Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ahmed Abou-Mzaireeg
الكاتب الليبي أحمد أبومزيريق

السبت 31 اكتوبر 2009

وقوع النسخ والتبديل ردّ لما يدعيه بنو إسرائيل(*)


أحمد أبومزيريق

النص :

"مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَـْي ءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهَ, مُلْكُ السَّمَـوَاتِ وَالاْرْضِ وَمَالَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُيِـلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَنْ يَّتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِْيمَـنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ". 

البيان

مبحث المفردات اللغويّة

ما ننسخ : نسخ الكتابَ وانتسخه واستنسخه : كتبه عن معارضة ، والمنقول منه النسخة ، وكذلك المنقول إليه ، والكتاب ناسخ ومنتسخ ، والنسخ نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو .. من آية : الآية في الأصل : الدليل والشاهد على أمر ، ومنها الأمارة التي يعطيها المُرْسِلْ للرسول ليصدقه المُرْسَلُ إليه ، ومن هذا قيل للمعجزة آية ، وتطلق الآية على القطعة من القرآن لها مطلع ومقطع ، وتطلق الآية على الشريعة المتضمنة لآيات الأحكام وأمارات الصدق وتحدي الأنام ، وهي المقصود هنا ؛ لأنّه مقصد عام .. أو ننسها : نأمر بتركها لتُنْسَى فلا يعمل بها ، مشتق من النسيان ، يقال : نسِي الشيءَ وأنساه إياه غيرُه .. نأت بخير منها أو مثلها : نأت بحكم خير منه عند ترك الحكم الأول في الشريعة السابقة ، ونأت بحكم يماثله عندما ينقل من الشريعة السابقة إلى الشريعة اللاحقة .. ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير : همزة الاستفهام للتقدير ؛ لأنّها دخلت على حرف النفي . وتعلم : المراد بها المخاطب ، وهو إشعاره بأنّ الله على كل شيء قدير ، ومثله { ألم تعلم أنّ الله له ملكُ ..الخ } .. أم تريدون أن تسألوا رسولكم : أمْ حرف عطف مختص بالاستفهام وما فى معناه وهو التسوية ، فإذا عطفت أحد مفردَين مستفهما عن تعيين أحدهما استفهاما حقيقيا أو مسوى بينهما في احتمال الحصول ، فهي بمعنى أو العاطفة ، ويسميها النحاة متصلة ، وإذا وقعت عاطفة جملةً دلت على انتقال من الكلام السابق إلى الاستفهام ، فتكون بمعنى بل الانتقالية ويسميها النحاة منقطعة ، فالاستفهام ملازم لها في الحالين ، وهي هنا منقطعة لا محالة ؛ لأنّ الاستفهامين اللذين قبلها في معنى الخبر ؛ لأنّهما للتقرير .. سواء السبيل : السواء : الوسط من كل شيء . والسبيل : الطريق ، ووسط الطريق هو الطريق الجادة الواضحة ؛ لأنّه يكون بين بُنَيّات الطريق التي لا تنتهي إلى الغاية ... 

مبحث الإعـراب  

ما اسم شرط جازم . ننسخ فعل الشرط مجزوم بالسكون ، والفاعل نحن . من آية من صلة ، وآية مجرورة بها لفظًا ومنصوبة محلاً ، مفعول ننسخ . أو ننسها معطوف على ننسخ مجزوم بحذف الياء ، والضمير المتصل بالفعل مفعول به . نأت جواب الشرط مجزوم بحذف الياء . بخيرٍ متعلق بنأت . منها متعلق بخير . أو مثلها معطوف على خير ، والضمير فيه مضاف إليه . ألم تعلم الهمزة للاستفهام ، وتعلم فعل مضارع مجزوم بلم ، والفاعل ضمير المخاطب . أنّ الله أنّ واسمها . على كل متعلق بقدير . شيء مضاف إلى كل . قدير خبر أنّ ، وأنّ واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي تعلم . ألم تعلم أنّ الله مثل ألم تعلم السابقة . له متعلق بمحذوف خبر مقدم . ملك مبتدأ مؤخر . السماوات مضاف إلى ملك . والأرض معطوف على السماوات ، وجملة له ملك خبر أنّ . وما الواو للعطف ، وما نافية . لكم متعلق بمحذوف خبر مقدم . من دونه متعلق بمحذوف حال بما بعده . من ولي مبتدأ مؤخر دخل عليه حرف الجر الزائد ، فجرّ لفظا ورُفع محلا . ولا نصير معطوف على وليّ . أم حرف عطف مختص بالاستفهام وما في معناه . تريدون فعل وفاعل . أن تسألوا فعل مضارع منصوب بأن ، وواو الجماعة فاعل . رسولكم مفعول به ، والضمير فيه مضاف إليه ، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معمول تريدون . كما الكاف في محل نصب نعت للمفعول المطلق المقدر ، وما في محل جر بالكاف . سُئل فعل ماض مبني للمجهول . موسى نائب الفاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف . من قبل مبنيّ على الضم في محل جر ، لحذف المضاف إليه ونية معناه ، وهو متعلق بسئل ، وجملة سئل صلة ما . ومَنْ الواو للعطف ، ومن اسم شرط جازم . يتبدل فعل الشرط مجزوم ، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين ، والفاعل ضمير يعود على مَنْ . الكفر مفعول به . بالإيمان متعلق بيتبدل . فقد الفاء رابطة لجواب الشرط ، وقد حرف تحقيق . ضلّ فعل ماض ، والفاعل ضمير يعود على مَنْ . سواء مفعول به . السبيل مضاف إلى سواء ، وجملة فقد ضل في محل جزم جواب الشرط ... 

