Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ayman Habbab
الكاتب الليبي أيمن حباب

السبت 16 مايو 2009

قرطالة* الثقافة

أيمن حباب

" لكن , قل لي أيها النظام ما سياستك , اقل لك ما أدبك وما ثقافتك .
والتناقض الفاجع – المضحك هو أن الجواب يسير , نظريا , في اتجاه
وأن الموقف يسير , عملياً , في اتجاه آخر .." أدونيس

يحكى أن عازف شهير تحدث إلى سامعيه معددا منافع البيانو فقال " أن له فوائد لا تحصى ومنافع شتى , بل انه يخبركم كالساعة بالوقت,فلم يصدق الحاضرين , فالتفت إلى البيانو وجلس يعزف مارشا بقوة وحماس .... فإذا بصوت الجيران يتعالى ويجلجل بالعبارة التالية (( الساعة الثانية بعد منتصف الليل , توقف عن العزف الوقت متأخر أيها العازف الخرف )) . مما يؤسف له أن حال بعض مثقفينا الكبار مع الثقافة والسلطة كحال ذلك العازف الخرف مع البيانو لا يتورعون عن العزف على البيانو ولو في أوقات متأخرة من أعمارهم رغم أن جيرانهم (سامعيهم وقراءهم ) قد ملوا عزفهم وكرهوا مدحهم السيمفوني منذ أربعين عام فمتى يتوقفون؟ وهل صحيح ما يقال عن موت الزمار وأصابعه ترتعش ؟ وماذا عن ذيل الكلب واستقامته المستحيلة ؟ ..وهل من الواجب علينا أن نردد دعاء ميخائيل نعيمة ؟ الذي يقول : " فاطلبوا معي أن يكون لنا من أدبائنا رسل للروح لا حاكة للأقنعة المزركشة ".

( بين أمانة الثقافة ووزارة الزير د. أحمد إبراهيم الفقيه نشرت بتاريخ 20/04/2009 العام التاسع والثلاثين من العهد الفاشي ) .

مقالة مفذلكة بمهارة ووضعت برؤية وروية فكاتبها الروائي لا يعوزه الرماد لدرئه في عيوننا, ولا عادة نثر الياسمين حيث المراد , وبين هذا وذاك لن يفوتني أن أرد عليه باقة أشواكه التي لا مفعول لها لتخدرنا بوخزات اللاوعي . الكاتب الكبير فعل ذلك لا لشيء إلا لنيل مطامع لا تنتهي ومطامح مكابرة لا تمت حتى عند حافة القبر.

فبعد كل هذا العمر المديد والمجد التليد ! والشهرة العريضة ؟,مازالت النفس شرهة نهمة للمزيد والمزيد فعبر توطئة لا إنسانية لمتنه المثقل بالمادية - سرعان ما جنبت عن محور الحديث لتطفو أنا الكاتب على سطح الخطاب بعد أن استعار من معاناة الفنان سلام قدري ( شفاه الله ) شراع سيطويه لاحقا عند بر المباشرة - فقدم لنا مقدمته الخاطئة لشأن يخصه إن لم نقل المخاتلة بعينها, حتى ندرك لاحقا عدم لزوم الخلاصة التي ينسجها الفقيه ترتيبا من سرير سلام قدري وحتى مقام تكريمه وعبادة إبداعه وتسخير الوزارة لنشر نتاجه. فليثه تجرد من الخفية بلحاف سقيم مسكين وأفصح عن حاجته دون امتطاء مصائب غيره وهي فوائد ....!!!

