Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed al-Faitouri
الكاتب الليبي أحمد الفيتوري


أحمد الفيتوري

Sunday, 1 October, 2006

     
       

رواية

سـيـرة بني غـازي (1)

أحمد الفيتوري

إشـارة :
هذا النص، سيرة بني غازي يركب حصان الخيال الجامح وحسب لهذا لا يعطي لغير نفسه حق تجنيسه؛ فهو ينتمي للكتابة التي لا تحمل كاتبها استصدار هوية. غير أنه من الضرورة الإشارة أن النص يدس بين ثنياه نصوصا مقتطعة من سياقها، القارئ الذي لا يحرقه فلفل العجلة، المطلع الغير هين قادر على إرجاع المقتطع لسياقه. أي أن المتمكن من القراءة سيضع المراجع على طاولة القراءة دونما حاجة لي. وعندئذ بامكانه أن يفصح أنه نص ساهم في تشكيله نصوص عدة وشكل جنسه من هذا الاعتبار. وكل باحث أو كاتب وجد نفسه في سيرة بني غازي فله أن يتحقق من أن أنفاسه هي التي غمرت روح النص؛ الروح المنسية في الطين.

*   *   *

إهـداء :
يذكر تاريخنا الوطني :
أن مقاتلا فارسا وشاعرا شارك في معركة ضد المستعمرين الإيطاليين،
شاهد وسمع ؛ كل مقاتل يندفع للمعركة ، يذكر اسم محبوبته ولم تكن له محبوبة بعد.
فقال : نا خالك ياللي ما لك خال.
قتل في المعركة ، سمعت شابةٌ بذلك فقالت : وانت خالي.
ولم تحب غيره ولم تتزوج حتى ماتت.
لهذين العاشقين أهدئي ، سيرة بني غازي ، ولمثيليهما.

*   *   *

"كنت مثاليا. فمنذ عودتي من مصر سنة 1957 ، وأنا أنظر إلى ليبيا نظرة تقديس. كنت أرى البشر فيها كآلهة الأوليمب، لا يسقطون، وان سقطوا فسقطتهم تهز الأعماق، ويأتى بعدها التطهير المطلق!، كنت أراهم مجردين من خطايا البشر. صدقني إذا قلت لك أنني كنت أنظر فأرى كناسا ـ مثلا ـ يكنس الشوارع فأود لو أجرى مقبلا يديه. صدقني أننى وصلت بنغازى ورأيت بيوتها مهدمة من أثر الحرب، ورأيت النفوس مطحونة ولكنها معاندة وصلبة، فأحسست وكأننى هبطت إلى مستقر أبطال طروادة."
عـبدالله القويري
( عبدالله القويري مفكر يبدع في الأدب والفن ـ أحمد محمد عطية ـ دار المستقبل العربي ـ القاهرة ـ 1992م )