مبحث الأسلوب البلاغي  

ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها : مناسبة هذا الكلام لما قبله ، ردٌّ على ما ادعاه اليهود من أنّ شريعتهم لا تُنسخ وأنّهم متمسكون بها . وبيان لنقص شبهتهم التي راموا ترويجها على الناس . ولمّا كان هذا الكلام ردًا على ما زعم اليهود كان منفصلاً عما قبله بعدم العطف ، وما شرطية ، وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط ، وهي توجب إبهامًا فلا تدل على زمن معين لشرطها وجزائها ، وهي من أدوات العموم . ومن آية بيان لها . أو ننسها عطف بأو على ننسخ ، وهو مقابل ننسخ ، فيكون الجواب موزعًا على طريقة اللف والنشر المشوش ؛ فنأت بخير منها عند الإنساء . أو مثلها عند النسخ ، الذي هو النقل من شريعة إلى شريعة . والمراد بالآية هنا الحكم الشرعي الوارد على ألسنة الرسل .. ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير : هذا الكلام مسوق لبيان حكمة نقل الحكم الشرعي أو تبديله بغيره ، ولكون هذه الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها ، والخطاب لغير معين متمشٍ مع طريقة المجاز بتشبيه الغائب بالحاضر المخاطب ؛ لشهرة هذا الأمر . والاستفهام الداخل على النفي مراد به التقريري دائما . والإلتفات بوضع الاسم الجليل ( الله ) موضع الضمير ، لتربية المهابة والإشعار بمناط الحكم .. ألم تعلم أنّ الله له ملك السماوات والأرض : المقصود من هذا التكرير تقوي الحكم وإعادة للاستشهاد ، وجاء منفصلاً رومًا لزيادة التوكيد ، وإشعارًا باستقلال الحكم لكل منهما . وقوله تعالى .. وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير : جملة متصلة بما قبلها بالعطف لتدخل تحت العلم المقرر ، والمراد به الاستشهاد بما تعلق به من العلم على تعلق إرادته تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المبدل أو بمثله من المنقول ، فإنّ مجرد قدرته على ذلك لا يستدعي حصوله البتة ، وإنّما الذي يستدعيه كونه تعالى مع ذلك وليّا ونصيرًا لهم ، فمن علم أنّ الله تعالى وليه ونصيره على الإستقلال ، يعلم قطعًا أنّه لا يفعل به إلاّ ما هو خير له ، فيفوض أمره إليه تعالى ، ولا يخطر بباله ريبة في أمر ما يحصل من النسخ والتبديل وغيرهما أصلاً . والفرق بين الولي والنصير : أنّ الولي قد يضعف عن النصرة ، والنصير قد يكون أجنبيًا من المنصور .. أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل : في هذا الاستفهام إنكار وتحذير ، والخطاب للمؤمنين . والمناسبة في هذا الإنتقال تامة ؛ فإنّ التقرير الذي قبله مراد منه التحذير من الغلط وأن يكونوا كمن لا يعلم . والاستفهام بعده مراد منه التحذير كذلك ، والمحذر منه في الجميع مشترك في كونه من أحوال اليهود المذمومة . وقوله : تريدون يؤذن بأنّ السؤال لم يقع ، ولكنه ربما جاس في نفوس بعضهم ، أو ربما أثارته نفوسهم ؛ شبه اليهود في إنكارهم تبديل أحكام شرعهم وإلقائهم شبهة البداء ونحو ذلك ، مما قد يبعث بعض المسلمين على سؤال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله : كما سئل موسى تشبيه ، ووجهه أنّ في أسئلة بني إسرائيل موسى كثيرا من الأسئلة التي تفضي بهم إلى الكفر ، أو من الأسئلة التافهة التي قد تجر إلى إرهاق ومشقات لا طاقة للإنسان بها ، والآية مسوقة مساق الإنكار التحذيري قصدا للوصاية بالثقة بما أنزل الله على رسوله .. وقوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل : تذييل للتحذير المتقدم للدلالة على أنّ المحذر منه كفرٌ أو يفضي إلى الكفر ؛ لأنّه ينافي حرمة الرسول والثقة به وبحكم الله ... 