ليس هذا بالغريب عن الروائي الفقيه وصاحب المجلدات الضخام والرواية الأطول سردا وورقا وحجما والتي توقفت زمنيا عن سرد أحداثها عند عتبة العام 1969 كعادته دائما في التزمين السردي في جل ما قدم من نصوص أدبية , وكأنه يعترف من حيث لا يدري أو يدري بتحنط الزمن في ليبيا وضياع خيوط الحقيقة وانقراض الإبداع فيها, رغم تكريسه ككاتب معتمد في مخطوطات العهد الجديد , إلا انه كعادته يلاطف الطغيان بتغاضيه عن ما يشهده العهد الهدام وبتواطئه مع مقولات الجلاد في تعاقدية ضمنية ملزمة بتعمير الصمت نظير تقلبه في رغد المباح وحجز موضع لسان وصورة له في فترينة مثقفي السلطة من الأسفنجيين , فأحجم عن إتحافنا برواية أو اثنتين تعرض لمظاهر الحياة وأحوال العباد ما بعد 1969 , بل تمادى كناقد ! ( مداح ) لأدب السلطان فتوجه برتبة الإبداع الإنساني الخالد وضمه إلى تراث ابن المقفع والجاحظ وتولستوي وديكنز وهوجو وأنتزع من هنمجواى شيخه وبحره واجلس وليه الحميم صاحب القرية القرية عرش البيان, وليثه تروى وتمهل لألهمه الصبر تخريجة الحكمة مما لن يستطيع نكرانه اليوم ليقول لقد أجبرت على كيل المديح بعد أن ضاقت على المخارج, ولعل هذا يذكر بقصة الناقد الفرنسي بوالو الذي عاصر الملك الفرنسي لويس الرابع عشر حين سأله الملك عن رأيه في شعره فرد عليه بالقول " لا شيء مستحيل لدى صاحب الجلالة . فحين أراد جلالته أن يكتب شعرا سيئا , نجح تماما كما نجح في كتابة الشعر الجيد ".

" بيننا من يقول أدعى لكم أن تخفضوا أصواتكم فسقف الخيمة المحدودب لا يعتمد عليه..
فكن بدويا أخرس في حضرة الشيخ المفوه وابتلع شعره وحكمه ثم امتدحه .. خذ دراهمه ..
ثم غادره وتقيأ ما في جوفك وذهنك بعيدا وراء المضارب. اخرج لسانك للريح وانفضه ..
حتما ستلتحق بك التيوس جميعا لتلبلب .." .

كان أولى له أن يرخي أجفانه الثقيلة لسانحة بكاء مستحب أمام هول المأساة الكريهة التي تعيشها ليبيا اليوم, كان من الأفضل له أن يسمعنا خرير دموعه تتهطل في نص اعتراف غزير يتصارخ بفداحة الخسارة من انخراطه في هكذا حرب شنها الجهل والجهلاء على أرض الجدود وعلى الحرث والنسل فأحالتنا إلى جذوع محترقة فوق كثبان تفور بالرياح والغبار. وماذا لو سئلنا الوطن كما قال ميخائيل نعيمة متى بلغنا آخر عقبة العمر " ماذا فعلتم من أجله , قولوا : لقد طلبنا المعرفة كيما نتحرر من أنفسنا فنراك حراً ونخدمك أحراراً .. ومن كان عبدا لنفسه فحذار من أن يدعوا الناس إلى الحرية. لأنه لا يقودهم إلا إلى عبوديته " .

فهل فعلنا ذلك وهل سنفعل ؟ . ونحن لم ننجح كمعاصرين للقيود في زمن عمالقة الجحود وديناصورات الركود من صوغ أسئلة بسيطة تنسل من لسان البداهة يمكن أن يطرحها الصبي النجيب والفتى الغر والشيخ الجليل – فما بالكم بالأديب والمفكر والمثقف – على نفسه ومن حوله فيرتد إليه الجواب صدى يطن بأذنيه, أن ما أنتم فيه من تخلف وفشل هو بشتى المقاييس أكثر تخلفا من تلك التي قدمها أولئك النهضويين الأوصياء على الحاضر والمستقبل ! .كأن نقول لماذا حدثت ما حدث ؟ وهل قدرنا أن نستمر بهكذا معية صدئة يسلسلنا فيها الجبر والقهر والهذر؟ والى أين يحملنا صاحب السراب بعد أن هدنا القحط والعطش ونالت منا سياط جلاديه كرامة الوجه والظهر وتبخر عرق الجبين سدى؟.