*   *   *

عـين الغـزالة ، ميدان الشجرة

الجو بارد لهذا أتلحف وفي النفس مرجل يضطرم ، أتدفأ بالذكريات أن الوالد كان " كواش " صاحب مخبز ، وعن هذا و عن ما بي أنشغل بالشارع وحيويته.
بعد الافطار في حمأة ليال رمضان أتمشى ، في مدينتي بنغازي ، من حى البركة ، حيث أسكن ، مخترقا شارع جمال عبدالناصر ؛ الاستقلال سابقا ، حتى ميدان الشجرة ؛ شجرة الأرز ـ التي ماتت ـ ما حمل الميدان اسمها فبقي الأسم رغم موت المدلول ، في ركنه ثمة نخيلة عجفاء تحتاج لمسبار لتتبين وجودها. في هذا الميدان محل أحذية يقف أمامه صاحبه مثل شجرة ، منذ تجرأت في مقتبل العمر وخالفت الوالد وزحفت من حى الصابري نحو قلب المدينة النابض المتلألئ .
أخترق الشارع الرئيس من ميدان البركة ، ما تغير حتى شان ، البركة حى نصف شعبي ؛ حى الطبقة الوسطى منذ سالف الايام ، ومساكن هذا الحى في الغالب معمارها قديم ، منازل ليبية فيها ما فيها من طرز عثمانية ولا أقول تركية : المدخل قوس حجري بزخرف أحيانا والباب بابان في باب ، قوسان ؛ يدعى في الجملة باب بوخوخة ، على الباب الصغير الذي هو لدخول البشر مدق بوجهي الاله الروماني جانوس وكذا حدوة حصان لدرء العين والحسد ، لون البابين أخضر في العادة ، تجتاز الباب فتلتقيك السقيفة المستطيلة التي تحولك ان كنت ضيفا للمربوعة وشكلها في اسمها ومساحتها تدل على صاحب البيت ؛ الشيخ ، الوجيه ، الثري : مضيفتهم واسعة وفيها تكايا والمساحة الضيقة لغير هؤلاء ، للسقيفة مدخل مقوس عادة ما يفصل البيت بشرشاف يحجز النظر لصحن البيت الذي لا سقف له وقد يكون فيه بئر ونخلة ، تطل على هذا الصحن غرف نوم مستطيلة ومساحتها صغيرة وأبوابها حيز لمفرد أما النوافذ فكوة للتنفس ، في جانب من الصحن كنيف ضيق ومطبخ أضيق مما يجعل النسوة في الملمات يطبخن في وسط البيت ، الذي يبنى في مجمله من الحجارة والجير ، الحيطان في عرض نصف متر والاسقف من جذوع النخيل وتبن البحر والطين ، يسمى نوع البناء هذا بضرب الباب . كثيرا ما تكون مساحة البيت شاسعة ولكنه بيت يفتح على داخله ؛ الشمس ضيف ثقيل والهواء أثقل لأنه يستجلب معه قرينه العجاج ابن الصحراء المدلل . هناك منازل معمارها ايطالي مميز وشهير ، ثمة بيت قرب سينما الزهراء بالبركة من هذا الطراز الايطالي ، اعتنى به صاحبه وصينه واعاد الحياة له فجعله بهذا يشد الروح لمن مثلى يغتبط بكل جميل حي قدم.
في البركة منزل شريك والدى ، أعيش فيه كما يعيش أبناؤه ، أختلف معه في سيارته الكبيرة الواسعة إلى مكتبه ، أحضر مباريات كرة القدم وأعجب بـ" تعولة " ، وألعب الكرة في شوارع المدينة الخالية ، غير هياب ولا وجل ، فقد كان محمود إلى جانبي ، وكان شوقي ، بجسمه العريض وصوته الجهوري وعنته ، يخيف حتى الجنود البريطانيين الذين يحمون كل شئ بما في ذلك اليهود وتجارة الخردة ، يجمعونها من الصحارى يكدسونها في الساحات ، يشحنونها على عربات كبيرة كاطود ، يجنون منها آلاف الجنيهات ، يركبون السيارات الفاخرة ، ويقيمون الولائم للسادة السنوسيين وكبار الضباط ، كان عليّ ومحمود أن نبرر بقاءنا في بنغازي ، أن يكون لوجودنا عند الرجل الكريم مردودا ما غير لعب الكرة في الأزقة والشوارع ، وإيذاء الجيران ومخاصمة الأولاد ، ومتابعة مغامرات شوقي في المدينة كأنه يملكها. راجع محمود حسابات تصدير الكاكاوية ، فأكتشف خطأ أعاده إلى صواب ، ومن يومها صارت له مهمة أن لا ينام حتى يراجع الحسابات ، وكانت الحسابات بسيطة لا تعدو الجمع والطرح . كان لابد أن يطعم من يريد الدخول إلى مصر أو من شاء أن يتوقى الوباء ولو كان بعيدا عنها ، أوقفتنا السيارة أمام مستوصف البركة وأدخلوا في جلود ذراعينا إبرة حادة ظلت تنتفخ حتى خلت أنها سوف تنمو أكبر من رأسي ، ويومها خفت أن أموت! فلا أنا بالأزهر و لا أنا بـ" صالحه " و لا أنا بالمحلة .. ولا شئ ، سوى حفرة بسيطة يهيل عليها أناس أغراب التراب ، في زاوية منزوية في جبانة مجهولة ، يتوسطها وليّ لا أعرف له اسما وينحسر عني ظله ليمتد إلى مريديه!.
سافر محمود ، فقد كانت له فيزا ، وبقيت في انتظار أن يحل الوباء عن مصر وأن تفتح الحدود ، وأن أنتقل إلى جامع الأزهر . ولفترة الثلاثة أشهر التي انتظرت فيها ، وحياة اللهو ، والاختلاف إلى المدينة ، ومكتب السيد عمر ، طفقت صورة الحاج حسن وصالحة تبهت رويدا رويدا حتى خفت أن تنمحي..!. وبطريقة ما ، يعرفها المهربون ورجال الصحراء ، قاموا بشحني مع اثنين من طلبة بنغازي على ناقلة للخردة ، لم تعرف طريقا يمر بالبوابة أو القرى حتى استقر بها المقام في الاسكندرية .. ويا خاش مصر منك ألوف!.
على عجل من أمره مر كامل المقهور على البركة ؛ كاتب القصة ـ المحامي ـ وان حط به المقام فترة فقد شده شغف لمصر ؛ ما منعه وأوقفه وأسكنه بحى البركة إلا انتشار وباء الكوليرا في مصر مبتدأ الخمسينات ، مر كامل المقهور على عجل في سيرته الذاتية بمحطته بنغازي ، بذلك البيت ؛ منزل شريك الوالد ، ما سكن أنذاك وبقيت هامته مرفوعة في وجه غدر الزمان . وفي الجانب المخالف لهذا البيت ، وبين البيوت الليبية القديمة الخافية ، يتجلى مبنى يبدو للوهلة الاولى وكأنه كتلة ؛ نيزك ساقط من السماء مفارق لما يحوطه ويحوط في نفس الوقت كل ما يحوطه ، هذا المبنى المفارق من طرز ما بعد الحداثة ؛ جسدها مهندسي العمارة كما هذا المبنى المخترق بعيون مختلفة وفي أماكن متباينة حتى تبدو كفجوات في نيزك ، سرعان ما تتجلى كنوافذ تطرز الكتلة ، وتكسر الايقاع المعمارى الهارموني النشاز .
