Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Ali el-Ferjani

Monday, 24 March, 2007

عـلاج الفشل بالمزيد منه

د. عـلي الفرجاني

أحد المواقف التاريخيه الجديره بالاحترام للرئيس الراحل جمال عبد الناصر كانت في أعقاب الهزيمته المخجله أمام إسرائيل في حرب يونيو 1967, عندها أعلن عبد الناصر مسئوليته الكامله عن الهزيمه وقدم استقالته من جميع مناصبه. ورغم أن تلك الاستقاله كانت شكليه الي حد كبير إلا أن إقراره بالفشل والهزيمه امام شعبه وأمته بعد هالات التمجيد الاسطوريه من الاعلام العربي المنافق آنذاك تدل علي شجاعة قياديه جديرة بالاحترام. كما أن هناك موقف مشابه للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبه عقب فشل الاشتراكيه التعاضديه والتي طالما هلل بها إعلامه المنافق حيث قام بإقالة وزيره الاول وغير مسار الاقتصاد التونسي من هيمنة الدوله الي الاقتصاد الحر. وهكذا فعل الكثيرون من زعماء العالم عندما أيقنوا أن سياساتهم فشلت في تحقيق طموحات شعوبهم فبعضهم استقال من منصبه وبعضهم غير سياسته الي الافضل. إلا ان العقيد القذافي {كما هو حاله دائما} يشذ عن هذه القاعده وله رأي آخر عندما تفشل أفكاره ونظريته وجماهريته فهو يصر علي الاستمرار في الطريق الذي أثبت مراراً وتكراراً فشله علي مدي أكثر من ثلاثة عقود رغم محاولات التغيير والترقيع المتعدده التي أدخلها العقيد علي هيكلية جماهيريته البائسه.

ورغم أن الجماهيريه بكل تفاصيلها ومسمياتها هي من إعداد وإخراج وإنتاج وتقديم العقيد القذافي إلا أن سيادة العقيد يرفض رفضا قاطعا تحمل المسؤليه التاريخيه عن فشل هذه الجماهيريه فشلا ذريعا في تحقيق طموحات الشعب الليبي في حياة حرة كريمه. وتصدرت جماهيرية العقيد القوائم السوداء في إنعدام الحريات والكبت السياسي والفساد المالي وإنعدام الشفافيه والرشوه والمحسوبيه وتردي الخدمات الصحيه والتعليميه والسياحيه والبنيه التحتيه مقارنة بدول الجوار العربيه وغيرها من دول العالم الثالث التي تعتبر أفقر من ليبيا. الشئ الوحيد الذي نسمع انه في تحسن مستمرهو تزايد كميات براميل النفط الخام والغاز المصدره الي الخارج.

وخرج علينا العقيد بخطاب جديد التوقيت قديم المحتوي وضع فيه اللوم في فشل جماهيريته علي الجميع ما عدا نفسه ولم يمتلك شجاعة القائد الذي يتحمل مسئولية الفشل والهزيمه أمام شعبه وهذا ليس جديدا عليه فقد تنصل سابقاً من المسؤليه علي الكثير من المأسي والهزائم والكوارث التي وقعت علي الشعب الليبي في ظل نظامه السياسي علي مدي السنين.

من المؤكد أن العقيد يعلم جيدا الاسباب الحقيقيه للفشل والفساد ولا يرغب في إصلاح هذا الوضع المتردي. إن مساحة ليبيا المأهوله بالسكان مقسمة الي مربعات أمنيه تحصي علي الليبيين أنفاسهم وهمساتهم في أماكن العمل والمقاهي والفنادق والمطاعم وسيارات الاجره بل حتي في البيوت وحجرات النوم , فهل تعجز أجهزة العقيد الامنيه أن تقبض علي المفسدين بالادلة الدامغه وتقدمهم للمحاكمه وتقتلع بذلك شجرة الفساد من جذورها ؟ ولكن لا يبدوا أن هذا سيحدث ما دام العقيد علي قيد الحياه ...