" لو سألته لقال لك : أنا ابستمولوجي أصيل وتلميذ مدرسة تناهض دعوات ونزعات الاستعباد وارفض ايدولوجيا الحتمية والحل الوحيد المفروض بجبرية القبول , وانه مناقش محلل لا مستقبل وتابع ,وانه مستقل بفكره ورأيه عن الجمهرة المغررة ونابذ للتحشيد والسخرة في الفائت والراهن والآتي ".
تبدو هذه الفقرة كلها مجرد كلشيهات ممجوجة من الردود الجاهزة لأسئلة يطرحها صحفي ليبي أو عربي على مبدع ؟! ليبي أو عربي يتمنطق بحزام ناسف للصدقية من الترهات لا تبتلعها الممارسة لهشاشة الافتراء وفجاجة الادعاء , ولا تقبلها ثم تتقياها سيرته الذاتية المسطرة بالتملق والنفاق والرياء والخنوع كعار لن يمحوه من التداول صلف أو تدليس.
ويظل السؤال المتعطش فينا بلا مغيث .. فمن نثر الملح فينا ؟ من زرعنا للقحالة بذور ؟ ومن أنفق جهده في زرع الشوك بألسنتنا ؟؟؟
هاتوا جيوبكم لنحصي دراهم السلطان وثمار البستان المسروق ....
نحن الرعية سنحاكمكم دون إنذار .... حتى الأجراس لا تليق بكم.....
فخسارة الانتظار أنه يرن برتابته الصامتة في الحاضر ولا يرد في حينه...

تمنيت على هذا الكاتب الكبير! – الذي علق النيهوم على إحدى مقالته النقدية ! بالقول انه كتب مقالا محزنا عن " البياتي شاعر الغربة والنضال " وبناه على اعتبار أن " سفر الفقر والثورة " هو آخر دواوين البياتي .. والمقال محزن لأن ذلك الديوان صدر منذ فبراير 1965 .. والمرء مطالب بمعرفة تاريخ الكتاب الذي ينقده على الأقل . حقا إن الفقيه لم ولا يرى مع الثورة فقر وليس له معها إلا سِفر وسَفر ومنها رحلته الأخيرة لاستكشاف أمريكا بعد كولومبس فقال فيها في زمن الغرام ما لا يجرؤ على قوله في زمن التحدي والطز- أن يخط سطرين بحبره العزيز لليبيا الدامعة, لثقافة العصر لأبناء ليبيا من المثقفين النبلاء الذين لديهم جرأة الإبداع ونجحوا في تحصين ملكاتهم عن حقن التعقيم واعرضوا عن تعاطي أقراص الإسفاف وتحوطوا من شراك السقوط في حبائل أجهزة التسخير باقتطاعهم مساحات ومسافات للتحرك عن بعد وبحرية واستقلالية هما بالأساس من طبيعة الإبداع الخلاق . كان بإمكانه وهو المقرب المحظوظ أن يوجه بخبرته المعهودة عين الرعاية العلوية وأن يُسخِر بمعرفته البصيرة محالب الرضا نحو أفواه النقمة رافعا مطالب الوطن والمواطن بيده وكفه الطويلة - وهو ممن يجيدون حلب الفحول وممن رفع عنهم الحِجاب ويجلبهم إلى بلاط السلطان غلمان لطفاء ويشغل إبداعهم حيزا من وقت ملك الملوك - أن يقول كلمة حق في وجه ولي يحبه ويتنعم بعدله وكرمه !, أن يلوي أعناق النافذين ونفثة السم, وهو قريب منهم ويزين مكاتبهم وينادمهم بمجالسهم الخضراء والحمراء نحو أشجان الوطن للجم ثقافة الضياع الرائجة عن سعارها, ويستحثهم للمضي نحو إعادة النظر في أدوات الحكم المتهالكة وقوانين العيش البائسة وآليات العمل الثقافي وقضاياه وأن يدعو لصياغة أجندة ثقافة جديدة وبأبجديات مقروءة وناطقة تمحو عجمائية الصمت. وأن يوصي بحظر صناعة واقتناء معاول الهدم لكل ما هو جميل وطيب وأن تقفل ترسانة الشعارات أنوالها لتترك للنسيم حرية المرور بشوارعنا الحزينة دونما أن تعترضه وتعترضنا تعاليم اللهب من يافطات تحرق العيون كان يمكنها أن تكون ستائر أو قمصان أو لحافا لفقير معدم .ولأنه دافع ودفع بمن هو على هواه وشكله ليبدو المشهد المطلبي وفديا وطهرانيا أكثر, تقية أن يوصم بالاستجداء المذل لنفسه دونهم , تصدى بلسان الجمع وناب دون وكالة منهم لسدنة المعبد وللهياكل الميتة وتناول بالذم والتقريع أداء وزارات الزير المهشمة والمتعاقبة وكراسي الهيئات المتلاحقة والمؤسسات المتراكمة بفجورها البطريريكي , ونسي أن هناك ما يكفي من كسر الجرار بأيدينا ليرصع وجهه بأصابع الاتهام وألسنة الأدلة تؤشر نحو ما في جيبه وبطنه وزمرته ومن على شاكلته.