ان شئت وتابعت النظر والتحرك للواجهة تباغث بقلعة ، أبوابها من حديد ثقل في خفة غير محتمله ، وان كان المبنى يتدثر البياض فإن باب الواجهة والمدخل رمادى غامق ؛ كأن السماء الغاضبة في ليلة شتوية أرادت فلق البياض . ادخل في المكان الذي بحاجة لسياحة فيه تتغياها مفردا ، قبل أن تتخطى العتبة تشدك ويلتطم مداسك برخام غير مسوى ، رخام لم تعالجه أيد مليمترية بل عالجته يد مدربة على تنغيم النشاز ، لذا لم يشذب ترك التشذيب لما فعلته يد الدهر وازميل الطبيعة .
في الباب رهبة القلاع المحصنة والواثقة النفس حيث يتشكل الحديد الصلب ويطوع غصبا لعين مخيلة مشاغبة ، كأن المفتاح أثقال لكن في الباب دس مدخل صغير مفتاحه يد عادية وقفله المعتاد كى يكسر هذا سطوة الباب . فإن تخطيت هذا ستأخذ الحيرة العقل هكذا طلع عليك من ثنيات المبنى المعقول واللامعقول ؛ كل ما تتوقع في مبنى وما لا تتوقع : هذا رواق أو بهو أو سقيفة أو ذلكم كله وزيادة ، ان انحيت في الديوان هذا تنصت عيناك لميوزات أغريقية قورينائية في أرضية فرشت من فسيفساء السلفيوم نقشتها ووضبتها الايدى الناعمة ، ان تسلقت السقف فلن تطاله ، ان تيمنت فالبهو اتساع اعتيادي ، ان تيسرت فثمة مكان مشروع لمصعد يغطيه البللور ، ان تقدمت فالدروج لوحة التأمل ، بتؤدة وتمهل ترقب الدرج مزيج من حديد وخشب ، سهل الصعب ، بعد أن يعيد مشهد الرخام عليك استعراض نشاز هارموني عند مطلع الدرج أما على جانبه فصفحة من ورق حديدي يباغثك بطاعته المبالغ فيها لعكس الضؤ ومعاكسة الانوار : تارة فلقة برتقال ، تارة يبهج وهو حزين هو البنفسج المتساقط من قبة ؛ عين كولومبس تمخر بك عباب أمواج الضوء لتهتك الخباء ؛ القبة المدسوسة / المحفورة بسكين السر في السقف عند مطلع الدرج تحلب الشمس ، وتعيد ترتيب شعرها الانطباعي اللون في هذه اللوحة الطائشة من المخيلة المشاغبة ، هذه اللوحة تأسر الانتباه وتطلق سراح الدهشة المأسورة .
عند الدرج الأخير ممر ككل ممر ينطرح أمامك وطرقة متيسرة ، الممر يأخذك لمكتب فسيح يشمل في شماله مستراح لمنتظر ـ ستلاحظ التباين اللامألوف بين الابواب ، المساحات ، النوافذ ـ حيث يتم توظيف واستدخال الحائط المجانب للدرج في الدرج كى يمكن أن يكون غاليري للمكتب الرئيس . ولأن العمارة الحيز والفسحة فإن الطرقة تجذبك لمكتبين مدسوسين في شمال الدرج ، لكن بابيهما يتجليا كما مدخل المبنى ، هكذا الحيز محيوز حتى تضيق الفسحة التي ترأت لك عند الدرج الأخير ؛ المشار اليها بالمكتب الرئيس الذي قبل أن يستحوذ عليك يباغثك منور يبهر العين المشدودة لأفق الممر ، تكسر حدة ذلك أصص الخضرة والمقهي المنزوى . ان حق لك أن ترتقي الدرج ففي السطح ثمة الحديقة المعلقة ، قد يخطر ببالك أنك ببابل ، أو تستعيد المشهد من البدء ففي البدء كان المبنى كتلة متميزة ومحوطة بعمارة ليبية قديمة وبسيطة يفترض صونها فإنها سنوغرافيا هذا المسرح وخلفية لعمارة هذا البيت الهارموني النشاز.
وعلى أي حال وبالمختصر المفيد هذا المبنى المابعد حداثي يتغى تحطيم الاعتيادي في مشهدية المكان وبهذه المفارقة يوكد انتمائه له ، إنه قلعة وما هو قلعة ولكن شبه لهم ، بذا هو قديم في عين قديمة حديث في عين كذلك ، وإن كان ليس هذا و لا هذا فبهذا ينتمى لمدينته فاكا عنها الطرز الأمريكية للمعمار الوظيفي ما يحجب المدينة بحجاب ليس منها في شيء ؛ هي المدينة السافرة .
هذا المبنى البركاوي يشكل نسيجه مطمحا للتشبب ببنغازي ، وللتجدد في مدينة تنعت بالمدينة العجوز في أدبياتها فيما أنتج بنيها ومبدعيها الكتاب ؛ هذا المبنى لأسرة المحامي عمران بورويس ، من تخطيط وتنفيذ صغاره كما علمت . في الجانب الجنب لهذا المعمار المابعد حداثي ، مرسم وبالاحرى مشغل الفنان حسين بللو ؛ جراج من طوب اسمنتي ، مبنى التقشف المغصوب عليه كل فنان مجد ، فيه يشتغل هذا الفنان للسوق نعم لكن لذائقته أولا وأخيرا ؛ شغله ومشغوله تحف تشكيلية متفردة وليس كمثلها شيء ، يعيد فيها تطويع كل ما فاض عن حاجة المدينة بيديه تتجسد : تحفة ، منحوتة ، تشكيل لبيوت مدججة برتابة الرماد.
عن هذا أحيد مخترقا البركة ، أعطيها بظهرى وصدري لشارع جمال عبدالناصر ، ووجهي قبالة البحر وميناء المدينة التي يحدها البحر أينما شئت ، تواجهني زحمة أحبها وأستأنس بها ، على الجانب الأيمن مكتبة المعارف فيها كل ما لذ وطاب لى ، خاصة في شهر رمضان حيث لا شغل و لا مشغلة ، فيها كتب تطيب لى كما يطيب النزر القليل من الصحف والمجلات التي تصل البلاد ؛ ما من زاد في الجيوب ، العين بصيرة واليد قصيرة لهذا أحث الخطى مزورا عن المكتبة مغتبطا : أطفال وأطفال مع ذويهم يتزودون بحاجتهم لملاقاة عام دراسي جديد ، مغتبطا بالزحام ما يطال القرطاسية الاولى أبجد هوز المتأنقة بلون الورد المتحوطة بقمامتها ، ثم الثانية المجانبة ليسار الشارع ؛ قبالة سينما الهلال التي يأكلها السوس لقدمها ، وما علق في حلقها من أفلام قديمة ، استهلكتها ولاكتها ألة العرض بعد أن انفض من حولها عشاقها وقد هرمت .
