة الذاتية وتجربة الوطن ، فهو مهاجر مولود في بيئة اجتماعية أخرى وعائد إلى هذا الوطن هذا الوطن الكيان الجديد الذي حاول في كتابه ( معنى الكيان ) البحث عن معنى له . إن عبد الله القويري وهو يحلل ويدرس يكتب السيرة الذاتية لهذا الوطن / الكيان !، وهو يبدع ويكتب قصصه كان يكتب سيرته -سيرة عبدالله القويري - الذاتية : ( والصغار حملؤ العبء من أجل لقمة الخبز وكان النشاط في أي مكان وبأية وسيلة للحياة فمثلها الحياة صعبة وقاسية أثناء الحرب بل أشد قسوة وصعوبة ، إن الجروح والنفوس تستيقظ والرغبات تتصارع والمعاني تبنى من جديد والتقاليد تستعيد سيطرتها ، فكان اتجاهي للصغار إذ كنت أرى حركتهم في الطرقات وأمام المقاهي بداية لحركة في وطني وأخذا للمسؤولية باكرا كانت قصة " سلم راجلها " هي أول قصة كتبتها ، فكانت بداية جديدة لعناء إنسان لا يمل أن يبدأ كل مرة من جديد ) .
وهكذا يبدو أن الاستثنائي يحكم الظاهرة ، فبداية القصة القصيرة بداية لظهور كيان جديد هو ( الوطن ) لمجتمع متغير، وفى هذا الوقت كانت الكتابات القصصية تتصاعد في قفزات بيانية والشخصيات لا تأخذ أبعاد نموها الكامل ولم يتمكن الفنان أن يمنحها تنوعها ويجعلها نماذج غنية ، وكانت اللغة فقيرة لأنها محملة بالقضايا والإشكاليات الخارجة عن العمل الفني ، أما الحوار فكان حوارا ذهنيا مشغولا بالمشكل ومستبعدا للوجدان الذي كان في طور التغير .
ومع هذه البدايات الأولى للقصة الليبية القصيرة التي بدأت بدايات لانهاية لها بدأ تحول هام يطرأ ويعيد تشكيل الأوليات ؛ فإذا كانت ليبيا قد رسمت خارطتها : إمبراطورية الرمال أو أنها صحراء مدى البصر وبعض الظلال ( الواحات ) ؛ واحات ساحلية مخرمة بأكواخ الزنك ، فإن هذا التحول الهام والطارئ هو تفجر الصحراء بينابيع النفط الذي دفع المجتمع المتغير إلى متغيرات أخرى بوتيرة أسرع ، لهذا أخذ جيل 57 يطرح تصوراته لبنية جديدة للقصة القصيرة وللعلائق الفنية وللعلاقة بالواقع ،ويقول عبدالله رمضان بوخيط : " لابد أن تعكس القصة الليبية القصيرة في هذه الآونة من تاريخ الحركة الأدبية الواقع الاجتماعي لحركة جماهيرنا . إن الالتزام بتعرية الواقع والكشف عن الصراعات الحادثة فيه هي اليوم من مهمة الكاتب ، وإن حاجتنا إلى المزيد من الارتباط بقضايا الشعب والكشف عنها سلبا وإيجابا ، لنحدد بذلك قطاعات شعبنا من خلال تركيبه الاجتماعي الجديد ،والمصحوب بعلاقات إنتاج جديدة ، لعل من أبرزها صناعة البترول ، بذلك كله يمكن اعتباره من أولى مهام رواد القصة في ليبيا " .
ويبدو وكأن القاص يبحث عن دور في مجتمع متغير ، هذا القاص الذي تفرض عليه إشكالات قبل أن يدرك من هو ؟ وما هي أدواته لإدراك مشكل الماهية ؟ … ؟… ؟ .
لقد كانت الشخصية الأولى أو البطل هو المتغير الاجتماعي ، التحولات الانقلابية ، وكان القاص هامش هذا المتن . لهذا كان التمرد الذي وسم قصص خليفة التكبالى يختفي في المعالجة الذهنية لقصص عبدالله القويري .لكن نتاج ذلك كله أن الحدث هو البطل وهو سر القصة وبنياتها السردية عند الصادق النيهوم الذي استعار التهكم الشعبي أو رومانسية خليفة الفاخرى الشعرية أو محاولات يوسف الشريف أن يكون البطل هو الشخصية أو عند احمد إبراهيم الفقيه الذي كان همه الحبكة القصصية أو عبدالله بوخيط وأجوائه الغائمة ، عند كل هؤلاء وغيرهم كان الحدث البطل ، بل الحدث هو القصة القصيرة الليبية أو أنه كان القصة ؛ قصة كيان بلا ضفاف !! .