لتقول: عجبي

ألستم أنتم من تقلب في تلك المناصب وتربى في حجر السلطة بالتزلف والخضوع فأجلستكم في جوف كراسيها التي لازالت تحمل طبعات مؤخراتكم من فرط الالتصاق ؟!. ولو أحصيناكم لوجدناكم خير من يصدق فيه وعليه " سدنة الماء " والناس عطاش .تروجون للسراب كأنهار من حليب وعسل, وتحولتم من طور إلى طور إلى أدوات مباشرة للدعاية وإلى تروس مسننة منتدبة للدوران في آلة القمع الماحق كحركيين للإفتاء والتسويغ للأدب "الحكومي" . أليسوا هم من اعتنقوا أو نافقوا وفي أفضل صورهم المشوهة عن الثقافة جيروا ذواتهم للايدولوجيا الفاسدة كساغة لنكهتها الحامضية وكأدعياء ودعاء لفردوسية حلولها المستحيلة, وإن كان في صمتهم عن تغولها ومهادنتها ما يكفي لنعتهم - بالحذاق النفعيين وبالانتلجنسيا المروضة دون عناء من سائس لم يتكلف مشقة وضع الأنشوطة حول أعناقها فأتته فرادى وجماعات ذلك أن الجموح ليس من صفاتها الأصيلة.كانت جد هادئة ووديعة للغاية - دون أن يكلفوا أنفسهم قراءة واستقراء المعنى من الوظائفية والدور المنوط بهم والذي سيسلخهم عن مهمة العقل وغائية الثقافة التي لا مجال إلا لتأزمها ثم لانتحارها متى انخرطت في سلك الحكومي الفاسد المفسد وتمادت في تعاطي أيدلوجية تلغي التفكير وتغيب حرية العقل ولا تطلب إلا مريد حميم , عندها لن تقدم إلا تعمية الضباب ثم الظلام فالانهيار في قاع لا قعر له , وهذا ما نجده يتفق تماما مع ما يقدمه جورج غيرفيتش " الايدولوجيا هي قوة تعتيم للواقع , خطاب مخلخل , تحريف مقصود أو غير مقصود للطبيعة الواقعية لحالة ما. وهي تتميز بقدرة (عجيبة) على حجب الحقيقة " .

(( إننا إذ نخوض في هذه الأبعاد لمقالة أنموذجية,ونتهادى مع استدعاءات الواقع الذي يتهمها, إنما نرمي ليس فقط إلى تعيين العيب والتشبث بأطرافه وهو يفر عاريا أمامنا , كما انه ليس تلذذا برصد ممارسة النفاق المر والتسلط الثقافي الحارق , ولكن لكشف ثقافة لا تنتج إلا التسلط , وتعرية سلطة لا تنتج غير خدامها الخلعاء.....))

يقول عبدالله بونفور في مقالة له بعنوان ( فكر الدولة والفكر الحر)" عندما يلقن الفلاسفة لقرائهم الشباب عبودية الفكر للدولة فلابد من إعلان حالة الطوارئ ,أقول بأن من يسكت عن مناقشة مثل هذه الأفكار فهو كمن يمتنع عن مساعدة شخص في حالة خطر" . هذا عن الفلاسفة قد يرد رافض ولكن ما يحدث عندنا أن الكوكبة المتصدرة للكراسي والمنصات والمنابر, المتشدقة بشبق اعتلاء المايكروفونات عندنا ترفع نفسها إلى هذه الرتبة وفوقها ولن ترفضها إن تقدمت أسمائهم, فهي تمارس دورها الوظيفي كطبقة معنية بالتفكير المؤجر وبالتماهي مع الحكومة والتعاطي مع أراجيفها وتسوق لرؤاها الفاشية الفاشلة - ويخدم جلهم أي ممن قصدناهم تحديداً- الأسياد في ممارستهم السلطوية ثم ينبرون للشعب للرعية للعوام – كما يحلو لهم أن يصفوهم أو يتصورونهم - بأحاديث ومقالات وكتابات كأدباء ومثقفين ومفكرين , في حين أن واقع التصنيف والفرز يؤطرهم كفقهاء أدعياء وجلادين خُلص لا يفكرون إلا للسلطة وبها,لا يفقهون إلا مواعظ السلطة وفرماناتها , ولا بأس عندهم من حمل الفلقة أو شرعنة استعمالها وتداعيات استعمالها - والصمت حتى إن تحولت إلى مذابح أو مجازر - لمن هم خدام عندهم, بعد أن قاموا بدورهم العضوي بتعبئة وتجنيد الجماهير نحو اللامبالاة والتعمية عن حقوقها ومطالبها في العدل والحرية والمساواة ثم الرخاء..