أحث الخطى ، ومن كتبت عليه خطى ، في مدينة بنغازي وفي شارع جمال عبدالناصر الطويل ، مشاها حثيثا مخافة زحمة السيارات والظلام الذي يحوطه ساعة يصل نادى النصر هذا النادى العريق ، الذي مكانه أكثر عراقة في تاريخ الكرة الليبية أي ملعب 24 ديسمبر سابقا : أمسك بالترانستور على أذني ، بيليه يسجل أهدافه المتتالية وان كان الفريق الانجليزي يحث الخطى للفوز بكأس العالم في هذه الدورة ، اوه مصطفي المكي هذا القصير القامة الراسخ القدم ضيع الهدف ، هكذا سيخسر الاهلي المباراة ، رن هذا التعليق في أذني المتحررة من الراديو ، وقد غصت التريبونة بمشجعي الاهلي ، فيما ديمس الصغيرمن يشبه بيليه يقطع ملعب 24 ديسمبر كفهد ارتوى من حليب نيدو وهو يقدم له الدعايات على شاشات السينما تلك الايام ، ديمس الفهد الاسود الصغير أوقفه وسد تقدمه شبل الاهلي أحمد بن صويد شريكه في الدعاية للحليب المجفف الجديد نيدو ، الملعب صغير لكنه يضم كل سكان المدينة عشاق الكرة المنقسمين بين أهلاوية وهلالية ، بين هذين يندس خليفة الغرياني بطل المصارعة الحرة المهزوم أبدا ؛ خالى صانع السندوتشات المميزة ، يبيع القازوزة ماركة الاهلي والكازوزة ماركة الهلال . أما نادى النصر ، نادى الفحامة كما يطلق عليه الشارع الرياضي دون أن أعرف سبب التسمية ، فيقفل الشارع حيث ينوى النصر ملاحقة التحدى والهلال في مسابقة بناء أسواق وتأجير المحلات ، أما مسابقة الكرة فمن لزوم ما لا يلزم .
لهذا وغيره أسرع الخطى كى أندلف تحت جسر البركة وأتلحفه خاصة ان كان ثمة مطرا سماويا أو هطولا مباغثا للسيارات ، بعيد ذلك ينبثق من تحت الجسر القصر الوارف نخلا شجرا خضرة منذ عرفت شوارع مدينتي ولم أعرف حتى الساعة صاحب هذا القصر الجميل رغم تحتيته ؛ هل يحق القول قصر وهو يقع تحت النظر .. ؟ . عند السيلس ؛ خزانة الحبوب الفارغة التي بناها الطليان كما يخيل لى من طراز البناء، على يميني ، المدينة الرياضية شمال حيث تسطع أقمار الملعب واصداء المعلق محمد بالرأس على تغمرنى وكذا ضحكته ، وجذله بأن ما يعرف حول اللعبة واللاعبين أكثر مما يعرف أى مهتم غيره ، وان كانت حدوده المعرفة ؛ فهذا الجسد القصير البدين يكشف عن مفارقة : أن أكثر المهتمين بالرياضة في المدينة الاقل ممارسة لها . عند السيلس عند المدينة الرياضية يشملني السمافروا كما يشمل موج السيارات الهادر المتدفق من جهة الميناء ، أتوقف عن السير منتظرا طلوع الضؤ الأحمر ليوقف سيلان السيارات الكورية ما يسبغ مراكيب هذا الزمان ، وأحشر في مسرب السيارات المتلاطم حيث لا ممشي لمرتجل بعد أن زحفت أشجار مهملة ، بنغازي مدينة مشوبة بمشاعر رومانتيكية لهذا تجنح للتوحد مصابة بفيروس الوحيدة في كل شيء وأن لا تشبه غيرها ؛ لا تحب المشائين ، تكره كل راجل ، فيها تغتال الأرصفة .
ثم أنطلق هائما في ملكوت الرب والعباد ، سائحا بشعاب الشارع الطويل مشمولا في شماله ، بعد كنس محطة الكهرباء وما تبقي من محطة سكك حديدية في مدينة تحب أن تفوت قديمها وتتوه ، مشمولا بحديقة مهجورة وفي طول ليلة دون عشاء . في يمينه يحمل دكاكين : زاد الخير ، الصافي ، الفريد ، .. وغيرهم ؛ سوبرمركات عودة راس المال حاسرا زاهيا بتعدده ، ببضائعه من كل لون ، من كل شكل ، من كل شيء غير وطني ، وتتلالأ فتريناته بما حمل الجمل الحديدي من سفين وطائر . تندس بين هذه الدكن مقاه محتشدة بلاعبي الورق المخدومين من نساء مغربيات يقدمن القهاوى والمرطبات في الشهر الكريم !، مقدمات غير ذلك في الأشهر الأخر، هذه القهاوي ست طالعات من عند فندق القرضابية حتى فندق الممتاز ذي الثلاث نجمات ـ في حسابي ـ مسكن المغربيات ومأوى ليلهن ، وجمهورالقهاوي هذا ليس مما كانت تعرف المدينة وهو في وئام حميم ظاهر بالمكان وفيه .
كما لو أني انهكت من الكتابة وما يشغلني ، تثقل الركب ويخض حليبها ، قبيل فندق تيبستي برج بنغازي المنطفئ ، ما يعرف عند أهلها بـ ( الردياتوري ) لقربه من شبهة أنه مبرد وخزان ماء السيارة ولسواده العنتري ، فندق خمس نجوم زاهي بنجوميته متكبرا بذلك عن مدينته كأنه غريب شرق في مدينة السباخ ، خاصة وأن فندق أطلس وسينمائه الحرية قد أكلهما تماسيح السوق محولينهما إلى غير مهمتهما الأصلية ، وفي حاشيتهما التي تطل على شارع جمال عبدالناصر تطاول مبنى اسمنتي موحش لم يكتمل منذ دهر ، قاصفا الرصيف قاذفا المشاة في هول البغال الحديدية .
كنت مغمورا بالضوء وزهو المدينة به عن غيرها من مسكون بالوحشة والظلمة وقلة البشر والحيلة ، سيغمرك الظلام حيث لا تحسب ؛ بين مدرسة شهداء يناير أشهر المدارس في البلاد بنتها اليونسكو لما ما كان ثمة نفط ، وعمدها طلابها بدم حيث ما لزم ، هذه المدرسة قبالها مبنى ايطالي قديم في المبانى كما قدمه في الوظيفة فما عهدته إلا كبناء للبوليس وادارته ؛ من حيث يمكن لك أن تحصل على هوية تغنم بطاقة ، يسميها أهلنا بطاقة شخصية ان أردت أن تكون لك شخصية ، وحتى ان لم ترد فالقوانين العصرية توجب ذلك وتفرضه في أي أين .