• ومن نماذج القصة الواقعية الليبية قصص القاص أحمد العنيزي ومن قصصه قصة تنشغل بالحرب :
[ كانت رجلاه حافية كعادته وقد حملتا كثيرا من وحل مستنقعات الصابري ، وكان يرتعد من شدة البرد وقد بلل المطر بنطلونه العربي الضيق ، وسترته الصوفية القصيرة التي كشفت أكمامها الممزقة عن ذراعيه ، وطاقيته الرمادية المتهرئة التي كانت يوما ما حمراء ، وقدمت له خبزا وحساء ساخنا أكل منهما بنهم دل على جوعه الطويل ، ثم شرب كوبا من الشاي قدمته له . ] . هكذا سرد أحمد العنيزي في قصور وأكواخ عن رجال الحي الجوعى ، عن التباين بين أكواخهم والقصور التي يعملون فيها في مدينة بنغازي ؛ بنغازي التي تسرق الأنفاس من تحت ركام الحرب العالمية الثانية ، حين نشر قصته " طريق الوحل " في مجلة الضياء / عدد مايو عام 1957م : [ انطلق صوت صفارة الإنذار المزعج فجأة ، وأطفئت الأنوار الزرقاء الخافتة وساد الظلام والسكون المدينة . ومرت لحظات قبل أن ينبعث أزيز طائرات قادمة من ناحية البحر ، ظهرت الأنوار الكاشفة تجوب أرجاء الفضاء ، ودوى قصف المدافع واختلط بهدير الرشاشات ، ظلت القذائف تنطلق في الجو دون هدف أو غاية من البطاريات الايطالية العتيقة . انقضت دقائق قبل أن تفتر همة المدافعين وتتوقف البطاريات الواحدة تلو الأخرى ، وألقت الطائرات المغيرة أنوارا كاشفة أحالت الليل نهارا . وانبعث من خلال الدوى البطئ صفير طائرة تنحدر، أعقبها صوت انفجار هائل سمع على أثره صياح جنود البطارية الثانية . ومن شارع ( .. ) القريب من تلك البطارية خرج السكان يتلمسون المخابئ وامتلأ الشارع بالرجال والنساء والأطفال والشيوخ ، وانتشر الرعب في القلوب . طرق الإسماع صوت طائرة أخرى تنحدر فترامت الناس على الأرض وقد حبس أنفاسها الهلع حتى بدأ الشارع الضيق كعلبة سردين . ودوى انفجار أخر مروع ومادت الأرض وتناثرت شظايا القنابل الملتهبة .. ندت صرخة مكتومة من بيت سى على الحمال لم تطرق الأسماع الذاهلة ، مرت دقائق حرجة وانطلقت صفارة الأمان . وعلى أضواء النيران المشتعلة في الميناء حيث كانت إحدى السفن تحترق شاهد الناس عدة منازل وقد أصبحت أكواما من الحجارة والتراب .. وعندما أقبلت سيارات الإسعاف والمطافئ تجرى بأقصى سرعتها وتدق أجراس الخطر . كانت المدينة لا زالت تختنق من دخان المتفجرات وغبار المباني المتهدمة وروائح الشوى البشرى .. وتوالت سيارات الإسعاف تحمل المصابين إلى المستشفي المدني الذي اكتظ بالضحايا في تلك الليلة من ليالي سبتمبر 1940 م .. ] .
إن مبرر اطالت هذا المقطع من قصة الأستاذ أحمد العنيزي لأني تقريبا لم أقرأ أي قصة ليبية تسرد ملمحا من الحرب العالمية الثانية الضروس ، التي أضرست البلاد خاصة مدينتي طبرق وبنغازي .
قصة " طريق الوحل " :
مقدمتها سرد تفصيلي لغارة جوية على المدينة المنكوبة التي خرمت سمائها الغارات الجوية إبان تلك الحرب ، هذه المقدمة تضاريس طريق الوحل الذي تمهده الحروب ، وبطلة القصة أو الشخصية الرئيسية ستشكل هذه التقدمة حياتها ؛ فالغارة الجوية ستدمر حياتها كما دمرت بيتها . الواقعية التصويرية التي تسبغ هذه القصة تتشكل في بنية سردية تجعل من التقدمة خلفية الحدث الرئيسي ومصدر تشكله ، كما أن اللغة التقريرية تنبئ عن سارد سابر لغور الحدث باعتباره الفاعل وأن الشخصية مفعول به ؛ فالحرب متمثلة في الغارة الجوية كما هي أس هي ما يشكل مستقبل الشخصية ، والتوصيف الخارجي بنية سردية تحوط القارئ بهول الحرب قبل هول نتائجها . وإذا كانت السفينة المشتعلة في الميناء تضئ منتوج الغارة من دمار وركام فإن مقدمة القصة تكشف التدمير الذي يطال الشخصية الرئيسية في القصة ، التي جعلتنا نرى ما فعلت الحرب في مدننا التي لا حول لها كما بطلة القصة التي ستتخذ من الوحل طريقا ؛ هكذا فإن أحمد العنيزي شكل بمثل هذه القصة تميزا في ذاكرة عثها النسيان وديدنها الإهمال .
هكذا كما يبدو: أن مصطلح واقعية مرادف آخر لمشكل الحرية ذات الصبغة الاجتماعية، مرادف أو صيغة أدبية لمفهوم التحرر الذي صبغ تلكم المرحلة، وحول الشعر إلي منشورات سياسية. وفي هكذا ظرف بدأت السردية الوجه الآخر لفنان استعاد نفسه بالحكي ، حيث لم تكن ثمة مكانة بعد للسرد . لقد وجد المبدع في السرد ملاذه، وفي النثر نفسه، لذا كانت القصة طريقة الفنان القاص الخاصة في الحرية وإلي الحرية التي كانت مشدودة بمهام سياسية كثيرا ما كبلت الفنان وقيدت فنه ، لذا كانت القصة بمثابة صرخة فنان كمم والسردية استعادة لحرية سلبت.

http://afaitouri.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home