أمام القطيعة بين المعقول والممكن قبوله والمستحيل بمنقار الرخ لا نفاجأ بالرفض والعزوف عن تعاطي قضايا الشأن العام وبيننا من المثقفين من يحمل بمنقاره وصدره إيمانه بلعنة الفراعنة ( كطغاة ) وبلعنة السياسة ( كجمرة خبيثة ) ولكنه في واقع الحال يتقنع بجبنه أمام ذهنيته المستعبدة ويخسر في صراعه الباطني معركة التنوير فيترك الساحة ليلوذ بالمنطق العاجز مدافعا عن نعته بخيانة الممارسة وعقمه عن تخصيب الظرف بالموقف الحتمي والعفوي الشجاع.

تحت وطأة هذه الهواجس الكئيبة لا شك أن الصادق النيهوم قد عاني من حالة يمكن استرجاعها وإعادة تدويرها في دولاب واقعنا النافق على قارعة الحياة حين يقول " ... أحس بتمزق مرهق متطاول كلما فكرت في ضعف شعبنا تجاه مشاكله .. في سلبيته ... واعتماده على لا شيء " . أليس هذا ما نراه مزدوجا اليوم (2009 ) في المثقف والشعب.. سلبية واعتماد على اللاشيء ... وحين سألته عن الحل نفث في سحابة دخانه ضباب وقال هذا الرجل يحتكم للخصيان من حوله وآخرين لا نراهم .. هذا يسأله ناقة وذاك ينصحه بحليبها المغذي ومتعهد نزهات يحدثه عن ربيع ينتظره بوادي جهنم ... هذا الرجل وقع على عقله ولا يطلب الطبابة ويميل إلى السحر فانتظروا شفائه أو جنونه أو هلاككم وإلا فما ترى عقولكم وما تصنع أيديكم إن ترككم الغرب فأموالكم وحكمكم مجدولة عندهم.

أمام البرلمان الدنمركي ثمة تماثيل حجرية منتصبة عددها ثلاثة تمثل ألام الأذن والصداع وألام المعدة والتي يعلق الدنمركيون عليها بالقول أنها وضعت هناك لتحذيرك من التدخل في السياسة لأنها ستصيبك بهذا الثالوث من الأوجاع . فهل كل مثقفي ليبيا ممن التقطوا الصور تحت تلك التماثيل وتبلسموا بأمصال الصمت والابتعاد عنها هم دنمركيون ؟! وهل كان صاحب مدونة سريب المليونية المهووس بالجموع كأرقام على الفضاء الاليكتروني ومهملا في الوقت ذاته لهم وهم من حوله. هل الفيتوري زليطني العرق ودنمركي الثقافة بلا بندير يسبح في فقاعة النجاة بوجد صوفي يقبل الصنمية في شخصه وينبذ السياسة لنفسه وشعبه ؟!!!, ليتوج مدونته الرقمية بعنوان عريض " بعيدا عن السياسة " وليعرض صمته بالمجان وصومه عن السياسة على كل من حاول شراء كلماته الذهبية؟!. بعد أن رأيناه يغلق دكانه الاليكتروني تضامنا مع حركة كفاية المصرية ما وراء حدود المحلية , حتى ظننا انه سيخرج علينا بعد أيام معلنا تزعمه لحركة خلاص الليبية . ولكنه ارتد على عاقبيه نكوصيا لا يلوي على أحد, وعاود احتفائه بنصوصه النسوية المفضلة وبفانتازيا جماليات النص الصورة, ومع تميزه بنشر المثير جنسيا والمستفز عقائديا كعادة متقمصي جلباب العلمانية – وفق القراءة الشطرية لمقولة ماركس ( الدين أفيون الشعوب ) دون شطرها اللاحق ( وصرخة المضطهدين ) فلا هم في وفاق مع كتب الله ورسالاته ولا هم في وفاق مع وظيفة الصراخ كطبيعة في ألسنتهم اللاغية - بلا وعي مع التبجح بالجرأة في ممارستها ظاهريا وخواء في فهمها سلوكا وموقف محلقا وسط خيالات ما وراء المجرة الليبية. وعند هذا الحد أجدني مضطرا للوقوف احتراما لمقولة ميخائيل نعيمه " أربأ بلساني عن أن يسلب كسيحا عكازه أو أن يعطي أعمى نظارتين " . وأضيف إليها " أو أن أهمس بأذن أخرس أبكم ".