*   *   *

مسرح المجاهـد ، عـروس البحر

مستغرقا فيما يتلاطم من مناظر في عين النفس ، وما يسقط في بؤبؤ العين المبصرة ، أقطع ككل ليلة في رمضان بين التاسعة والعاشرة خيط الضوء الشاحب المنساب ما بين ميدان البركة وميدان الشجرة ، يندس في شعب الذاكرة صديق اغترب ، آخر رحل وامرأة حجبت عن عين المدينة وكانت منارة كـ" منارة سيدي خربيش " تشى بالمدينة لسفين ضال ، لرجل به حرقة للسكينة ؛ لبنغازي الفاتنة الراسخة في أوهامها .
يأسرنى عن موج نفسي ، عند السيلس يمين محطة الوقود ، مطعم صغير متوارب عن توقد شارع عبد الناصر يزدهى مطعم القبعة البرتقالية بحداثته وذائقته البرتقالية المذاق ، في مدخل الشارع المقابل للمحطة كأنه يمامة جافلة عن صخب عبد الناصر . حيث كل شيء مبعثر بفعل شركة كهرباء المدينة أمشى وجسا ، شديد الفضول تجاه عجيج الحياة ، في ممالك من خيوط الكهرباء المبعثرة كرخويات لاصقة أو مصارين لزجة أخرجت من عمدان النور / عمدان الظلمة لتشكل فخاخ " خطر من يمسه يموت " ، وككل مثالي عتيد أحترس في هكذا ممشى .
عند مدرسة شهداء يناير ، مطعم الرفاق مشوى للدجاج ينبعث مخلوطا بالفحم ممتزجا بما ينبثق عن الذاكرة المثقوبة ؛ هنا كان يا ما كان ملهى الاولمبياد الليلى ما توجب أن يكون قربه مشوى الرفاق وميزة آخر الليل .
ولأن الرتابة ربيبة الريبة فإن جحافل الرتابة ، التي تجتاح الشارع عند مكان الملهي ما حول لمدرس للصفيح الكوري السيار ما غطى المدينة ، تحل ريبة تحولنى لسلحفاة حرونة تلتمس السكينة في درعها ، هذه الريبة تمسك بخناقي جاثمة على الصدر حتى مطلع القوقعتين المتحاضنتين المخبئتين عن النظارة ، المنحوتة الوحيدة في المدينة ، المنحوتة الحداثوية ، المنحوثة المدسوسة بين مدرس القعدان الحديدية الكورية وبين ما لا يلزم من حديد وحفر ؛ ماء ينسكب دون لزوم ، هذه المنحوتة يقطعها تقاطع الشوارع عند مدخل ميدان الشجرة ويقطعنى مرآها مغبونة تكافح غبر الزمان والنسيان ، من أجل أن تفهم وتدرك ماهيتها في مدينة غارقة في المستقبل ؛ دون أن تدرك أن المستقبل ما يحدث هنا /الآن .
ولأن من السهل أن يكون المرء حكيما بعد وقوع الواقعة أتيمم صوب البحر في درب التبانة من بشر وحديد ونور وعجلة ، في زحام ميدان الشجرة الخلاص من كل ريبة حيث يقطع دابر الرتابة ، في عين الغزالة المقهي المرشوشة بعطر النزوة ، نزوة الصحبة ، في الملتقي أطلب من القهواجي مكياتا ما جد على بنغازي من مشارب ، يشرب الاصدقاء كبوتشينو ما اعتادوا وما عرفت بنغازي من أيام الطليان في مطلع القرن الغارب ؛ كنت أقول مازحا نهاركم أبيض بقليل من البن وليلي أسود بقليل من اللبن .
هذه الليلة مستراحنا الأسبوعى ؛ كى لا نقطن عين الغزالة كل الاسبوع ارتاء الاصدقاء أن نقضى ليلة في مسرح ، موعدنا في ( مسرح المجاهد . من عين الغزالة نطلع قبالتنا مباشرة المسرح الشعبي ، ( سينما الحرية سابقا لصاحبها الجاعوني المنتج السينمائي الفلسطيني / الليبي ) ، بين المقهي والمسرح مدرس السيارات وعن ميدان الشجرة زبدة بنغازي المبين أزور غير كاره لصرتها مسرتها ومحشدها ، والمدشن الليلي لأهلها الموؤبيين بسؤ مزاج وعجز عن التمييز بين الالتزام والتعصب .
أجول فيها نتفة نتفه أتصفحها وأتفحصها كأنى مارأيت بنغازي قبل ؛ قبل هذه الليلة الرمضانية التي تعج فيها مدشنة تحولا خاطفا للبصر ولبصيرة المدهوسين بما مضى ، الشاخصين النظر عند بنغازي العجوز ، المتشرنقين عنها بورق اللعب : الشكوبة والسكمبيل والطرنيب ، المعتكفين في غيهم يعمهون .
بنغازي هذا المساء نهد يخض حليب الركب .
فيها أسوح وهي تصب غضبها على أل السياحة ومن يلطخ حيوطها ، من حول عمدانها لعمدان مقابر : قبيلة أل القرنيط ينعون ، قبائل بنى قبح يعلنون ، أل فجيعة يبلغون : أن على من يعثر على صاحب هذه الصورة ، أن يتصل بأول مركز علما بأن الضائع يلبس بدلة رياضية ويناهز من العمر رشاد .
أتخطى شارع بن موسى على يميني ، تفوح في الذاكرة خمارة القوبو ما تحول ، بعد منع الخمر في ليبيا ، لمصوراتي قبل أن أتعدى شارع فياتورينو ؛ عمر بن الخطاب حاليا ، لكن الأسم السابق درج ، تشدنى خيوط تنسل من ذاكرة ضاجة : هنا ترعرعت ، تفوح سينما النهضة ، هنا نهضت ، ينبثق المسرح الحديث في مكان النهضة ، هذه عباد الشمس المسرحية الاولى للمسرح الحديث ، ولى مطلع السبعينات أول ما كتبت مسرحية شارع بوخمسين .. الخ ، آخ .. قشعريرة باردة ناجمة عن الشعور بالخواء تنتابني : هذا كله دشن مدرس سيارات قبالة شارع جمال عبد الناصر حيث ثمة مدرس ، في مكان الناقوس المدق أحس أن بنغازي ليست مدينتي ، هذه من طبعها طابع ذاتي التدمير ، وما أجد في هذا الوجد ملاذا يعتقني من عتاقة ذاكرتي البنغازية الطزاجة ، غير أن العتق هو الحرية والعراقة والقدم كما تدل المادة في معجم لسان العرب على الجمال والنجابة ، والسبق في الخيل ـ هل بنغازي من الموريات قدحا ؟ - ، والشباب والصباحة في وجوه البنات ، وعتاق الطير : الجوارح منها ، والعتيق : الكريم الرائع من كل شيء ، والعتق : الكرم والنضج ، وغير لسان العرب أجدنى ملوذا بالشعر في الصبر على الوطن قصيد عامر بن هشام القرطبي : وإنما أسفي أني أهيم بها / وأن حظي منها حظ مغبون / يا لحظ كل غزال لست أملكه / يدنو ومالى حال منه تدنيني / ياليت لى عمر نوح في إقامتها / وأن مالي فيه كنز قارون / .
البقاء لله أل القصب ينعون فقيدهم من وافاه الاجل المحتوم .. تشاركية المعقل للسفر والسياحة خبراء في تنظيم رحلات العمرة كذا تتلطخ المدينة بما يعزقون حيث ما كان ؛ يدفنها بالورق صاحب السياحة الدينية ما تعمر القلوب لتعمر جيوبه وتكدس : أم الغزلان للسفر والسياحة بمناسبة شهر رمضان المبارك تسير رحلات العمرة لسنا الوحيدين لكننا الأفضل ، أقرا هذا على الحيوط بين نتفة ونتفه في المدينة المحولة بفضل المقتدرين لمدفن ، وأفكر بصوت عال أنتم الأفضل ، ترمقنى السابلة وأكتم وجعا عند : الشامل للتدريب واللغات لمساهمة جادة في نشر علوم الساعة وبفريق من المحترفين . أبسمل الساعة والحاقة يا بنغازي كذا تنطق حيوطك المتخفية عنا بالورق : أبولونيا وكيل معتمد المنظمة الدولية للطيران .