خلاصة المعنى العام ، وما فيه من التوجيهات والأحكام  

التوجيه الأول : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها : يوجه الله الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمته إلى موقف اليهود الذين اعترضوا على نسخ الإسلام بعض شريعة موسى ، بنقل أحكامها إلى شريعة محمد ، وهو ما كان صالحًا لجميع العصور ولكافة البشر من غير زيادة أو قصور ، وذلك مثل العقائد في الحقائق الثابتة مما يتعلق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ومثل ما يتعلق بالأخلاق من المحاسن والمساوئ ؛ من العدل والظلم والخير والشر ومن المنافع والمضار للنفوس والعقول والأفراد والجماعات ، أو اعترضوا على إلغاء أحكام شريعة موسى بترك العمل بها كلية ، لأنّها أحكام خاصة باليهود ولا تصلح لغيرهم فأبدلت بخير منها ، وذلك مثل ما كان من محرمات المطاعم والملابس والعمل يوم السبت وأشياء أخرى تتعلق بالعبادات والمعاملات ، وهو ما نص عليه القرآن صريحّا بقوله { الذين يتبعون الرسول النبيء الأمّي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } ، فالكلام هنا في معرض التصدي لموقف اليهود من قولهم : إنّ شريعتهم باقية إلى الأبد ، فرد القرآن عليهم هذا القول ، وأعلمهم بأنّ هذا أمر الله وحكمه وهو يفعل ما يشاء ، ويختار ما يريد . من هنا نعلم أنّ هذه الآية جاءت مبينة لرفع بعض أحكام الشرائع السابقة ، وإتيان أحكام أنسب وأصلح للناس ، ونقل ما فيها من صلاح يتمشى مع الإنسان في كل مكان وزمان ، وجاءت رادة لما يعتقده اليهود ويدّعونه من أنّ أحكام التوراة باقية فيها لم تنقل ولم تبدل ولن تُنقل ولن تُبدّل ، وأنّهم مأمورون بالعمل بها دون العمل بما جاء به القرآن . وما نجده في أقوال بعض المفسرين من أنّ المراد من قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها نسخ أحكام القرآن بعضها ببعض ، أو نسخ أحكام القرآن بأحكام السنة أو العكس ؛ فهو من تخريجات الفقهاء أصحاب الأصول من علم الفقه واجتهاداتهم فيه ؛ ليدلّلوا على أنّ النسخ المبحوث فيه عندهم جاء به القرآن الكريم ، غير أنّ هذه الآية لا تدل دلالة قاطعة ، وإنّما هو استنتاج مما يوهمه مفهومها وعموم قوله ( آية ) ، وما استندوا إليه من مأثورات ساقها أصحابها للتدليل على ما استنتجوا . والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال كما يقول أهل النظر ، وهذه الآية ليست في معرض بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بأعمال المكلفين ، بل هي في موقع الرد على اليهود عندما ادعوا أنّ كتابهم لا ينسخ ، وأن أحكامه لا تُبدّل . ورُدّ عليهم فيما سبق من قوله : { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه } ، وبما لحق من قوله { ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير. ألم تعلم أنّ الله له ملك السماوات والأرض} وهو رد على اليهود فيما ادعوه من أنّ دينهم باق لم ينسخ ولم يبدل ، ولن ينسخ ولن يبدل ، ولن يحيدوا عنه أبدا . وصورة الرد جاءت مقررة بالاستفهام الذي يؤكد بطلان مدّعاهم ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي صرح بالنسخ والتبديل في الأحكام التي أنزلها الله على رسله ، وهو القادر على كل شيء ، وهو المالك لكل شيء يتصرف في ملكه كيف يشاء ، فلا راد لحكمه وهو الفاعل المختار ، ولهذا جاء معقبًا بقوله : وما لكم من دونه من ولي ولا نصير . إذا كان ذلك كذلك فما