وهنا يرشح السؤال - وهو من حقنا جميعا - عن ماهية العلاقة بين الثقافة كمادة أو جملة مواد ومفاهيم معرفية وسلوكية كممارسة وتفاعل مع المحيط وانعكاس لإشارات المحيط في مرآة الباطن ترتد نحو المحيط مرة أخرى في هيئة نصوص تخاطبه تحاوره, وبين فكرة المثقف عن ذاته ودوره التي لا نرى منها في الغالب غير تجليات احتفائه بشخصه وجمعه لما اهدي له وتفاخره السمج بفضائل الوصولية.

إن حديث المثقف للمثقف هو رهان مستمر على الحاجة للحجاج والرغبة في التقويم والإصلاح وأن ما يجمع الكل هو التوجه للإنسان وخدمة المجتمع, فالمثقف يتمحور دوره بجهوزية للممارسة كما قالها مارك توين " كن مستعدا لخدمة الشعب في كل حين ولا تخدم أي حكومة " فلننظر في هتافاتنا اليوم إلى من تتوجه والى أي منقلب تؤوب رهاناتنا ... فمفردة الحرية وعبارة حقوق الإنسان في خطابنا الثقافي مغيبة ولا تتوكأ على مرجعية تعرفها وليس لها من رؤيا ومجال للمطالبة والمناظرة والتطبيق فهي كما الكلمات النابية يخشاها القائل والسامع وبعضهم قد لا يتورع عن تسليم سريره وحلمه للبوليس السياسي إن استشعر أن هذه العبارات المدنسة قد انتهكت قدس نومه , فما بالك بمن يراها موجودة وحاضرة بيننا فيحيلك للإطلاع عليها في نصوص الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان وفي جمعية يديرها حفيد المنتهك الوحيد.ودستور مشوه تعسرت ولادته برحم الحكومة العقيم ننصحهم بوضعه في أنبوب وزرعه في مجارير الدجل الحاضنة لكل ما مر وسيمر من أباطيل. فهكذا مسخ لسنا بحاجه لإطلاقه بيننا ليلتهم من فرائسه باسم دولة القانون ! أكثر مما التهمته ثورة الدماء وما قتلته ايطاليا من أبناء هذا الشعب المسكين.

يبقى لنا فقط أن نتساءل بجدية... لمن ينساب الحبر ؟
لمن تعزف الألحان ؟ لمن تغني الطيور ولمن يكون الولاء ؟! .....

أقول كفاكم حلب وسُكر بمال وشرف هذا الوطن الذي قيدتموه لأربعين عام في صمت مطبق كبقرة خرساء وجررتموها للجزار السفاح لتنتهكها سكاكين التجار.. فيا حفنة الارتزاق وباعة البلاد بدراهم تنفقونها لأجل ذواتكم المنتفخة بالرياء والنفاق وليس لكم من صلة اعتقاد أو وازع من ضمير أو رابط إيمان بمبادئ وأفكار وأخلاق فيما تسطرون إلا شرف النسخ وملكة الترديد كببغاوات تزين إيوان الظالم الفاسق ...
فانتظروا يوم يتصدع عرش العفن وتتفسخ بطانة الديدان..

" إن العمل الأدبي أيها الصديق لا يحتاج بالضرورة إلى صورة واحدة بل انه في الواقع يمتلك قيمة إضافية بكل تفسير إضافي يجده في طريقه.... " الصادق النيهوم

أيمن حباب
________________________________________________

(*) *قرطالة = بردعة
معذرة : أردت تخفيف حمولة الوقع اللفظي للصورة المصدرة في المعنى الدارج فتحالفت مع السطور وخبأت المعنى القاموسي في ختام القرطاس.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home