عن هذا وهذا يشدنى مبنى المجمع الحكومي ما يستعيد نضارته مع ما يجرى فيه من صيانة ، وأمد البصر فيعلو خارقا كبد المدينة داخلا في سباق مع تيبستي ومبني الدعوة ، تجذبني مكتبة الفضيل ( الجربي للكتب الأجنبية سابقا ) أجوسها في نظرة خاطفة ألمح الشاعر محمد الشلطامي في الدواوين العشر الصادرات مؤخرا ، وغير ذاك ركام من طبخ وطبيخ ، واتقاء القبر والسحر ، وجلب الحظ وما تيسر مما يروج رجا ، وما يروجه وراقة الزمان الجادين في عدم الجدية ، وعند كل مكتبة / بنغازي لسان حالى : وإنما أسفي أني أهيم بها / وأن حظي منها حظ مغبون .
كل صراف بخيل ، عند كل مصرف يخطر بالبال من أهل بنغازي من لم يستسلم لغواية بيع أرواحهم مقابل المال ، عند مصرف ليبيا المركزي البناء ذى الطرز الاميركية / الوظيفية أذهلتني صدمة مفاجئة لاقتران المال بالشح والقبح ، ليس ثمة وقت للنظافة ، لذا هذا المصرف في شمال من صوبه الميناء ومصرف الوحدة ( شمال أفريقيا سابقا ) على يمينه سيلتقي مبانيها أعشاشا للعناكب وأخواتها ، ولهواة تصوير الحشرات خير مكان ، لكن دكاكين الكومبيوتر تنتزعنى من المشهد وعلى شمالها المبنى الايطالى القديم ما تتوزع فيه محلات عدة أشهرها أقدمها مصوراتي الفلاح من زين ويزين هذه الاقواس بحلاق الفلاح أيضا ، تنسى مقهي العصافير وطلوبة لست أنت ولا أنا مجايلها . عند المقهي أتبين حلقة قلادتها شاب هيبي يرتديه بنطال جنز وتي شرت أبيض ، كأنه في عراك مع البرد فهو عائد في التو من صقيع هلسنكى ، شعره أكرت منكوش ، كأن زنوجة مندسة في سلالته البعيدة ، أخاله الصادق النيهوم يرتد عن الجامعة معطيا بظهره لكل شيء و لا شيء ، وأن مريديه من يشكلون الحلقة يستزيدونه ، كانوا قبل وصباح كل سبت يصطفون للحصول على نسخة من العدد الاسبوعى من جريدة الحقيقة كى يقراؤون مقالته ؛ أين تذهب هذا المساء : ( يشاع عن بنغازي – أم اليتامى – أنها مدينة الكساد ، وأن الموتى يمشون في شوارعها في وضح النهار ، ويشاع عنها أيضا أنها " غولة مدينة " لأن بنغازي الحقيقة ماتت مقتولة في الحرب .. والاشاعة بالطبع تتسرب الينا من مصادر الدعاية التي تهدف لخدمة الصهيونية والنوادى الليلة في أثينا على حساب غولتنا ، ولكنها – للأسف - تلقى قبولا واسعا بين صفوف مواطنينا البسطاء حتى أنه تردد – بهدف الايحاء النفسي – أن أحد الأطفال الليبيين ولد مكفنا .. تلك الكذبة غير المعقولة التي لا تعنى شيئا في الواقع سوى أن احدى مواطناتنا وقعت تحت تأثير الحرب النفسية وبدأت تخلط بين سجل المواليد وسجل الوفيات .. لكن بنغازي ليست مدينة مملة أعنى ليس إلى هذا الحد على الأقل .. وإذا كان المرء يسمع أحيانا عن حدوث بعض الخوارق في الأزقة الخلفية ، أو خروج أحد الموتى من قبره المعترف به لكى يزاحم مواطنيه على صلاة الفجر ، أو اصرار ملك الجن على احتلال أحد بيوت دكاكين حميد دون اذن من مصلحة الأملاك معتقدا أن الدنيا عندنا فوضى فإن ذلك لا يعنى شيئا في الواقع سوى أن بنغازي – التي تعتبرها الدعاية المضادة مدينة ميتة – ماتزال تعج بالحياة من تحت ومن فوق . هذا وجه الحق .. وتموت الدعاية المضادة بعد ذلك بغيضها ، وتموت أثينا أيضا .. فأسطورة الكساد لا تستطيع أن تقف على قدميها في مدينة مثل بنغازى ينقلب عاليها سافلها ألف مرة كل يوم ، ويستطيع المواطن فيها أن يجلس على عتبة الباب الجواني عاما كاملا وهو يتسلى بمشاهدة ملك الجن يتمرغ في الخرارة . أين تذهب هذا المساء : إذا تعب المواطن في بنغازي من الفرجة على الملك في فناء بيته ، فإنه يستطيع – هكذا في غمضة عين – أن يستدير للجلوس على عتبة الباب البرانى وينعم بمشاهدة غولة المنطقة التي تقف على أهبة الاستعداد لتلبية نداء المتفرجين في كل الأوقات . وسوف يكون بوسعه أن يرى جاره الميت يخرج للوضؤ في الخربة المقابلة ويرى جاره الآخر يركض أمامه بدون رأس في غمرة تسرعه لتلبية النداء ، ويرى " الحاجة امدللة " تشرب حصتها من النبيذ بعد سنوات الحرمان في دار الفناء . ويقضى عاما كاملا في الفرجة على أشباح المنطقة ، ويقضى كل سهراته بالمجان وسط برنامج حافل تتضاءل بجانبه كل برامج النوادى الليلية في أثينا . ان ذلك لا يتوفر في أية مدينة أخرى ، أعنى حتى إذا دفع المرء وزنه ذهبا ، فإنه لن يرى قط ما يراه مواطننا على عتبة الباب البرانى في أى شارع في بنغازى ، وإذا كانت بعض الأشباح تظهر أحيانا في بقية المدن الأخرى – وخاصة في أثينا – فإنها في الواقع لا تصلح للتسلية بأى حال ، لأنها تظهر وتختفى في غمضة عين كأن وراءها ما يشغلها دائما ، ثم أنها لا تظهر بدون رأس ، أما عندنا في بنغازى فإن الأمر يختلف كلية ، وكل أشباحنا ليس لديها ما يشغلها وكلها تخرج في جميع الأوقات وتتحدث معك وتنزع لك رؤوسها وتقول لك : بخ ، وتصلى معك الفجر . وذلك بالطبع دون مقابل فميزة بنغازى عن بقية مدن العالم أنها مدينة لقضاء السهرة بالمجان .
أين تذهب هذا المساء : يستطيع المواطن في بنغازى أن يعرج في طريقه على سوق الظلام ، وينعم بالظلام ومشاهدة أشباح الجنود الايطاليين الذين حصدتهم طائرات الحلفاء في الحرب الماضية ، ويتبادل معهم الشتائم بشأن الاستعمار ويتمتع بالشماتة فيهم ، ثم يذهب إلى شارع بوغولة بعد منتصف الليل ، ويشق طريقه وسط الاشباح إلى المسجد نفسه الذي يصلى فيه صاحب الشارع دون رأس .. أعنى إذا كان المواطن يرغب في متابعة السهرة .. أما إذا كان يملك ما يفعله في الصباح ، فإنه يستطيع بالطبع أن يعود إلى بيته موقنا من أن بنغازى لن تحرمه من حصته على أى حال ، وانه سيجد في الطريق ثمة من يخبطه بحجر على ظهره أو يتظاهر بالرغبة في اشعال سيجارته ثم يقول له : بخ!.)