لأحد من دون الله ولي يتولى أمره أو نصير يمنع عنه ما ينزل به من سوء العذاب ونكال العقاب . والكلام هنا موجه لجميع المخاطبين المعاصرين لنزول القرآن ، فيدخل فيه اليهود دخولاً أوليًا ؛ لأنّهم هم المرادون في سياق هذا الموضوع . ثم كُرّر الخطابُ موجّها إلى المؤمنين من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - .. أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل : هذا الكلام وارد مورد السؤال للمؤمنين بعد تفنيد تلك الشبهة التي يثيرها الذين لا يؤمنون بالله ، ولا يثقون في كل ما يأتيهم من عنده ، ولا يطمئنون إلى حكمته وقدرته . سؤال استنكاري أن يتشبه المؤمنون بقوم موسى المتعنتين الذين لم يكونوا ليطمئنوا ويثقوا إلاّ أن يسألوه البراهين المادية والمعجزات الخوارق ، أو يسألوه أسئلة الإعنات والتعنت . والإشارة في هذا السؤال إلى قوم موسى مفهومة بعدما عرض تعنتهم وجحودهم وبطرهم وإعناتهم لرسولهم ، فهم مثل يضرب في هذا كله ؛ مثل بارز يستنكره الله أن يصير المسلمون إليه ، وأن يسلكوا طريقه بالأسئلة المتعنتة التي تنتهي إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل . وهذا التعنت والتعسف في طلب المسائل من الرسل على وجه التحدي والاستهزاء كفر وضلال .. ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل : وهو تهديد قد يردع المتعنت الهازل ويوقظ المقلد الغافل ؛ ولكن الحقود الحاسد يستمر في غيّه سادرًا ولا يلتفت إلى العواقب .. ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إنّ الله على كل شيء قدير : ذلك ما يفعل الحقد اللئيم بالنفوس ؛ الرغبة في نزع الخير الذي يهتدي إليه الآخرون . لماذا ؟. لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم ، ولكن بعد ما تتبين وتعلم !. وهكذا يحاول أهل الكتاب أن يردوكم كافرين بعد إيمانكم أيّها المؤمنون حسدًا من عند أنفسهم . والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس ، وتمني زوال النعمة عن الآخرين . إنّ معرفتهم أنّه الحق لا تثير في نفوسهم أن يسابقوكم إليه ؛ لأنّ ذلك الانفعال يصدهم عن الخير الذي لم يكونوا هم أصحابه ، ولم يشإ الله أن يخصهم به . وهنا ، وفي اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة وتنكشف فيها النية السيئة ، هنا يدعو القرآن أصحابه إلى الارتفاع عن ملابسات المواقف الحاضرة ، ونوازع النفس البشرية ؛ يدعوهم إلى أن يكونوا فوق ذواتهم ، وإلى أن يكونوا أكبر من حاضرهم ؛ يدعوهم إلى الصفح والعفو عن المساءة ، وعن النوايا السيئة ، وعن الانفعالات الخسيسة . وهكذا يصرف قلوبهم عن الانفعال بالغيظ من سوء النية ، وعلى الحنق ممن يكرهون لهم الخير ، وعن التفكير في الانتقام أو الاضطغان ؛ يصرف قلوبهم عن هذا كله ليصون لها سمعتها ورضاها وطمأنينتها ، ويوجهها إلى العمل المنتج ، ويصون طاقتها عن التبدد في الانفعالات الرديئة ، وعن التلوث بسموم الحقد والكراهية والضغينة ، ويردها إلى الله بالعبادة وعمل الخير .. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إنّ الله بما تعملون بصير . 

____________

(*) هذا البحث منقول (بتصرف حيث اقتصر فيه على ما هو خاص بآية النسخ) من تفسير الأستاذ أحمد أبومزيريق الذي سيصدر قريبا جدا عن دار الكتاب الجديد ببيروت في 12 مجلد بعنوان (إرشاد الحيران إلى توجيهات القرآن).


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home