إن القاصي والداني في ليبيا وخارجها يعلم علم اليقين أن جندياً واحداً من حرَاس خيمة العقيد يمتلك من القوة والسلطات ما لا يحلم بها أمين وأعضاء ما يسمي باللجنة الشعبيه العامه ناهيك عن السلطات الواسعه لأفراد عائلته وأقاربه ... فكيف تنجح وتتقدم دولة هذا حالها ؟ وكيف لا ينخر فيها سرطان الفساد حتي النخاع ؟

إن سيادة العقيد يعلم جيدا كيف يمكن بناء دولة حديثه متقدمه خصوصا في بلد بترولي غني مثل ليبيا ولكنه مع الأسف ومع سبق الاصرار والترصد لا يريد ذلك ولا يرغب فيه , فقد إجتمع العقيد بشخصيات عالميه حولت بلدانها من دول متخلفه الي دول متقدمه في فترة أقل بكثير من حكم "سلطة الشعب" الفاشله التي ابتكرها العقيد وظن أنها ستدخله التاريخ من أوسع أبوابه... ألم يجتمع العقيد لساعات طويله مع الدكتور مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الذي حقق معجزة تاريخيه وتمكن في فترة عشرين سنة فقط من تحويل بلاده الي دولة صناعية متقدمه تنافس الكثير من البلدان المتقدمه , ومع هذه الانجازات العملاقه لم يحمل القاباً أسطوريه زائفه ولم يستخلف إبنه من بعده وتقاعد من العمل السياسي . وكذلك التقي العقيد بالشيخ محمد بن راشد المكتوم , حاكم دبي , والذي حول إمارته الصغيره الي مركز تجاري وسياحي ومالي عالمي في زمن قياسي رغم عدم إمتلاكها أياً من الامكانات المتوفره في ليبيا.

يبدو أن العقيد لم يستوعب الي يومنا هذا أن الحضاره الانسانيه في كافة المجالات هي تجربة تراكميه بين الامم والحضارات المتعاقبه فيتم نبذ وترك النظريات والتجارب الفاشله وتصحيح وتقويم النظريات والتجارب الناجحه وهكذا تمكنت الحضاره الانسانيه من الارتقاء بالعجله التي كان يجرها الانسان والحيوان في العصور الغابره الي عجلة تدار بمحركات الطاقه المتعدده في عصرنا الحالي وهذا التقدم الحضاري يسري علي كافة المجالات العلميه والانسانيه وبالطبع يسري علي المجال السياسي وهيكلية الدوله الحديثه والتي يصر العقيد علي إعادة إكتشافها كالذي يصر علي إعادة إكتشاف العجله في هذا العصر.

إن ما طرحه العقيد مؤخرا من أنه سيقلص الحكومه وسيوزع الثروه مباشرة على الشـعـب(*) لن يؤدي إلا الي المزيد من الفساد والفشل وستقضي هذه الفكرة البدائيه المتخلفه علي ما تبقي من خدمات الصحه والتعليم والبنيه التحتيه والتي تآكلت بسبب الفشل المتكرر وفساد المتنفذين في الدولة الليبيه , هذا إذا أفترضنا أن هناك دولة ليبيه أصلاً... وقد نري الليبيين قريبا يتوجهون يوميا الي تونس ليس للعلاج فقط ولكن لتوصيل أبنائهم الي المدارس.

إن علاج الفشل لا يكون بالاصرار عليه والتمادي فيه ولكن بتحمل مسؤلياته وتبعاته... إن العقيد بحاجة ماسة الي وقفة تاريخيه شجاعة وجاده مع نفسه وأمام شعبه ليعلن فشل كتابه الاخضر ونظريته وجماهيريته ويعيد بناء الدولة الليبيه علي أسس دستوريه وقانونيه مثل بقية العالم المتمدن , ثم يكون الدستور والقانون فوق الجميع وعندها فقط يمكن محاربة الفساد وأجتثاته من جذوره ووضع ليبيا ومستقبلها علي الطريق الصحيح.

ولا يبدوا ان هذا الامر سيحدث في عهد العقيد الذي دخل مرحلة الشيخوخه والذي سيكتب عنه التاريخ أنه لم يكن صالحاً ولم يكن ميمونا.

د. عـلي الفرجاني
eelferjani@yahoo.com
March 2008
________________________

(*) سبق وان صرح العقيد منذ سنوات انه سيوزع ثروة النفط مباشرة علي الشعب ويعطي كل اسره ليبيه مبلغ عشرة الاف دينار ولم يحدث ذلك الي الان... وجادت قريحة أحد الشعراء الشعبيين آنذاك بالقول :
أفتح للعشره ... ودير حساب ... المولي جاب ... إن كان صدق ... راي الكذاب ..


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home