أين تذهب هذا المساء بعد أن هدم سوق الظلام ؛ ما بناه الترك على شكل محلات مقوسة في ممر طويل مسقوف ، تتفرع عنه ممرات قصيرة ، حافلة بأسواق أصغر مختصة بين الذهب والحلى المحلية من سنيبرة ودملج وبين عطارة الدهر : ميدان السلفيوم قبالة قصر المدينة الذي من منارته اعلن استقلال البلاد ؛ الجامعة الليبية ، معهد الإدارة حاليا ، مدرج رفيق مهرجان المدينة الثقافي ، ميدان السلفيوم ما سماه جيلنا ميدان البيكاديلي : تفتش في ذكريات الليالي الطويلات / هل كنت أنا حقا ذلك المارد المتدفق بالأمنيات/ أيها الشعر : أسألك الآن / كيف تخبو الأماني الصغيرات / هل ذبلت زهرة القلب /أيها الشعر : آه … لو جئتني / قبل هذا السكون / حين كان القميص مشجرا . هكذا ينطق عنى صديقكم الراحل جيلاني طريبشان ، يلفنى صمت ، نبت في مكانى لا أتزحزح ؛ في قبضة الكرب التالى لليقظة .
نبات السلفيوم أسطورة أثينا أفريقيا ؛ قورينا : عند ذكر أنها شحات حاليا ، جال بخاطرى أنها كذلك مجلة الجامعة الليبية حين كنت ذلك المارد المدجج بالامنيات ، نبات السلفيوم دواء كل داء أو كما تذكر أساطير اغريق ليبيا ، ومنحوتة زهرة السلفيوم محطوطة على مسلة بالميدان – قبل أن تسرق ويوضع مكانها منحوتة فالصو / مزورة – قبالة الجامعة ، حيث في المبنى أرقب بنات بنغازي زرافات زهر : نرقب مجئ من يعدن للبيت عقب انتهاء دروس الادارة الليلية . أترك مصرف الجمهورية بنك باركليز سابقا عن يمين وعمارة كانون عن شمال ، اندلف في حديقة المجمع الاداري ، ميدان الملح يوم كانت بنغازي تدعى كوية الملح ، الحديقة غائصة في ظلمة مسرح المجاهد ينيرها ، سينما الزني ؛ ركس مثل أختها غصت بالأفلام القديمة كذا الفعل الوخيم المحتوم ، فم قاعة المجاهد يغص بمحل للمشروبات كما يغص بالاعلانات ولوحة اعلاناتها ثملة تتعتع بصور وملصقات ، غير ذلك من قبالة فندق عمر الخيام المجانب مسرح المجاهد تصم الآذان أغان لفرقة شعبية تحى ليالى رمضان ، في كباريه دون كحول زاهية بنغازي بهذا الترياق لعذبات الروح في غناء ورقص حلال ، الاغاني التي تتردد في هذا الكباريه هي أغاني الوردة الليبية الفونشة المطربة الشعبية المتحجبة بالبيوت الخاصة ، حيث تحيي حفلات الاعراس .
يدفع البعض ليحصل على تذكرة عروس البحر ندخل دون حاجة لدفع الثمن ؛ جماعة المدينة : فرقة أنوار المدينة ، أصدقائنا الباشون يرحبون بنا ، فيما سالم العوكلي يكتب : يحاول على بحيري في أعماله المسرحية أن يقترب من شجون الشخصيات الشعبية التي تحاصرها إخفاقات الحياة اليومية ، الشخصيات الهامشية المشحونة بأسئلة الواقع المضاد والملاحقة من قبل مآزقها الداخلية المدفوعة بغموض الخارج والتباسه . في مسرحية عروس البحر يلقي بشخصياته الهامشية على شاطئ البحر في علاقتها العبثية معه . وسيصبح الأداء الملفوض هو الأساس في بنية هذه العلاقة التي تكتفي بدورانها في هذا الحيز المكاني والزماني الضيق .. ومن ثم دورانها داخل مجموعة من المنولجات التي تتقاطع في مناطق السخرية المتبادلة .. شخصيات معاقة في مواجهة بحر محايد .
تبدأ من حالة متصاعدة لجلد الذات المتعلقة بأوهامها إلى روح التهكم على أبنية الثقافة المزدراة ، وعلى خطابات الشعر المتنطع بقول الذات في أوج فخارها .. وبمجرد دخول عروس البحر إلى الخشبة لتنعش وتيرة العمل ، ومن ثم لتكون قناعا لمرسله الخجول بصدد ما يتعرض له الإنسان من تشوه وإرتداد إلى غرائزه الأولى .
هنا يحضر البحر كما في الذاكرة الليبية إلى مصدر أبدي للتشوه وللكائن الممسوخ ، ومن هو البحر الذي ارتبط بكونه دربا للغزاة ، حيث تطرح مسألة الأخر بوجهها التقليدي وبدون الدخول بها إلى مناطق أخرى للمعرفة أو السؤال .. الذوات المتجذرة في العاهة والغائبة عن الوعي في مقابل بحر لا يجود سوى بالمسوخ والأحذية . وبالتالى سيكون الأخر المبهر في لا وعى المعالجة الأخر الغربي .. الهادي والمرتب والنظيف في يقظة الكتابة هو المسؤول عن تشوه هذه الذوات .
في هذا العمل كان النص لعلى بحيري كذا الاخراج سيد اللعبة ، ومن ثم الممثل منصور العيساوي ، محمد الأمين ، أحمد بوفردة ، ميلود العمروني ، مع مريم العجيلي ، مع حرفية إخراجية حافظت على مستوى الإيقاع المسرحي إلى نهايته ، وبقدر ما كان هذا العمل ممتعا إلا أنه يقف دون التجريب ؛ فبقدر ما يكون الملفوظ مهيمنا والسنوغرافيا خرساء بقدر ما يبتعد عن فكرة التجريب التي تحتاج إلى وضع كل المفردات المسرحية في حقل الإختبار ؛ المناظر والموسيقي والإضاة والملابس كانت خارج اللعبة ، واكتفت بكونها رديفا للنص المسيطر الذي كان يسعى إلى المتعة لا إلى الإنعاش ، اضافة إلى بعض الإجابات التي تخللت العمل وكسرت من تلقائية نموه الدرامي ومن أسئلته المواربة .
وسيظل لمسرح بحيري سمته الخاصة التي تضيف نوعية لمسيرة المسرح الليبي .
نترك معتكف سالم العوكلي عنا مندفعين مغبوطين ضاجين بضحك غامر اجتاح نفوس النظارة وتصفيق حار يشعل أكفنا ، لم نلتفت لما جرى لقاعة المجاهد التي طالها مفرق اللذات؛ فعل الزمان نالها بالإهمال وما على منواله . طالعون عن المكان بمزاج رائق وروح حيية إلى معترك شارع جمال عبد الناصر عند منتصف ليلة من ليال بنغازي الإستثنائية ، للقاء في مقهي المنتدي الإذاعي بالأصدقاء لنكمل السهرة وبقية ما يتيسر من هذه الليلة .
أعرج على الشمال دائما صوب صهوة البحر ميناء بنغازي ، محاذيا فندق عمر الخيام على يميني الحديقة وقدامى سينما برنتيشي سينما بنغازي ، في اليسار يمتد لسان شارع عمر المختار ليداعب البحر عند كورنيش المدينة حيث تغطينا الظلمة ونتبين مبنى الكاتدرائية ، يتلاطم موج رذاذه يستنهض الروح : سيكون ما يحدث في لحظة غارقة في المستقبل هو سبب ما يقع هنا والآن ..

*   *   *

قصعـة المدينة .. بياصا كاني!

من ظلم كمولود تخرج ، فتعيد المدينة مولدها ضاوية قبيل ميدانها الأبرز ، صرتها ، حلمتها ما يحب أن يرضعه ساكنيها في اليوم مرة على الأقل فإنه لزوم ما لا يلزم : ميدان الشجرة ، بياصا كانى ، ميدان عمر طمسون ، ميدان الخالصة ، لكن ناسه خلص لميدانهم المخلص لما عمدوه به من اسم ، نعت ، وصف ، هوية وعرض حال ، ميدان الشجرة تحب أو تكره ، تموت الشجرة وتبقي حرة في تضاريس الذاكرة كوشم لا يزول ، وأحب أو أكره هذا الممشى ما أستغرق بين التاسعة والربع والعاشرة من مساء كل ليلة .كل يصب في هذه القصعة الصغيرة التي ضاقت بما وسعت ، كريم ميدان الشجرة ، بضيق ذات اليد بصدر رحب ، كعبة طقس مساء كل اليوم وعصرها ميدان الحوت والحوت والصبارص عليهما أو كما يقول مثل شعبي .من يحب مدينته كما يحب البناغزة مدينتهم ؟ .. هم يحبونها حتى الثمالة ، وفي سكرهم يصبون جم غضبهم عليها لهذا يطوفون كل رمضان بين الشجرة والحوت ، في عراك ، يتداعكون ، يخطون ويلوحون ، يعربدون ، يحششون ، يتنابزون . وحيطه يحط في ميدان الشجرة علامة ، أيقونة تهكمها وتهتكها وتزمتها وتعصب أهلها لها وهي عصبهم .
عن الميدان غابت مقهي الرياضي الشهيرة ووقفت كاتبها خليفة الفاخري هذا المخلوق يسكن في أحد الفنادق في بنغازي الضيقة الصدر ، وكانت غرفته لا تحتوى سوى آلة كاتبة ، وحزمة من الورق ، ومنفضة سجائر ، وبعض الأثاث القديم ، وكان صامتا طول الوقت ، ولكن عندما يطول الليل إلى حد تتمنى أن تحكى فيه لأحد ما ، تنبعث – عبر الصمت – أصوات الحروف فوق الآلة الكاتبة ، ممزقة سكون الليل ، وأحلام النزلاء في الغرف المجاورة . وطفق الرواد يشتكون بلا انقطاع ، لأنهم يريدون أن يحلموا فقط ، على حين ظل يواصل حكاياته لآلته الكاتبة ، شاعرا بصداقة الحروف التي ستقبل ذات يوم عيون الآخرين المستغرقة الآن في نوم عميق ، ولم يعد أمامه سوى أن يغير غرفته في نفس الفندق .. وتكررت الشكوى ، وتكرر تغيير الغرفة ، بينما لم يحدث أى تبدل في مسلكه سوى أنه اكتشف حقيقة بالغة الأهمية هي أن الغرف كلها واحدة سواء في الفنادق أو منازل الأهل أو الأصدقاء ، أو حتى في البيوت المهجورة هناك ، في أقصى الأرياف ، أثناء رحلة ما . الشئ الوحيد الذي يتغير هو الانسان نفسه . فعندما تفتح عينيك في الصباح في غرفة جديدة ، تشعر فجأة بالذهول ، وتحاول أن تتذكر جيدا ، في لحظات استيقاظك الأولى ، أين نمت ليلة البارحة ، محاولا أن تتعرف على الجدران ، الاثاث ، وجهة النافذة أو مكان الباب ، إلى أن تكتشف أنك نمت في غرفة أخرى أو منزل آخر ، وليس في حجرتك المعتادة ! . ذلك المخلوق لم يعد يعتاده هذا الشعور ، لم يعد يشعر بالحيرة حين يستيقظ ، ذلك أنه أدرك أن السقف واحد ، وأن الأرض واحدة ، وأن الانسان وحده هو الذي يضع الفروق بين الغرف والمنازل والمدن ، وبين البشر كذلك . حين تهب ريح القبلي في بنغازي ؛ استرسل خليفة الفاخري في حكيه ، بنغازي الضيقة الصدر ، تصبح وجوه الناس حالكة كالحة .. وحين ينهمر المطر يكسوها شعور غامر بالاستياء ، لأن الكثيرين لا يفكرون إلا في الغدران التي ستملأ الطرقات . ولكن انسانا ما ، في مكان ما ، يظل جذلا عبر انهمار المطر ، مفكرا فقط في موسم الحصاد . فيما تقف أنت خلف النافذة ، في الغرفة 211 ، رانيا إلى عروق المطر فوق الزجاج ، منصتا بين حين وآخر إلى أولى الأصوات المنبعثة في المدينة عند الفجر ، إلى صيح الديكة ، ونباح الكلاب عبر السكون ، حالما بأن المطر قد غسل المدينة الآن ، والناس .. وجعلهم طيبين تماما . انك تنظر ، وتسمع ، وتحلم ، مدركا ، اثر انحباس المطر ، أن الشمس ستنهض بعد قليل ، وأن عليك أن تنهض أنت أيضا لكى تسعى في أرض الله . وتقول الحكاية الحادية عشرة .. ما أبعد الطريق ! .
.. تقطع الطريق نحو الميدان ، وان تمترست سينما النجمة منزوية ، ففي الميدان ترسخ وتوتد السكليسته ؛ محل تصليح وتأجيرالدرجات الاقدم من القدم سي الجهاني الذي تشبت منذ نصف قرن بأن يكون الدراج ، في زاويته الحسان سليم/ الحلاق القديم ؛ العجوز زوج العجوزة بنغازى ، حارس الميدان ميدان الشجرة وان ماتت الشجرة فإنه حى كالمدينة الحية ، من تغير جلدها وتلبس لبوس كل وقت ، غضة ومراهقة تتموض بكل موضة حاضنة كل غريب . بنغازي رباية الذائح في ميدانها ؛ ميدان الشجرة تنوس ؛ ونس الغريب من يصل مثقلا بمسافات التعب متكئا هذا الميدان . تكية أصلها عين الغزالة ، ولمن غاب عن مدينته وعن ميدانه كما غابت شجرته فإن عين الغزالة بنغازي ؛ مقهي ككل مقهي جديد يتخذ مكانا قديما ولى زمانه أو وهن عنه أو شاخ ومن عقبه ابنه ما ذل و لا زال .
في هذا المقهي أحط الرحال مساحة اللقيا ومستراح المودة ، كل ليلة غب أن يصلى الناس التراويح ، أخذين في الترويح عن أنفسهم ، مسرعين كمصروعين ، وقد نعتننا اخواننا السودانيين بـشعب الله المستعجل ، من أجل لعب الورق والتسكع في ميدان الشجرة الكمشة قبضة اليد ، في الميدان مقهي عين الغزالة محل كاريداكس للمجوهرات سابقا ما ذكرني به من لا ينسى ، عين الغزالة ضيق كما الميدان ، طاولات في عد اصابع اليد أقل أو أكثر بقليل ، مودرن أو كما مقاهي الدنيا في هكذا زمان .
في عين الغزالة ألتقي ادريس المسماري ، على الفلاح ، محمد الاصفر ، عادل جربوع ، محمد بوشويقير ( حمه ) وغيرهم من مثقفي المدينة ، أتسامر ومن ذكرت منهم الناقد والصحفي والمسرحي والتشكيلي ، نتناجى ، نتشاكى ، نتناكد ، نتبادل النكت والاخبار والاشاعات والكذب الصغرى وما صدق ونتذاكر ونتذكر أصدقائنا حيث ما كانوا أو غابوا وان بعيد فم السور في القبور . وفي مقهي عين الغزالة في ميدان الشجرة في مدينة بنغازى الليبية أكثر من كل مدينة ، نتناقش ، ما قرأنا ليلة البارحة ؛ مذكرات ساخرة للمفكر السوري أبو على ياسين ، أو مذكرات الشابي تقديم محمد لطفي اليوسفي ونشر دار سراس التونسية .لكن الحديث يشدنا من لجام ما صدر من كتب ليبية كتب الأصدقاء : ديوان جنازة باذخة للشاعر مفتاح العماري : عند الصباح / وجدنا مدينة أخرى / نصفها غابة / ونصفها الآخرلا يرى / عادت بنصف جديد من الموسيقي / والسجائر والرؤى / فلم نعرف صوتها المحطم / وعطرها الذي كان متوحشا / وشعرها الملون بالمرافئ الغريبة / فوقفنا / مرتبكين نتنفس خوفنا / لا ندري كيف ندخل الشوارع / التي تقلنا بلا رأفة / إلى ضفاف عجيبة ..
كتاب ( أفق آخر – آراء ومتابعات في الشأن الثقافي الليبي ) للشاعر والكاتب محمد الفقيه صالح ، من الاصدرات الهامة هذا العام 2002 م الذي زخرت بالاصدرات ، الكتاب يحتوى على مقالات مميزة مثل ( الشعر ، الرقص ، الموسيقي ) البيان الشعرى الذي كتبه ونشره الفقيه في السبعينات ، ومقال ( كلمة عن جيل السبعينات في ليبيا ) المنشور في مجلة الفصول الأربعة عام 2000 م . تفردت الليلة في عين الغزالة حتى قرب منتصفها لكن ادريس المسماري غالبا لا يخلف ميعادا ، أطل فواصلنا نقاشا فاضلا من ليلة البارحة عن ما جاء في كتاب أفق آخر حول مفهوم الجيل وربط الجيل بفترة زمانية عقدية في حين أن هذا المفهوم يمكن استخدامه عن ظاهرة جيليه ما مثل جيل 27 الاسباني الشهير ، أو فكرية برزت في مرحلة ما بين جماعة متجايلة ، لكن هذه العقدية لا تمنح امكانا لأى استخدام نقدى ، وأخذنا نقاش مطول في ذلك وفيما حوى الكتاب من مقالات هامة .
أما مهووس السردية ، الكاتب الساعة ، الكاتب حيثما كان وفي أي وقت ، الناشر في كل موقع انترنت يقبل مناشيره ، الناشر الكاتب على كل ورق ، الكاتب قصة بين قصة وقصة ، المشاء ، المتلذذ بما كشف فكتب ، قورينائي الكتابة : الكتابة اللذة والوجود لذة الكتابة ؛ محمد الأصفر كل هذا وغيره وما ليس هذا : يكتب روايته الأولي. يحكى ما لم نسمح له مرة بقرأة ما كتب : امرأة من أصل ليبي اسبانية أوصولية ، افغانية ممسوسة بالحرب ومدسوس فيها الحب ، شغف يوطئها وطنها ، وطنها حيث الحرب والدين والجنس وأمريكا ، مطرودة مطاردة ، هذه الساعة يكتبها محمد الأصفر مطاردا ثوانيها متوطاء مع اللحظة : كنت برداناً جائعاً صعدت مطعماً فوق سطح نزل شعبي يشرف على الساحة. التهمت صحن كسكسي وطبق سلطة. اشعلت سيجارة رشفت من الشاي وبين السحب والرشف أراقب الساحة. الخلق تتجمع مجدداً قافلة مظلاتها. نافضة معاطفها وستراتها من قطيرات المطر. عاد النشاط يعم الحلقات أغمضت عيني لبرهة وفتحتهما رافعاً رأسي إلى السماء. ابتسمت لنفسي ونفسي لا بتسامتي. وابتسامتي قهقهت متسعة ..نقدت النادل ونزلت منخرطاً في الحلقات. مشاهداً ومشاركاً بحماس. لم ألعب كفاية في صغري. أبي عامل يومية. يخرج فجراً ويعود بعد صلاة العشاء. كانت أمي تقفل علينا الكوخ فاتلصص من خلال الثقوب لشبه الحياة اليومية. لا أذهب إلى السينما إلاَّ أيام العيد. وما أقلّها الأعياد. وقد تكون أياماً يعمل فيها والدي .. البحر ممنوع والأقران الميسورون يتباهون. أحياناً أُعاند وأهرب من الكوخ. أذهب إلى سبخة رأس عبيده. اصطاد الفراشات بشريط بلاستيكي. واسبح شبه عارٍ على ضفافها الضحلة. كثيراً ما وشا الوشاة فضربني أبي بقسوة. ووبخ أمي وبيخاً بذئ. مقسماً بتطليقها أو الزواج عليها بمصرية إنْ غفلت عني لحظة واحدة. لا أدري لِمَ يفعل والدي ذلك ؟ إلى الأن لم أفهم وحتى وإنْ فهمت فسأعتبره فهماً بائتاً .
في عين الغزالة عين الساعة عين ميدان الشجرة عين بنغازى ، لانتحقق إلا من قراءتنا : أصدقائي / في ليالي السهد لما / ينشر القلب لمن يهوي جناحه / ويمد القمر الأخضر للعشاق راحه / ساكبا في رفة الصبح إليهم موعدا / فأعلموا يا أصدقائي الطيبين / أن آمال الهوى لن تخمد.


     
       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home